إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب اللعان [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القواعد الفقهية التي أثبتها الفقهاء: أن كل من صح قذفها صح لعانها، وكل من لم يصح قذفها لم يصح لعانها؛ فلو كانت الزوجة صغيرة لا توطأ أو مجنونة فإنه لا يثبت قذف ولا لعان، كما أن اللعان إذا وقع فإنه يترتب عليه فرقة أبدية بين الزوجين

    1.   

    شروط أخرى في اللعان

    أن يقذف الزوج زوجته بالزنا لفظاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن شرطه قذفها بالزنا لفظاً، كزنيتِ أو يا زانية، أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر، فإن قال: وطئت بشبهة أو مكرهةً أو نائمة، أو قال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني، فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان، ومن شرطه: أن تكذبه الزوجة، وإذا تم سقط عنه الحد والتعزير، وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد.

    فصل: فيما يلحق من النسب.

    من ولدت زوجته من أمكن أنه منه لحقه، بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه، أو دون أربع سنين منذ أبانها، وهو ممن يولد لمثله كابن عشر، ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه، ومن اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة فأزيد لحقه ولدها، إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه، وإن قال: وطأتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه، وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل].

    تقدم الكلام عن اللعان، فذكرنا تعريفه في اللغة والاصطلاح، وذكرنا شروط صحته، وما يتعلق بكيفيته، وذكرنا أن من شرط صحته: أن يكون بين زوجين مكلفين، وذكرنا أيضاً هل يشترط أن يقذفها بالزنا لكل لعان، أو أن هذا ليس شرطاً؟ وهل يشترط الإسلام أو أن الإسلام ليس شرطاً؟ وذكرنا أيضاً ما يتعلق بتوالي الكلمات، وما يتعلق بالجمل الخمس، وأنه لا بد أن يأتي بها، وذكرنا أيضاً أنه يشترط أن يبدأ الزوج باللعان.. إلى آخر ما تقدم من الأحكام.

    قال رحمه الله: (ومن شرطه قذفها بالزنا لفظاً كزنيت، أو يا زانية، أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر).

    تقدم الكلام على هذا، وذكرنا هل يشترط تقدم الرمي بالزنا؟ وأنه تارةً لا بد منه في اللعان، وتارةً لا يشترط، قد يكون اللعان بلا تقدم رمي بالزنا، كما لو احتاج إلى أن ينفي الولد فإنه يلاعن على نفي الولد، ولا حرج إلى أن يتقدم رميها بالزنا.

    قال رحمه الله: (فإن قال: وطئت بشبهة أو مكرهةً أو نائمة، أو قال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني، فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان).

    إذا قال الزوج: وطئت بشبهة فإنه لا لعان؛ لأن من شرط صحة اللعان أن يقذفها بالزنا كما تقدم، وهنا لم يقذفها بالزنا، كذلك أيضاً لو قال: وطئت مكرهةً.. إلى آخره، فهذا ليس قذفاً بالزنا، ومن شرط اللعان أن يقذفها بالزنا.

    كذلك لو قال: لم تزن، ولكن هذا الولد ليس مني، أيضاً هذا ليس قذفاً، وحينئذ ليس هنا لعان، فقوله: هذا الولد ليس مني يحتمل أن يكون من وطء شبهة فلا لعان.

    قوله: (فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه).

    إذا قال: هذا الولد ليس مني، وهي لم تزن، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: أما اللعان فإنه لا لعان لعدم القذف، لكن بقينا بالنسبة للولد، هل يلحقه نسبه، أو نقول: بأن نسبه لا يلحقه؟

    قال رحمه الله: إن شهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه، وعندنا أصل؛ أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وأنه لا يقبل من الزوج أن ينتفي من الولد؛ لأن الأصل أن الولد للفراش، حتى ولو اختلف لون الولد عن لون الأب، فإنه لا يقبل أن ينفيه؛ لأن عندنا أصلاً وهو أن الولد للفراش.

    ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: أنى لها ذلك؟ قال: يا رسول الله! لعله نزعه عرق)، يعني: أتى من أب بعيد، فقال: (ابنك هذا لعله نزعه عرق)، يعني: جذبه عرق من عرق أب من آبائه، فالأصل أن الولد للفراش، وأنه لا يجوز للأب أن ينتفي من ولده، وسيأتينا إن شاء الله متى ينتفي من الولد، ومتى لا ينتفي من الولد.

    أن تكذِّب الزوجة زوجها في قذفه لها

    قال رحمه الله: (ومن شرطه: أن تكذبه الزوجة).

    من شرط اللعان: أن تكذبه الزوجة، يعني: إذا قذفها بالزنا يشترط لوجود اللعان أن تكذبه الزوجة، فلو أن الزوجة لم تكذبه قالت: هو صادق، هل هناك لعان أو ليس هناك لعان؟ لا لعان.

    لكن هل تحد أو لا تحد؟ يقولون: لا تحد، لماذا؟ لأنه يشترط في الإقرار بالزنا أن تقر أربع مرات، فإذا كذبته الزوجة قالت: كاذب، هنا ترتب عليه العذاب، لا بد أن يلاعن لكي يسقط الحد، فإن صدقته المرأة قالت: هو صادق، هنا لا حد عليه، لكن هل هناك لعان أو ليس هناك لعان؟ نقول: لا لعان، لأنها كذبت، وهل يحد؟ يقولون: بأنه لا يحد؛ لأنها لم تقر أربع مرات، والزنا على المشهور من المذهب يشترط فيه أن تقر أربع مرات.

    والصواب في هذه المسألة: أن المرأة إن كذبته كما سلف فهنا يلاعن، وإن قالت: صادق فيما رماني به من الزنا، فالصواب أنها تحد؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله أن الزنا لا يشترط في الإقرار به أن يكون أربع مرات، وأن الصواب في ذلك أنه يكتفى بمرة واحدة، ويدل لذلك ما ثبت في الصحيحين من قصة العسيف، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها)، ولأن الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135]، فهذا الرجل قام بالقسط والعدل وشهد على نفسه فترتب عليه العذاب، وكذلك المرأة إذا قامت بالقسط وشهدت على نفسها ترتب عليها العذاب، فالصواب أنها إن صدقته تحد، وإن كذبته يلاعن.

    1.   

    رفض أحد الزوجين للملاعنة

    هنا مسألة: إذا قذف الزوج زوجته بالزنا، ثم بعد ذلك رفض الزوج أن يلاعن، فذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا رفض الزوج أن يلاعن أن يحد إن كانت الزوجة محصنةً، أو يعزر إن كانت الزوجة غير محصنة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لـهلال : (البينة أو حد في ظهرك).

    وعند الحنفية: أنه يحبس حتى يلاعن، لكن الصواب في هذه المسألة ما تقدم.

    لكن لو أن الزوجة رفضت أن تلاعن، ماذا نقول؟ نقول: إن كانت محصنة في باب حد الزنا، نقول: بأنها تحد، وإن كانت غير محصنة فإنها تعزر، وهو مذهب مالك والشافعي ، وعند الحنفية أنها تحبس كما تقدم، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه المالكية والشافعية: أنها إن كانت محصنةً في باب حد الزنا فإنها تحد، وإن كانت غير محصنة فإنها تعزر.

    1.   

    الأحكام المترتبة على حصول اللعان

    قال رحمه الله: (وإذا تم سقط عنه الحد والتعزير).

    إذا تم اللعان بين الزوجين فهناك أحكام تترتب على هذا اللعان:

    سقوط الحد عن الزوج

    إن كانت الزوجة محصنة في باب حد القذف سقط عنه حد القذف، وإن كانت غير محصنة في باب حد القذف فإنه يسقط عنه التعزير، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور:6-7].

    ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـهلال بن أمية : (البينة وإلا حد في ظهرك)، فأنزل الله عز وجل آيات اللعان فلاعن، فسقط عنه الحد.

    حد الزوج على قذفه رجلاً بعينه مع زوجته

    الحكم الثاني: هل يحد الزوج لو رماها بشخص بعينه؟

    علمنا أنه إذا رماها مطلقاً دون أن يرميها بشخص بعينه، فإنه لا أحد يحد من أجله، لكن لو قال: زنت مع فلان، فإذا لاعن سقط عنه ما يتعلق بالحد المتعلق بقذف المرأة، لكن بقينا في الحد المتعلق بمن رماها به، هل يسقط هذا الحد أو لا يسقط؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فعند أبي حنيفة ومالك : أنه يحد إذا رماها برجل بعينه.

    والرأي الثاني: وهو قول للشافعي ، وأيضاً قول للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه لا يحد، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك أن هلال بن أمية رضي الله تعالى عنه رمى زوجته بـشريك بن سحماء ، ومع ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم حده لأجل شريك ، وأيضاً عندنا قاعدة وهي: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فالزوج لم يقصد رمي هذا الشخص بعينه على وجه الاستقلال، وإنما جاء رميه على سبيل التبع.

    ثبوت الفرقة بين الزوجين

    قال رحمه الله: (وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد).

    الحكم الثالث: ثبوت الفرقة بين الزوجين. لكن متى تثبت الفرقة بين الزوجين؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد : أنها تثبت بتمام اللعان، فإذا تلاعن الزوجان جميعاً ثبتت الفرقة، وعند الشافعي رحمه الله تعالى: أنها تثبت بلعان الزوج قياساً على الطلاق.

    وعند أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا بد من تفريق الحاكم، لما جاء في حديث ابن عباس قال: (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما).

    والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول الإمام مالك : أن الفرقة بين الزوجين أنها تكون بتمام اللعان؛ لأن الفرقة إنما حصلت -كما جاء في السنة- بتمام اللعان، وأما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما..) إلى آخره، فأجاب عنه العلماء رحمهم الله: بأن المراد بذلك الإعلام، وأن الفرقة حصلت بينهما.

    مدة الفرقة الناتجة عن اللعان

    الحكم الرابع: هل هذه الفرقة مؤبدة أو أنها ليست مؤبدة؟

    أكثر أهل العلم على أن هذه الفرقة مؤبدة، وأنهما لا يجتمعان أبداً، وقد جاء في حديث سهل بن سعد في المتلاعنين، قال: (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: لا يجتمعان أبداً)، رواه البيهقي ، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (مضت السنة في المتلاعنين ألا يجتمعان أبداً)، وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا سبيل لك عليها)، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً. هذا هو رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني قول سعيد بن المسيب : أنه إن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب، وهذا أيضاً قال به أبو حنيفة رحمه الله، والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم وأن الفرقة أبدية؛ لما تقدم من الآثار؛ ولأنه لا يليق أن يرميها بالزنا، ثم بعد ذلك يرجع إليها مرةً أخرى.

    نوع الفرقة الناتجة عن اللعان

    الحكم الخامس: هل هذه الفرقة فسخ أو طلاق؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والصواب في ذلك: أنها فسخ، وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأن لو قلنا: بأنها طلاق ثبتت الرجعة.

    حقوق الزوجة بعد اللعان

    الحكم السادس: اللعان لا يسقط شيئاً من حقوق المرأة، فإذا كان لها شيء من الحقوق فإن هذا اللعان لا يسقط شيئاً من حقوقها، كما لو كان لها دين على الزوج ونحو ذلك.

    الحكم السابع: فيما يتعلق بالمهر، هل يسقط المهر باللعان أو لا يسقط؟

    نقول: بأن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ذلك بعد الدخول، فلا يسقط المهر؛ لأن المهر استقر لها بما استحل من فرجها كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    الأمر الثاني: إن كان قبل الدخول، فهل يسقط أو يتنصف؟ هناك روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: هل الفرقة جاءت من قبل الزوجة، أو الفرقة جاءت من قبل الزوج؟

    إن قلنا: بأن الفرقة جاءت من قبل الزوجة سقط، وإن قلنا: بأن الفرقة جاءت من قبل الزوج فإنه يتنصف، وإن قلنا: بأن الفرقة جاءت من قبلهما جميعاً فإنه يتنصف، والذي يظهر والله أعلم أن الصداق يتنصف.

    الحكم الثامن: ما يتعلق بالنفقة والسكنى، هل لها نفقة وسكنى مدة الاستبراء، أو نقول: بأنه لا نفقة لها ولا سكنى؟ نقول: بأنه لا نفقة لها ولا سكنى كما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إقامة الحد على رمي الزوجة بالزنا وانتفاء الولد من أبيه

    الحكم التاسع: أنها لا ترمى بالزنا، ولا يرمى ولدها بالزنا، ومن رماها بالزنا فإنه يحد.

    الحكم العاشر: ما يتعلق بالولد، هل ينتفي الولد من أبيه باللعان، أو نقول: بأنه لا ينتفي باللعان؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، فقال بعض العلماء: إن نفاه انتفى، وإن لم ينفه لم ينتف، وقال بعض العلماء: بأن الولد ينتفي باللعان.

    ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تفصيلاً جيداً في هذه المسألة، وأن هذه المسألة لا تخلو من أقسام:

    القسم الأول: لو حصل القذف لها وحصل الزنا وهي حامل، فإن الولد يكون لمن؟ نقول: بأن الولد يكون للزوج، ولا ينتفي باللعان.

    القسم الثاني: أن تأتي بالولد لأقل من ستة أشهر من حين الزنا، مثلاً حصل الزنا في شهر محرم فأتت به في ربيع الثاني، لمن يكون الولد؟ نقول: بأن الولد يكون للزوج؛ لأننا نقطع قطعاً جازماً أن الحمل موجود قبل الزنا.

    القسم الثالث: أن يستبرئها الزوج، بمعنى أن تحيض، ولا يطأ الزوج حتى يحصل الزنا، فنقول: بأن الولد ينتفي بمجرد اللعان؛ لأن الظاهر أن الولد للزاني.

    القسم الرابع: ألا يستبرئها الزوج، بل يطأ الزوج ثم يحصل الزنا، فهذا فيه تفصيل: إن نفاه الزوج فإنه ينتفي، وإن لم ينفه فإنه لا ينتفي.

    إذاً عندنا أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يحصل الزنا وهي حامل.

    القسم الثاني: أن يحصل الزنا وتلده لأقل من ستة أشهر، ففي هاتين الحالتين الولد للزوج ولا ينتفي باللعان.

    القسم الثالث: أن يستبرئها، بمعنى ألا يطأها بعد أن حاضت وطهرت حتى يحصل الزنا، فنقول: بأنه ينتفي بمجرد اللعان.

    القسم الرابع: ألا يستبرئها، بمعنى أنها طهرت ووطئ الزاني، فهذا إن نفاه فإنه ينتفي، وإن لم ينفه فإنه لا ينتفي.

    الحكم الأخير: أن الولد إذا انتفى باللعان فإنه يلحق بأمه.

    1.   

    ذكر ما يلحق من النسب

    ثم قال رحمه الله تعالى: [فصل. من ولدت زوجته من أمكن أنه منه لحقه، بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه].

    في هذا الفصل بين المؤلف رحمه الله تعالى جهةً من جهات إثبات النسب وهي الفراش، وتقدم لنا أن جهات إثبات النسب أربع، أخذناها في أحكام اللقيط: جهة الاستلحاق وجهة البينة وجهة القافة، هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بجهة الفراش، وجهة الفراش هي أقوى جهات النسب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر).

    لكن متى تكون الزوجة فراشاً؟ ومتى تكون ملك اليمين فراشاً؟

    ما يلحق من النسب من جهة الزوجة

    الرأي الأول وهو المذهب أن الزوجة تكون فراشاً بأمرين:

    الأمر الأول: أن يمكن الوطء.

    والأمر الثاني: أن تلده بعد ستة أشهر منذ أمكن الوطء.

    مثال ذلك رجل في هذا البلد وزوجته أيضاً في هذا البلد، يمكن أن يطأ أو لا يمكن أن يطأ؟ يمكن أن يطأ، منذ أمكن الوطء، حتى أنه ممكن أنه يتصل بها وأن يطأها، أنجبت ولداً بعد ستة أشهر منذ أمكن الوطء، فإن هذا الولد يلحق به، هذا المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية: أنه إذا تم العقد وأتت به لستة أشهر فأكثر منذ أن تم العقد فإنه يلحق به.

    والرأي الثالث في هذه المسألة: أنها لا تكون فراشاً إلا بحقيقة الوطء، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، أنها لا تكون فراشاً إلا بوجود الوطء، أما إمكان الوطء أو مجرد وجود العقد ومضي أقل مدة الحمل، فالصحيح في ذلك أنها لا تكون فراشاً في مثل هذه الأشياء، بل لا بد من حقيقة الوطء.

    قال رحمه الله: (من ولدت زوجته من أمكن أنه منه لحقه بأن تلده بعد نصف سنة).

    هذا الأمر الأول.

    قال: (منذ أمكن وطؤه).

    هذا الأمر الثاني.

    قال: (أو دون أربع سنين منذ أبانه).

    كذلك أيضاً يقول: إذا أتت به لأقل من أربع سنوات منذ أبانها فإنه يلحق به؛ لماذا؟ لأنها أتت به في مدة الحمل؛ لأن مدة الحمل أكثره على المذهب أربع سنوات، وسيأتينا في كتاب العدد، وأقله ستة أشهر.

    قال: (وهو ممن يولد لمثله كابن عشر).

    نعم فيلحق به الولد.

    فأصبح على المذهب يلحقه النسب متى؟

    أن تأتي به لأقل مدة الحمل ستة أشهر فأكثر، وأن يمكن الوطء.

    كذلك أيضاً إذا أتت به لأقل من أربع سنوات منذ أبانها، كذلك أيضاً يلحق به؛ لأنها أتت به في مدة الحمل. ويشترط في الصورتين: أن يكون الزوج ممن يولد لمثله، والذي يولد لمثله من له عشر سنوات.

    إذاً عندنا إذا أتت به لأقل مدة الحمل، ويمكن الوطء يلحق به، كذلك إذا أتت به لأقل من أربع سنوات منذ أن أبانها يلحق بالزوج؛ لأنها أتت به في مدة الحمل، ونشترط في الصورتين أن يكون الزوج ممن يوطأ أو ممن يطأ مثله وهو ابن عشر.

    قال: (ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه) مثلاً لو أنه طفلاً عمره عشر سنوات، وعقد على مرأة وأمكن الوطء وأتت بولد بعد ستة أشهر، فإن هذا الولد يلحق به احتياطاً للنسب، لكن هل نحكم ببلوغ الزوج أو لا نحكم ببلوغ الزوج؟ قال: ما دام أنه إذا شك في بلوغه لا نحكم ببلوغه؛ لأنه قد مثلاً يأتي بحد من الحدود، هل يقام عليه الحد أو نقول: بأنه لم يبلغ؟ نقول: بأنه لم يبلغ.

    الآن الأصل عدم البلوغ، والبلوغ مشكوك فيه، وعلى هذا لو أتى بحد من الحدود هل يقام عليه الحد أو نقول: بأنه لا يقام؟ لا يقام الحد، لكن الولد نلحقه به احتياطاً للنسب، ولا شك أن هذا القول ضعيف، يعني كيف نقول: بأن الولد يلحق به ولا نقول: بأنه بالغ إلى آخره؟! وهذا يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الزوجة لا تكون فراشاً إلا بوجود حقيقة الوطء، هذا الصواب في هذه المسألة، أن الزوجة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، يعني كيف نقول: له عشر سنوات، والأصل عدم البلوغ وبلوغه مشكوك فيه، ومع ذلك نلحق به هذا الولد.. إلى آخره.

    إذاً قوله: ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه، لما تقدم أن الأصل عدم البلوغ، وإنما ألحق الولد به احتياطاً للنسب.

    ما يلحق من النسب من جهة الأمة

    قال: (ومن اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة فأزيد لحقه ولدها، إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه).

    ملك اليمين تكون فراشاً بأي شيء؟ بحقيقة الوطء، لكن الزوجة تكون فراشاً بإمكان الوطء كما تقدم، والصواب في ذلك -كما سلف- أنه لا فرق بين الزوجة وبين الأمة، وأن الجميع لا بد من حقيقة الوطء، ولهذا قال في الأمة: (ومن اعترف بوطء أمته في الفرج أو دونه)، مما يدل على أن الأمة لا بد فيها من حقيقة الوطء، (في الفرج أو دونه).

    قوله: (فولدت لنصف سنة فأزيد لحقه ولدها)، يعني: لا بد من أمرين: وجود الوطء، وأيضاً أن تلده لنصف سنة فأكثر هنا يلحق به، أما بالنسبة للزوجة: إمكان الوطء، وأن تلده لنصف سنة فأكثر، يلحق به، والصواب كما سلف أنه لا فرق بين المسألتين، وأنها لا تكون فراشاً إلا بوجود حقيقة الوطء.

    قال رحمه الله: (إلا أن يدعي الاستبراء)، لو أنه وطئها ثم ادعى أنه استبرأها، يعني: أنها حاضت، ثم ولدت بعد أن استبرأها. فيقول المؤلف رحمه الله: لا يلحق به، (ويحلف عليه)، يعني: يحلف على أنه استبرأها؛ لأن هذا حق للولد.

    قال رحمه الله: (وإن قال: وطأتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه).

    كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه، لو قال: وطئتها لكن دون الفرج، أو أنني عزلت، أو وطئت في الفرج ولم أنزل، أو أنني عزلت، نقول: بأنه يلحق به؛ لأنه يحتمل أن ماؤه سبق، فيلحق به نسبه كما تقدم.

    قال رحمه الله: (وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل).

    أي: إن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة، لحقه الولد؛ لأنها أتت به قبل نصف سنة من ملك المشتري، فلا يكون للمشتري، وإنما يكون للبائع، فإذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ باعها قطعاً ليس للمشتري، وإنما يكون لمن قبله لمن كان يطأ قبله وهو البائع.

    قوله: (والبيع باطل)، لأنها أصبحت أم ولد، والمشهور من المذهب أن أم الولد لا يصح بيعها؛ لأنها تعتق بموت سيدها.

    1.   

    حكم نفي الولد

    قبل أن أنتقل لكتاب العدد بقي عندنا مسألة، تقدم أنه لا يجوز للزوج أن ينتفي من الولد؛ لأن الأصل أن الولد للفراش؛ ولأن هذا حق للولد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، لكن متى ينتفي من الولد؟ ومتى لا ينتفي؟ نقول: بأن هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يستبرئ الزوجة، ثم يحصل الزنا، فهنا يجب عليه أن ينتفي من الولد؛ لأننا نقطع أن الولد للزاني.

    لكن هل يجب عليه أن يقذفها قبل ذلك لكي يلاعن، أو نقول: بأنه يلاعن دون قذف؟

    المذهب أنه لا بد أن يقذف أولاً، والصحيح أنه إن احتاج إلى أن ينفي الولد كما في هذه الصورة، لا حاجة إلى أن يقذفها أولاً.

    إذاً القسم الأول: أن يستبرئها، ثم بعد ذلك تزني ثم تأتي بولد، ففي هذه الحالة نقول: الصواب في هذه المسألة أنه يجب عليه أن ينتفي من الولد، ولا حاجة على الصحيح أن يقذفها، وإنما يلاعن في نفي الولد، يقول: أشهد بالله أن هذا الولد ليس مني خمس مرات.

    القسم الثاني: أن يحصل الزنا وهي حامل، أو أن تأتي به لأقل من ستة أشهر من الحمل، فهنا لا يجوز له أن ينتفي من الولد.

    القسم الثالث: ألا يستبرئها بأن يطأ الزاني ويطأ أيضاً الزوج، ثم تأتي بولد، فهنا يحتمل أن الولد يكون من الزوج، ويحتمل أن يكون أيضاً من الزاني، فقال بعض العلماء: إن كان الولد يشبه الزاني فإنه يجب عليه أن ينتفي منه، وإن كان لا يشبه الزاني فإنه لا يجب عليه أن ينتفي منه، وقال بعض العلماء: بأنه لا يجب أن ينتفي منه؛ لأن الأصل أن الولد للفراش، والنبي صلى الله عليه وسلم وجد شبهاً بيناً بـعتبة الذي فجر بالأمة، ومع ذلك قضى به النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد بن زمعة ، وقال: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، أي: ليس له شيء. والآن يمكن الرجوع إلى مثل ما يسمى بالحمض النووي، أو غيره من الأشياء في بيان مثل هذه المسألة.

    إذاً: إما أن يستبرئها أو مثلاً كانت حاملاً أو أتت بالولد لأقل من ستة أشهر فهذا ظاهر، لكن إذا كان يحتمل أن يكون من الزاني، ويحتمل أن يكون من الزوج، فيمكن الرجوع لمثل تلك الأشياء.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.