إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الإيلاء [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيلاء هو حلف الزوج أن لا يطأ زوجته أبداً أو مدة تزيد على أربعة أشهر، وحكمه أنه محرم ولا يجوز، ولكن يصح وتترتب عليه أحكام الإيلاء الموضحة في الكتاب والسنة، ومن مضى عليه أربعة أشهر أمر بأن يطأ ويكفر عن يمينة وإلا أمر بالطلاق

    1.   

    الإيلاء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الإيلاء:

    وهو حلف زوجٍ بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر، ويصح من كافرٍ وقنٍ ومميزٍ وغضبانٍ وسكران ومريضٍ مرجوٍ برؤه ومِن مَن لم يدخل بها، لا من مجنونٍ ومعمىً عليه، وعاجزٍ عن وطءٍ لجُبّ كاملٍ أو شلل]. ‏

    تعريف الإيلاء

    قال رحمه الله تعالى: كتاب الإيلاء: الإيلاء في اللغة: الحلف.

    وفي الاصطلاح: فهو حلف زوجٍ على ترك وطء زوجته أبداً أو مدةً تزيد على أربعة أشهر.

    أدلة الإيلاء

    والإيلاء الأصل فيه القرآن والسّنة والإجماع، أمّا القرآن فقول الله عزّ وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227]، وأمّا السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه، والإجماع قائم على ذلك.

    حكم الإيلاء

    أما حكم الإيلاء التكليفي فنقول بأنه محرم ولا يجوز؛ لأنه حلف على ترك واجب لأنه كما تقدم لنا في باب عِشرة النساء أنه يجب على الزوج أن يطأ زوجته، فكونه يمتنع باليمين نقول: هذا حلف على ترك واجب.

    وأمّا حكمه الوضعي فنقول: الإيلاء يصح وتترتب عليه أحكامه إذا توفرت شروطه.

    1.   

    شرط الإيلاء

    قال المؤلف رحمه الله: (وهو حلف زوج بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر).

    الإيلاء يشترط له شروط:

    الشرط الأول أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: حلف زوج بالله تعالى، أو اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وعلى هذا لو حلف بالطلاق أو حلف بالعتق أو حلف بالنذر أو حلف بالتحريم، على كلام المؤلف لا يكون مولياً وهذا هو المذهب، مثلاً لو قال: عليّ الطلاق ألاّ أطأ زوجتي مدة خمسة أشهر، أو إن وطئت زوجتي قبل خمسة أشهر فعّلي صيام شهرين متتابعين، هنا حلف بالنذر. وفي الصورة الأولى حلف بالطلاق، أو قال: إن وطئت زوجتي قبل خمسة أشهر فرقيقي حر، هنا حلف بالعتق.

    فالشرط الأول: أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني وهو قول جمهور أهل العلم: أن هذا ليس شرطاً واختاره ابن القيم، فلو حلف بالله أو حلف بالنذر أو بالعتق أو بالتحريم ونحو ذلك أو بالطلاق فإنه يكون مولياً؛ لقول الله عزّ وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة:226] وهذا آلى الآن من زوجته، وهذا القول هو الصواب، أنه يكون مولياً.

    قال: (على ترك وطء زوجته في قبلها).

    الشرط الثاني: أن يكون الحلف على زوجة، وعلى هذا لو حلف على ملك اليمين كأن كان عنده أمة ثم قال: والله لا أطأ هذه الأمة أبداً، هنا لا يكون مولياً؟ نقول: بأنه لا يكون مولياً؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة:226] والأمة من ماله وليست من نسائه، وعلى هذا لو حلف على أمته فإنه لا يكون مولياً، بل نقول: يجب عليك أن تعفها، ما يأخذ أحكام الإيلاء تضرب له مدة ونحو ذلك، وإلا يجب عليك أن تخرجها من ملكك ببيع أو عتق أو تزويج إلى آخره.

    الشرط الثالث: أن تكون اليمين على ترك الوطء في القبل، وعلى هذا لو حلف ألا يستمتع من زوجته بما دون الفرج لا يكون مولياً، وإنما هنا فيه عدم حسن العشرة.

    الشرط الرابع: أن تكون الزوجة مِمّن يمكن وطؤها، فإذا كانت الزوجة لا يمكن وطؤها لكونها رتقاء أو قرناء ونحو ذلك فإنه لا يكون مولياً لوجود عيب من عيوب النكاح التي تقدمت لنا، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعية؛ لأن الامتناع هنا ليس من أجل اليمين، وإنما من أجل العيب الموجود في المرأة.

    الرأي الثاني: أنه يكون مولياً، وهو مذهب الحنفية والمالكية؛ لعموم الآية: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة:226].

    قال المؤلف رحمه الله: (أكثر من أربعة أشهر) وهذا سيأتينا.

    قال: (ويصح من كافر) الشرط الخامس: هل يشترط إسلام الزوج أو لا يشترط؟ عند المالكية يشترط إسلام الزوج، وعلى هذا لا يصح الإيلاء من الذمي؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226] قال: غفور رحيم، والكافر ليس أهل المغفرة والرحمة، وجمهور العلماء: أنه لا يشترط أن يكون مسلماً؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة:226] وهذا يشمل الكافر والمسلم، والصواب في هذه المسألة هو رأى جمهور أهل العلم، وأما قول الله عز وجل: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226] نقول: نعم، إن الله غفور رحيم لمن يستحق المغفرة وهم المسلمون.

    الشرط السادس قال: (وقن ومميز) يعني: هل يشترط أن يكون الزوج حراً، أو لا يشترط المؤلف رحمه الله يقول بأنه لا يشترط، فالإيلاء كما يصح من الحر أيضاً يصح من القن لعموم الآية. والصواب أن الحرية لا تشترط.

    الشرط السابع: العقل، يشترط أن يكون الزوج عاقلاً؛ لأن اليمين تحتاج إلى قصد، ولا تنعقد إلا بالقصد، والمجنون ليس أهل العقد والقصد.

    الشرط الثامن: أن يكون الزوج ممن يمكنه الوطء، وعلى هذا إذا كان الزوج لا يمكنه الوطء لكونه مجبوباً قطع ذكره، أو لكونه عنيناً ونحو ذلك، فلا يصح إيلاؤه، لأن الامتناع لا من جهة اليمين وإنما من جهة العيب الموجود في الزوج.

    قال: (ومميز)، يعني: هل يشترط أن يكون بالغاً أو لا يشترط؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لا يشترط أن يكون بالغاً) لعموم الآية، وكما أنه يصح طلاقه أيضاً يصح إيلاؤه، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهذا هو المذهب.

    والرأي الثاني: أنه يشترط البلوغ؛ لأن الصبي رفع عنه القلم، وكما أنه لا يصح طلاقه على الصحيح فكذلك أيضاً هنا.

    والذي يظهر والله أعلم أنه يشترط البلوغ، وأن الصبي لا يصح إيلاؤه.

    الشرط التاسع: أن تكون اليمين على أربعة أشهر أو أكثر من أربعة أشهر، وهذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن تكون يمينه على أقل من أربعة أشهر، كما لو قال: والله لا أطأ زوجتي لمدة شهر أو لمدة شهرين فهذا ليس مولياً، وعلى هذا جماهير العلماء والأئمة يتفقون على ذلك، يعني: لا يأخذ أحكام الإيلاء في الاصطلاح، وإن كان مولياً لغة، ولا شك أنه مولي لغة، لكنه ليس مولياً شرعاً، بحيث أنه تضرب له المدة ويأخذ أحكام الإيلاء إلى آخره.

    وهذا كما ذكرنا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى خلافاً للحسن البصري وابن أبي ليلى وابن سيرين.

    القسم الثاني: أن يحلف على أكثر من أربعة أشهر، فهذا مولٍ بالاتفاق للآية.

    القسم الثالث: أن يحلف على أربعة أشهر، فهل هو مولٍ أو ليس مولياً؟ جمهور العلماء أنه ليس مولياً، لو قال: والله لا أطأ زوجتي مدة أربعة أشهر، فجمهور العلماء على أنه ليس مولياً اصطلاحاً بحيث تترتب عليه أحكام الإيلاء، لكن نقول بأنه مولٍ لغة، ويجب عليه أن يعاشر بالمعروف لكن لا نضرب له مدة وتترتب عليه أحكام الإيلاء.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، أنه إذا حلف على أربعة أشهر أنه يكون مولياً، وهذه المسألة تنبني على مسألة أخرى وهي: إذا ضربنا له أربعة أشهر ثم مضت المدة هل تطلق الزوجة أو نقول بأن الزوجة لا تطلق؟ جمهور العلماء وهو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنّ مضيّ المدة لا تطلق به المرأة، وعند الحنفية يرون أنه إذا مضت المدة الأربعة أشهر ولم يفئ أن المرأة تطلق.

    والصواب في ذلك: أن المرأة لا تطلق بمضي المدة كما سيأتينا إن شاء الله.

    1.   

    إيلاء الغضبان والسكران والمريض

    قال المؤلف رحمه الله: (وغضبان وسكران ومريض مرجو برؤه).

    يصح الإيلاء من الغضبان لعموم الآية، وقد تقدم أن ذكرنا أن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يغمى عليه بحيث لا يشعر بما يقول، وهذا لا يقع إيلاؤه.

    القسم الثاني: أن يكون الغضب في مبادئه بحيث يتصور ما يقول، ويستطيع أن يملك نفسه، فنقول بأن إيلاءه صحيح.

    القسم الثالث: أن يشتد به الغضب بحيث يتصور ما يقول، لكنه لا يتمكن من إمساك نفسه، فهذا نقول بأنه لا يصح إيلاؤه على الصحيح.

    والسكران أيضاً، سبق أن ذكرنا طلاق السكران وأنه ينقسم إلى ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون معذوراً بسكره، كما لو شرب ما يظنه عصيراً فتبين أنه خمر، فهذا لا يعتد بأقواله، ومن ذلك الطلاق والإيلاء إلى آخره.

    القسم الثاني: أن يكون غير معذور بسكره، بأن يشربه عالماً متعمداً، فهذا موضع خلاف هل يعتد بأقواله؟ هل يصح إيلاؤه إلى آخره كما تقدم لنا في الطلاق، والخلاف في هذه المسألة كما سلف الكلام على ذلك في الطلاق، والأدلة كما تقدمت لنا في كتاب الطلاق فلا حاجة إلى إعادتها.

    قال: (ومريضٍ مرجوٍ برؤه) لعموم الآية.

    قال: (ومن لم يدخل بها) يعني: لا يشترط لصحة الإيلاء أن تكون الزوجة غير مدخول بها، سواء كانت الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخول بها لعموم الآية.

    قال: (لا من مجنون ومغمى عليه وعاجز عن وطءٍ لجبٍ كامل أو شلل) تقدم الكلام عليه.

    قال: (فإذا قال: والله لا وطئتك أبداً أو عيّن مدة تزيد على أربعة أشهر، أو حتى ينزل عيسى، أو يخرج الدجال، أو حتى تشربي الخمر، أو تسقطي دينك، أو تهبي مالك ونحو ذلك، فمولٍ، فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قناً، فإن وطء ولو بتغييب حشفة في الفرج فقد فاء وإلا أمر بالطلاق، فإن أبى طلّق عليه الحاكم) إلى آخره.

    المهم كما تقدم لنا أن الإيلاء أن يحلف على ترك وطء زوجته أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

    قال: (أو غيّاه) يعني: سواء كان ذلك صريحاً أو أنه غياه بما يقتضي مضى هذه المدة، كما لو قال: حتى ينزل عيسى حتى تشربي الخمر حتى إلى آخره، فنقول بأنه مولٍ. طيب ما هو حكم المولى؟ بينه المؤلف رحمه الله.

    1.   

    ما يلزم من مضى عليه أربعة أشهر ولم يرجع

    قال: (فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قناً، فإن وطء ولو بتغييب حشفة فقد فاء وإلا أمر بالطلاق).

    قول المؤلف رحمه الله: (فإذا مضى أربعة أشهر)، يؤخذ من كلامه أنه لا يحتاج في ضرب المدة إلى القاضي، وأن المدة تبدأ من حين اليمين، ولا حاجة إلى ضرب القاضي، وإذا قال لزوجته: والله لا أطأك أبداً أو لمدة خمسة أشهر، نقول: لا بد من تمام المدة، فإن رجع في المدة وفاء فإن الله غفور رحيم، وإن مضت المدة أربعة أشهر ولم يفئ أمر بالطلاق كما سيأتي إن شاء الله .

    قال: (ولو قناً).

    لعموم الآية، حتى ولو كان الذي آلى قناً.

    قال: (فإن وطئ ولو بتغييب حشفة في الفرج فقد فاء).

    وعلى هذا فإن الفيئة تكون بالوطء، بتغييب الحشفة في الفرج.

    وهذا إذا فاء في المدة، انتهت المدة انتهت الأربعة الأشهر، وكما ذكرنا الأربعة أشهر هذه لا يحتاج فيها إلى القاضي بل تبدأ من حين اليمين. انتهت المدة.

    قال المؤلف رحمه الله: (أمر بالطلاق).

    يعني: يأمره القاضي أن يطلق، ويؤخذ من كلام المؤلف أن مضي المدة لا تطلق به المرأة، وهذا رأي جمهور العلماء وقد استدل له ابن القيم رحمه الله في كتاب الهدي بأدلة كثيرة، منها: أن الله عز وجل قال: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ [البقرة:227] يدل على أنه لابد من وجود عزم. ومضي المدة ليس فيه عزم.

    وأيضاً من الأدلة أن الله سبحانه وتعالى قال: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:227] ويؤخذ منه أنه لابد من طلاق يسمع. ومضي المدة ليس طلاقاً يسمع.

    وأيضاً من الأدلة على ذلك: أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأن المولي يوقف إمّا أن يطلق أو يفيء.

    الرأي الثاني رأي الحنفية: قالوا بأن مضي المدة تطلق به المرأة، واستدلوا على ذلك بقراءة: (فإن فاءوا فيهن) مما يدل على أن الفيئة في هذه الأربعة في هذه المدة، وأنه إذا مضت المدة ما في فيئة، لأن الجمهور يرون أن الفيئة تكون في المدة وتكون أيضاً بعد المدة.

    وعلى هذا إذا لم يكن هناك فيئة يكون هناك الطلاق، وهذا هو ما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله وهذه القراءة ضعيفة.