إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للنكاح جملة شروط منها: رضا الزوجين حتى لو كانا صغيرين، أما البكر فوقع خلاف بين أهل العلم بين معتبر لرضاها وغير معتبر، ويعرف رضا الثيب بالنطق أما البكر فبالسكوت، ومن شروطه أيضاً الولي على الصحيح من أقوال أهل العلم، وأولياء النكاح مرتبون كترتيبهم في الإرث ف

    1.   

    الشرط الثاني من شروط صحة النكاح: رضا الزوجين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: الثاني: رضاهما إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير والبكر ولو مكلفة لا الثيب، فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجهم بغير إذنهم، كالسيد مع إمائه وعبده الصغير، ولا يزوج باقي الأولياء صغيرةً دون تسع، ولا صغيرًا ولا كبيرةً عاقلة، ولا بنت تسعٍ إلا بإذنهما، وهو صمات البكر ونطق الثيب.

    فصل: الثالث: الولي، وشروطه: التكليف والذكورية والحرية والرشد في العقد، واتفاق الدين سوى ما يذكر والعدالة، فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها، ويقدم أبو المرأة في إنكاحها، ثم وصيه فيه، ثم جدها لأب وإن علا، ثم ابنها ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوين ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم عمها لأبوين ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم أقرب عصبته نسبًا كالإرث، ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته نسبًا، ثم ولاء، ثم السلطان، فإن عضل الأقرب أو لم يكن أهلًا أو غاب غيبةً منقطعةً لا تقطع إلا بكلفة ومشقة زوج الأبعد، وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذر لم يصح ] .

    تقدم لنا ما يتعلق بأركان النكاح، وذكر المؤلف رحمه الله أن أركانه ركنان:

    الأول: الزوجان، والثاني: الصيغة (الإيجاب والقبول) وقلنا: هل يشترط في لفظ الإيجاب أن يكون بلفظ الإنكاح أو التزويح؟

    ثم بعد ذلك شرعنا في ذكر شروط صحة النكاح، وأن الشرط الأول: تعيين الزوجين وذكرنا دليل ذلك، وأن التعيين يحصل بواحد من أمورٍ أربعة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى: إما أن يسمها باسمها، أو أن يصفها بما تتميز به، أو أن يشير إليها، أو أن يكون التعيين بالواقع، تقدم الكلام على هذه المسائل.

    ثم بعد ذلك شرعنا في الشرط الثاني: وهو رضا الزوجين، وذكرنا ذلك، وأن الفقهاء رحمهم الله تعالى يستثنون بعض الأزواج ممن لا يشترط رضاه، وأخذنا الأول: وهو البالغ المعتوه فلا يشترط رضاه، وكذلك المجنون فرضاه غير معتبر، وكذلك المجنونة ورضاها غير معتبر أيضاً، والصواب أن هؤلاء يزوجون عند الحاجة، وأن التزويج ليس خاصًا بالأب ووصيه في النكاح.

    رضا الصغير

    ثم قال رحمه الله تعالى: ( والصغير ).

    هذا هو القسم الرابع ممن لا يعتبر رضاه، والمراد به من دون البلوغ، فهذا الصغير إذنه غير معتبر، إذ إن عبارته ملغاة، وجمهور أهل العلم على أن الصغير يزوج، واستدلوا على ذلك بما ورد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زوج ابنه وهو صغير، فاختصموا إلى زيد فأجازه.

    والرأي الثاني: أنه إذا كان مراهقاً -يعني: قارب البلوغ- لا يجبر على النكاح ولا يزوج إلا برضاه، والصواب في هذه المسألة أن يقال: تزويج الصغير جائز ولا بأس به، بل ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى بأنه لا يعلم خلافًا بين أهل العلم أن لأبيه أن يزوجه، فالصواب أنه يزوج لكن يقيد ذلك بما إذا كان عند الحاجة، ويستثنى من ذلك ما إذا راهق وقارب البلوغ فإنه لا يزوج إلا برضاه كما هو الرأي الثاني عند الحنابلة رحمهم الله تعالى.

    وهل التزويج خاصٌ بالأب ووصيه أو لا؟ المؤلف يقول: (فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم) ظاهر كلام المؤلف أن التزويج خاص بالأب ووصيه في النكاح، والرأي الثاني رأي الحنفية وهو أنه ليس خاصًا، وأن سائر الأولياء يزوجان الصغير، وهذا القول هو الصواب شرط أن يكون هناك حاجة.

    رضا البكر

    قال رحمه الله: (والبكر ولو مكلفةً).

    هذا هو القسم الخامس ممن لا يعتبر رضاه، والبكر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن تكون صغيرة دون تسع سنوات فهذه لا إذن لها ولا رضا؛ لأن عبارتها ملغاة، وجمهور أهل العلم على أنه لا بأس أن تزوج هذه الصغيرة، حتى ولو كان لها سنة أو سنتان ونحو ذلك، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] يعني: أن التي لم تحض عدتها ثلاثة أشهر، ويشمل هذا ما إذا كانت لم تحض لصغر، واستدلوا أيضًا بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وعقد عليها ولها ست أو سبع سنوات، وهذه صغيرة بلا شك.

    والرأي الثاني: أن الصغيرة لا تزوج، وهذا حكاه ابن حزم عن ابن شبرمة رحمه الله تعالى، وأنها لا تزوج حتى تبلغ وتأذن، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة على أنه يعتبر رضا المرأة، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن الرضا وهي صغيرة، وأما قول الله عز وجل: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] فهذا لا يلزم أن تكون صغيرة، فقد تكون بلغت السن المعتبر للبلوغ وهي لم تحض، فإذا طلقت من بلغت -مثلاً- عشرين سنة وهي لم تحض فإن عدتها بالأشهر كما في الآية.

    وأما زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله تعالى عنها فهذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة، منها أن هذا كان في أول الأمر قبل المنع من اعتبار رضا البكر، أو أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم له خصائص، وخصوصًا فيما يتعلق بالنكاح، فله أن يتزوج المرأة بالهبة، وله أن يتزوج أكثر من أربع، وله أن يتزوج الصغيرة.

    وما ذهب إليه ابن شبرمة رحمه الله تعالى يظهر -والله أعلم- أنه أحوط للمرأة، وأبعد عن التلاعب؛ لأنه قد يحصل شيء من التلاعب في تزويج الصغيرات، فنقول: ينتظر حتى تبلغ، أو حتى تعرف مصالح النكاح، فإذا عرفت مصالح النكاح فإنه يعتبر رضاها حينئذٍ، وهذا الذي يظهر في هذه المسألة والله أعلم.

    والجمهور يستدلون بوروده عن بعض الصحابة، فـعلي رضي الله تعالى عنه زوج عمر بن الخطاب أم كلثوم وهي صغيرة، وكذلك أيضًا قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير ، لكن يفرق بين حال الصحابة وبين الحال في مثل هذه الأزمان، ففي هذه الأزمان قد يكون ذلك محلًا للتلاعب بالنساء ونحو ذلك.

    القسم الثاني: أن تكون البكر قد بلغت، وأكثر أهل العلم على أن رضاها لا يعتبر، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الجملة، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها ما تقدم من زواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي صغيرة، قالوا: هذا دليل على أنه لم يعتبر رضا عائشة ، وإلا لانتظر ذلك إلى أن تبلغ، واستدلوا أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس في مسلم : ( الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن )، فقوله عليه الصلاة والسلام: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) يفهم منه: أن ولي البكر أحق بها من نفسها.

    وهذا رأي الجمهور في الجملة، وإن كانوا يشترطون بعض الشروط.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن البكر البالغة لا بد من رضاها وإذنها، واستدلوا على هذا بأدلة منها: حديث خنساء بنت خدام : ( أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فرد نكاحها ) ، وكذلك أيضاً حديث عبد الله بن بريدة : ( أن فتاةً جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها من ابن أخيه لكي يرفع بها خسيسته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها ) وهذا في السنن.

    فيظهر -والله أعلم- أنه لا بد من رضا البكر، لكن لو زوجت البكر بدون رضاها، فالذي يظهر -والله أعلم- من حديث عبد الله بن بريدة أن العقد صحيح، وأننا نجعل الخيار للمرأة فيكون هذا من باب تصرف الفضولي، إن أجازت المرأة النكاح نفذ، وإن لم تجزه لا ينفذ.

    القسم الثالث من أقسام البكر: التي بلغت تسع سنوات، وقد تقدم أن الجمهور يرون أنها تزوج؛ لأنهم يرون أن من دون التسع تزوج فهذه من باب أولى، والرأي الثاني رأي ابن شبرمة : أنها لا تزوج حتى تبلغ وتأذن، لكن إذا قلنا بأنها تزوج فالذي يظهر -والله أعلم- أن رضاها معتبر، وأما المذهب فإنه لا يعتبر رضاها كما تقدم، وهذا رأي أكثر أهل العلم رحمهم الله.

    والصواب في هذه المسألة: أنه يعتبر رضاها إذا عرفت مصالح النكاح.

    رضا الثيب

    قال رحمه الله: ( والبكر ولو مكلفة لا الثيب، فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجهم بغير إذنهم ).

    هذا هو القسم السادس ممن لا يعتبر رضاه وهو: الثيب، وهي التي زالت بكارتها بوطءٍ في القبل إما في نكاح صحيح أو بزنا مع رضا، يعني: ليست الثيب من زالت بكارتها مطلقًا؛ لأن البكارة كما قال العلماء رحمهم الله قد تزول بشدة الحيضة، وقد تزول بسبب المرض، وقد تزول بعبث المرأة، وقد تزول بالجناية على المرأة، المهم: أن البكارة قد تزول بعدة أشياء، فليست كل من زالت بكارتها بأنها ثيب، وأما التي زالت بكارتها بسبب الزنا مع الإكراه أو بسبب أمر آخر كما ذكرنا فهذه في حكم البكر.

    والثيب تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يتم لها تسع سنوات، فهذه لا يجوز أن تزوج إلا بإذنها، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس كما تقدم: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) .

    القسم الثاني: أن يكون لها أقل من تسع سنوات، كما لو كان لها سبع سنوات أو لها ثمان سنوات، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه لا يعتبر رضاها، وأن لأبيها أن يزوجها بلا رضاها، والصواب في هذه المسألة: أن الثيب يعتبر رضاها، وأن أباها لا يزوجها إلا برضاها، وعلى هذا نقول: إذا كان لها أقل من تسع سنوات فإنها لا تزوج حتى تعرف مصالح النكاح، فإذا عرفت مصالح النكاح فإنه يعتبر رضاها وإذنها.

    رضا الرقيق

    قال رحمه الله: (فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجهم بغير إذنهم، كالسيد مع إمائه).

    هذا هو القسم السابع ممن لا يعتبر رضاه: السيد مع إمائه، فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله: أن السيد مع إمائه له أن يجبر إماءه على النكاح وأنه لا يعتبر رضا الإماء، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى. وظاهر كلامه أن الأمة سواء كانت بكراً أو ثيباً فلسيدها أن يجبرها على النكاح، وعلتهم في ذلك: أن الإماء عبارة عن مال وأن السيد يملك تمام التصرف في ماله.

    والرأي الثاني وهو قول الإمام مالك رحمه الله في آخر أمره: أنه لا يملك أن يجبرهن، بل لا بد من رضاهن، وهذا أيضًا قول الظاهرية، وهو الصواب للعمومات، وقد سبق أن ذكرنا قاعدة وهي الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في الأحكام البدنية المحضة إلا لدليل، وسبق أن ذكرنا أن أوسع الناس في تطبيق هذه المسألة هم الظاهرية.. فهم دائماً يلحقون الرقيق بالحر، إلا ما دل الدليل على استثنائه.

    قال رحمه الله: ( كالسيد مع إمائه وعبده الصغير ).

    هذا هو القسم الثامن ممن لا يعتبر رضاه: السيد ما رقيقه الصغير، فله أن يزوجه بلا رضاه، وإذا كان الأب يملك أن يزوج ابنه وهو صغير فلأن يملك السيد أن يزوج رقيقه الصغير من باب أولى، وتقدم أن قلنا: إن الأب له أن يزوج ابنه الصغير كما يقوله جمهور أهل العلم بناء على فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأن ابن قدامة حكى أنه لا يجد في ذلك خلافًا بين أهل العلم رحمهم الله.

    وذكرنا الرأي الثاني في هذه المسألة: وأن الصغير إذا راهق فإن أباه لا يملك أن يجبره، لكن أمر الرقيق أخف من أمر الولد؛ لأن كلفة الرقيق المادية على سيده، بخلاف الصغير إذا زوجه أبوه فإن كلفته المادية تكون على أبيه.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (وعبده الصغير) أن السيد لا يملك أن يجبر عبده الكبير البالغ على النكاح إلا بإذنه، وهذا هو الصواب؛ لأنه لا بد من الرضا كما تقدم، وسبق أن أشرنا إلى القاعدة.

    رضا الصغير بالنسبة لباقي أوليائه

    قال رحمه الله: ( ولا يزوج باقي الأولياء صغيرةً دون تسع، ولا صغيراً ولا كبيرةً عاقلة، ولا بنت تسعٍ إلا بإذنهما ).

    يعني بباقي الأولياء: غير الأب ووصيه في النكاح، كما لو كانت هذه المرأة يتيمة، فهذه لا تجبر على النكاح ولا بد من رضاها، ولهذا قال المؤلف: ( صغيرةً دون تسع ) هذه واحدة.

    وباقي الأولياء كالأخ والعم والجد وغير ذلك ليس لهم أن يزوجوا الصغيرة دون تسع سنوات.

    قال رحمه الله: ( دون تسع ).

    يؤخذ من كلامه: أن الأولياء يزوجون اليتيمة إذا بلغت تسعاً، فاليتيمة إذا كانت أقل من تسع فلا تزوج بالنسبة لباقي الأولياء، لكن إذا بلغت تسع سنوات فلأخيها.. ولجدها.. ولعمها وباقي الأولياء أن يزوجوها، لكن بشرط: أن تعرف مصالح النكاح، وإلا فالأحوط ألا تزوج حتى تبلغ؛ لأن اليتيمة قد منع النبي صلى الله عليه وسلم من تزويجها إلا بإذنها؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت لم تكره ) .

    إذاً: الصغيرة دون تسع لا تزوج مطلقًا ما دامت يتيمة، فإذا بلغت تسعًا فيفهم من كلام المؤلف أنه يعقد عليها، لكن الصواب أنه لا بد أن تعرف مصالح النكاح، أو ينتظر حتى تبلغ.

    قال رحمه الله: (ولا صغير).

    يعني: دون البلوغ مطلقًا، فلا يملك الأولياء أن يزوجوا الصغير الذكر ولو كان محتاجاً كمن ماتت أمه فيحتاج إلى من يرعاه، والصحيح أنهم عند الحاجة يملكون التزويج، لكن قال بعض العلماء: لا بد من إذن القاضي، وهذا أحوط.

    رضا الكبيرة بالنسبة لباقي الأولياء

    قال رحمه الله: (ولا كبيرةً عاقلة).

    هذا الثالث ممن لا يملك الأقارب تزويجه بدون رضاه، يعني: إذا كانت التي توفي أبوها كبيرة قد بلغت وليست مجنونةً فهذه لا تزوج إلا بإذنها ولا يملك بقية الأولياء أن يجبروها، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: ( عاقلة ) إلى آخره: أن المجنونة يمكن لبقية الأولياء أن يزوجوها، وهذا ظاهر؛ لأنها قد تحتاج إلى النكاح.

    قال رحمه الله: ( ولا بنت تسع إلا بإذنها ).

    وهذا قد تكلمنا عنه لكن اشترطنا أن تكون بنت التسع ممن يعرف مصالح النكاح، وهم يقيدون الأمر ببلوغ تسع سنوات؛ لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( إذا بلغت الجارية تسع سنوات فهي امرأة ) لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن يقيد ذلك بأن تعرف مصالح النكاح.

    كيفية معرفة رضا المرأة

    قال رحمه الله تعالى: ( وهو صمات البكر ونطق الثيب ).

    يعني: الإذن فيمن يعتبر إذنها وهي البكر أن تصمت، ودليل ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين: ( قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت ).

    ولو تكلمت البكر هل هو إذن أو ليس إذنًا؟ نقول: نعم هو إذن، ومثل ذلك أيضًا: لو دلت القرائن على الرضا، المهم أن القاعدة في ذلك: أن تسكت سكوتًا يدل على الرضا، فلا بد أن تقوم القرينة على أنها راضية بهذا الزوج، لأنها قد تسكت وهي غير راضية؛ لما عندها من الحياء، وقد تتكلم، المهم أنه لا بد من الدليل على الرضا، فإن كان هذا السكوت فيه ما يدل على أنها راضية اعتبر، وإلا فإنه لا يكون دليلًا على الرضا.

    ومثله أيضاً لو بكت أو ضحكت أو نحو ذلك، فهذا كله نرجع فيه إلى القرائن؛ لأنها قد تكون بكت رضًا بالزوج وليس ردًا له وإنما كراهة مفارقة بيتها ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: ( ونطق الثيب ).

    يعني أن الثيب لا بد أن تنطق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( تستأمر اليتيمة )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ) من حديث أبي هريرة في الصحيحين، يعني: تشاور ويؤخذ أمرها في الزواج، فنقول: الثيب لا بد من نطقها، والفرق بين الثيب وبين البكر: أن الثيب قد جربت الرجال فزال عنها شيء من الحياء، بخلاف البكر.

    ومما يعتبر في الاستئذان عندما تستأذن المرأة: أن يسمى الزوج تسميةً تقع به المعرفة، فلا يقال: خطب فلان فقط، بل يقال: خطب فلان ابن فلان ابن فلان، وهو من الأسرة الفلانية، ومتعلم أو غير متعلم، ويعمل كذا أو ليس عنده عمل إلى آخره، وخلقه كذا، ودينه كذا، فلا بد من بيان ذلك على وجهٍ تقع به المعرفة.

    1.   

    الشرط الثالث من شروط صحة النكاح: الولي

    قال رحمه الله: (الثالث: الولي).

    هذا الشرط الثالث من شروط صحة النكاح وهو: الولي، واشتراط موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فجمهور أهل العلم على أن الولاية شرط من شروط صحة النكاح، وأنه لا بد من ولاية النكاح.

    والرأي الثاني رأي الحنفية، يقولون: إذا كانت بالغة عاقلة حرة فلها أن تزوج نفسها، ولكل منهم دليل.

    أما الجمهور فاستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها أن الخطاب في القرآن والسنة إنما يتوجه إلى الأولياء دون النساء، كما في قول الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] وقوله: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة:221] وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) ، واستدلوا أيضاً بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) وهذا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بالبطلان، ولأن المرأة قد تغلبها العاطفة وتخدع ويغرر بها، وأنه يحتاط في مسائل الفروج ما لا يحتاط في غيرها.

    وأما الحنفية القائلين بأنها إذا كانت مكلفة -بالغة عاقلة- حرة فلها أن تزوج نفسها فاستدلوا على ذلك بما تقدم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) فقوله: (أحق بنفسها من وليها)، يدل على أن لها أن تزوج نفسها، والجواب عن ذلك أن يقال: المراد بذلك في الإذن، ويدل لذلك بقية الحديث، حيث قال: ( والبكر أن تستأذن ) .

    واستدلوا أيضاً بقول الله عز وجل: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] قالوا: المراد بذلك العقد، يعني: حتى تعقد على زوجٍ غير زوجها الأول، وأجيب عن هذا بجوابين:

    أولاً: لا يسلم أن المراد بذلك العقد، وإنما المراد به الوطء كما فسرت السنة ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ).

    والجواب الثاني: لو سلم أن المراد بذلك العقد، فالمقصود بقوله: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] أي: بفعل الولي، لما تقدم من أدلة الولاية.

    شروط الولي في النكاح

    قال رحمه الله تعالى: (وشروطه: التكليف).

    يشترط للولي شروط:

    الشرط الأول: (التكليف)، يعني: أن يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن الصغير لا ينظر لنفسه فلا ينظر لغيره، وكذلك المجنون لا ينظر لنفسه فلا ينظر لغيره.

    قال رحمه الله: (والذكورية).

    هذا هو الشرط الثاني، وهذا باتفاق الأئمة: أنه يشترط الذكورة؛ لأننا لو قلنا بأن الذكورة ليست شرطًا لقلنا بأن للمرأة أن تزوج نفسها؛ لأنه لا حاجة أن نأتي بامرأة لتزوج امرأة، ونستدل على بطلان هذا بالأدلة السابقة في اشتراط الولاية.

    قال رحمه الله: ( والحرية ).

    وعلى هذا فالرقيق ليس له أن يزوج مولياته، فلو فرضنا أن هناك رجلاً رقيقاً وهو من أعلم الناس، بل هو عالم البلد وعنده بنات، فلا يملك أن يزوج بناته بل يزوجهن السيد؛ لأن الرقيق محجور عليه، فلا يملك أن يزوج بناته، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني في المسألة: أنه لا تشترط الحرية، وهذا قال به الحنفية وهو قول عند الحنابلة، وهو أيضًا قول الظاهرية، وهذا القول هو الصواب للعمومات، وأما قولهم: بأن الرقيق لا ولاية له وأنه محجور عليه فهذا غير مسلم؛ لأنه محجور عليه فيما يتعلق بالأموال؛ لأنه مال، وأما ما عدا ذلك فإن تصرفاته صحيحة.

    قال رحمه الله: (واتفاق الدين).

    هذا هو الشرط الرابع: اتفاق الدين بين الولي وموليته؛ وعلى هذا فالكافر لا يزوج المسلمة، فلو فرضنا أن هذه المرأة أسلمت ووليها لا يزال كافراً فإنه لا يتولى العقد عليها، ودليل ذلك: انقطاع الموالاة والأخوة بانتفاء الدين، لقول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] يعني أن غير المؤمنين ليسوا أولياء للمؤمنين.

    وكذا لو فرضنا أن الولي هو الذي أسلم وابنته لم تزل على النصرانية أو اليهودية فخطبها مسلم فلا يتولى إنكاحها كما قال المؤلف رحمه الله، والصحيح في هذه المسألة أن الولي لمسلم يتولى إنكاح موليته اليهودية أو النصرانية؛ لأن العلو هنا للمسلم على الكافر وليس للكافر على المسلم.

    قال رحمه الله: ( سوى ما يذكر ).

    أي: أنه يشترط الاتفاق في الدين بين الولي والمعقود عليها واستثنوا من ذلك مسائل:

    المسألة الأولى: أم الولد لكافر له أن يتولى تزويجها، فلو أن رجلًا عنده أمة ووطئها، ووضعت منه ما تبين فيه خلق الإنسان، فأصبحت أم ولد، ثم أسلمت فإنه يتولى تزويجها.

    وعلة ذلك أن الرقيق إذا أسلم تحت يد الكافر فإن الكافر يجبر على إزالة ملكه عنه إما بالعتق أو بالبيع أو بالهبة أو غير ذلك، لكن أم الولد هنا بقيت تحت يد الكافر مع أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه؛ لأنه لا يجوز له بيعها، وحينئذٍ تبقى تحت يد هذا الكافر، وعند التزويج لا بأس أن يزوجها.

    الصورة الثانية: السلطان له أن يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة، فحاكم المسلمين إذا كان هناك امرأة ليس لها ولي من أهل الذمة فالسلطان يزوجها كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( والسلطان ولي من لا ولي له ).

    الصورة الثالثة: الأمة الكافرة إذا كانت لمسلم فهذا لا بأس أن يتولى تزويجها المسلم.

    وأضفنا صورة رابعة، قلنا: المسلم يزوج ابنته الكافرة إذا أسلم ولم تسلم ابنته، فالصحيح أن له أن يزوجها.

    قال رحمه الله: ( والعدالة ).

    هذا هو الشرط السادس في الولي وسيأتينا إن شاء الله بحث العدالة في باب القضاء.

    وقد شددوا في العدالة، فقالوا: هي: الدين والمروءة، والدين: أن يفعل الواجبات ويترك المنهيات، والمروءة: أن يفعل ما يجمله ويزينه ويترك ما يدنسه ويشينه، والصحيح أن العدالة راجعة إلى أعراف الناس، فمن اعتبره الناس عرفًا ورضوه فإنه يكون عدلًا، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن الضابط في ذلك هو أعراف الناس.

    وقوله: (والرشد في العقد) يعني أن يكون الولي رشيدًا، والرشد: هو معرفة الكفء ومصالح النكاح.

    والرشد يختلف باختلاف أبواب الفقه، فالرشد في باب المعاملات هو الصلاح في المال، الرشد في باب الأنكحة هو أن يعرف الكفء ومصالح النكاح، الرشد في العبادات هو العدالة في الدين وهكذا، فيختلف مصطلح الرشد باختلاف أبواب الفقه.

    قال رحمه الله: ( فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها ). لما تقدم.

    ترتيب الأولياء في النكاح

    قال رحمه الله: (ويقدم أبو المرأة في إنكاحها، ثم وصيه فيه، ثم جدها لأب وإن علا، ثم ابنها ثم بنوه وإن نزلوا).

    يعني: القاعدة في ترتيب الأولياء هي: الأصول وإن علوا، ثم الفروع وإن نزلوا، ثم الحواشي: الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، وهذه عصوبة النسب، ثم تأتي بعد ذلك عصوبة السبب وهي: الولاء، ثم بعد ذلك السلطان، هذا في الجملة، فنقدم الأصول وإن علوا: الأب ثم أبوه وإن علا، ثم بعد ذلك الفروع: الابن وابن الابن بمحض الذكورة وإن نزلوا، أما ذوو الأرحام فليس لهم ولاية، فالخال -مثلاً- أو الجد من قبل الأم أو الأخ لأم هؤلاء ليس لهم ولاية، فلا بد أن يأخذ الواحد منهم إذناً من القاضي، وإلا فليس له أن يزوج.

    قال رحمه الله: ( يقدم أبو المرأة في إنكاحها، ثم وصيه ).

    يعني: لو أنه وصى فقال: يزوج بناتي فلان من الناس فهذا يقدم.

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن ولاية النكاح تستفاد بالوصاية، واستُدِل على ذلك بأن عثمان بن مظعون أوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون ، وهذا رأي الإمام مالك رحمه الله.

    والرأي الثاني: أن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصاية، وهذا رأي الحنفية والشافعية، وعلى هذا فلو وصى فقال: يزوج بناتي فلان فالوصية باطلة، وننتقل إلى من بعده، وهو الجد؛ لأن الشارع رتب هذه الولاية، والأب له الحق ما دام حيًا أما إذا مات فإنه لا حق له؛ لأن أهليته وولايته قد زالت فلا ينقلها إلى غيره، وهذا القول هو الأقرب، أعني: رأي الحنفية والشافعية: أن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصاية.

    قال رحمه الله: ( ثم جدها لأبٍ ).

    أما الجد لأم فهذا من ذوي الأرحام فلا ولاية له، مثله مثل أي رجل أجنبي من هذه المرأة، ومثله أيضاً الخال أو الأخ لأم ونحوهم.

    قال رحمه الله: ( ثم ابنها ثم بنوه وإن نزلوا ).

    أما ابن البنت فهو من ذوي الأرحام ولا ولاية له.

    قال رحمه الله: ( ثم ابنها ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوين ثم لأب، ثم بنوهما كذلك، ثم عمها لأبوين ثم لأب، ثم بنوهما كذلك).

    وهذا كما ذكرنا: نبدأ في الترتيب بالأصول: الأب ثم الجد ثم أب الأب وإن علا، ثم الفروع: الابن ثم ابنه وإن نزل، ثم بعد ذلك الحواشي: الإخوة وبنوهم يعني الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ لأب، ثم العمومة يعني: العم الشقيق ثم العم لأب ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب وإن نزلوا.

    ولهذا قال رحمه الله: ( ثم أقرب عصبته نسبًا كالإرث ) وهذه عصوبة النسب.

    قال رحمه الله: ( ثم المولى المنعم ).

    وهذه عصوبة السبب، وهو القسم الثاني: وهو المولى المنعم بالعتق، فلو أنا ما وجدنا عصوبة النسب ولكن هناك من أعتق هذه المرأة -ولنفرض أن زيدًا أعتقها- فإنه هو الذي يتولى إنكاحها.

    قال رحمه الله: (ثم أقرب عصبته نسباً).

    يعني: إذا ما وجدنا هذا المعتق فإننا نرجع إلى عصبته: أصوله، وفروعه، وحواشيه، لكننا هنا في الولاء نبدأ بالفروع، يعني: في عصبة السبب نبدأ بفروعه، ثم بعد ذلك بأصوله، ثم بعد ذلك بحواشيه: الإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم، وأما في عصبة النسب فنبدأ بالأصول، ثم الفروع ثم الحواشي.

    قال رحمه الله: ( ثم أقرب عصبته نسبًا، ثم ولاء ) يعني: إذا ما وجدنا المعتق ولا وجدنا عصبته فإننا نبحث عن معتق المعتق، فلو فرضنا أن زيدًا أعتق فاطمة.. ولم نجده ولا وجدنا فروعه ولا أصوله ولا حواشيه، بل وجدنا رجلًا قد أعتق زيداً وهو عمرو فالذي يتولى إنكاحها هو عمرو هذا.

    وهذا يدل على حسن الشريعة بهذا الترتيب الذي لا يكاد يوجد في غير هذا الدين القويم، فمعتق المعتق هو الذي يتولى إنكاحها، فإذا ما وجدناه نرجع إلى عصبته ثم إلى معتق معتق المعتق، فإذا ما وجدناه فإننا فنرجع إلى السلطان.

    قال رحمه الله: ( ثم السلطان ).

    يعني: الحاكم الأعظم وينوب عنه نوابه كوزير العدل، ووزير العدل ينوب عنه قاضي الأنكحة في المحكمة.

    وإذا كانت المرأة المسلمة في بعض البلاد الغربية فالمسئول عن الجمعية الإسلامية هناك، هو الذي يتولى إنكاح مثل هذه المرأة، وقد نص العلماء رحمهم الله على شيءٍ من هذا، فقالوا: فإن عدم الكل زوجها ذو سلطان في مكانه، فإذا ما وجد أحد فتوكل من يزوجها.

    1.   

    مسقطات ولاية النكاح

    قال رحمه الله: ( فإن عضل الأقرب ).

    شرع المؤلف رحمه الله هنا في بيان مسقطات الولاية، وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن ولاية النكاح مبناها على مصلحة المرأة، فإذا كانت هذه الولاية ستسبب مفسدة للمرأة فإنها تسقط؛ ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله مسقطات الولاية فقال رحمه الله: (فإن عضل الأقرب) العضل: هو المنع، يعني لو أن الأقرب منعها حين جاءها رجل ذو خلق ودين ورضيته المرأة وبذل ما يصح مهرًا وهو ما يصح أن يكون ثمناً أو أجرة ثم رده فإنه يكون عاضلاً وتسقط ولايته، وهذا مما يدل أيضًا على محاسن الشريعة؛ لأن هذه الولاية ما شرعت إلا لمصلحة المرأة، فإذا أصبحت ضد مصلحة المرأة سقطت، وإن رد كفئاً آخر مرةً أخرى فسق.