إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقع الطلاق على المنوية فيمن قال لامرأتيه: إحداكما طالق، وإلا وقع على من عينتها القرعة، وأما من طلق امرأة يظنها زوجته فبانت غيرها فإن الطلاق يقع على امرأته، والصواب في عكسها عدم الوقوع. وتجوز الرجعة بشروطها، والأحق بها هو الزوج، كما أن الأحوط الإشهاد على

    1.   

    تابع الشك في الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: [فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، طلقت المنوية وإلا من قرعت، كمن طلق إحداهما بائناً وأنسيها، وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم، وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن كان حماماً ففلانة وجهل لم تطلقا، وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق، طلقت امرأته، وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة، وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة، وكذا عكسها.

    باب الرجعة

    من طلق بلا عوض زوجة مدخولاً بها أو مخلواً بها دون ما له من العدد فله رجعتها في عدتها ولو كرهت، بلفظ: راجعت امرأتي ونحوه لا نكحتها ونحوه، ويسن الإشهاد، وهي زوجة، لها وعليها حكم الزوجات، لكن لا قسم لها، وتحصل الرجعة أيضا بوطئها، ولا تصح معلقة بشرط، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها، وإن انقضت عدتها قبل رجعتها بانت وحرمت قبل عقد جديد، ومن طلق دون ما يملك ثم راجع أو تزوج لم يملك أكثر مما بقي، وطئها زوج غيره أو لا، وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها].

    تقدم لنا ما يتعلق بتعليق الطلاق، سواء كانت هذه المشيئة للزوجة أو لغيرها، أو علقه على مشيئة الله عز وجل، وهل يقع الطلاق بذلك أو لا يقع، كما أنه تقدم لنا ما يتعلق بالتأويل بالحلف، وأن التأويل على ثلاثة أقسام، القسم الأول: أن يكون ظالماً، القسم الثاني: أن يكون مظلوماً، والقسم الثالث: ما عدا القسمين السابقين، وشرعنا في الشك في الطلاق، وذكرنا أن من شك في الطلاق فالأصل عدمه، وبقاء النكاح، فلو شك هل طلق أو لم يطلق، أو قال لزوجته: أنت طالق أو أنت طاهر، فالأصل ما ذكر، كذلك إذا شك في عدده، فالأصل أنه يأخذ بالأقل، فمثلاً: إذا شك هل طلق اثنتين أو ثلاثاً، فيأخذ بالمتيقن، وهو أنه طلق اثنتين، ولو شك هل طلق ثلاثاً أو اثنتين أو واحدة، فيأخذ بالمتقين وهو أنه طلق واحدة.

    قوله لامرأتيه: إحداكما طالق

    قال المؤلف رحمه الله: (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، طلقت المنوية وإلا من قرعت).

    إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، فهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن ينوي إحدى الزوجتين، كأن ينوي الكبيرة أو الصغيرة ونحو ذلك. فتطلق المنوية، لأن العام في اللغة يأتي ويراد به الخاص، وسبق لنا أنه لو قال لزوجاته: أنتن طوالق، ويقصد إلا فلانة من زوجاته، فإنه يصح لأن العام يأتي ويراد به الخاص، فإذا نوى إحدى الزوجتين فنقول: تطلق المنوية لأنه عينها بنيته، ولما تقدم من التعليق.

    القسم الثاني: ألا ينوي، يقول لزوجتيه: إحداكما طالق، ولم ينو إحدى الزوجتين، فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه يصار إلى القرعة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني: أنه يختار إحدى الزوجتين ويطلقها، وهذا قال به أبو حنيفة والشافعي.

    الرأي الثالث: رأي الإمام مالك رحمه الله: أنهن يطلقن جميعاً، ويظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أقرب، لأنه كما ذكر ابن القيم رحمه الله: إذا تعذر التعيين بالشرع فإنه يصار إلى التعيين بالقضاء والقدر، وحينئذٍ يكون شرعياً قدرياً، شرعياً في فعل القرعة، لأن القرعة جاء بها القرآن وجاءت بها السنة، ويكون قدرياً فيما تخرجه القرعة.

    قال المؤلف رحمه الله: (كمن طلق إحداهما بائناً وأنسيها).

    إذا كان الطلاق رجعياً، فالأمر في هذا سهل، إذ بإمكانه أن يراجع التي طلقت، لكن إذا طلقها طلاقاً بائناً ونسيها، كمن طلقها ثلاث طلقات -وهذا على القول بوقوع الثلاث- ونسيها، فالمشهور من المذهب أنه يصار إلى القرعة، لما تقدم، ولأن اعتزالهن حتى يذكر المطلقة فيها ضرر على الزوجات كما يقول الشافعية.

    الرأي الثاني: أنه يعتزلهن حتى يذكر المطلقة، وهذا رأي الشافعية.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم).

    إذا أجرى القرعة ثم بعد ذلك تبين أن التي طلقت هي التي لم تقع عليها القرعة، لأننا أجرينا القرعة فخرجت على إحدى نسائه، فحكمنا بأن هذه هي المطلقة، ثم تبين أن المطلقة غير التي قرعت، فترد إليه لأنها زوجته، لم يقع عليها طلاق منه، وإنما صرنا إلى القرعة لتمييز المشتبه وفصل الخلاف.

    واستثنى المؤلف رحمه الله حالتين، الحالة الأولى: إذا تزوجت فإنها لا ترد إليه لأن قوله لا يقبل في إبطال حق غيره، أو تكن القرعة بالقاضي، لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف. فتلخص لنا: أنه إذا تبين له المطلقة، أن الخارجة بالقرعة ترد إليه إلا في حالتين: الحالة الأولى: إذا تزوجت، والحالة الثانية: أن تكون القرعة بالحاكم.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن كان حماماً ففلانة وجهل لم تطلقا).

    إذا كان له زوجتان، ومر طائر فقال: إن كان هذا الطائر غراباً فالأولى طالق، وإن كان حمامة فالثانية طالق، وجهلنا هذا الطائر؛ فلا ندري هل هو غراب أو حمامة، فلا تطلق الزوجتان، لأنه يحتمل ألا يكون حمامة ولا غراباً، عندنا احتمال أن يكون غراباً واحتمال أيضاً أن يكون حمامة، وعندنا احتمال ثالث: ألا يكون غراباً ولا حمامة، فلا تطلق زوجتاه، والأصل بقاء النكاح.

    قوله لزوجه وأجنبية: إحداكما طالق أو فلانة طالق

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال لزوجته وأجنبية اسمها هند: إحداكما طالق أو هند طالق، طلقت امرأته).

    هذه المسألة لها صورتان:

    الصورة الأولى: قال لزوجته وهذه المرأة الأجنبية: إحداكما طالق، فتطلق زوجته، لأن زوجته هي محل الطلاق، أما المرأة الأجنبية فليست محل الطلاق.

    الصورة الثانية: أن يقول لزوجته التي اسمها هند، وامرأة أجنبية اسمها هند: هند طالق، فتطلق امرأته.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة).

    هنا الآن زوجته اسمها هند، والأجنبية اسمها هند، فقال: هند طالق.

    فالخلاصة في المذهب: أنه تطلق زوجته، حتى وإن قال: أردت الأجنبية، لا يقبل منه حكماً إلا إذا كان هناك قرينة. والعلة: أن زوجته هي محل الطلاق، والأصل إعمال المكلف لا إهماله. ومثال القرينة على إرادة الأجنبية: أن يدفع ظالماً يجبره على طلاق زوجته فيقول: هند طالق، وهو يقصد الأجنبية، وأيضاً القول بالطلاق هو قول الشافعية.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية، أن زوجته لا تطلق عليه؛ لأنه لم يصرح بطلاقها، وحينئذٍ نقول بأن زوجته لا تطلق عليه، وقد نوى الأجنبية، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة: أنه إذا ادعى أنه ينوي الأجنبية أن زوجته لا تطلق عليه، لأن لفظه يحتمل الزوجة ويحتمل الأجنبية، ونيته لا تخالف لفظه، فيحتمل الزوجة ويحتمل الأجنبية، فالصواب: أنه إذا نوى الأجنبية أن زوجته لا تطلق عليه، وأنه يقبل قوله حكماً.

    تطليق من يظنها زوجته فبانت غيرها وعكسها

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة).

    وجد امرأة فظنها زوجته فقال لها: أنت طالق، ثم تبين أنها أجنبية منه وليست زوجة له، فيقع الطلاق على زوجته؛ لأن الاعتبار بالقصد دون الخطاب.

    قال المؤلف رحمه الله: (وكذا عكسها).

    قال لامرأة يظنها أجنبية: أنت طالق. ثم بعد ذلك تبين له أنها زوجته يقولون: يقع عليها الطلاق، والصواب في هذه المسألة أنه لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه لم يقصد طلاق زوجته، وهذه المسألة تقدمت لنا في القواعد، وأنهم قالوا: إن العبادات المعتبر فيها بالظن، وأما العقود فالمعتبر فيها بما في نفس الأمر، والآن تبين أنها زوجته، فالصواب في هذه المسألة: أنه لا تطلق زوجته، لأنه لم يقصد طلاق الزوجة. وهم في المسألة السابقة: إذا قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق، ثم تبين لها أنها أجنبية، يقولون: تطلق لأن المعتبر القصد، فكذلك أيضاً هنا نقول: المعتبر القصد.

    1.   

    الرجعة

    قال رحمه الله: (باب الرجعة).

    مناسبة هذا الباب لما تقدم من أحكام الطلاق ظاهرة جداً؛ لأن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر الطلاق وأحكامه، ذكر حكم ما يكون به إرجاع المطلقة، إذا طلقت دون ما يملك من العدد.

    تعريف الرجعة

    الرجعة في اللغة: تطلق على معان منها: الإعادة.

    وأما في الاصطلاح: فهي إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد.

    والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع:

    أما الكتاب: فقول الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228].

    وأما السنة: فحديث عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنه: أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع ولم يشهد على طلاقها ولا رجعتها، فقال: طلقت لغير السنة، وراجعت لغير السنة. وهذا الحديث في السنن صححه ابن حجر رحمه الله تعالى والإجماع قائم على ذلك.

    شروط الرجعة

    قال المؤلف رحمه الله: (من طلق بلا عوض زوجه).

    اشترط للمراجعة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون ذلك بلا عوض، وعلى هذا إذا طلقها على عوض يكون خلعاً، وحكم الخلع أنها تبين منه بينونة صغرى، وجماهير أهل العلم على أنه لا يملكها إلا بعقد جديد، وتقدم الكلام على هذه المسألة.

    الشرط الثاني: أن يكون النكاح صحيحاً، وعلى هذا إذا كان النكاح فاسداً وطلق فيه فإنه لا رجعة، لأننا لو قلنا بالمراجعة في النكاح الفاسد للزم من ذلك أن يكون صحيحاً، ويلزم من ذلك استدامة العقد الفاسد، واستدامة العقد الفاسد لا يجوز.

    قال المؤلف رحمه الله: (مدخولاً بها أو مخلواً بها).

    الشرط الثالث: أن تكون المرأة مدخولاً بها أو مخلواً بها.

    أما الدخول: فالمرأة إذا كانت مدخولاً بها، فإنها تجب لها العدة وتراجع بالاتفاق، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49] قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49] فأثبت العدة للمدخول بها، ويترتب على ذلك ثبوت الرجعة.

    وأما إذا كانت مخلواً بها، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه إذا خلا بها وجبت العدة، وحينئذٍ إذا وجبت العدة تثبت الرجعة، والرأي الثاني: رأي الشافعية: أنه لا تثبت العدة في الخلوة، فالخلوة لا تثبت العدة، وحينئذٍ يترتب على ذلك أن تكون بائناً ولا رجعة، وستأتينا هذه المسألة إن شاء الله في باب العدد، الحنابلة يقولون: الخلوة تثبت العدة لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعمر وعلي بأسانيد صحيحة، والشافعية يستدلون على ذلك بظاهر الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49]، فظاهر الآية أن العدة تجب في حال الدخول، ولا تجب في حال الخلوة، والذي يظهر والله أعلم: هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولما سيأتينا إن شاء الله، ولما في ذلك من الفسحة، لكوننا نثبت العدة للمرأة، ففيه فسحة للعودة إلى النكاح السابق.

    قال المؤلف رحمه الله: (دون ماله من العدد).

    بأن يطلق الحر طلقة أو طلقتين، والرقيق له عند الجمهور طلقتان، فيطلق طلقة، وإذا قلنا بأن الرقيق كالحر فيأخذ حكمه، المهم أنه إذا طلق آخر ما يملك فلا رجعة بالاتفاق، لا بد أن تنكح زوجاً غيره: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].

    الشرط الخامس: ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والله عز وجل ذكره في القرآن فقال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]، أن يريد الزوج بالمراجعة الإصلاح، فإن أراد الضرار فإن رجعته لا تصلح، بعض الناس إذا طلق يضار المرأة، فقبل أن تنتهي العدة، يذهب ويراجع، لكي يطلق مرة أخرى، فتطول عليها العدة، وهذا محرم ولا يجوز، فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228].

    وقت الرجعة وصيغتها

    قال المؤلف رحمه الله: (فله رجعتها في عدتها، ولو كرهت).

    له أن يراجعها في عدتها؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228] يعني في العدة، ولا يشترط رضا المرأة؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل المراجعة حق للزوج، فقال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة:228]، وإذا كان كذلك فلا يشترط رضا المرأة.

    قال المؤلف رحمه الله: (بلفظ: راجعت امرأتي ونحوه، لا نكحتها ونحوه).

    هنا ذكر المؤلف رحمه الله ما يتعلق بصيغة المراجعة، أو بما تكون المراجعة، والمراجعة تكون بواحد من أمرين، الأمر الأول: القول، والقول يرجع فيه إلى العرف، فكل ما دل العرف على أنه مراجعة، فإنه يكون مراجعة، فلو قال: راجعت امرأتي، أو أعدت أو أمسكت امرأتي، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدل على المراجعة عرفاً فإنها تحصل بذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: (لا نكحتها ونحوه).

    كتزوجتها، فلا يصح أن يقول: نكحتها، أو تزوجتها، لأن ذلك كناية، والرجعة استباحة بضع مقصود لا تحصل بالكناية.

    والصحيح كما تقدم لنا، أن الرجعة تحصل بكل لفظ دل عليه العرف، وسبق أن ذكرنا أن صيغ العقود يرجع فيها إلى العرف، فليس لها صيغ معينة من الشارع، هذا ما يتعلق بالقول، وسيأتينا ما يتعلق أيضاً بالفعل، وهو الوطء.

    الإشهاد على الرجعة

    قال المؤلف رحمه الله: (ويسن الإشهاد).

    هذا حكم الإشهاد على المراجعة، فالمذهب وهو قول جمهور أهل العلم أن الإشهاد على المراجعة سنة، لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]، وأيضاً حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجع امرأته. إذا قلنا بأن المراد المراجعة في اصطلاح الفقهاء، ولم يأمره بالإشهاد عليها، وتقدم الكلام على ذلك، ويكون أيضاً قياساً على عقد البيع كسائر العقود التي لا تجب فيها الشهادة إلا النكاح، فالنكاح هو الذي تجب أو تشترط فيه الشهادة كما سلف.

    الرأي الثاني: وهو قول للإمام مالك رحمه الله تعالى ورواية عن الإمام أحمد أنه يجب الإشهاد، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، وهذا أمر، وفي المراجعة، وأيضاً ما تقدم من حديث عمران بن الحصين أنه قال لمن طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد: طلقت لغير السنة، وراجعت لغير السنة. وهذا القول هو الأحوط أن يشهد على الطلاق، وأن يشهد على المراجعة، وأن يُكتب الطلاق، وأن تُكتب المراجعة، هذا هو الأحوط في هذه المسألة. ولو لم يأتِ من ذلك إلا قول الله عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، وقول عمران رضي الله تعالى عنه: طلقت لغير السنة، وراجعت لغير السنة.

    حكم الرجعية

    قال المؤلف رحمه الله: (وهي زوجة، لها وعليها حكم الزوجات، لكن لا قسم لها).

    هذه قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتابه: القواعد، وهي أن الرجعية زوجة كسائر الزوجات إلا في بعض المسائل، فتجب لها النفقة ويجب لها السكنى، ويجوز له أن ينظر إليها وأن يخلو بها وأن يسافر بها، ويصح ظهاره منها، ويلحقها إيلاؤه، وعند أكثر أهل العلم أن الطلاق أيضاً يقع عليها خلافاً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهي كسائر الزوجات، وأكثر أحكام الزوجات تلحق الرجعية، إلا في ما يقرب من ثمان مسائل ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في قواعده، منها:

    أنه لا قسم لها، فلا يبيت معها في فراشها، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، لأنه حل شيئاً من عقدها، وعند الحنفية أنه يقسم لها لأنها زوجة.

    أما الجمهور فيقولون بأنه انعقد سبب الفرقة في الطلاق، فهي كالبائن لا قسم لها. وهذا هو الذي يظهر والله أعلم مع أن قول الحنفية قوي أيضاً؛ لأن المطلق سماه الله عز وجل زوجاً: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]، وهي زوجة.

    حصول الرجعة بالوطء

    قال المؤلف رحمه الله: (وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها).

    تقدم لنا أن الرجعة تحصل بالقول، وهل تحصل بالفعل؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنها تحصل بالوطء. وعلى هذا إذا وطئها فإنها تكون مراجعة، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول جمهور العلماء.

    الرأي الثاني: رأي الشافعية، أن الرجعة لا تحصل بالوطء، فلا بد من القول، يقولون: كما أن النكاح لا يحصل بالفعل، فكذلك الرجعة لا تحصل بالفعل، لا بد من القول. وأما الجمهور فيقولون بأن الله سبحانه وتعالى قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]، قال: بردهن، ولم يبين كيفية الرد، ولا شك أن وطأها أعظم الرد.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل في هذه المسألة: أنه تحصل الرجعة بالوطء مع نية المراجعة، فإنه تحصل بذلك الرجعة، أما إذا وطئ لا بنية المراجعة فإنها لا تحصل الرجعة؛ لأنهم يرون أنها مباحة، والذي يظهر -والله أعلم- إذا قلنا بهذا القول: أنه لا يجوز أن يطأ إلا بالنية.

    الأمر الثالث مما تحصل به المراجعة: الاستمتاع، كما لو مسها بشهوة أو قبلها أو نحو ذلك، والذي عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى أن المراجعة لا تحصل بالاستمتاع، وهو مذهب الشافعية.

    والرأي الثاني: أن المراجعة تحصل بالاستمتاع، وهو مذهب الحنفية والمالكية.

    والذين قالوا بأنها تحصل بالاستمتاع استدلوا بقول الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]، فكونه استمتع فهذا عندهم دليل على وجود الرد، والذين قالوا: بأنه لا بد من الوطء قالوا: لأن مثل هذه الأمور لا توجب العدة، أو لا يتعلق بها إيجاب العدة. والله أعلم.

    المراجعة قبل الاغتسال من الحيضة الثالثة

    قال المؤلف رحمه الله: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها).

    المطلقة الرجعية: لزوجها أن يراجعها في العدة بالاتفاق، لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228].

    وإذا طهرت من الحيض فقد انتهت من العدة، فهل له أن يراجعها بعد نهاية العدة وقبل الاغتسال؟ وأما بعد الاغتسال فليس له أن يراجعها، فالأقسام ثلاثة، قبل الطهر من الحيضة الثالثة: له أن يراجع بالاتفاق، وبعد اغتسالها ليس له أن يراجع، وبعد الطهر وقبل الاغتسال، هل له أن يراجع، أو ليس له بأن يراجع؟

    المشهور من مذهب الحنابلة: أن له أن يراجع، كما ذكر المؤلف، ويؤخذ من كلامه أنها إذا اغتسلت ليس له أن يراجع، واستدلوا على ذلك بدليلين: أن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كـعمر وعلي وابن مسعود ، ولأنها ما دامت لم تغتسل فإن أثر العدة لا يزال باقياً، وأثر الحيض لا يزال باقياً.

    الرأي الثاني: أنه ليس له أن يراجعها، وهذا قول أكثر أهل العلم لظاهر الآية: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]. يعني في العدة، ولعل الأقرب والله أعلم في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنابلة، ما دام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن انقضت عدتها قبل رجعتها بانت وحرمت قبل عقد جديد)..

    هذا بالاتفاق إذا انقضت العدة قبل أن يراجع، بانت وحرمت قبل عقد جديد، يعني: إذا طلق دون ما يملك من العدد وانقضت العدة فإنها لا تحل له إلا بعقد جديد، لكن إذا طلق نهاية العدد فلا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره.

    هدم الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن طلق دون ما يملك ثم راجع، أو تزوج، لم يملك أكثر مما بقي، وطئها زوج غيره أو لا)..

    يعني: إذا طلق زوجته طلقة واحدة، أو طلقتين ثم راجعها، فهل يستأنف طلقات جديدة، أو نقول بأنه يبني على ما سبق، وإذا طلق زوجته طلقة وانتهت العدة ثم عقد عليها، فهل تبني أو تستأنف، وقد تكون تزوجت، طلقها طلقة واحدة، وانتهت العدة ثم تزوجت، ثم طلقت، ثم عقد عليها من جديد، هل نقول: بقي لك طلقتان، أو نقول: تستأنف؟ المسألة على أقسام:

    القسم الأول: أن يطلق دونما يملك من العدد، ثم يراجع، أو تنتهي العدة، فتبين بينونة صغرى ثم يعقد عليها عقداً جديداً قبل أن تتزوج، فهذا يبني على ما سبق من الطلقات، وليس له أن يستأنف. وذكر ابن قدامة بأنه بغير خلاف.

    القسم الثاني: أن يطلقها آخر ما يملك من العدد، ثم تتزوج، ثم يعقد عليها، فهنا يستأنف بالاتفاق.

    القسم الثالث: موضع الخلاف: أن يطلقها دون ما يملك من العدد ثم تنتهي العدة قبل أن يراجع، ثم تتزوج، ثم يعقد عليها، فهل يستأنف الطلقات، أو يبني.

    المؤلف رحمه الله تعالى قال: يبني على ما سبق ولا يستأنف، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأيضاً قال به الشافعي ومالك ، فهو قول أكثر أهل العلم، ويسمون هذه المسألة بمسألة الهدم، يعني: هل زواج الثاني يهدم الزواج السابق، بحيث إنه يستأنف الطلقات، أو نقول: لا يهدم وبيني؟

    رأي أكثر أهل العلم كما قلنا أنه يبني ولا يستأنف الطلقات، فإذا كان قد طلق طلقة، فيبقى له طلقتان، وإن طلق طلقتين يبقى له طلقة واحدة، واستدلوا على ذلك بأن هذا هو الوارد عن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كـعمر وعلي وأبي ومعاذ وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمران بن الحصين .. إلخ.

    الرأي الثاني: وهو رأي أبي حنيفة وقال به الشعبي أيضاً، أنه يستأنف طلقات جديدة؛ لأنه وارد عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقالوا بأن زواج الثاني مثبت الحل، يعني: لو أن هذه المرأة طلقها زوجها آخر الطلقات الثلاث فإنها تحل له من بعد، فإذا كان كذلك فإنها يهدم النكاح الأول، وحينئذٍ تستأنف طلقات جديدة.

    والذي يظهر والله أعلم: هو الرأي الأول؛ لأن هذا وارد عن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأما وروده عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فخالفهم أكثر الصحابة فيه، وأما قولهم: مثبت الحل، فنقول: زواج الثاني لا يحتاج إليه، لأنها لم تستكمل الطلقات. والزواج الثاني مثبت الحل إذا استكملت الطلقات، أما هنا فوجوده كعدمه، فالصحيح أنه لا يهدم.

    ادعاء الرجعية انقضاء عدتها

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يوما ولحظة لم تسمع دعواها)..

    إذا ادعت الحرة انقضاء العدة، فإن هذا لا يخلو من ثلاثة أقسام بالنسبة للزمن:

    القسم الأول: أن تدعي أن عدتها انقضت في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة. قالت بأن العدة انتهت في ثمانية وعشرين يوماً أو في سبعة وعشرين يوماً، فالمؤلف رحمه الله يقول: لا تسمع دعواها أصلاً. يعني: أن القاضي -بغض النظر هل تقبل أو لا تقبل- لا يسمع دعواها، لأن أقل الحيض يوم وليلة، ثم أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، فهذه أربعة عشر يوماً، ثم حيضة، فتكون خمسة عشر يوماً، ثم أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم بعد ذلك الحيضة الثالثة: يوم، فتكون تسعة وعشرين، فإذا ادعته في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة فالمؤلف يقول: لا تسمع هذه الدعوى، وهذا كله مبني على أن أقل الحيض مع أقل الطهر بين الحيضتين أربعة عشر يوماً .. الخ. وتقدم الكلام على هذه المسألة.

    القسم الثاني: أن تدعيه في هذا الزمن، فتقول: انقضت عدتي، حضت ثلاث حيض في تسعة وعشرين يوماً ولحظة، فهذا مخالف للظاهر، ونادر يحتاج إلى بينة.

    القسم الثالث: أن تدعي الانتهاء فيما هو أكثر من ذلك، فيقبل قولها؛ لأنها مؤتمنة على ما في رحمها، والله عز وجل قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228]، فجعل الله عز وجل المرأة مؤتمنه على ما في رحمها.