إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الظهار [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من لزمته كفارة ظهار لابد له من نية عند أداء الكفارة سواء كانت الكفارة صياماً أو غيره، ومتى ما شرع في صيام الشهرين المتتابعين فليس له أن يمس زوجته التي ظاهر منها طيلة أيام الصيام، وقد ترتبت أحكام فقهية على من فعل ذلك نهاراً أو ليلاً، سواء كان معذوراً أو

    1.   

    تابع الإطعام في كفارة الظهار

    جمع المساكين على غداء أو عشاء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه، وتجب النية في التكفير من صوم وغيره، وإن أصاب المظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع، وإن أصاب غيرها ليلاً لم ينقطع].

    قد تقدم لنا الكلام حول الكفارة وذكرنا ما يتعلق بالإعتاق وشروط وجوب الإعتاق، وكذلك ما يتعلق بشروط صحة الإعتاق، ثم بعد ذلك انتقلنا إلى الخصلة الثانية من خصال الكفارة وهي: الصيام وأنه يجب أن يصوم شهرين متتابعين، وما الذي يقطع التتابع؟ وما الذي لا يقطع التتابع؟ وذكرنا الرابط في ذلك، وأن كل عذر شرعي فإنه لا يقطع التتابع كرمضان، وبعد ذلك تكلمنا عن الخصلة الثانية من خصال الكفارة وهي الإطعام، وسبق لنا من مباحث الإطعام هل الإطعام مقدر جنساً؟ وهل هو مقدر كمية؟ وذكرنا أن الصواب في هاتين المسألتين أنه ليس مقدراً بالشرع وإنما مقدر بالعرف، وكذلك أيضاً تطرقنا إلى شروط من يُطْعمَ -من يأخذ الكفارة- وذكرنا جملة من شروط المطعم... إلخ.

    ثم قال رحمه الله: (وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه).

    وهذا هو المشهور من المذهب: أنه يشترط أن يملك المساكين الطعام، وعلى هذا لا يصح أن يدعوهم إلى عشاء أو غداء وأنه لا يكتفى بذلك، وهذا أيضاً مذهب الشافعية.

    والرأي الثاني؛ رأي الحنفية والمالكية أن تمليك الطعام ليس شرطاً، يعني عند الحنابلة والشافعية أنه يشترط تمليك المساكين الطعام فلا يكفي أن يدعوهم إلى غداء أو عشاء؛ لأنه إذا دعاهم إلى غداء أو عشاء فليس فيه تمليك، لكن إذا أعطاهم الحب فهذا فيه التمليك.. حينئذٍ يملكون التصرف فيه، فلا بد أن يعطيهم حباً على المذهب ولا يصح أن يغديهم أو أن يعشيهم لأنه لا بد من التمليك.

    والرأي الثاني -كما ذكرنا رأي المالكية والحنفية- أن التمليك ليس شرطاً، وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه كما سلف لنا أن الطعام ليس مقدراً في الشرع، وإنما هو مقدر في العرف، والله سبحانه وتعالى أوجب إطعام ستين مسكيناً، وفي كفارة اليمين أوجب إطعام عشرة مساكين، وعلى هذا يصح الإطعام بتغدية المساكين وتعشيتهم، وكما سلف أن الإطعام له صورتان:

    الصورة الأولى: التمليك وذلك بأن يعطيهم حباً، والصورة الثانية: أن يصنع طعاماً ويعشيهم أو يغديهم.

    إخراج قيمة الطعام

    كذلك أيضاً هل يجزئ إخراج القيمة من الطعام أو لا بد من الطعام؟ المشهور من المذهب وهو قول جمهور أهل العلم أنه لا يجزئ إخراج القيمة بل لا بد من إطعام المساكين؛ لأن الله سبحانه وتعالى نص على الإطعام قال: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مسكيناً [المجادلة:4] ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89].

    والرأي الثاني: رأي الحنفية أنه يجزئ إخراج القيمة، وهذا الأصل عند الحنفية، يعني الحنفية يتوسعون في إخراج القيمة، وكما تقدم لنا في كتاب الزكاة أنهم يتوسعون في إخراج القيمة سواء كان في زكاة المال، أو كان ذلك في زكاة الفطر، أو كان ذلك في الكفارات، والصواب في ذلك ما عليه جمهور أهل العلم على أنه لا يجزئ إخراج القيمة.

    إطعام المساكين إداماً مع الحب

    إذا أعطى المساكين حباً فهل يجب أن يعطيهم مع الحب إداماً؟ مثلاً أعطاهم أرزاً أو أعطاهم براً هل يجب أن يعطيهم مع هذا الحب إداماً.. أن يجعل فيه شيئاً من اللحم أو أن هذا ليس واجباً؟

    أكثر أهل العلم أن هذا ليس واجباً، وهذا هو ظاهر ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم، لأنه كما تقدم لنا الوارد عن الصحابة رضوان الله تعالى عنهم إخراج مد من حنطة في كفارة اليمين لكل مسكين كما ورد ذلك عن ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت.

    وكذلك أيضاً ورد عن عمر رضي الله عنه في كفارة اليمين صاع من شعير أو صاع من تمر أو نصف صاع من حنطة، فمثل هذه الآثار تدل على أن ظاهر ذلك أنه لا يجب الإدام وأنه يكتفى بالحب.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه يجب الإدام إذا كان يطعم أهله الإدام؛ فإذا كان يطعم أهله البر معه الإدام، أو الأرز معه الإدام... إلخ فإنه يجب الإدام لقول الله عز وجل: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89].

    فيطعم المسكين مما يطعم أهله، فإذا كان يطعم أهله بإدام فإنه يطعمهم بإدام، وهذا الرأي هو الأقرب إلى ظاهر القرآن وهو الأحوط، فنقول الأحوط للمسلم إذا أخرج حباً أن يخرج معه شيئاً من الإدام، هذا هو الأحوط لأن هذا هو ظاهر القرآن، وإن كان كما سلف لنا أن ظاهر ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أنه يكتفي بمد أو نصف صاع وإن لم يكن معه إدام، لكن إذا احتاط المسلم وأخرج مع الحب إداماً فهذا أحسن.

    وهل يجزئ إخراج الخبز أو نقول أنه لا يجزئ إخراج الخبز؟ قد يكون الخبز من البر أو من الشعير، فالمذهب أنه لا يجزئ إخراج الخبز؛ لأنه لا بد من التمليك.

    والصواب -كما تقدم لنا- أنه إذا كان يطعم أهله خبزاً فلا بأس، وهذا ما عليه كثير من الناس قد لا يكون ذلك مثل هذه البلاد ،كثير من الناس يأكلون الخبز مع الإدام فإذا أخرج خبزاً ومعه إدام... إلخ فإن هذا مجزئ، والضابط في ذلك أن يشبع هؤلاء المساكين خبزاً وإداماً ونقول: إن هذا مجزئ.

    قال رحمه الله: (وتجب النية في التكفير من صوم وغيره) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)؛ ولأن الإنسان عندما يعتق الرقبة قد يعتقها تتطوعاً وقد يعتقها كفارة فلابد من النية التي تعين الجهة المخرج إليها هذه الكفارة، قد يصوم يقصد بهذا الصيام التطوع، وقد يقصد به القضاء أو النذر أو الكفارة فلا بد من النية التي تعين جهة هذا الصيام، ومثله أيضاً الإطعام.

    1.   

    وطء الزوجة أثناء صيام الكفارة

    قال: (وإن أصاب المظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع).

    الزوجة التي ظاهر منها لا يجوز له أن يمسها حتى يكفر كما تقدم لنا الكلام على هذه المسألة، إذا كان تكفيره بالصيام لا يجوز له أن يمسها حتى يكفر، وإن كان تكفيره بالإعتاق أيضاًً لا يجوز له أن يمسها حتى يكفر، والقرآن صريح في ذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3] ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:4].

    وما يتعلق بالإطعام هل يجوز أن يمسها قبل أن يطعم أو نقول هذا لا يجوز؟ تقدم الكلام على هذه المسألة، وذكرنا كلام أهل العلم حول هذه المسألة.

    إذا وطئها نهاراً أيام التتابع

    عندنا في الصيام لا يجوز له أن يمس المظاهر منها حتى يكفر، وعلى هذا يجب عليه أن ينتظر شهرين متتابعين حتى ينتهي من صيامه، لو فرض أنه وطئها في مدة الصيام فهل ينقطع تتابع صيامه أو نقول بأنه لا ينقطع تتابع صيامه؟ الإثم يأثم لأنه يحرم عليه أن يمسها حتى يكفر، هذا من جهة الحكم التكليفي، لكن من جهة الحكم الوضعي هل ينقطع تتابع صيامه أو نقول بأن تتابعه لا ينقطع؟ نقول هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يطأها نهاراً فإذا وطئها نهاراً وكان غير معذور في هذا الوطء فإن تتابع صيامه ينقطع لأنه أفطر، لكن لو كان معذوراً هل ينقطع تتابع صيامه أو نقول لا ينقطع كما لو نسي أو أخطأ فظنها الزوجة التي لم يظاهر منها؟ فنقول أنه إذا كان معذوراً فإن تتابعه لا ينقطع ولا إثم عليه، فأصبح عندنا إذا كان نهاراً لا يخلو من أمرين: إن كان غير معذور فإن تتابع صيامه ينقطع، وإن كان معذوراً كما لو كان ناسياً أو مخطئاً أو جاهلاً ونحو ذلك، فإن تتابع صيامه لا ينقطع ولا إثم عليه وصيامه أيضاًً صحيح، هذا إذا كان الوطء نهاراً.

    إذا وطئها ليلاً أيام التتابع

    إن كان الوطء ليلاً يحرم عليه أن يطأها أيضاً، ونقول أن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ناسياً أو جاهلاً أو مخطئاً، فنقول أنه لا إثم عليه ولا ينقطع تتابع صيامه.

    الحالة الثانية: أن يكون غير معذور، كما لو كان عالماً ذاكراً متعمداً مختاراً فوطئ هذه المرأة التي ظاهر منها، المشهور من المذهب أنه ينقطع تتابع صيامه، ولهذا قال: وإن أصاب المظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع، فالمشهور من المذهب أن تتابع صيامه ينقطع عليه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذا أيضاً قول جمهور أهل العلم لأنه يحرم عليه أن يطأ قبل أن يكفر.

    الرأي الثاني: وهو رأي الشافعية وهو أن تتابع صيامه لا ينقطع، لأن التتابع هو أن يقرن صيام يوم بالذي قبله وهنا اقترن صيام هذا اليوم بالذي قبله، وإن كان هذا الوطء محرماً عليه لكونه غير معذور لكن كونه وطئ فلا يخل ذلك بالتتابع، لأن التتابع هو أن يقرن صيام يوم بالذي قبله وهذا حاصل الآن والوطء إنما حصل ليلاً، فالتتابع لم يرد عليه ما يقدح فيه وهذا مذهب الشافعية، وهذا القول يظهر والله أعلم أنه هو الأقرب لأن ما ذهب إليه الشافعية أن نقول أنه يأثم ويجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، ولكن ما يتعلق بانقطاع التتابع يظهر والله أعلم أن تتابع صيامه لا يقدح فيه هذا الوطء.

    إذا وطئ غيرها ليلاً أو نهاراً أيام التتابع

    قال: (وإن أصاب غيرها ليلاً لا ينقطع).

    أي: إن أصاب غير المظاهر منها ليلاً، ويؤخذ من كلامه أنه إن أصاب غير المظاهر منها نهاراً، فإن تتابع صيامه ينقطع، وهذا كما سلف فيه تفصيل: إن كان معذوراً كما لو نسي أنه صائم أو جهل ونحو ذلك، فنقول بأن تتابع صيامه لا ينقطع لأنه معذور ولا إثم عليه وصيامه صحيح، وإن كان غير معذور وكان الوطء نهاراً فقد أفطر وحينئذٍ ينقطع عليه التتابع، أما إن كان الوطء ليلاً فإن هذا جائز ولا بأس به مطلقاً لأن هذه المرأة لم يظاهر منها والأصل في ذلك الحل.