إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خطبة المعتدة منها ما يجوز تعريضاً فقط وهي: المعتدة من الوفاة، والمبانة بينونة كبرى من غير زوجها، ومنها ما لا يجوز لا تعريضاً ولا تصريحاً وهي: المبانة بينونة صغرى، والمطلقة رجعياً، هذا ولا يجوز خطبة المسلم على المسلم اتفاقاً، وعلى خطبة الكتابي على الراجح،

    1.   

    خطبة المعتدة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة والمبانة دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعيته، ويحرمان منها على غير زوجها، والتعريض: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يرغب عنك، ونحوهما، فإن أجاب ولي مجبرة، أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها، وإن رد أو أذن أو جهلت الحال جاز، ويسن العقد يوم الجمعة مساءً بخطبة ابن مسعود.

    فصل في أركان النكاح:

    وأركانه: الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب والقبول، ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ: زوجت أو أنكحت، وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت، ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما، وكفاه معناهما الخاص بكل لسان، فإن تقدم القبول لم يصح، وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه، وإن تفرقا قبله بطل.

    فصل: وله شروط: أحدها تعيين الزوجين، فإن أشار الولي إلى الزوجة أو سماها أو وصفها بما تتميز به أو قال: زوجتك بنتي وله واحدة لا أكثر صح.

    فصل: الثاني: رضاهما إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير].

    ذكر المؤلف أن النكاح تدور عليه الأحكام التكليفية الخمسة، ثم تكلم بعد ذلك عن صفات المرأة التي ينبغي نكاحها، وأيضاً تكلمنا عن الخطبة وما يتعلق بها من أحكام، وهل هي مستحبة أو مباحة؟ وأن الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعية أنها مستحبة، وتكلمنا أيضاً عن شروط الخطبة.

    قال رحمه الله: (ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاةٍ والمبانة دون التعريض).

    الخطبة: هي طلب الزواج من المرأة، والأصل أن الخطبة يصح أن تكون تصريحاً ويصح أن تكون تعريضاً، فالراغب في نكاح المرأة له أن يصرح وله أن يعرض، والتصريح: هو ما لا يحتمل إلا طلب النكاح، والتعريض: هو ما يحتمل طلب النكاح وغيره.

    إذاً: فالأصل في الخطبة أنها تجوز وتصح تعريضاً وتصريحاً، إلا أنه يستثنى من ذلك مسائل سيأتي بيانها.

    خطبة المعتدة من وفاة

    قال رحمه الله: (ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة).

    هذا هو القسم الأول: المعتدة من الوفاة وهذه يحرم أن تخطب تصريحاً، ويجوز أن تخطب تعريضاً، وقد أفهم كلام المؤلف أن هذا الحكم في المرأة ما دامت في العدة، أما إذا خرجت من عدتها فإنه يجوز أن تخطب تعريضاً وتصريحاً كما سلف.

    إذاً: المرأة المعتدة من وفاة زوجها لا بأس عليها أن تخطب تعريضاً، وأما التصريح فإنه لا يجوز، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235]، وقد روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لـأم سلمة لما توفي أبو سلمة رضي الله تعالى عنه، لكن الحديث الوارد في هذا ضعيف.

    خطبة المبانة بينونة كبرى

    قال رحمه الله: (والمبانة دون التعريض).

    القسم الثاني: المبانة بينونة كبرى، هي التي طلقها زوجها آخر الطلقات الثلاث، فهذه يجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً، ودليل ذلك ما تقدم من قول الله عز وجل: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235] فيجوز أن تخطب تعريضاً لا تصريحاً، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لـفاطمة بنت قيسلما أبانها زوجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حللت فآذنيني).

    وأما بالنسبة للزوج فإنه لا يجوز له أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

    خطبة المبانة بينونة صغرى

    قال رحمه الله: (ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث).

    القسم الثالث: وهو من أبان زوجته بدون الثلاث، ومعنى قوله: (بدون الثلاث) يعني: بما سوى الثلاث، بمعنى: أبانها بالخلع، فالمختلعة كما سيأتينا تبين من زوجها بينونة صغرى، بمعنى: أنه لا يملك أن يراجعها، لكن يملك أن يعقد عليها بخلاف التي أبينت بينونة كبرى، وكذلك أيضاً المفسوخة التي فسخت لفوات شرط أو لوجود عيب أو غير ذلك، فهذه بانت من زوجها بينونة صغرى، ومعنى ذلك: أنه لا يملك أن يراجعها، لكن يملك أن يعقد عليها، فهذه التي أبينت بدون الثلاث يجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث)؛ لأن له أن يعقد عليها، فله أن يعقد على المختلعة منه التي خلعته في العدة، وإذا فسخت المرأة منه لفوات شرط أو وجود عيب، ثم بعد ذلك رضي بإسقاط الشرط أو بوجود العيب فله أن يعقد عليها، فإذا كان يصح له أن يعقد عليها في العدة فمن باب أولى أنه يصح له أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً.

    أما بالنسبة لغير الزوج فإنه يخطبها تعريضاً، وأما التصريح فإنه لا يجوز؛ لقول الله عز وجل: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235].

    خطبة المطلقة رجعياً

    قال رحمه الله: (كرجعية).

    القسم الرابع: المعتدة الرجعية، وهي التي طلقها زوجها دون ما يملك من العدد بلا عوض، أما زوجها فله أن يراجعها ولا حاجة إلى الخطبة لا تعريضاً ولا تصريحاً إلى آخره؛ لأنها زوجته، ولها أحكام الزوجات، ولهذا تجب لها النفقة والسكنى، إلا أنه لا قسم لها، ولزوجها أن ينظر إليها وأن يخلو بها، ولها أن تتشوف له، فالرجعية زوجة كسائر الزوجات إلا أنها تفارق الزوجات ببعض المسائل، وقد ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتابه: القواعد، ومن ذلك: القسم، فإنه لا يقسم لها.

    فالرجعية لزوجها أن يراجعها، أما غير زوجها فليس له أن يخطبها، فيحرم أن تخطب الرجعية؛ لأنها زوجة، فلا يجوز أن تخطب لا تعريضاً ولا تصريحاً، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228] فسمى الله عز وجل الزوج المطلق: بعلاً، مما يدل على أنها زوجة، وعلى هذا نقول: زوجها له أن يراجعها، أما غير الزوج فإنه لا يجوز أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً.

    قال رحمه الله: (ويحرمان منها على غير زوجها).

    يعني: يحرم التعريض والتصريح للرجعية إلا للزوج؛ لأنها زوجته، فلو طلقها زوجها دون ما يملك من العدد بلا عوض، فلا يجوز لها أن تعرّض لشخص بأن يتزوجها ولا أن تصرح؛ لأنها زوجة، وما دامت زوجة فلا يجوز لها التعريض ولا التصريح.

    خلاصة القول في خطبة المعتدة

    تلخص لنا فيما يتعلق بخطبة المعتدات: أن هذا ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: المعتدة من الوفاة، وهذه يجوز أن تخطب تعريضاً لا تصريحاً، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235]؛ لأن الأصل أن المعتدة لا تخطب؛ لأنه لا يجوز العقد عليها في العدة، والخطبة وسيلة إلى العقد، والعقد لا يجوز على المعتدة قال تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة:235]، لكن رخص الشارع بالتعريض.

    القسم الثاني: المبانة بينونة كبرى، وهي التي طلقها زوجها آخر ما يملك من العدد، وهذه أيضاً تخطب تعريضاً لا تصريحاً، أما زوجها فلا يجوز له أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً؛ لأنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

    القسم الثالث: المبانة بدون الثلاث، كالمختلعة، يعني: التي أبانها زوجها لكن بغير طلاق الثلاث، أو أبانها بالفسخ لفوات شرط أو وجود عيب .. إلى آخره، فهذه يجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً؛ لأن له أن يعقد عليها، ولهذا لما أبيح العقد في العدة هنا أبيح أن يخطب تعريضاً وتصريحاً، أما غير الزوج فإنه يبقى على الأصل، وأنه يخطبها تعريضاً لا تصريحاً.

    القسم الرابع: الرجعية، وهي التي طلقها زوجها دون ما يملك من العدد بلا عوض، فأما زوجها فهي زوجة له، ولا حاجة إلى الخطبة؛ لأنه يملك أن يراجعها، وأما غير الزوج فيحرم عليه أن يخطب تعريضاً؛ وتصريحاً لأنها زوجة حتى تنتهي العدة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228].

    معنى التعريض والتصريح في الخطبة

    قال رحمه الله: (والتعريض: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يرغب عنك).

    هذا الضابط ذكره المؤلف رحمه الله على سبيل المثال، وإلا فالضابط في ذلك: أن التصريح هو ما لا يحتمل إلا طلب النكاح، وأما التعريض فهو ما يحتمل طلب النكاح وغيره، مثل لو قال: فلانة امرأة صالحة، أو: أنا بحاجة إلى امرأة مثل فلانة أو هي التي تلائمني، فهذا من قبيل التعريض، وأما بالنسبة للتصريح فهو لا يحتمل إلا النكاح، كأن يقول: أرغب بالزواج من فلانة ونحو ذلك.

    1.   

    الخطبة على الخطبة

    قال رحمه الله: (فإن أجاب ولي مجبرة أو أجابت غير المجبرة لمسلم).

    المجبرة: هي التي لا يعتبر رضاها في عقد النكاح، وسيأتينا إن شاء الله من هي التي لا يعتبر رضاها في عقد النكاح مع وجود آلة الرضا، أو مع إمكان وجود آلة الرضا، وولي المجبرة هو: الأب والوصي في النكاح، فهذان يملكان الإجبار على النكاح بدون الرضا، فمثلاً: الأب يملك أن يجبر ابنته البالغة العاقلة الرشيدة على أن تتزوج ولو كانت كارهة، كذلك أيضاً وصيها في النكاح يملك أن يجبر المرأة المكلفة البالغة البكر ولو كانت كارهة.

    وغير المجبرة: هي التي لا تكره على النكاح وهي الثيب إذا بلغت تسع سنوات فهذه لا يملك أبوها أن يجبرها ولا وصيها في النكاح، كذلك أيضاً اليتيمة لا يملك وليها أن يجبرها.

    فإن أجاب ولي المجبرة كأن أجاب ولي البكر، أو أجابت الثيب المسلم الذي خطبها بالموافقة، فيحرم على غيره أن يخطبها، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه ) خرجاه في الصحيحين، ومثله أيضاً حديث أبي هريرة في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك ) ، فنقول: هذا محرم ولا يجوز، ولما في ذلك من الظلم والاعتداء.

    قال رحمه الله: ( لمسلم ).

    يفهم منه: أنه لو كان الخاطب غير مسلمٍ، فإنه يجوز للمسلم أن يخطب على خطبته، ومثال ذلك: لو خطب نصراني نصرانية، وأجيب، فإن للمسلم أن يخطب على خطبة النصراني، هذا مفهوم كلام المؤلف، وهذا هو المذهب.

    والرأي الثاني قال به بعض المالكية وبعض الشافعية: أنه لا يجوز أن يخطب المسلم على خطبة الغير، حتى ولو كان غير مسلم فلو كان نصرانياً أو يهودياً فلا يجوز أن يخطب على خطبته؛ لما في ذلك من الظلم والاعتداء.

    والحنابلة يستدلون على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا يخطب على خطبة أخيه ) ، وقوله: أخيه، المراد بذلك المسلم، إذ إنه لا أخوة بين الكافر والمسلم، والموالاة إنما تكون بين المؤمنين، والمعاداة إنما تكون بين المؤمنين والكافرين فلا أخوة.

    وأجيب عن هذا: بأن هذا القيد قيد أغلبي، وما كان قيداً أغلبياً فإنه لا مفهوم له عند الأصوليين، فالصواب في هذه المسألة: أنه لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة النصراني أو اليهودي إلى آخره؛ لما في ذلك من الظلم والاعتداء.

    قال رحمه الله: (وإن رد) معناه: إذا خطب هذا المسلم، ثم بعد ذلك رد، فإنه يجوز أن يخطب المسلم على خطبة أخيه، وهذا باتفاق الأئمة؛ لأنه لما رد أصبح لا حق له، وحينئذٍ يجوز لغيره أن يخطب على خطبته.

    قال رحمه الله: (أو جهلت الحال) هذا الأمر الثاني فيما يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه، يعني: إذا خطب هذا الرجل هذه المرأة، لكننا نجهل هل سيجاب أو أنه سيرد؟ فيجوز لغيره أن يخطب على خطبته.

    إذاً: يحرم أن يخطب على خطبته إذا علمنا أنه قد أعطي، أما إذا علمت أن زيداً ذهب وخطب، فلي أن أذهب وأن أخطب، ما دمنا أننا نجهل الحال: هل يعطى أو لا يعطى؟ المهم أن يعرف أنه قد خطب، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، ودليلهم على ذلك قصة فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، حيث خطبها ثلاثة: معاوية وأبو الجهم وأسامة ، قالوا: هذا دليل على أنه إذا جهلت الحال فلا بأس، حيث جاءت تستشير النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح أسامة رضي الله تعالى عنه.

    والرأي الثاني في هذه المسألة قال به بعض الشافعية: أنه يحرم أن يخطب على خطبة الغير، ما دام أنه خطب حتى يأذن أو يترك كما جاء في الحديث، ولأن هذا الرجل الذي خطب أصبح له حق التقدم، ولأنه ربما أن المرأة وأولياءها ركنوا إليه وأرادوا أن يعطوه، ثم بعد ذلك جاء هذا الرجل وخطب على خطبته.

    والصواب في هذه المسألة: أنه يحرم لما في ذلك من الظلم والاعتداء.

    والجواب عن قصة فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها بأن هؤلاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم الذين خطبوا لم يعلم أحد منهم بخطبة الآخر، وإلا لو علم أحد منهم بخطبة الآخر فإنه لن يتقدم.

    الأمر الثالث الذي تجوز فيه الخطبة: إذا ترك الخاطب الأول فيجوز لغيره أن يخطب بالاتفاق، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى يترك أو يأذن ) فإذا ترك فلا بأس أن يخطب على خطبته، لأنه الآن لا حق له، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث ابن عمر : ( حتى يترك أو يأذن ) .

    الأمر الرابع: إذا أذن، يعني أننا إذا علمنا أنه خطب، فأراد شخص أن يخطب هذه المرأة وذهب إليه واستأذنه، فإذا أذن له في الخطبة فلا بأس؛ لأن الحق الذي له قد أسقطه، ويدل لذلك أيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حتى يأذن أو يترك ) لكن لا بد من الرضا ظاهراً وباطناً، بمعنى: أنه لو أذن لك حياءً فإنه لا يجوز، وهذا من شروط الهبة؛ إذ من شروطها أن الشخص إذا وهبك شيئاً في الظاهر، وأنت تعلم أو قامت القرينة في الباطن على أنه لم يقبل، وأن نفسه لم تطب بذلك، فإنه لا يجوز لك أن تقدم على ذلك، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا [النساء:4] فإذا وهبك حياءً أو أذن لك حياءً منك، فإنه لا يجوز لك أن تقبل، وفي الحديث وإن كان فيه ضعف: ( لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه ).

    1.   

    مستحبات في عقد النكاح

    قال رحمه الله: (ويسن العقد يوم الجمعة مساء).

    كون العقد في يوم الجمعة مساءً بعد العصر، هذا ليس عليه دليل وتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمثل هذه السنة تحتاج إلى دليل، لكن العلماء رحمهم الله قالوا: إنه يستحب بعد العصر يوم الجمعة؛ لأنها ساعة إجابة، وإذا عقد بين الزوجين فإنه يستحب أن يدعى لهما بالبركة فيقال: ارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما بخير وعافية، وهذه ساعة إجابة فربما تحصل موافقة هذا الدعاء في ساعة الإجابة فيحصل التوفيق، وإلا فليس هناك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكون بعض أهل العلم استحب أن يكون في المسجد كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى فليس عليه دليل.

    قال رحمه الله: ( بخطبة ابن مسعود ).

    يعني: يستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود ، وهي: ( إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ) ثم يقرأ الآيات الثلاث في سورة آل عمران وفي سورة النساء وفي سورة الأحزاب.

    وهذه الخطبة ينبغي أن تتقدم بين يدي الحاجة، يعني: في كل أمرٍ هام.

    وهذا ليس خاصاً بعقد النكاح، لكن لما كان عقد النكاح من الأمور الهامة استحب العلماء رحمهم الله أن يبدأ بخطبة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في عقد النكاح.

    ويستحب أن يقال للمتزوجين إذا تم العقد: ( بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية ) كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في السنن، وصححه الترمذي ، فإذا زفت إليه فيستحب أن يضع يده على ناصيتها -مقدم الرأس- ويقول: ( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه ) كما جاء في السنن من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.

    وأما بالنسبة للصلاة عند الدخول على المرأة، فهذا لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما ورد عن ابن مسعود وأبي ذر وحذيفة رضي الله تعالى عنهم.

    1.   

    أركان النكاح

    الزوجان

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وأركانه: الزوجان الخاليان من الموانع).

    شرع المؤلف رحمه الله في أركان النكاح، فالركن الأول: الزوجان، وقوله: (الخاليان من الموانع) هذا ليس قيداً؛ لأن الركن هو جزء الماهية، وعلى هذا نقول: أركان النكاح هما: الزوجان، لكنه لا يصح النكاح حتى تتوفر شروطه وتنتفي موانعه كما سيأتي.

    فالمؤلف اشترط أن يكون الزوجان خاليين من الموانع، بمعنى أن لا تتصف المرأة أو الزوج بمانع من موانع النكاح، كالنسب أو الرضاع أو نحو ذلك.

    الإيجاب والقبول

    قال رحمه الله: (والإيجاب والقبول).

    هذا الركن الثاني، والإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، كالوكيل والوصي، والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، كالوكيل وكالوصي.

    قال رحمه الله: ( ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ: زوجت أو أنكحت ).

    الإيجاب والقبول يشترط لهما شروط:

    الشرط الأول: أن يكون بلفظ التزويج أو الإنكاح، يعني أنه لا بد أن يقول الولي: زوجت، ويقول الزوج: قبلت، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومذهب الشافعية، وهم يضيقون في عقد النكاح دون بقية العقود، فمثلاً في البيع لو قال: بعتك كذا أو ملكتك كذا أو أعطيتك الكتاب بعشرة ريالات انعقد البيع، لكنهم في عقد النكاح يقولون: لا بد من هذين اللفظين: إما التزويج أو الإنكاح.

    أما الحنفية فهم أوسع من الشافعية والحنابلة فيقولون: ينعقد بستة ألفاظ: الإنكاح والتزويج والهبة والبيع والصدقة والتمليك.

    والمالكية قريبون من الشافعية والحنابلة، فيقولون: ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج وكذلك أيضاً لفظ الهبة، فنأخذ من هذا: أن الأئمة يكادون يتفقون على التضييق في صيغة عقد النكاح، وأن عقد النكاح لا بد فيه من هذين اللفظين، وإن كان الحنفية قد توسعوا وأضافوا أربعة ألفاظ، وأما المالكية فأضافوا لفظ الهبة فقط.

    المسلك الثاني مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو التوسع، والقاعدة عنده: أن العقود تجري بكل ما دل عليه العرف، وأنه ليس هناك صيغة خاصة ينعقد بها أي عقد من العقود، بل العقود مرجعها إلى أعراف الناس.

    واستدل الشافعية والحنابلة القائلون بأنه لا بد من لفظ الإنكاح أو التزويج، بأن هذين اللفظين هما اللفظان اللذان وردا في القرآن والسنة، كما في قول الله عز وجل: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] وقوله: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ [النور:32] وقوله صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج ) إلى آخره.

    لكن الجواب عن هذا سهل، فنقول بأن السنة جاءت بغير هذه الألفاظ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج صفية أعتقها وجعل عتقها صداقها وكان ذلك نكاحاً، فقال: ( أعتقتك، وعتقك هو صداقك ) فكان ذلك نكاحاً، وفي قصة الواهبة نفسها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ملكتكها بما معك من القرآن ) وهذا مما يدل على أن النكاح ينعقد بكل ما دل عليه العرف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الأقرب في هذه المسألة.

    ولهذا لما أورد على الحنابلة رحمهم الله قصة صفية رضي الله تعالى عنها استثنوها، وقالوا: إن السيد مع أمته لا بأس أن يعتقها وأن يجعل عتقها صداقاً ويكفي ذلك.

    فهذا هو الشرط الأول في الإيجاب: أن يكون بلفظ الإنكاح أو التزويج.

    قال رحمه الله: ( وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت ).

    أما بالنسبة للقبول فأمره أوسع، يعني: لا يشترط أن يكون بصيغةٍ خاصة، فلو قال: قبلت أو رضيت أو تزوجت.. إلى آخره فإن هذا يتم به عقد النكاح.

    قال رحمه الله: ( ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما وكفاه معناهما الخاص بكل لسان ).

    يعني: الذي يجهل اللغة العربية لا يلزمه أن يتعلمها كمن لغته أردية، فإنه يعقد باللغة الأردية، بلفظ الإنكاح أو التزويج، ولهذا قال رحمه الله: (وكفاه معناهما الخاص بكل لسان)؛ لأن المقصود هو المعنى دون اللفظ؛ لأنه غير متعبدٍ به.

    قال رحمه الله: ( فإن تقدم القبول لم يصح ).

    هذا هو الشرط الثاني من شروط الإيجاب والقبول وهو: أن يتقدم الإيجاب على القبول، فإن تقدم القبول على الإيجاب فلا يصح، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وعلتهم في ذلك أن القبول إنما يكون للإيجاب، فلا يوجد قبله.

    والرأي الثاني: أنه لا بأس أن يتقدم القبول على الإيجاب إذا كان بلفظ الطلب، ويدل لذلك قصة سهل رضي الله تعالى عنه، في قصة الواهبة نفسها، قال الرجل: ( يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ملكتكها بما معك من القرآن ) وما ورد أن الرجل قال بعد ذلك: قبلت أو رضيت ونحو ذلك، فكان ذلك نكاحاً، فدل ذلك على أنه إذا كان بلفظ الطلب، فإنه ينعقد به النكاح، وكما تقدم أن القاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن العقود تنعقد بكل ما دل عليه العرف.

    قال رحمه الله: ( وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه، وإن تفرقا قبله بطل ).

    هذا هو الشرط الثالث من شروط الإيجاب والقبول وهو: الموالاة بين القبول والإيجاب، وعلى هذا؛ فلو حصل فاصل بين القبول والإيجاب، فيشترط شرطان:

    الشرط الأول: أن يكونا في المجلس، والشرط الثاني: ألا يتشاغلا بما يقطعه، فمثلاً: لو قال وهما في المجلس: زوجتك، وجلسا يتكلمان في النكاح وفي بعض شروط النكاح والمهر ونحو ذلك، ثم قال: قبلت صح العقد؛ لأنهما لم يتشاغلا بما يقطعه، وهما في مجلس العقد، فإن تفرقا عن المجلس بطل الإيجاب، وكذلك لو تشاغلا بما يقطعه، فلو قال: زوجتك، ثم شرعا يتكلمان في أمور التجارة، أو في أمور الصناعة، أو في أمور الزراعة ونحو ذلك، ثم قال: قبلت، فهذا لا يصح.

    فالقاعدة في ذلك، هي أن تشترط الموالاة بين القبول والإيجاب، فإن حصل فاصلٌ يسير عرفاً صح القبول، وإن طال الفاصل عرفاً فإن القبول لا يصح.

    الشرط الرابع: أن يكون العاقد مختاراً جاداً؛ وعلى هذا إذا كان مكرهاً على العقد فإنه لا يصح، وأما لو كان هازلاً فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه ينعقد من الهازل، والصواب في ذلك: أنه لا ينعقد منه، وأما حديث: ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ) وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهن النكاح، فالحديث ضعيف ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شروط صحة النكاح

    قال رحمه الله تعالى: ( فصل: وله شروط ).

    الآن شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان شروط صحة النكاح، وعندنا شروط العقد والشروط في العقد، وسبق أن ذكرنا الفرق بينهما، فشروط العقد: ما اشترطه الشارع لهذا العقد، وأما الشروط في العقد: فهو ما اشترطه أحد المتعاقدين مما له به منفعة ومصلحة.

    الشرط الأول: تعيين الزوجين

    قال رحمه الله: (أحدها: تعيين الزوجين).

    هذا هو الشرط الأول، ويدل له قول الله عز وجل: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] فما قال الله عز وجل: (زوجناك)، وإنما قال: (زَوَّجْنَاكَهَا) مما يدل على التعيين، ويدل له أيضاً حديث سهل في قصة الواهبة نفسها قال: ( ملكتكها ) وما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ملكتك، وإنما قال: مكلتكها، وهذا يدل على التعيين، فلا بد من تعيين الزوجين، والتعيين يكون بأمور:

    الأمر الأول: بالاسم، كما لو قال: زوجتك ابنتي فلانة.

    الثاني: بالصفة، كما لو قال: زوجتك ابنتي الكبيرة أو الصغيرة أو المتعلمة ونحو ذلك.

    الثالث: بالإشارة، كما لو قال: زوجتك ابنتي هذه.

    الرابع: بالواقع، كما لو قال: زوجتك ابنتي وليس له إلا ابنة واحدة، فهذا تعيين بالواقع.

    قال رحمه الله: ( فإن أشار الولي إلى الزوجة أو سماها أو وصفها بما تتميز به، أو قال: زوجتك بنتي وله واحدة لا أكثر صح ).

    فقوله: (أشار) هذا تعيين بالإشارة، وقوله: (أو سماها) هذا تعيين بالتسمية، وقوله: (أو وصفها) تعيين بالصفة، أو قال: (زوجتك بنتي وله واحدة لا أكثر صح) وهذا تعيين بالواقع.

    الشرط الثاني: رضا الزوجين

    قال رحمه الله: (فصل: رضاهما).

    هذا الشرط الثاني من شروط صحة العقد: رضا الزوجين، وسبق أن ذكرنا عندما تكلمنا على عقد البيع: أن شرط الرضا قاعدة في كل العقود، فكل العقود لا تنعقد إلا برضا المتعاقدين، والنكاح منها، كما قال رحمه الله: (رضاهما) يعني: رضا الزوجين، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن ) ، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها ) ، واشتراط رضا الزوجين من حيث الجملة، ويستثنى من ذلك ما يأتي:

    قال رحمه الله: ( إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير).

    العته: نقص في العقل يصحبه خمول وسكون، فالمعتوه إذا كان بالغاً لا يشترط رضاه؛ لأنه ليس له إذن معتبر، ومثله أيضاً المجنون؛ لأن عبارته ملغاة وليس له إذن معتبر؛ لأنك لو قلت للمجنون: هل أنت راض أو لست راضياً؟ فقد يجيبك بكلام خارج عن الموضوع، فهذا يزوجه أبوه أو وصيه في النكاح، لكن عند الشافعية لا يزوج إلا عند الحاجة، يعني: إذا عرفنا أن هذا المجنون يحتاج إلى زوجة، بأن كان يتتبع النساء، أو المعتوه يحتاج إلى زوجة لكي تقوم بخدمته، فإن هذا لا بأس به، وتزويج هذان لا يقتصر على الأب ووصيه على الصحيح، بل بقية الأولياء لهم ذلك.

    والثالث ممن لا يعتبر رضاه: المجنونة، لأن عبارتها ملغاة، ولا إذن لها معتبر، والكلام فيها كما تقدم.

    والمقصود بالصغير على المذهب: الذي لم يبلغ، فهذا الصغير لا إذن له معتبر؛ وعلى هذا لأبيه ووصيه في النكاح أن يزوجاه، واستدل على ذلك بأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زوج ابنه وهو صغير.

    والرأي الثاني: أن الصغير لا يزوج إلا إذا كان يحتاج إلى النكاح، أما إذا كان لا يحتاج إلى النكاح فإنه لا يزوج، وهذا القول هو الأقرب في هذه المسألة؛ لأن الزواج يلحقه شيء من التبعات المادية، والأصل ثبوت هذه التبعات في ذمة الزوج، وإذا كان كذلك فنقول: يقيد ذلك بما إذا كان محتاجاً.