إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا علق الزوج الطلاق بإذنه كالخروج مثلاً، فمتى خرجت وأراد العموم طلقت، فإن أراد خروجاً معيناً فالجمهور يرون وقوعه، واختار ابن تيمية أنه إذا أراد به الحث ونحوه أن حكمه حكم اليمين، وقد يعلق بمشيئتها فمتى شاءت وقع ولو تراخى. وأما التعليق بمشيئة الله فإن قصد

    1.   

    تعليق الطلاق بالإذن ونحوه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في تعليقه بالإذن: إذا قال: إن خرجت بغير إذني، أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، أو إن خرجت الحمام بغير إذني فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه، أو إذن لها ولم تعلم أو خرجت تريد الحمام وغيره، أو عدلت منه إلى غيره طلقت في الكل، لا إن أذن فيه كلما شاءت، أو قال: إلا بإذن زيد فمات زيد ثم خرجت.

    فصل في تعليقه بالمشيئة: إذا علقه بمشئيتها بـ(إن)، أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى، فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق، وإن قال: إن شئت وشاء أبوك أو زيد لم يقع حتى يشاءا معاً، وإن شاء أحدهما فلا، وأنت طالق وعبدي حر إن شاء الله وقعا، وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت، وأنت طالق لرضا زيد أو مشئيته طلقت في الحال، فإن قال أردت الشرط قبل حكماً، وأنت طالق إن رأيت الهلال فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها.

    فصل: إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه، أو أذن لها ولم تعلم أو خرجت تريد الحمام وغيره أو عدلت منه إلى غيره طلقت في الكل، لا إن أذن فيه كلما شاءت، أو قال: إلا بإذن زيد فمات زيد ثم خرجت.

    فصل: إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى، وإن شاء أحدهما فلا، وأنت طالق وعبدي حر إن شاء الله وقعا، وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت، وأنت طالق لرضا زيد أو مشيئته طلقت في الحال، فإن قال: أردت الشرط قبل حكماً، وأنت طالق إن رأيت الهلال، إن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها.

    فصل: وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها، فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب، أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث، وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط، وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه، وإن حلف ليفعلنه لم يبر إلا بفعله كله.

    باب التأويل في الحلف: إذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً، فإن حلفه ظالم: ما لزيد عندك شيء؟ وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره، أو بـ(ما) الذي أو حلف ما زيد هاهنا، ونوى غير مكانه، أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة لم يحنث في الكل.

    باب الشك في الطلاق: من شك في طلاق أو شرطه لم يلزمه وإن شك في عدده فطلقة وتباح له].

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، أو إن خرجت الحمام بغير إذني فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه، أو أذن لها ولم تعلم أو خرجت تريد الحمام وغيره، أو عدلت منه إلى غيره طلقت في الكل).

    هذه عدة مسائل نأخذها مسألة مسألة.

    المسألة الأولى: إذا قال: إن خرجت بغير إذني، فخرجت مرة بإذنه، ومرة بغير إذنه، فإنها تطلق، خرجت مرة بإذنه، فهذه لا تطلق فيها، وخرجت مرة بغير بإذنه، فهذه تطلق فيها، إذا كان قصده في قوله: إن خرجت بغير إذني العموم، لأن (إن) شرطية، وخرجت نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تقتضي العموم، فإذا كان قصده الخصوص، يعني في هذه المرة، فإن خرجت بإذنه لا تطلق، وإن خرجت بغير إذنه فإنها تطلق.

    فإن كان قصده العموم، وأنها لا تخرج إلا بإذنه، فمتى خرجت بغير إذنه فإنها تطلق، لوجود المعلق عليه، لوقوع الشرط، فإذا قال لها: إن خرجت بغير إذني، وسواء علق الخروج أو علق الكلام أو غير ذلك من الأفعال، كأن قال: إن كلمت زيداً أو نحو ذلك، وإنما عبر المؤلف رحمه الله تعالى بالخروج لأن هذا هو الذي يكثر، فإن قال لها: إن خرجت بغير إذني، فتحت هذا قسمان:

    القسم الأول: أن يقصد الخصوص، في خروج معين. فهذا حكمه إن استأذنت وأذن لها أنها لا تطلق، وإن خالفت فإنها تطلق على رأي جمهور أهل العلم، خلافاً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن شيخ الإسلام كما سيأتينا إن شاء الله يرى أن الطلاق إذا علق على الشرط، وهو يقصد به الحث والمنع والتصديق والتكذيب، فإنه حكمه حكم اليمين. يكون فيه كفارة.

    القسم الثاني: ألا يقصد الخصوص، وإنما مراده العموم، فإن خرجت بإذنه فلا تطلق، وإن خرجت بغير إذنه فأنها تطلق لوجود المعلق عليه: الشرط، هذه المسألة الأولى.

    المسألة الثانية، قال: إن خرجت إلى الحمام بغير إذني فأنت طالق, فخرجت إلى الحمام وغير الحمام، فتطلق؛ لوجود المعلق عليه، لأنه قصد منعها من الحمام.

    المسألة الثالثة: قال لها: إن خرجت فأنت طالق، ثم أذن لها ولم تعلم، فخرجت، فللعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    المذهب: أنها تطلق، لأنها قصدت عصيانه.

    والرأي الثاني: أنها لا تطلق، وهذا احتمال لـأبي الخطاب من الحنابلة، بناء على أنه يصح عزل الوكيل من غير أن يعلم.

    والصواب فيما يظهر -والله أعلم- هو: الرأي الأول، لأنها قصدت عصيانه ومخالفته، فيقع الطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (لا إن أذن فيه كلما شاءت، أو قال: إلا بإذن زيد فمات زيد ثم خرجت).

    إذا أذن لها فقال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثم أذن لها أن تخرج متى شاءت، فإنها لا تطلق لوجود الإذن، وعدم المخالفة، أو إلا بإذن زيد فمات زيد، قال: إن خرجت بغير إذن زيد فأنت طالق فمات زيد، أو قال مثلاً: إن خرجت بغير إذن أبي، أو بغير إذن أمي فأنت طالق، ثم مات أبوه أو ماتت أمه، فالمؤلف رحمه الله يقول: بأنها إذا خرجت لا تطلق، لأن زيداً أو غيره ممن علق الطلاق عليه قد فاتت أهليته، فليس أهلاً للإذن، لفوات أهليته، فإذا مات ثم خرجت فإنها لا تطلق.

    1.   

    تعليق الطلاق بالمشيئة

    تعليق الطلاق بمشيئة الزوجة وغيرها

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: إذا علقه بمشيئتها بـ(إن) أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخي).

    هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله تعالى لبيان حكم تعليق الطلاق على المشيئة، كأن علقه بإن، وإذا ومتى ومهما، فلو قال: أنت طالق إن شئت، فمتى شاءت الطلاق فإنها تطلق، ولو تراخى، وقد سبق أن بينا الأدوات التي تقتضي التراخي، والتي تقتضي الفورية.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق).

    لو قالت: شئت الطلاق وقع، لكنها لو قالت: شئتُ الطلاق إن شئتَ، فلا تطلق، لأنها ردت المشيئة، وعلقتها على مشيئة الزوج، والمشيئة أمر خفي لا يصح تعليقها على الشرط، فهي لم تشأ الطلاق، فلم يحصل المعلق عليه، وهي مشيئتها للطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: إن شئت وشاء أبوك أو زيد لم يقع حتى يشاءا معاً).

    قال: إن شئت وشاء أبوك، أو شاءت أمك، أو شاء أخوك زيد أو نحو ذلك لم يقع الطلاق حتى يشاءا معاً، لأنه علق الطلاق على مشيئتهما معاً، فلا بد من وقوع المعلق عليه.. بخلاف الصورة التي سبقت، فلم يقع لأنها لم تشأ وعلقت مشيئتها على مشيئة الزوج، والمشيئة أمر خفي لا يصح تعليقها على الشرط.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن شاء أحدهما فلا).

    لأنه علق الطلاق على مشيئتهما جميعاً، فإذا قال: أنت طالق إن شئت وشاء أبوك، فشاءت هي الطلاق، قالت: شئت الطلاق، لكن أبوها لم يشأ، فإنه لا يقع لأنه علق الطلاق على مشيئتهما جميعاً، فلا بد من مشيئتهما جميعاً.

    تعليق الطلاق بمشيئة الله

    قال: (وأنت طالق، وعبدي حر إن شاء الله وقعا).

    إذا علق الطلاق على مشيئة الله عز وجل، فهل يقع الطلاق أو لا يقع.

    هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يقصد بذلك تحقيق وقوع الطلاق، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، يقصد بذلك تحقيق وقوع الطلاق، فإنه يقع.

    القسم الثاني: أن يقصد أن الله سبحانه وتعالى يقدر سبباً يقع فيه الطلاق، يقول: أنت طالق إن شاء الله، فيقصد أن الله سبحانه وتعالى يقدر سبباً من خلاف ونحو ذلك، ثم يقع به الطلاق، فهنا لا تطلق حتى يوجد ذلك السبب.

    القسم الثالث: أن يقصد التعليق على مشيئة الله عز وجل.

    فالمشهور من المذهب: أنه يقع الطلاق؛ لأنه علق على ما لا سبيل إلى علمه، فبطل لأن مشيئة الله لا نعلمها، فيبطل التعليق على مشيئة الله ويقع الطلاق، يعني: قوله: إن شاء الله وجوده كعدمه، لأنه تعليق على أمر لا يمكن أن نعلمه، فبطل هذا التعليق.

    الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة والشافعي ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه علقه على مشيئة الله عز وجل، وهذا لا نعلمه، والأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، ونظير ذلك: أنه لو علق يمينه على مشيئة الله هل يحنث أو لا يحنث؟ الجواب لا يحنث، وقد جاء في الترمذي: (من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث) . وهذا حسنه الترمذي .

    وورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه إذا قال إن شاء الله في الطلاق أنه يقع عليه الطلاق، وكذلك أيضاً ورد عن ابن عمر وأبي سعيد ، والحنابلة يستدلون بورود الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم.

    والصواب في هذه المسألة: عدم وقوع الطلاق، لأن الأصل عدم الطلاق.

    وما ورد من آثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإنها تحمل على أنه قصد بها التحقيق، وليس مجرد التعليق؛ ولأن الطلاق هذا غير مرغب فيه عند الله، كما سلف لنا في أول كتاب الطلاق أن الأصل فيه الكراهة.

    ولو قال: عبدي حرٌ إن شاء الله، فالمشهور من المذهب أنه يعتق. وهذا ظاهر، بخلاف الطلاق، لأن الشارع يتشوف إلى العتق والتحرير، أما الطلاق فإن الشارع لا يتشوف إليه، بل كما تقدم لنا الأصل فيه أنه مكروه.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت).

    هنا تطلق؛ لوجود المعلق عليه، وهو الدخول، فيقع الشرط لوجود المشروط.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأنت طالق لرضا زيد أو مشيئته، طلقت في الحال، فإن قال: أردت الشرط، قبل حكماً).

    إذا قال لزوجته أنت طالق لرضا زيد، أو لمشيئة زيد، فالمسألة على قسمين:

    القسم الأول: أن يقصد بذلك أن زيداً قد شاء طلاقك، ورضي بطلاقك، فيقع الطلاق إذا كان هذا هو المقصود في الحال.

    القسم الثاني: أن يقصد بذلك الشرط، قال: أنا قصدي بذلك أنت طالق إن رضي زيد بطلاقك، أو إن شاء زيد طلاقك، فيقبل حكماً، لأنه لفظه يحتمله، فإذا خاصم عند القاضي، فإن القاضي يقبل قوله، وإن لم يتخاصما فيرجع ذلك إلى دينه: يُدَيَّن.

    1.   

    تعليق الطلاق برؤية الهلال

    قال المؤلف رحمه الله: (وأنت طالق إن رأيت الهلال، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها).

    أيضاَ: هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يقصد بذلك رؤيتها عياناً، أي: أن ترى الهلال بعينها، فلا تطلق حتى ترى الهلال بعينها.

    القسم الثاني: ألا يقصد ذلك، وإنما يقصد رؤية الهلال، فتطلق برؤية غيرها للهلال، أو بإكمال العدة، يعني: بخروج الشهر، فإذا أكملنا العدة ثلاثين يوماً، أو رآه غيرها، فقد حصلت رؤية الهلال.

    وروية الهلال في عرف الشرع: العلم به في أول الشهر، إما بالرؤية ولو من غير الزوجة، أو بإكمال العدة.

    1.   

    مسألة متفرقة في تعليق الطلاق بالشروط

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها، فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب).

    وسيذكر المؤلف فيما بعد أنها لا تطلق، والدليل على ذلك:

    أولاً: لا يصدق عليه أنه دخل الدار، وإنما أدخل بعضه.

    الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها في الاعتكاف، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه إلى عائشة فترجله) تسرحه، ومع ذلك لم يبطل على النبي صلى الله عليه وسلم اعتكافه، مما يدل على أن إخراج بعض البدن ليس كإخراج البدن كله، وأنه لا يحنث لإخراج بعض البدن، كما أنه لا يبطل اعتكافه بإخراج بعض البدن.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه).

    لو قال: إن لبست ثوباً من غزلها فهي طالق فلبس ثوباً فيه شيءٌ من غزلها، هي غزلت البعض وغيرها أكمل الغزل، فلا تطلق، لعدم وجود المعلق عليه، اللهم إلا إذا كان يقصد ولو كان فيه شيء من غزلها، فعلى حسب النية.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث).

    لو قال: إن شربت ماء هذا الإناء فزوجتي طالق، أو قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه، فلا تطلق عليه زوجته، لعدم وجود المعلق عليه، لأنه حلف على شرب جميع الماء الذي في هذا الإناء.

    وكلام المؤلف رحمه الله أتى به هنا، ولا أدري ما المناسبة، لأنه سيأتينا في باب الأيمان هذا الكلام كله، فلمناسبة الحلف بالطلاق أتى به المؤلف رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاق فقط).

    عندنا يمين بالله عز وجل، وحلف بالطلاق، وحلف بالعتق، مثال اليمين: قال: والله لا أركب هذه السيارة، ومثال الطلاق: إن ركبت هذه السيارة فزوجتي طالق، ومثال العتق قال: إن ركبت هذه السيارة فرقيقي حر. ثم ركب هذه السيارة ناسياً أو جاهلاً، أنها هي التي حلف عليها، فهل يحنث أو لا يحنث؟

    في الطلاق يحنث فتطلق عليه زوجته لو فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً، وفي العتق يعتق عليه رقيقه لو فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً، وفي اليمين بالله عز وجل: لا يحنث، فرقوا بين العتق، والطلاق، واليمين، فيحنث في الطلاق، والعتق، لأنه حق آدمي، وأما اليمين بالله عز وجل فلا يحنث، وسبق أن تكلمنا في هذه المسألة، وقلنا: إنه لا يحنث في الجميع، فقلنا: سائر المنهيات لا بد فيها من ثلاث شروط: العلم والاختيار والذكر، والحنث مخالفة اليمين، فهو من المنهيات، فلا بد من العلم، ولا بد من الذكر، ولا بد من الاختيار، وعلى هذا لو قال لزوجته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، ثم نسيت وكلمته، أو إن تكلمت بالهاتف فأنت طالق ثم نسيت أو جهلت فإنها تطلق على كلام المؤلف، وعلى الرأي الثاني وهو الصواب: أنها لا تطلق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه).

    أو تقوم قرينة على ذلك، فلو قال: والله لآكلن هذا الرغيف، ثم أكل بعضه فإنه لا يحنث، إلا إذا كان يقصد بذلك الكل أو البعض، أو قرينة تقوم على قصد البعض.

    فلو قال: والله لا أشربن ماء هذا النهر، فهنا قامت قرينة على أن المراد بذلك البعض، لأن لا يمكن أن يشرب الجميع، اللهم إلا إذا كان قاصداً أن يشرب ماء هذا النهر.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن حلف ليفعلنه لم يبر إلا بفعله كله).

    هذه عكس المسألة السابقة، فلو قال: والله لآكلن هذا الرغيف ثم أكل بعضه، أو قال: إن لم آكل هذا الرغيف فزوجتي طالق فأكل بعضه، فالحكم هنا أنه يحنث، إلا إذا قامت النية على خلافه، وستأتينا التفاصيل إن شاء الله في باب مستقل، اسمه: باب جامع الأيمان في كتاب الأيمان.

    1.   

    الحلف بالطلاق

    والحلف بالطلاق أو تعليق الطلاق على شرط ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهذه مسألة مهمة، وتقع عند كثير من الناس اليوم.

    القسم الأول: أن يعلقه على شرط محض، مثل: أنت طالق إن طلعت الشمس فهذا شرط محض ليس له معنى إلا التعليق، وليس حلفاً، فإذا طلعت الشمس فإنها تطلق، وهل له أن يرجع؟ أكثر أهل العلم يقولون: لا يملك أن يرجع إذا علق الطلاق على شرط محض.

    القسم الثاني: أن يعلقه على شرط غير محض، فيقصد به وقوع الطلاق، ووقوع المعلق عليه، فلو قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق، يقصد إن كلمت زيداً أنها تطلق، وأنه لا يريدها، فكلمته, فإنها تطلق عليه.

    القسم الثالث: أن يقصد بالتعليق أن يعلقه على شرط غير محض، ولا يقصد به الطلاق، وإنما يقصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب.

    قال: لزوجته: إن كلمت زيداً فأنت طالق، وهو لا يقصد إيقاع الطلاق، لكن يقصد منعها من تكليم زيد، أو إن خرجت فأنت طالق، أو إن لم تذهبي اليوم إلى بيت أبي فأنت طالق، كما يوجد في ألفاظ كثيرة من الناس، فجمهور العلماء على أنه يقع عليه الطلاق، ومنهم الأئمة الأربعة، يرون أن الطلاق يقع عليه، لوجود المعلق عليه، ولعمومات أدلة الطلاق.

    الرأي الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله: أنه لا يقع عليها الطلاق، إذا قصد الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب وذكرها ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، وذكر أن شيخ الإسلام كتب ألف صفحة في هذه المسألة.

    ومن أقوى الأدلة على ذلك أن الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنه في النذر إذا قصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب أن حكمه حكم اليمين.

    فلو قال: لله علي أن أصوم يوماً، فهذا غير معلق، هذا نذر منجز، يجب عليه أن يوفي به.

    فإذا كان نذر الطاعة معلقاً بقصد الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب، كأن يقول: إن شربت الدخان فعلي أن أصوم سنة، ثم شرب الدخان، فإن حكمه حكم اليمين.

    فالنذر وهو النذر الذي أمر الله عز وجل بأن يوفى به، وأثنى على الموفين به فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، أفتى الصحابة أنه إذا قصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب, فإن حكمه حكم اليمين.

    فالطلاق الذي أصله مكروه، من باب أولى إذا قصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب أن حكمه حكم اليمين. وهذا هو الوارد عن الصحابة في قصة ليلى بنت العجماء ، فإنها حلفت على مولىً لها أن كل مال لها هدي، وكل رقيق لها حر، وهي يهودية ونصرانية إن لم يطلق امرأته, فأفتاها الصحابة بأن عليها كفارة يمين، مع أنها حلفت بالعتق، وحلفت بالنذر، والعتق يتشوف الشارع إليه، والنذر أثنى الله عز وجل على الموفين به.

    وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الأقرب، لكن ينبه الناس، فللأسف تجد كثيراً من الناس اليوم يحلفون بالطلاق، وإن كان شيخ الإسلام كلامه هو القوي، إلا أن الأئمة يتفقون أن عليها الطلاق، فالمسألة ليست بالهينة.

    ولهذا الحنفية يرون أنه يؤدب الذي يحلف بالطلاق، والإمام مالك يقول: يعزر، ويجلد.

    1.   

    التأويل في الحلف بالطلاق وغيره

    قال المؤلف رحمه الله: (باب التأويل في الحلف).

    التأويل في الحلف معناه: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره.

    قال المؤلف رحمه الله: (إذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً).

    التأويل في الحلف كما ذكرنا: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، فيقصد في الباطن ما يخالف الظاهر، والتأويل في الحلف ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون ظالماً، فإنه لا ينفعه التأويل بالحلف. فمثلاً: لو أنه غصب مالاً ثم حلفه القاضي, فقال: والله ليس لي عندي شيء، وهو يقصد أنه ليس عنده شيء في جيبه، لكن المال مغصوب في البيت، فلا ينفعه التأويل.

    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في صحيح مسلم : (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) .

    القسم الثاني: أن يكون مظلوماً، مثل: لو جاء شخص يريد أن يأخذ منه مالاً، فقال: والله ما معي شيء، وهو يقصد أنه ليس معه شيء في يده، لكن معه شيء في جبيه، أو معه شيء في البيت، فيصح التأويل, ومن أدلته قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، وقوله للملك عن زوجته بأنها أخته، وحديث أنس في صحيح البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر ، فيقول أبو بكر : هذا هادٍ يهديني السبيل) . فيظن الناس أنه ممن يدل الطريق.

    القسم الثالث: ما عدا هذين القسمين: ألا يكون ظالماً ولا مظلوماً، فالمشهور من المذهب أن هذا جائز ولا بأس به. وهذا قول كثير من العلماء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [المائدة:89]، والحالف عقد اليمين على ما نوى.

    وأيضاً قال عمر: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، وقال عمران بن الحصين : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. وهذان الأثران إسنادهما صحيحان.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا كان هناك ضرورة ومصلحة فلا بأس بالتأويل، وإلا فإنه لا يجوز، لأن هذا تدليس كتدليس البيع، ولأن الناس ينسبونه إلى الكذب، لكن إذا كان هناك مصلحة، كأن يكون الإنسان مشغولاً، ثم بعد ذلك تأول، كأن قال لأهله قولوا: قد طلع، يقصد بأنه صعد إلى السطح ونحو ذلك، فإذا كان هناك مصلحة أو ضرورة فإن هذا لا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن حلفه ظالم: ما لزيد عندك شيء؟ وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره، أو بـ(ما) الذي، أو حلف ما زيد ها هنا؛ ونوى غير مكانه).

    هذا مثال كما تقدم.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة، ولم ينوها لم يحنث في الكل).

    إذا حلف أنها لم تسرق، فحلفت أنها ما سرقت، لكن خانته في الوديعة فإنه لا يحنث؛ لأن الخيانة في الوديعة ليست سرقة.

    1.   

    الشك في الطلاق

    قال رحمه الله تعالى: (باب الشك في الطلاق).

    الشك في اللغة: التردد.

    وأما في الاصطلاح: فهو التردد في وجود لفظ الطلاق أو عدده أو شرطه.

    قال المؤلف رحمه الله: (من شك في طلاق أو شرطه لم يلزمه).

    إذا شك في لفظ الطلاق: هل قال لزوجته: أنت طالق أو أنت طاهر؟ فلا يلزمه الطلاق؛ لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.

    أو شك في شرط الطلاق، كما لو قال: إن قمت فأنت طالق، ثم شك في قوله: أنت طالق، هل قال هذا اللفظ، أو لم يقله فالأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن شك في عدده فطلقة، وتباح له).

    إذا شك في عدده: هل هذه الطلقة الثانية أو الثالثة، فالأصل أنها الثانية، أو مثلاً: شك هل قال: طالق ثلاثاً، أو طالق اثنتين، فنقول: هي اثنتان.