إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يعتبر طلاق المكره إلا إذا كان إكراهه بحق، وأما الطلاق في نكاح مختلف فيه فمن العلماء من يرى وقوعه وهو الصواب، ومنهم من يرى عدم الوقوع، وفي طلاق الهازل والغضبان خلاف. ولا بأس بالتوكيل في الطلاق، وأما طلاق الثلاث دفعة واحدة فالجمهور يرون تحريمه ووقوعه، وا

    1.   

    تابع طلاق المكره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أكره عليه ظلماً بإيلام له أو لولده، أو أخذ مال يضره، أو هدده بأحدها قادر يظن إيقاعه به، فطلق تبعاً لقوله لم يقع.

    ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه، ومن الغضبان، ووكيله كهو، ويطلق واحدة ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتاً وعدداً، وامرأته كوكيله في طلاق نفسها.

    فصل:

    إذا طلقها مرة في طهر لم يجامع فيه، وتركها حتى تنقضي عدتها فهو سنة، وتحرم الثلاث إذاً].

    تقدم لنا شيء من أحكام الطلاق، ومن ذلك أن الطلاق في اللغة: التخلية. وأما في الاصطلاح: فهو حل قيد النكاح كله أو بعضه.

    وذكرنا أن الأصل فيه أنه مكروه، وذكرنا دليل ذلك من القرآن، ومن النظر، وأنه يخرج إلى بقية الأحكام التكليفية الخمسة، وأنه تارة يكون واجباً، وتارة يكون محرماً، وتارة يكون مباحاً.. إلى آخر ما تقدم.

    وهل يقع الطلاق من المميز أو لا يقع؟ وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الطلاق يقع من المميز إذا كان يعقله، أي: يعرف أنه إذا تلفظ بهذا اللفظ فإن الطلاق يقع عليه، وينحل نكاح زوجته.

    وذكرنا الرأي الثاني في هذه المسألة، وأن طلاق المميز لا يقع، وأنه يشترط أن يكون بالغاً، وأيضاً تقدم لنا أن من زال عقله أو غطي على عقله أنه لا يقع طلاقه، وتعرضنا لكلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في طلاق السكران، هل يقع طلاقه أو لا يقع؟ وأن السكر لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون بعذر، فهذا لا يقع طلاقه، والأمر الثاني: أن يكون غير معذور بسكره، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وذكرنا من شروط وقوع الطلاق الاختيار، وعلى هذا إذا أكره على الطلاق فإن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون الإكراه بحق، فهذا يقع طلاقه، كما لو أكرهه القاضي على الطلاق لسوء العشرة بين الزوجين.

    القسم الثاني: أن يكون الإكراه بغير حق، فجمهور العلماء رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يقع طلاقه، وهو المذهب، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ظلماً) مما يدل على أنه إذ كان بغير حق فإنه لا يقع طلاقه، وهذا قول جمهور أهل العلم، ودليلهم على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، ولورود ذلك أيضاً عن عمر ، وأيضاً لحديث عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات )، وهذا لم يقصد الطلاق، ولا طلاق ولا عتاق في إغلاق.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، وأن طلاق المكره يقع، واستدلوا على ذلك بالعمومات، كقول الله عز وجل: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، وأيضاً قول الله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، وهذا يشمل المكره.

    والصواب في هذه المسألة ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن المكره لا يقع طلاقه، وأما هذه العمومات التي يستدل بها الحنفية رحمهم الله، فهي مخصصة بالأدلة الدالة على عدم وقوع الطلاق، ولأن فعل المكره لا ينسب إليه، إذ أنه بغير قصد، ولابد من الرضا والقصد، وكما تقدم لنا قاعدة كبيرة، وهي قاعدة الرضا.

    1.   

    شروط الإكراه على الطلاق

    لكن هذا الإكراه يشترط له شروط:

    الشرط الأول: ما أشار إليه المؤلف رحمه الله، قال: (ظلماً).

    أي: أن يكون الإكراه بغير حق، فإن كان بحق فالطلاق واقع.

    الشرط الثاني: أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: (بإيلام له، أو لولده، أو أخذ مال يضره).

    الضابط لذلك أن توجد مشقة ظاهرة في الإكراه، ومن أمثلة هذه المشقة ما ذكر المؤلف رحمه الله: بإيلام له، بضرب يؤلمه، أو يؤلم ولده، أو بأخذ مال يضره.

    وقول المؤلف رحمه الله: (له أو لولده).

    هل يدخل في ذلك بقية الأقارب، أو نقول بأن هذا خاص بالمكره وولده، الضابط في ذلك هو حصول المشقة، فإذا حصلت المشقة الظاهرة، سواء كان هذا الإيلام له أو لولده أو لوالديه أو لبقية أقاربه، فإنه لا يقع الطلاق، هذا هو الضابط في هذه المسألة، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن الوالدين لا يدخلان، لأنه نص على الولد، وعلى المطلق نفسه، وذكر صاحب الفروع بأنه يتوجه أن يدخل الوالدان، وذكر ابن رجب رحمه الله تعالى أنه يشمل الوالد والزوجة والصديق ونحو ذلك، فالضابط في ذلك هو ما ذكرنا من حصول المشقة الظاهرة، فإذا حصلت المشقة الظاهرة فهذا سبب من أسباب التخفيف ولا يقع به الطلاق.

    قال: (أو هدده بأحدهما قادر).

    يعني سواء باشر الفعل أو لم يباشر الفعل، المهم يشترط أن يكون قادراً كما سيأتي.

    قوله: قادر.

    هذا هو الشرط الثالث: أن يكون المكره قادراً على إيقاع ما هدد به؛ لسلطته وقوته ونحو ذلك، وعلى هذا إذا كان عاجزاً فإنه يقع الطلاق، فلو أن صبياً صغيراً هدد رجلاً كبيراً على أن يطلق زوجته وإلا ضربه يقع الطلاق؛ لأن هذا ليس إكراهاً فلابد أن يكون قادراً على إيقاع ما هدد به.

    قال رحمه الله: (يظن إيقاعه).

    هذا هو الشرط الرابع: أن يظن الزوج أن المهدد سيوقع ما هدد به، وعلى هذا إذا كان يظن أنه لن يوقع فليس إكراهاً، وإن استوى الأمران، فظاهر كلام المؤلف أنه أيضاً ليس إكراهاً، فالأقسام ثلاثة:

    القسم الأول: أن يظن أنه سيوقع ما هدد به، فنقول بأنه إكراه.

    القسم الثاني: أن يظن أنه لن يوقع ما هدد به، فليس إكراهاً.

    القسم الثالث: أن يستوي الأمران، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يقع الطلاق وليس إكراهاً، لأنه قال: يظن، والصواب في هذه المسألة أنه حتى ولو استوى الأمران كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه يكون إكراهاً.

    قال رحمه الله: (فطلق تبعاً لقوله لم يقع).

    هذا هو الشرط الخامس: أن يطلق لرفع الإكراه لا لقصد الطلاق، وهذه المسألة أيضاً على ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يقصد بطلاقه أن يرفع الإكراه ولا يقصد الطلاق، فهذا لا يقع طلاقه.

    القسم الثاني: أن يقصد الطلاق، سواء ارتفع الإكراه أو لم يرتفع الإكراه، فهذا يقع طلاقه.

    القسم الثالث: أن يقصد الطلاق لأجل رفع الإكراه، فهذا فيه قولان للعلماء رحمهم الله، فالأول قصد رفع الإكراه ولم يقصد الطلاق أصلاً، وهنا قصد الطلاق لكن لأجل أن يرفع الإكراه، وهذا يحصل، فبعض الناس تجده يطلق لكي يرفع الإكراه عن نفسه، قد تكرهه زوجته فيطلق لأجل أن يرفع الإكراه، فإذا لم يقصد إلا رفع الإكراه فلا يقع، وإن قصد الطلاق سواء ارتفع الإكراه أو لم يرتفع فهذا يقع.

    في القسم الثالث وهو أن يقصد الطلاق لأجل أن يرفع الإكراه خلاف عند العلماء رحمهم الله، والمشهور من المذهب أنه يقع طلاقه، وعلى هذا يشترط على المذهب أن يقصد رفع الإكراه، أما لو قصد الطلاق، حتى لو كان قاصداً أن يرفع به الإكراه، فيرون أنه يقع طلاقه.

    الرأي الثاني: أنه لا يقع طلاقه، وهذا القول هو الصواب؛ لما تقدم من الأدلة، لأنه وإن قصد الطلاق فإن هذا القصد ليس أصلياً وإنما جاء تبعاً، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره.

    1.   

    طلاق المسحور والموسوس

    ومما يدخل في شرط الاختيار المسحور، هل يقع طلاقه أو لا يقع طلاقه؟

    نقول: لا يقع طلاقه، وقد نص على ذلك أيضاً ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي، إذاً مما يدخل في شرط الاختيار الموسوس؛ لأن بعض الناس يوسوس في الطلاق، ويتلاعب به الشيطان، ويوهمه أنه طلق ولم يطلق، فهذا أيضاً لا يقع طلاقه؛ لأننا نشترط الاختيار في الظاهر وفي الباطن.

    1.   

    الطلاق في النكاح المختلف فيه

    قال المؤلف: (ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه).

    النكاح المختلف فيه هو الذي اختل شرط من شروط صحته، فبعض العلماء يرى صحة هذا الطلاق، وبعضهم يرى فساده، مثال ذلك: النكاح بلا ولي، فقد سلف لنا أن جمهور أهل العلم يرون أن هذا النكاح فاسد، وعند الحنفية أن الحرة المكلفة لها أن تزوج نفسها، ويرون أنه صحيح، فجمهور العلماء رحمهم الله تعالى يرون فساده، والحنفية يرون صحته، فهل يقع الطلاق في النكاح الفاسد، أو لا يقع؟ المؤلف رحمه الله تعالى يقول: يقع الطلاق في النكاح الفاسد.

    وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى من أن الطلاق يقع في النكاح الفاسد صواب، فمثلاً النكاح بلا ولي، أو النكاح بلا شهود، بعض العلماء يرى صحته، وبعض العلماء يرى فساده، فمن يرى أنه فاسد كالنكاح بلا ولي، فنقول: بأن الطلاق هنا يجب على الزوج، ولو قلنا بأن الزوج لا يطلق، فهناك من العلماء من يرى أن العقد صحيح، كيف تتزوج هذه المرأة؟ فمن باب أولى أن نقول: يقع الطلاق فيه، حتى أن العلماء رحمهم الله قالوا بأنه لا يكون الطلاق فيه بدعياً، يعني كالطلاق في الحيض، فالطلاق في النكاح المختلف فيه يصح حتى في الحيض؛ لأن الطلاق فيه واجب عند من يرى فساده.

    1.   

    طلاق الغضبان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن الغضبان).

    الغضب أيضاً داخل تحت شرط الاختيار، هل يقع فيه الطلاق، أو لا يقع؟

    المؤلف رحمه الله يرى أنه يقع فيه الطلاق، والمشهور من المذهب أن طلاق الغضبان يقع إلا إذا غمّ عليه، بحيث لا يشعر بما يقول، وعلى هذا نقول بأن الغضبان ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يغمّ عليه بحيث لا يشعر بما يقول، ولا يتصور ما يقول، ولو قيل له: إنك قلت كذا وكذا لم يستحضر شيئاً من ذلك، فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق.

    القسم الثاني: أن يكون الطلاق في مبادئه، بحيث يتصور ما يقول، ويملك أن يمنع نفسه من التلفظ، فهذا يقع طلاقه بالإجماع.

    القسم الثالث: ما بين هذين القسمين، أن يستحكم به الغضب ويشتد، لكن لا يغمّ عليه، ولا يملك منع نفسه، ويحول الغضب بينه وبين نيته، بحيث تجده يندم على ما فرط، فهو يعلم ما يقول، لكنه من شدة الغضب لا يتمكن من منع نفسه، والغضب يحول بينه وبين نيته، بحيث تجده يندم على ما بدر منه، هذه المسألة موضع خلاف بين العلماء رحمه الله، وقد أطال ابن القيم رحمه الله الكلام فيها، وذكر أدلة كثيرة على عدم وقوع الطلاق، فجمهور أهل العلم يرون أن الطلاق يقع؛ لوجود العقل، لأن عقله موجود، وأيضاً يستدلون على ذلك بحديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري ، فإنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله فوجده غضبان، فحلف لا يحملهم، ثم حملهم وكفر، قالوا: فانعقد عقد اليمين مع وجود الغضب.

    والرأي الثاني: أنه لا يقع طلاقه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم ، واستدلوا بحديث أبي بكرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقضي القاضي وهو غضبان )، مما يدل على أنه لا ينفذ قوله، وأيضاً ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الطلاق عن وطر، يعني عن قصد، رواه البخاري معلقاً، والغضبان إذا استحكم به الغضب لا يكون قاصداً، والأدلة السابقة في عدم وقوع طلاق السكران كلها يستدل بها في هذا الموضع، كل الأدلة السابقة في عدم وقوع طلاق الغضبان والمكره -لأن الغضب نوع من الإكراه- مما يستدل بها لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، وأنه لا يقع طلاق الغضبان في الحالة الثالثة.

    1.   

    طلاق الهازل

    الشرط السادس: أن يكون جاداً، وعلى هذا إذا كان هازلاً -والهازل هو الذي قصد اللفظ في الظاهر ولم يقصده في الباطن- فهل يقع طلاقه، أو لا يقع؟

    جمهور العلماء أنه يقع طلاقه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد )، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهن (الطلاق).

    الرأي الثاني: وهو رأي الظاهرية، أن الهازل لا يقع طلاقه، وأنه لابد أن يكون جاداً، واستدلوا على ذلك بما تقدم من الأدلة على اشتراط الرضا، وهذا الهازل وإن رضي في الظاهر إلا أنه لم يرض في الباطن، وكذلك يستدلون بما تقدم من الأدلة على عدم وقوع طلاق السكران، والمكره، ونحو ذلك؛ لأن هؤلاء لا قصد لهم، فكذلك أيضاً الهازل لا قصد له.

    وأما حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد )، فهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت العقود لابد فيها من الجد، كعقد البيع وعقد الإجارة، بحيث لو عقد عقد بيع هازلاً ما انعقد عقده، فكذلك أيضاً نقول في الطلاق، فترتب انحلال عقد النكاح لابد أيضاً فيه من الجد، والآثار الواردة في ذلك عن الصحابة فيها ضعف.

    فالصواب في هذه المسألة أن طلاق الهازل لا يقع، لكن ليس المعنى أن يتلاعب الإنسان بألفاظ الطلاق، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [البقرة:231]، وإنك لتأسف اليوم حيث تجد أن كثيراً من الناس يتلاعبون بألفاظ الطلاق، فلا يحلفون إلا بالطلاق، ولا يتلفظون إلا بألفاظ الطلاق ويرون أن التلفظ بألفاظ الطلاق هو السبيل لإصلاح اعوجاج المرأة، وهذا خطأ.

    1.   

    التوكيل في الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (ووكيله كهو).

    يعني وكيل الزوج كالزوج، فيصح توكيل المكلف، ويصح أيضاً توكيل المميز الذي يعقله على المذهب، لكن إذا قلنا بأن طلاق المميز لا يصح فلا يصح توكيله، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه يصح التوكيل في إيقاع الطلاق، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في البخاري عند قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]، تقول عائشة : (خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترنا الله ورسوله ولم يعدها شيئاً، أو لم يعدها علينا شيئاً)، وفي لفظ: (لم يعدها طلاقاً)، وهذا التخيير يدل على صحة التوكيل في عقد الطلاق.

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية: أنه لا يصح التوكيل في عقد الطلاق؛ لقول الله عز وجل: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا [الأنعام:164]، فالزوج لا يكسب إلا على نفسه، ووكيله لا يكسب عليه، والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن التوكيل في الطلاق يصح، كما أنه يصح التوكيل في عقد النكاح في ابتدائه فكذلك أيضاً يصح في فسخه.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويطلق واحدة).

    يعني الوكيل لا يملك أن يطلق إلا واحدة؛ لأن طلاق الواحدة هو طلاق السنة، وما زاد على ذلك فإنه ليس من طلاق السنة.

    قال رحمه الله: (ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتاً وعدداً).

    يقول المؤلف رحمه الله: يطلق واحدة، ويطلق متى شاء، وظاهر كلامه أنه يطلق في أي وقت، والصواب في ذلك أنه لا يطلق في وقت البدعة كما سيأتينا، كما لو كانت المرأة حائضاً أو في طهر وطئ فيه؛ لأن الزوج لا يملك أن يطلق في هذه الحالة، فكذلك أيضاً وكيله.

    وظاهر كلام المؤلف أنه لو عين له عدداً كأن قال: طلق اثنتين، أو طلقها ثلاثاً أنه يملك ذلك، والصواب أنه لا يملك ذلك، لأن الزوج لا يملكه كما سيأتينا، فإذا كان الزوج لا يملك أن يطلق أكثر من واحدة، فكذلك أيضاً وكيله لا يملك أن يطلق أكثر من واحدة.

    قال: (وامرأته كوكيله في طلاق نفسها).

    يعني يؤخذ من ذلك أنه يصح أن توكل المرأة في تطليق نفسها، وأن لها أن تطلق نفسها متى شاءت كالوكيل، وتقدم الكلام على حكم التوكيل في الطلاق، وأن التوكيل في الطلاق صحيح، وذكرنا الدليل على ذلك، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    فالصحيح أن المرأة كالوكيل، وأنها تتقيد بطلاق السنة وقتاً وعدداً، فلا تملك أن تطلق نفسها أكثر من واحدة، ولا تملك أن تطلق نفسها طلاق بدعة، كالطلاق في الحيض أو الطلاق في الطهر الذي وطئ فيه.

    وتبطل الوكالة في الطلاق بالرجوع، والرجوع إما أن يكون بالقول أو يكون بالفعل، بالقول كأن يقول: رجعت، أو أبطلت الوكالة، أو نحو ذلك من الألفاظ، وبالفعل، كالوطء، فإذا وطئ المرأة مثلاً، فهذا مما يدل على أنه رجع في التوكيل.

    1.   

    طلاق السنة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: إذا طلقها في طهر لم يجامع فيه، وتركها حتى تنقضي عدتها فهو سنة).

    في هذا الفصل شرع المؤلف رحمه الله في بيان طلاق السنة، وطلاق البدعة، وهذا الفصل من أهم فصول الطلاق؛ لأن فيه بيان طلاق السنة، وطلاق البدعة، وهذا الطلاق يجهله كثير من الناس.

    طلاق السنة: ما توفر فيه أربع صفات، وسمي هذا الطلاق طلاق سنة لكونه موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمي طلاق البدعة بهذا الاسم لكونه مخالفاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومخالفة السنة لم تجر عادة الفقهاء رحمهم الله بتسميتها بدعة، كثير من الأحكام يسمونها إما مكروهة أو محرمة، لكن إطلاق لفظ البدعة إنما جاء هنا؛ للتنفير والتقبيح عن هذا الطلاق، لكونه مخالفاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فالأصل أن نقول بأنه محرم، أو مكروه، كسائر الأحكام الفقهية، فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان )، من حديث عائشة لـمسلم فلو صلى بحضرة طعام، أو وهو يدافعه الأخبثان، فهو مكروه، فالفقهاء لا يعبرون بالبدعة، إلا في هذا الطلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: (إذا طلقها مرة في طهر لم يجامع فيه، وتركها حتى تنقضي عدتها فهو سنة).

    الصفة الأولى من صفات طلاق السنة: أن يطلقها مرة، يعني طلقة واحدة، ولا يزيد على ذلك.

    قال: (في طهر) هذه الصفة الثانية، أن يطلقها غير حائض.

    قال: (لم يجامع فيه) هذا الصفة الثالثة، أن يطلقها في طهر لم يجامع فيه.

    قال: (وتركها حتى تنقضي عدتها) هذه الصفة الرابعة، ألا يتبعها طلقة أخرى في العدة، بل يتركها حتى تنتهي عدتها، هذا طلاق العدة، وهو ما جمع هذه الصفات الأربع، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، قال ابن مسعود : طاهرات من غير جماع، وفي حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين لما طلق امرأته وهي حائض، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لـعمر : ( مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس )، هذا في الطهر، ( قبل أن يمس )، أي في طهر لم يجامع فيه، وليست حائضاً فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، ويطلق طلقة واحدة كما ستأتينا الأدلة على ذلك، وأن ما زاد على واحدة فإنه محرم ولا يجوز.

    والصفة الأولى: أن يطلقها طلقة واحدة، ثم يتركها حتى تنتهي عدتها، هذا طلاق السنة، شيخ الإسلام يقول: طلاق السنة أن يكون لكل طلقة عدة، يعني، فلا يملك أن يطلق طلقة ثانية إلا بعد عقد بانتهاء العدة، أو بعد مراجعة، يعني: بعد أن يراجع لا لقصد الطلاق، لأنه إذا راجع لقصد الطلاق فهي مراجعة باطلة فاسدة، فلكل طلقة عدة، قال تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، لكل طلقة، يعني أنه في كل طلقة تستقبل عدة، ولو قلنا بأن الطلقة الثانية تقع عليها وهي معتدة، لما استقبلت بالطلقة الثانية عدة.

    فعندنا الآن أربع صفات لطلاق السنة:

    الصفة الأولى: أن يطلقها مرة واحدة، فإذا زاد على ذلك فلا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يطلق ثلاثاً: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وعندنا لطلاق الثلاث حكمان:

    الحكم الأول: الحكم التكليفي، هل هو حرام أو ليس حراماً؟

    والحكم الثاني: الحكم الوضعي، هل تقع الثلاث أو لا تقع؟

    1.   

    الطلاق ثلاثاً

    قال رحمه الله: (وتحرم الثلاث إذاً).

    فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله في الحالة الأولى إذا طلق ثلاثاً أن طلاق الثلاث محرم، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، والدليل على أنه محرم ولا يجوز، أولاً: قول الله عز وجل: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، أي: لإقبال عدتهن بحيث أنه في كل طلقة تستقبل عدة، فلو جمع ثلاثاً خالف طلاق العدة، فدل ذلك على أنه محرم ولا يجوز.

    وأيضاً هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا جيء إليه برجل طلق امرأته ثلاثاً أوجعه ضرباً، مما يدل على أنه محرم ولا يجوز، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الرجل الذي جاء يستفتيه وذكر له أن عمه طلق امرأته ثلاثاً، فقال: إن عمك عصى الله، وأطاع الشيطان، ولم يجعل الله له مخرجاً، وأيضاً في حديث محمود بن لبيد أنه طلق امرأته ثلاثاً، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم )، وكذلك أيضاً قالوا: بأنه وارد عن علي وابن مسعود إلى آخره.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي أنه لا بأس أن يطلق ثلاثاً، واستدلوا على ذلك بقصة عويمر العجلاني أنه لما جاع لاعن امرأته، قال: هي الطلاق، هي الطلاق، هي الطلاق، بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً ما ثبت في الصحيحين من حديث امرأة رفاعة القرضي أنها جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم وذكرت أنها كانت عند رفاعة ، قالت: فطلقني فبت طلاقي، مما يدل على أنه طلقها ثلاثاً، وأيضاً فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاث تطليقات، كما في الصحيحين من حديث عائشة.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن الطلاق الثلاث محرم ولا يجوز.

    وأما حديث عويمر العجلاني فالجواب عنه أن الفرقة حصلت باللعان، فقوله: هي الطلاق، هي الطلاق، هي الطلاق، هذا لغو؛ فإنه لما حصل اللعان حصلت الفرقة الأبدية بين الزوجين.

    وأما قصة امرأة رفاعة القرضي قالت: طلقني فبت طلاقي، فيحتمل أنه طلقها آخر الطلقات الثلاث، وليس في الحديث أنه جمع ثلاثاً.

    وحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً، جاء في صحيح مسلم أن زوجها طلقها آخر الطلقات الثلاث، فهذا يدل على أن الحكم التكليفي للطلاق الثلاث أنه محرم ولا يجوز، كما أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وبالنسبة للطلقتين، ظاهر كلام المؤلف أنه لا بأس أن يطلق طلقتين، والمشهور من المذهب أنه مكروه، وكما تقدم رأي الشافعي أنه مباح.

    والرأي الثالث: أنه محرم، وهذا القول هو الصواب، لأنه على خلاف أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم،

    فليس طلاقاً للعدة.

    الحكم الثاني: الحكم الوضعي، هل يقع طلاق الثلاث إذا طلق ثلاثاً، أو نقول بأن الطلاق الثلاث لا يقع؟

    هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله كثيراً، فجمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة يرون أنه إذا طلقها ثلاثاً فإنها تطلق عليه ثلاث طلقات، سواء قال: أنت طالق ثلاثاً، أو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وبعض الجمهور يفرق، قال: إذا طلقها ثلاثاً فقال: أنت طالق ثلاثاً فلا يقع إلا واحدة، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فيقع عليه ثلاث طلقات.

    والرأي الثاني: ذهب إليه بعض الحنفية، وبعض المالكية، ورواية عن مالك رحمه الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أنها طلقة واحدة.

    والرأي الثالث: رأي ابن حزم أنها لغو، وأنه لا يقع شيء، ولكل منهم دليل، أما الجمهور فاستدلوا بحديث رفاعة القرضي أنها قالت: (طلقني فبت طلاقي)، وفاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثاً، وأيضاً حديث ابن عباس: (كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم)، وعمر له سنة، ووافقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، لكن هذا الحديث كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى شاذ مطرح، وهو مضطرب سنداً ومتناً، وإن أخرجه مسلم في صحيحه، ودافع عنه ابن القيم رحمه الله كثيراً.

    وهذا الحديث يستدل به الجمهور، ويستدل به من يقول بأن طلاق الثلاث يعتبر طلقة واحدة.

    الرأي الثاني: الذين قالوا بأنه لا يقع، استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قالوا بأن الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر الثلاث واحدة، وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يقول: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، يعني: مرة بعد مرة، دفعة بعد دفعة، فإذا قلت: ثلاثاً دفعة واحدة، فإنها تعتبر واحدة، نظير ذلك لو أن الإنسان قال: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، في دبر الصلاة دفعة واحدة، يشرع أن تقول سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، فلو قلتها دفعة واحدة هل تعتبر واحدة ولا تعتبر ثلاثاً وثلاثين، أيضاً قالوا هنا: إذا قال: أنت طالق ثلاثاً لا نعتبرها ثلاثاً، وإنما تكون طلقة واحدة.