إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لإيقاع الطلاق في الماضي أحكام تترتب عليه، أما إيقاع الخلع أثناء الطلاق فإن صادف محلاً صح، وخلاصة مسألة تعليق الطلاق بالموت أنه إن علقه بقبل الموت وقع حالاً، أو بما بعده أو معه لم يصح لعدم الأهلية، ولا يقع عند تعليقه بالمستحيل، وكما يعلق بالماضي يعلق بالمس

    1.   

    تابع الاستثناء في الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات، وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء، ولا يصح استثناء لم يتصل عادة، فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل، وشرطه النية قبل كمال ما استثنى منه.

    باب الطلاق في الماضي والمستقبل:

    إذا قال: أنت طالق أمس، أو قبل أن أنكحك، ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع، وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قبل، فإن مات أو جن أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق.

    وإن قال: طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، فقدم قبل مضيه لم تطلق، وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع، فإن خالعها بعد اليمين بيوم، وقدم بعد شهر ويومين صح الخلع، وبطل الطلاق، وعكسهما بعد شهر وساعة.

    وإن قال: طالق قبل موتي طلقت في الحال، وعكسه معه أو بعده فصل: وإن قال: أنت طالق إن طرت أو صعدت السماء، أو قلبت الحجر ذهبا ونحوه من المستحيل لم تطلق، وتطلق في عكسه وهو النفي في المستحيل، مثل: لأقتلن الميت أو لأصعدن إلى السماء ونحوها، وأنت طالق اليوم إذا جاء غد لغو، وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال، وإن قال في غدٍ أو السبت أو رمضان طلقت في أوله، وإن قال: أردت آخر الكل دين وقبل، وأنت طالق إلى شهر طلقت عند انقضائه إلا أن ينوي في الحال فيقع، وطالق إلى سنة تطلق باثني عشر شهراً.

    باب تعليق الطلاق بالشروط:

    لا يصح إلا من زوج، فإذا علقه بشرط لم تطلق قبله، سواء كان الشرط متقدماً أو متأخراً، ولو قال: عجلته لم يتعجل، وإن قال: سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال، وإن قال: أنت طالق، وقال أردت إن قمت لم يقبل حكماً].

    تكلمنا فيما سلف عن طلاق السنة وطلاق البدعة، وذكرنا أن طلاق السنة ما جمع أربع صفات:

    الصفة الأولى: أن يطلقها طلقة واحدة.

    الصفة الثانية: أن يطلقها في طهر.

    الصفة الثالثة: أن يطلقها في طهر لم يجامع فيه.

    والصفة الرابعة: أن يتركها حتى تنقضي عدتها.

    وتقدم لنا هل الطلاق معتبر بالرجال، أو معتبر بالنساء؟ وأن جمهور أهل العلم يعتبرونه بالرجال، وعليه فإذا كان المعتبر بالطلاق هو الرجال، فإن الزوج إن كان حراً ملك ثلاثاً، وإن كان رقيقاً ملك اثنتين، وتقدم الكلام في هذه المسألة، وعند الحنفية أن المعتبر هو النساء، وعلى هذا إذا كانت الزوجة حرة فطلاقها ثلاث، ولو كان زوجها رقيقاً، وإن كانت أمة فطلاقها ثنتان ولو كان زوجها حراً، بخلاف ما عليه جمهور أهل العلم أن المعتبر هو الرجال، فإن كان حراً فيملك ثلاث طلقات، ولو كانت زوجته أمة، وإن كان رقيقاً فيملك طلقتين ولو كانت زوجته حرة.

    وتقدم لنا ما إذا طلق عضواً من أعضاء زوجته، كأن قال: يدك طالق، أو رجلك طالق، أو طلق جزءاً من أجزاء زوجته، سواء كان معيناً أو مشاعاً أو مبهماً، وهل يقع الطلاق أو لا يقع الطلاق؟

    وتقدم لنا ما إذا طلقها بعض طلقة، كما لو قال: أنت طالق نصف طلقة، أو ربع طلقة ونحو ذلك من هذه الألفاظ، وذكرنا أن رأي جمهور أهل العلم أنه يقع، وأن الرأي الثاني: رأي داود الظاهري أنه لا يقع في مثل هذه المسائل.

    ثم تكلمنا عن الاستثناء في الطلاق، وأن الاستثناء في الطلاق صحيح في الجملة، لكن يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون الاستثناء من الزوج.

    الشرط الثاني: أن يستثني باللفظ، وعلى هذا إذا استثنى بقلبه ففي المسألة تفصيل.

    الشرط الثالث، أن يكون الاستثناء للنصف فأقل، وذكرنا أن هذه المسألة لا تخلو من أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يستثني الكل، فهذا باطل, وحكي الإجماع على ذلك، وعلى هذا إذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، فلا يصح الاستثناء.

    القسم الثاني: أن يستثني أقل من النصف، فهذا صحيح، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقة، صح ذلك.

    القسم الثالث: أن يستثني النصف، فهذا أيضاً صحيح، فإذا قال: نسائي الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة صح ذلك.

    القسم الرابع أن يستثني الأكثر، كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، وذكرنا أن هذه المسألة موضع خلاف بين الفقهاء والأصوليين، وأن أكثر أهل العلم لا يرون صحة الاستثناء، والرأي الثاني: أن الاستثناء صحيح، لورود الاستثناء فيما هو أكثر من النصف في الوصف، فإذا جاء في الوصف فكذلك أيضاً يجيء في العدد، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42]، والغاوون أكثر من المهتدين.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح ذلك دون عدد الطلقات)، إذا استثنى بقلبه من عدد المطلقات فإن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يصرح بالعدد، فلا يصح الاستثناء، كما لو قال: زوجاتي الأربع طوالق، واستثنى فلانة، فلا يصح؛ لأن اللفظ أقوى من النية، فلا تقوى النية على رفع اللفظ.

    القسم الثاني: ألا يصرح بالعدد، كأن يقول: زوجاتي طوالق، ويستثني بقلبه فلانة، لكن ما قال: الأربع، فنقول بأن هذا الاستثناء صحيح، ويدل لذلك أن العام في اللغة العربية يأتي ويراد به الخاص مثل قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173]، فهذا عام أريد به الخاص.

    أما بالنسبة لعدد الطلقات فلا يصح، لأنه سيصرح بالعدد، ولهذا قال المؤلف: دون عدد الطلاقات، وعلى هذا فلو قال: زوجتي طالق ثلاثاً، ونوى إلا واحدة لم يصح، لما تقدم من التعليق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء).

    لأنه لم يصرح بالعدد، ولما ذكرنا من أن العام في اللغة يأتي ويراد به الخاص.

    بطلان الاستثناء غير المتصل

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يصح استثناء لم يتصل عادة).

    هذا هو الشرط الرابع من شروط صحة الاستثناء وهو: الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44]، قال الله عز وجل هذا في قصة أيوب، ولو كان الاستثناء صحيحاً لأرشده الله عز وجل إليه، وحينئذ لا يحصل له الحنث، وأيضاً حديث عبد الرحمن بن سمرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير )، لو كان الاستثناء يصح مع طول الفصل، لقال: إن شاء الله، وحينئذ لا تلزمه كفارة، لأن الحالف إذا قال في يمينه: إن شاء الله، ثم خالف ما حلف على فعله أو تركه، فإنه لا يحنث، هذا رأي الجمهور.

    الرأي الثاني: رأي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال به مجاهد : أنه لا يشترط الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:23-24]، قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:24]، قالو: فإذا ذكر ربه بالمشيئة كفى ذلك، وهو صحيح، لكن نقول: بشرط عدم طول الفصل، فإذا طال الفصل فقد دلت الأدلة على أن الاستثناء هنا غير معتبر، لو قلنا: بأن الاستثناء معتبر ما وقع طلاق، ولا وقع نذر، ولا وقع يمين، ولا كفارة يمين.. إلى آخره، فالإنسان إذا حلف قال: والله لأسافرن اليوم إلى مكة، ثم بعد ذلك بدا له ألا يسافر، يستثني ويقول: إن شاء الله، وحينئذ لا تلزمه كفارة، ولا يحنث، ولو طلق وقلنا بأنه ينفعه الاستثناء، فقال بعد يومين أو ثلاثة أيام: إن شاء الله، فلا يقع الطلاق.

    والاستثناء بمشيئة الله في الطلاق فيه تفصيل، لكن إذا قصد الاستثناء فإنه لا يقع عليه الطلاق، ولا يقع عليه إلا إذا قصد التحقيق، وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بالاستثناء في المشيئة، المهم أن نفهم كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً ما ذهب إليه مجاهد ، وأن الصواب في هذه المسألة: أنه لابد من الاتصال، وأما قدر الاتصال فالمؤلف رحمه الله يرى أنه لابد من الاتصال حقيقة أو حكماً، ألا يكون هناك فاصل، حقيقة، كأن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة مباشرة، وأما حكماً، فكأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، ثم يحصل له سعال، أو يحصل له شيء آخر بغير اختياره، كتنفس، أو سعال، أو عطاس ونحو ذلك، ثم يقول: إلا واحدة، فهنا يقبل منه؛ لأن هذه الأشياء مغتفرة، فالمؤلف رحمه الله يرى أنه لابد من الاتصال حقيقة، أو حكماً.

    والراوية الثانية: عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه يصح الاستثناء، ولو حصل فاصل، إلا أنه يشترط ألا يكون الفاصل طويلاً عرفاً، فإن طال الفصل عرفاً فلا يصح.

    الرأي الثالث قريب من هذا الرأي: أن الاستثناء يصح، ولو حصل بين المستثنى والمستثنى منه كلام أو سكوت، لكن بشرط أن يكون الكلام واحداً، يعني على رأي المؤلف الماتن وهو المذهب، لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، ثم قال: انتبهي أو اسمعي إلا واحدة، يقع الطلاق ثلاثاً، ولا يصح الاستثناء، لعدم وجود الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه.

    ويدل للرأي الثالث حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة سليمان عليه السلام، قال: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال الملك: قل: إن شاء الله)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو قال إن شاء الله كان دركاً لحاجته )، ولحديث ابن عباس في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض )، إلى أن قال: قال العباس : يا رسول الله! إلا الإذخر، إلا الإذخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إلا الإذخر )، مع وجود الفاصل.

    فالصواب في هذه المسألة ما جاء في الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه إذا حصل فاصل يسير عرفاً فلا يضر، أو نقول كما جاء في القول الثاني: إذا حصل فاصل بكلام أو بسكوت والكلام واحد، فإنه لا يضر.

    قال المؤلف رحمه الله: (فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل).

    يعني لو فصل الاستثناء عن المستثنى منه، وأمكن الكلام دونه، كأن قال لزوجته: أنت طالق ثلاثاً، ثم سكت، ثم قال: إلا واحدة، هذا السكوت يمكن الكلام فيه، فلا يصح الاستثناء، ويقع عليه ثلاثاً، فالمذهب أنه لابد من الاتصال حقيقةً أو حكماً، حقيقة بأن يكون مباشرة، وحكماً بأن يكون في حكم المباشرة، بأن يفصل بينهما سعال أو عطاس أو تنفس ونحو ذلك.

    اشتراط النية قبل كمال ما استثني منه في الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (وشرطه النية قبل كمال ما استثني منه).

    الشرط الخامس: أنه يشترط النية، وعلى هذا فلو لم ينو فإنه لا يصح استثناؤه فلو قال: زوجتي طالق ثلاثاً، ولم ينو أن يستثني، فقال أبوه: قل: إلا واحدة، فنوى فقال: إلا واحدة، فالمؤلف رحمه الله يرى أنه لا ينفعه، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو أيضاً مذهب الشافعية.

    والرأي الثاني: وهو رأي الحنفية والمالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه ينفعه، ويدل لذلك ما تقدم من قصة سليمان عليه السلام، فإن الملك قال: قل: إن شاء الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو قال: إن شاء الله لكان دركاً لحاجته )، مع أن سليمان عليه السلام لم ينو، لكن لو أنه استثنى لصح استثناؤه، كذلك أيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينو أن يستثني الإذخر، لكن لما قال العباس رضي الله تعالى عنه: إلا الإذخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إلا الإذخر )، فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنفية والمالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه لا تشترط النية.

    فإذا شك في الاستثناء، كما لو قال: زوجتي طالق ثلاثاً، ثم شك هل استثنى أو لم يستثن، فللعلماء رحمهم الله رأيان:

    الرأي الأول: وهو المشهور من المذهب: أنه لا يصح الاستثناء ولا يعتبر، وعلى هذا يقع عليه ثلاث طلقات، لأن الأصل عدم الاستثناء ووقوع الطلاق.

    والرأي الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يرجع إلى العادة، فإذا كان من عادته أنه يستثني، فالاستثناء صحيح، وإن كان من عادته أنه لا يستثني، فالأصل عدم الاستثناء، ويدل لذلك أن الشارع أرجع المستحاضة إلى عادتها، فدل ذلك على أن العادة معتبرة.

    1.   

    إيقاع الطلاق في الماضي وما يترتب عليه

    قال المؤلف رحمه الله: (باب الطلاق في الماضي والمستقبل، إذا قال: أنت طالق أمس، أو قبل أن أنكحك ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع).

    إذا قال: أنت طالق بالأمس، أو قال: أنت طالق قبل أن أنكحك، فهذا طلاق في الماضي، ولا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن ينوي وقوع الطلاق في الحال، فيقع؛ لأنه مقر على نفسه بما هو أغلظ في حقه، فهو يريد إيقاعه الآن، وقال لزوجته: أنت طالق بالأمس.

    القسم الثاني: ألا يريد إيقاعه في الحال، وإنما يقصد، أنه طلقها قبل أن ينكحها، أو أنه طلقها بالأمس، فهذا لا يقع طلاقه كما ذكر المؤلف رحمه الله؛ لأنه يخبر عن شيء لم يقع، يقول: أنت طالق أمس، وهو لا يقصد إيقاعه الآن، أو أنت طالق قبل أن أنكحك، ولا يقصد أن يوقعه الآن، فهو يخبر عن شيء مضى، ولم يحصل، فلا يقع به الطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قبل).

    هذا القسم الثالث، وعلى هذا فالمسألة لها ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن ينوي وقوعه في الحال، يعني قال: أنت طالق أمس، أو قبل أن أنكحك، ينوي أنها طالق الآن، أي: أنه يطلقها الآن، فيقع عليها الطلاق.

    القسم الثاني: أن ينوي وقوعه في الماضي وهو لم يقع، فلا يقع الطلاق، قال: أنت طالق بالأمس، ينوي أنه حصل طلاق بالأمس، فلا يقع الطلاق، لأنه يخبر عن شيء لم يحصل.

    القسم الثالث: قال المؤلف رحمه الله: (وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قبل).

    يعني أراد بهذا اللفظ طلاقاً سبق منه، كأن قال: أنت طالق أمس، يعني أراد أنه طلقها بالأمس، فهذا يقبل منه، وكذا لو قال: أنت طالق قبل أن أنكحك، وقصد بذلك أن زيداً تزوجها ثم طلقها قبل أن ينكحها، فيقبل منه؛ لأن لفظه يحتمله.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن مات أو جن أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق).

    يعني لو قال لها: أنت طالق أمس، لم يبين هل قصد الآن، أو قصد الطلاق في الماضي، أو قصد طلاقاً سبق منه، أو سبق من غيره؟ فالمؤلف رحمه الله يقول: لا تطلق، لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: طالق ثلاثاً قبل قدوم زيدٍ بشهرٍ فقدم قبل مضيه لم تطلق).

    إذا قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فهذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يقدم زيد قبل مضي شهر، فالحكم أنها لا تطلق، لأنه يقول: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فجاء زيد بعد عشرة أيام من هذا اللفظ، فمعنى ذلك أن الطلاق قبل عشرة أيام، فلا تطلق لعدم وجود المعلق عليه، لأنه علق الطلاق على قدوم زيد أو قبل قدوم زيد بشهر، ولم يحصل هذا، فزيد قدم قبل عشرة أيام، فهو كما لو قال لها: أنت طالق أمس.

    الحالة الثانية: قال المؤلف رحمه الله: (وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع).

    لو قال لها: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، قاله مثلاً في واحد محرم، الساعة السابعة فقدم زيد في واحد صفر، الساعة الثامنة، فإنها تطلق في الساعة السابعة ودقيقة، وعلى هذا لو أن زيداً قدم قبل السابعة من الشهر الثاني فإنها لا تطلق، لأنه حتى الآن ما مضى شهر، لكن لو قدم في الساعة السابعة وبعد جزء يمكن أن يقع الطلاق فيه، فإنها تطلق، ولو فرضنا أنه تلفظ بهذا اللفظ الساعة السابعة وقدم زيد في الساعة السابعة تماماً، فإنها لا تطلق، لأنه لم يمض الجزء الذي يوقع فيه الطلاق.

    ولو قدم زيد بعد شهرين فإنها تطلق من باب أولى، ولو قدم بعد خمسة أشهر فإنها تطلق، لكنها تطلق في الساعة السابعة وجزء من الشهر الثاني.

    1.   

    الخلع أثناء الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن خالعها بعد اليمين بيوم، وقدم بعد شهر ويومين صح الخلع وبطل الطلاق).

    إن خالعها بعد اليمين بيوم، وقدم بعد شهر ويومين، صح الخلع وبطل الطلاق؛ لأن الخلع وافق محله وهو الزوجية، والطلاق لا يصح؛ لأنه وافق امرأة قد خلعت، كما قد تقدم لنا في الخلع، فالمختلعة لا يلحقها طلاق، وهذه صورة المسألة: خالعها بعد اليمين بيوم، فقال لها يوم السبت في واحد من محرم في الساعة السابعة: أنت طالق قبل قدوم زيد يشهر، ويوم الأحد خالعها، وقدم زيد بعد شهر ويومين، قدم في ثلاثة صفر، فلا يقع الطلاق هنا، لأنها قد اختلعت، فوقع الطلاق على امرأة قد اختلعت؛ لأن الخلع تقدم على وقوع الطلاق بيوم واحد.

    وقد تقدم لنا أن المختلعة لا يلحقها طلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وعكسهما بعد شهر وساعة).

    أي: يقع الطلاق ويبطل الخلع إذا قدم زيد بعد شهر وساعة، لأن الطلاق وقع قبل الخلع، فالطلاق يقع ولا يصح الخلع، لكن لا يصح الخلع إذا كان الطلاق بائناً، وإذا كانت آخر الطلقات الثلاث، فإن كان الطلاق غير بائن، بأن كانت رجعية، فيصح الخلع، فمثلاً قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، وبعد يوم خالعها، فقدم زيد بعد شهر تماماً وساعة، فيقع الطلاق، وأما الخلع فإنه لا يقع، لكن الخلع لا يقع إذا كان الطلاق بائناً كما لو كانت آخر الطلقات الثلاث، فإن كانت رجعية فيقع الطلاق ويقع أيضاً الخلع.

    1.   

    تعليق الطلاق بالموت

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: طالق قبل موتي طلقت في الحال).

    لأنه في هذا الزمن يصدق أنه قبل موته، فالمعلق عليه موجود، فتطلق في الحال، وإن قال: أنت طالق قبيل موتي، فلا تطلق في الحال، وإنما تطلق في آخر لحظة قبل موته، لأن التصغير يدل على التقريب.

    قال المؤلف رحمه الله: (وعكسه معه أو بعده).

    لو قال: أنت طالق مع موتي، فلا تطلق، ولو قال: أنت طالق بعد موتي، فلا تطلق؛ لأن الطلاق لم يصادف محلاً، لأنه لما مات انتهت أهليته، فلم يصادف بطلاق محلاً، والبينونة وقعت بالموت، فلابد أن يقع الطلاق على محل.

    1.   

    تعليق الطلاق بالمستحيل

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل:

    وأنت طالق إن طرت أو صعدت السماء، أو قلبت الحجر ذهباً ونحوه من المستحيل لم تطلق).

    إذا علق الطلاق على أمر مستحيل فلا تطلق، فلو قال: إن قلبت الحجر ذهباً فأنت طالق، أو قال: أنت طالق إن طرت، فهنا لا يمكن التطليق، فإذا علقه على أمر مستحيل إما عادة أو أنه مستحيل ذاتاً، فلا يقع.

    قال المؤلف رحمه الله: (وتطلق في عكسه وهو النفي في المستحيل، مثل: لأقتلن الميت أو لأصعدن السماء ونحوهما).

    مثل لو قال: أنت طالق لأصعدن السماء، أو لأقتلن الميت، فالمؤلف رحمه الله يقول: يقع الطلاق في الحال لما تقدم.

    1.   

    تعليق الطلاق بالمستقبل وبيان ما يقتضيه

    قال المؤلف رحمه الله: (وأنت طالق اليوم إذا جاء غدٌ).

    لأنه لا يمكن أن يأتي الغد في نفس اليوم، فهذا من التعليق على المستحيل.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر، أو اليوم، طلقت في الحال).

    إذا قال: أنت طالق في هذا الشهر، فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: تطلق في الحال، لأنه جعل الشهر ظرفاً لوقوع الطلاق، فإذا وجد ما يتسع له من لفظ الطلاق فإنه يقع الطلاق، ولأنه يصدق عليه وجود الصفة، فيصدق عليه وقوع الطلاق في أوله وفي آخره وفي وسطه، فهو جعل كل الشهر ظرفاً لحصول الطلاق، ومثله أيضاً لو قال: أنت طالق اليوم، فتطلق في الحال.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: في غدٍ، أو السبت، أو رمضان طلقت في أوله).

    لو قال: أنت طالق في الغد، تطلق في أوله بطلوع الفجر الثاني، وفي رمضان، تطلق في أوله بإتمام العدة، أو برؤية هلال رمضان، أو السبت، فتطلق أيضاً في أول السبت.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أردت آخر الكل دين وقبل).

    إذا قال: أنت طالق في رمضان، أو في غد، أو في السبت، نقول له: بأنها تطلق عليه في أوله، لكن لو قال: أنا قصدت آخر رمضان، أو قصدت آخر يوم السبت، فالمؤلف رحمه الله يقول: يقبل حكماً، فلو أن المرأة رافعته إلى القاضي فإنه يقبل حكماً، لأن آخر هذه الأوقات ووسطها منها، فإذا قال: أنت طالق في رمضان، فآخر رمضان من رمضان، ووسط رمضان من رمضان، فيقبل منه حكماً ويدين، يعني يوكل إلى دينه، ومثله أيضاً لو قال: أنت طالق في غدٍ فإنها تطلق في أوله، لكن لو قال: أنا أقصد آخر الغد، فيقبل منه حكماً، ومثله لو قال: أنت طالق في هذا الشهر أو غير ذلك كما تقدم.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأنت طالق إلى شهر طلقت عند انقضائه).

    لورود ذلك عن ابن عباس وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما، ومثله أيضاً لو قال: أنت طالق إلى سنة، فتطلق عند انقضاء السنة.

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا أن ينوي في الحال فيقع).

    إذا نوى أنه يقع في الحال فيقع في الحال.

    قال المؤلف رحمه الله: (وطالق إلى سنة، تطلق باثني عشر شهراً).

    إذا قال: طالق إلى سنة تطلق بمضي اثني عشر شهراً إن لم يعرفها بالألف واللام، فإن عرفها بالألف واللام طلقت بانسلاخ ذي الحجة، لأن الألف واللام للعهد الحضوري، يعني السنة المعهودة، وهي السنة الموجودة الآن.

    1.   

    تعليق الطلاق بالشروط

    قال المؤلف رحمه الله: (باب تعليق الطلاق بالشروط لا يصح إلا من زوج).

    لا يصح تعليق الطلاق بالشروط إلا من الزوج، ودليل ذلك ما تقدم من أن الطلاق يملكه الزوج ولا يملكه غيره، وعلى هذا لو قال: أنت طالق، فقال أبوه: إن رضيت أمها، أو إن رضي أبوها، فلا يصح، لأنه يشترط أن يكون التعليق من الزوج؛ لأنه هو الذي بيده الطلاق، وقد تقدم لنا ذلك، ويدل له قول الله عز وجل: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:227]، مما يدل على أن العزم إنما يكون من الزوج، والطلاق لمن أخذ بالساق، وأيضاً قول الله عز وجل: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن علقه بشرط لم تطلق قبله، سواء كان الشرط متقدماً أو متأخراً).

    قال: إذا علقه بشرط لم تطلق قبل وجود الشرط، سواء كان الشرط متقدماً أو متأخراً، متقدماً، مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، ومتأخر، مثل: أنت طالق إن دخلت الدار، قال: لم تطلق قبله، يعني قبل وجود الشرط، لعدم وجود المعلق عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولو قال: عجلته، لم يتعجل).

    لو قال: عجلت ما علقته، لم يتعجل، لأن الطلاق تعلق بالشرط، قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فتطلق إذا دخلت الدار، ولا يتعجل الطلاق، لأن الطلاق اشتغل بشرط، وهو دخول الدار، لكن لو قصد طلاقاً جديداً غير الطلاق الذي تعلق بالشرط، فإنه يقع عليه، وعلى هذا إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: عجلته، نقول: إذا كان قصده تعجيل هذا اللفظ من الطلاق فلا يقع، لأن هذا الطلاق تعلق بالشرط، واشتغل به فلا يتعجل، وإن قصد إيقاع طلاق جديد غير هذا الطلاق المعلق، فإنه يقع عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال).

    لأنه أقر على نفسه بما هو أغلظ، فلو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: أنا ما قصدت أن أقول: إن دخلت الدار، قصدي إيقاع الطلاق فيقع في الحال.

    وما يلحق بألفاظ المطلقين والفاسخين والمتبرعين ونحو ذلك من شروط أو صفات أو استثناءات، فحكمها حكم المستثنى، وعلى هذا فالشروط السابقة في الاستثناء تأتي هنا، فإذا اشترط فقال: أنت طالق إن دخلت الدار، فقوله إن دخلت الدار نوع من الاستثناء، فنشترط أن يكون من الزوج، وأن يستثني باللفظ، والاتصال، والنية، وغير ذلك من الشروط السابقة، ومثله أيضاً لو قال: بيتي وقف، ثم قال: الصغير، وصفه بكونه الصغير، فهذا الوصف الذي ألحق بهذا اللفظ يشترط فيه ما تقدم.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أنت طالق، وقال: أردت إن قمت لم يقبل حكماً).

    لو قال لزوجته: أنت طالق، ثم قال: أردت إن قمت، فالمؤلف رحمه الله: لا يقبل حكماً، يعني أن القاضي لا يقبله، لأن القاضي يقضي على نحو ما يسمع، لكن هل للمرأة أن ترافعه؟ تقدم لنا التفصيل في هذه المسألة.