إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الوصايا [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أحكام متعلقة بالموصى به والموصى إليه، فمن أحكام الموصى به صحة الوصية بالمختصات: وهي ما يجوز الانتفاع به ولا يجوز بيعه، ككلب صيد وزيت متنجس، وتنفذ بالثلث فقط، وصحة الوصية بالمجهول كشاة، وبالمشاع كالثلث، وبالمعين كهذه السيارة، وبالنصيب كنصيب ابني، وبال

    1.   

    الوصية بالمختصات

    قال المؤلف رحمه الله: [وتصح بكلب صيد ونحوه، وبزيت متنجس، وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة، وتصح بمجهول كعبد وشاة، ويعطى ما يقع عليه الاسم العرفي، وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً ولو دية دخل في الوصية، ومن أوصي له بمعين فتلف بطلت، وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة.

    باب: الوصية بالأنصباء والأجزاء.

    إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث، وإن كانوا ثلاثة فله الربع، وإن كان معهم بنت فلها التسعان، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين كان له مثل ما لأقلهم نصيبا فمع ابن وبنت ربع ومع زوجة وابن تُسع وبسهم من ماله فله سُدس، وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء.

    باب الموصى إليه:

    تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف عدل رشيد ولو عبداً ويقبل بإذن سيده، وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله موص له].

    الموصى له هو المتبرع له بالمال، ومما يشترط فيه أن يكون موجوداً، وأن يكون حياً.

    قال رحمه الله: (وتصح بكلب صيد ونحوه، وبزيت متنجس).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن الوصية بالأموال، ذكر الوصية بالمختصات، وتقدم لنا الكلام عن الموصى به، وأن المراد به: المال المتبرع به، وأنه تصح الوصية بكل ما يصح الانتفاع به من الأموال، ولو كان مجهولاً كما لو قال: وصيت له بما في بيتي وهو مجهول، أو بما هو في جيبي وهو مجهول، أو كان معدوماً، كما لو قال: وصيت بما تحمل النخيل، أو بما تلد بهيمة الأنعام أو بما يحصل من أجرة البيت، فهذه الأشياء المجهولة الوصية بها صحيحة، أو كان معجوزاً عن تسليمه كما لو وصى بماله المسروق، فلو كان له سيارة مسروقة ثم وصى بها لزيد من الناس، فهذا صحيح وجائز ولا بأس به؛ لأن الموصى له يدخل وهو إما سالم ، أو غانم، فإن حصلت فهو غانم، وإن لم تحصل فهو سالم، فليس معاوضة كبيع، أو شراء ونحو ذلك، وكذا لو وصى بجمله الشارد لزيد من الناس، فنقول: هذا جائز ولا بأس به؛ لأن هذه إن حصلت للموصى له فهو غانم، وإن لم تحصل فهو سالم.

    وعلى كل حال؛ لما تكلم المؤلف رحمه الله عن الوصية بالأموال شرع بالكلام على الوصية بالمختصات، وفرق بين المال، وبين المختص.

    فالمال هو: ما يباح الانتفاع به ويصح العقد عليه.

    وأما المختص: فهو ما يباح الانتفاع به، ولا يصح العقد عليه، مثل: كلب الصيد يُباح لك أن تنتفع به؛ لكن أن تعقد عليه بيعاً وشراءً ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، وذكر المؤلف رحمه الله فقال: (وبزيت متنجس)، وهذا أيضاً يصح أن تنتفع به في غير المسجد على المذهب؛ ولكن لا تعاوض عليه، فلا يصح بيع الزيت المتنجس، والمقصود بالزيت المتنجس هو: الزيت الطاهر الذي طرأت عليه نجاسة؛ لأن عندنا زيت متنجس، وزيت نجس، فالمتنجس: هو الطاهر الذي طرأت عليه نجاسة، والنجس: هو الذي يكون في أصله وذاته نجساً، مثل: دهن الميتة، ودهن سباع البهائم، فهذه في ذاتها وأصلها نجسة، المهم أن الوصية بالمختص صحيحة، فلا بأس أن يوصي له بكلب صيد، ولا بأس أن يوصي له بزيت متنجس إذا قلنا بأن الزيت المتنجس من المختصات، ولا بأس أن يوصي له بجلد ميتة.

    قال رحمه الله: (وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة).

    لنفرض أن إنساناً عنده مائة مليون وعنده كلب صيد قيمته تساوي -مثلاً- عشرة آلاف ريال، فقال: كلب الصيد هذا أوصيت به لزيد، فالوصية صحيحة، ويملك الموصى له من كلب الصيد الثلث، فلماذا له ثلث الكلب مع أن ثلث ماله ثلاثة وثلاثين مليون، وقيمة الكلب عشرة آلاف ريال؟ هل قيمة الكلب تخرج من الثلث، أو لا تخرج من الثلث؟ تخرج من الثلث، فلماذا لا نقول: جميع الكلب ينفذ، ويكون كله للموصى له مع أنه لو وصى له بسيارة والسيارة قيمتها عشرة آلاف ريال، فنقول: الوصية نافذة؟ والجواب أن الكلب جنس آخر غير المال، فالأموال لها حكم، وهي جنس مستقل، والمختصات أيضاً لها حكم وهي جنسٌ مستقل، فنقول: هذا جنس مستقل ولا ينظر فيه إلى المال، ولذا قال المؤلف: (حتى ولو كثر المال)، فنقول: له ثلث الكلب إلا إذا أجازت الورثة، ومثله أيضاً: الزيت المتنجس إذا قلنا بأنه من المختصات، ما ينفذ إلا الثلث، وهكذا.

    1.   

    الوصية بمجهول

    قال رحمه الله: (وتصح بمجهول كعبد، وشاة، ويُعطى ما يقع عليه الاسم العرفي).

    الأئمة يتفقون على أن الوصية تصح بمجهول، فمثلاً لو قال: أوصيت له بسيارة، فالسيارة قد تكون كبيرة، وقد تكون صغيرة، وقد تكون جديدة، وقد تكون مستعملة، وقد تكون من هذا النوع، أو من هذا النوع...إلى آخره، ما ندري هذا مجهول، وكذا لو قال: أوصيت له بشاة، ما ندري هي صغيرة أم كبيرة، ذكر أم أنثى.. إلى آخره، وكذا لو قال: أوصيت له برقيق، أوصيت له ببيت، بأرض، فنقول: تصح الوصية بالمجهول.

    والعلة في ذلك: أن عقود التبرعات يتوسع فيها ما لا يتوسع في عقود المعاوضات؛ لأن الموصى له، والمتبرع له يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم، أو سالم، وليس عليه ضغط، بخلاف عقد البيع، فلو كان بيع سيارة فلا يدري هل هو غانم أم غارم؛ لأن السيارة مجهولة فقد يدفع ثلاثة آلاف ريال وقيمتها خمسة، وقد يدفع عشرة وقيمتها عشرين، فسيكون في ذلك، نوع من أنواع الميسر فلا يصح، بخلاف الوصية بالمجهول فتصح.

    قال رحمه الله: (ويعطى ما يقع عليه الاسم العرفي).

    وعلى هذا ننظر إلى عرف الناس فإذا قالوا: سيارة، فما المراد بالسيارة؟ وإذا قالوا: رقيق، فما المراد بالرقيق؟ وكما ذكرنا قاعدة سابقة وهي أن ألفاظ الواقفين والموصين تحمل على مقاصدهم وأعرافهم، فإذا كان هناك عرف بأن المقصود هذا النوع من السيارات فيصار إلى عرف الناس، والشرط العرفي كالشرط اللفظي، وإذا لم يكن هناك عرف فإننا نرجع إلى الحقيقة اللغوية، فمثلاً: وصى له بشاة، عرف الناس أنها الأنثى من الضأن؛ لكن في الحقيقة اللغوية أن الشاة تطلق على الضأن، وتطلق أيضاً على الماعز، فالماعز هذه تسمى: شاة، والتيس يسمى شاة، فهل نرجع إلى الحقيقة اللغوية، أو نرجع إلى الحقيقة العرفية؟ يقول المؤلف رحمه الله: يرجع إلى الحقيقة العرفية، وهذا القول هو الصواب.

    والرأي الثاني: أنه يرجع إلى الحقيقة اللغوية وهو مذهب الشافعي ، وما ذهب إليه المؤلف هو مذهب أبي حنيفة ومالك : أنه يرجع إلى الحقيقة العرفية، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، فإذا كان هناك عرف تعارف الناس عليه فنرجع له، وإن لم يكن هناك عرف فنرجع إلى اللغة.

    1.   

    الوصية بالمشاع والمعين

    قال: (وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً ولو ديةً دخل في الوصية).

    أي: إذا أوصى له بشيء فهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون مشاعاً، مثاله: لو قال: أوصيت له بالثلث، أو الربع أو الخمس.. إلى آخره، فهذا جزء مشاع في التركة.

    الثاني: أن يوصي له بمعين، مثل: هذه البيت، هذه الأرض، هذه السيارة.

    فإذا وصى له بمشاع فإن ما يستحدثه من الأموال يدخل في هذا المشاع، فإذا قال مثلاً: أوصيت لزيد بربع مالي، وكان ربع ماله مائة ألف عند الوصية، فنمت أمواله فأصبح الربع يساوي مائتي ألف، فهل يستحق مائة ألف، أو يستحق مائتي ألف؟ يستحق مائتي ألف، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وإذا وصى بثلثه).. إلى آخره، ولو قال المؤلف رحمه الله: وإذا وصى له بمشاع كان أحسن، (فاستحدث مالاً وله دية دخل في الوصية) ولنفرض أنه قتل خطأً وأخذت الدية، فنقول: هذا يدخل في الوصية.

    وأما لو وصى له بمعين كهذه السيارة مثلاً واستحدث أموالاً، فهل الزائد يدخل في الوصية، أو لا يدخل؟ نقول: لا يدخل، فإذا قال: يعطى زيد هذه السيارة مثلاً، فنعطيه السيارة ولا يستحق أكثر منها، حتى ولو زادت أمواله، ولنفرض أن هذه السيارة قيمتها مائة ألف ريال وجاءت أمواله مليون، هل يستحق، أو لا يستحق؟ نقول: لا يستحق.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ولو دية)، هنا إشارة إلى خلاف؛ لأن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في الدية: هل تدخل في الوصية، أو لا تدخل في الوصية؟ فأكثر أهل العلم على أنها تدخل في الوصية وهو المشهور من المذهب، وهذا قول الإمام أحمد ومالك والشافعي والرأي الثاني: أنها لا تدخل في الوصية، والصواب: أنها تدخل في الوصية.

    قال رحمه الله: (ومن أوصي له بمعين فتلف بطلت).

    أي: لو قال: يعطى زيد هذه السيارة ثم تلفت أو تكسرت، فالوصية بطلت الآن؛ وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله؛ لزوال حق الموصى له بتلف الحق الموصى به.

    قال: (وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة).

    أي: لو قال: يعطى زيد هذه السيارة إذا مت، وعنده ثلاث سيارات، فتلف سيارتان ففيه تفصيل: إن كانت هذه السيارة تخرج من الثلث فتنفذ بأن يكون له أموال أخرى، ولنفرض أن قيمتها عشرة آلاف وعنده مائة ألف فتخرج السيارة من الثلث، وتنفذ الوصية، وإن كانت لا تخرج من الثلث، فنقول: لا يخرج منها إلا مقدار الثلث، ولنفرض أنه لا يملك إلا هذه السيارات الثلاث فقط، وتلفت سيارتان وبقي سيارة واحدة، فنقول: للموصى له ثلث الموصى به.

    إذاً: إذا وصى له بمعين وتلف المال إلا هذا المعين، فنقول: ننظر إن كان هذا المعين الذي بقي -وهو الذي أوصي به- ينفذ من الثلث أي: يخرج من الثلث فيستحقه، وإن كان لا يخرج من الثلث، فلا يستحقه.

    1.   

    الوصية بالأنصباء والأجزاء

    قال رحمه الله: (باب: الوصية بالأنصباء والأجزاء).

    الأنصباء: جمع نصيب، والمراد بذلك: الإضافة، أو إضافة الوصية إلى أنصباء الورثة.

    والأجزاء: جمع جزء، والمراد بذلك: إضافة الوصية إلى جزءٍ مشاعٍ من التركة، كما سيأتي إن شاء الله، وعبر بعض العلماء بدل قوله: باب الوصية بالأنصباء والأجزاء، بقولهم: باب: الحساب، أو باب: حساب الوصايا، أو باب: عمل الوصايا.

    قال رحمه الله: (إذا أوصى له بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث، وإن كانوا ثلاثة فله الربع).

    هذه الوصية بالنصيب، وقد مثل المؤلف رحمه الله بما إذا قال: وصيت لزيد بمثل نصيب ابني، وله ابنان، فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة فالمسألة من اثنين؛ لأن الميت هلك عن اثنين فهم عصبة بعدد رؤوسهم فنضيف نصيب هذا الابن إلى المسألة، ويعطى مثل نصيب الابن من المسألة مع إضافة الوصية، فنقول: أصل المسألة من اثنين لكل واحد واحد، فعندما قال: مثل نصيب ابني نضيف واحداً إلى اثنين فتكون المسألة من ثلاثة فنعطيه واحداً من ثلاثة، فيكون له الثلث، ولا نقول: له النصف.

    مثال ثاني: لو كان له ثلاثة أبناء، فيستحق الربع؛ لأن المسألة تكون من ثلاثة، فتضيف واحداً فيصبح أصل المسألة أربعة، فيكون للواحد الربع، ولو كان له أربعة أبناء فتكون المسألة من خمسة، وهكذا.

    قال رحمه الله: (وإن كان معهم بنت فله التسعان).

    أي: هم ثلاثة الآن ومعهم بنت، فتكون المسألة من سبعة؛ لأن الذكر برأسين فتكون ستة، والبنت برأس واحد فتكون مسألتهم من سبعة، فلو قال: مثل نصيب ابني والابن يأخذ اثنين، فتضيف سبعة إلى اثنين فيساوي تسعة، ويصير له اثنان من تسعة، يعني التسعين.

    قال رحمه الله: (وإن وصى له بمثل نصيب أحد الورثة ولم يبين كان له مثل ما لأقلهم نصيبا).

    لأن هذا هو المتيقن وما زاد مشكوك فيه، لو قال: مثل نصيب أحد الورثة، وله ابن وبنت فنعطيه مثل نصيب البنت؛ لأن البنت هي الأقل، ولو كان له ابن وبنت وزوجة فالزوجة هي الأقل، وهكذا؛ لأن هذا هو المتيقن، وما زاد مشكوك فيه، والأصل أنه لا يستحقه الموصى له إلا إذا كان هناك عرف، فإن كان هناك عرف، فإننا نرجع إلى أعراف الناس؛ لكن إذا لم يكن هناك عرف فكما ذكر المؤلف رحمه الله.

    قال رحمه الله: (فمع ابن وبنت ربع).

    لأنه يأخذ مثل نصيب البنت؛ لأن مسألتهم من ثلاثة، فالابن له اثنان والبنت لها واحد، وهو يأخذ واحداً؛ لأننا نضم الواحد إلى الثلاثة فيكون أربعة، ويكون له واحد من أربعة، ومع زوجة وابن تُسع؛ لأن المسألة تكون من ثمانية، للزوجة الثمن واحد، وللابن سبعة، وله مثل ما لأقلهم، والأقل للزوجة.

    فله واحد، فثمانية مع واحد يكون تسعة، فيكون له واحد من تسعة، وهكذا.

    الوصية بسهم من المال

    قال رحمه الله: (وبسهم من ماله فله السدس).

    إذا قال: يعطى سهماً من مالي فله السُدس، وهذا هو المذهب.

    والرأي الثاني: أنه يعطى ما يأخذه أقل الورثة، فيكون حكم هذه المسألة كحكم المسألة السابقة، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى؛ لكنه يقيد ذلك بشرط ألا يزيد هذا النصيب على السُدس، فإن زاد فيُرد عنه.

    فعندنا الرأي الأول: السُدس كما هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: أنه يعطى ما لأقلهم إلا إن كان هذا الأقل يزيد على السُدس فلا يتجاوز السُدس.

    الرأي الثالث في هذه المسألة: ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى في رواية: أنه يعطى الثُمن، والرواية الثانية عنه: إن لم تعل المسألة فيعطى سدساً عادياً.

    والرأي الرابع: ما ذهب إليه الشافعي أن الورثة بالخيار يعطونه ما شاءوا.

    والحنابلة الذين قالوا: أعطوه السُدس استدلوا بدليلين:

    الدليل الأول: أن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهو قول علي وابن مسعود .

    الرأي الثاني: قالوا: السهم في كلام العرب يراد به السُدس.

    والأقرب في مثل هذا أن يقال: إن كان هناك عرف فنرجع إلى العرف، وإن لم يكن هناك عرف فنرجع إلى الحقيقة اللغوية، وننظر ما المراد بالسهم في كلام العرب، فإن كان السهم في كلام العرب الحظ والنصيب بمعنى: شيء فنصير إلى رأي الشافعي فالورثة بالخيار يعطونه ما شاءوا، وإن كان السهم في كلام العرب: السُدس فإننا نعطيه السُدس. فنقول الخلاصة في هذا: ينظر إلى العرف فإن لم يكن هناك عرف فننظر إلى الحقيقة اللغوية، ما هو السهم في اللغة العربية، وهذا الصواب في هذه المسألة.

    الوصية بشيء من المال

    قال: (وبشيء، أو جزء، أو حظ أعطاه الوارث ما شاء).

    أي: لو قال: وصيت لزيد بشيء من مالي، أو يعطى جزءاً من مالي، أو حظاً من مالي، أو نصيباً من مالي، أو قسطاً من مالي... إلخ، ولم يبين فنقول: هذه وصايا صحيحة؛ لأنه كما تقدم لنا أن الوصية بالمجهول صحيحة؛ لكن ما الذي يعطى؟

    قال رحمه الله: (أعطاه الوارث ما شاء).

    لأن هذا لا حد له في اللغة، ولا في الشرع فيكون على إطلاقه.

    والترجيح في هذه المسألة كما في ترجيح المسألة السابقة؛ إن كان هناك عرف فنعطيه ما اقتضاه العرف، وإن لم يكن هناك عرف، فنرجع إلى الحقيقة اللغوية.

    1.   

    الموصى إليه

    قال رحمه الله: (باب: الموصى إليه).

    الموصى إليه: هو المأمور بالتصرف بعد الموت، مما يملك الموصي التصرف فيه، وهذا كما تقدم لنا في تعريف الوصية، أنها تبرع بالمال وأمر بالتصرف، فالموصى إليه يختلف عن الموصى له، فالموصى له: المتبرع له أما الموصى إليه فهو المأمور بالتصرف، فمثلاً: إذا وصى لزيد أن يغسله وأن يكفنه وأن يقوم على ثلثه فهذا موصى إليه، وهكذا.

    والأصل في ذلك أنه مستحب:

    أولاً: لما فيه من التعاون على البر والتقوى، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    وثانياً: لما فيه من تفريج كربة المسلم؛ لأن الموصي قد لا يجد أحداً يوصي له ففيه تفريج لكربة المسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة )، وأيضاً هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    إذاً: الأصل في ذلك أنه مستحب، وقد يجب إذا تعين عليه ذلك ولا يقوم به إلا هو، فمثلاً: لو لم يقبل الوصية لضاع المال، أو ضاع الثلث، أو ضاع الوقف، فهنا نقول: يجب عليه أن يدخل، وقد يحرم عليه أن يدخل إذا كان يعرف أنه سيضيع الوصية، فنقول: يحرم عليه أن يدخل.

    والخلاصة: أن الأصل الاستحباب لمن وجد من نفسه الثقة، ويجب إذا تعين عليه ذلك، وأن عدم دخوله في الوصية يؤدي إلى تضييع الوصية، ويحرم إذا كان يعرف من نفسه أنه سيضيع الوصية ويفرط فيها.

    شروط الموصى إليه

    قال رحمه الله: (وتصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف).

    أي: يُشترط في الموصى إليه أن يكون مكلفاً، يعني: أن يكون بالغاً عاقلاً، فالمجنون لا يصح أن يوصي ولو أوصى إليه فالوصية باطلة والإيصاء إليه باطل لا يصح، والصبي لا يصح؛ لأن هؤلاء يحتاجون إلى من ينظر لهم فلا ينظرون غيرهم. إذاً: الشرط الأول: التكليف.

    قال رحمه الله: (عدل).

    هذا هو الشرط الثاني: العدالة، والعدالة كما سبق أن أشرنا إليها يشددون فيها، فيقولون: إنها دين ومروءة، والدين فعل الواجبات وترك المنهيات، والمروءة: أن يفعل ما يجمله ويزينه، ويترك ما يدنسه ويشينه.. إلى آخره.

    والصواب: أنه بدلاً أن نقول: العدالة نقول: الأمانة؛ لأن هذا هو الذي اشترطه الله تعالى فقال: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فنقول: الشرط الثاني: الأمانة.

    والثالث: القوة، بأن يعرف من نفسه القوة عليها وأنه لن يفرط فيها.

    قال رحمه الله: (رشيد).

    هذا الشرط الرابع يخرج السفيه؛ لأن السفيه ما ينظر لنفسه فكيف ينظر لغيره، وهو أصلاً محجور عليه لكونه سفيهاً.

    قال رحمه الله: (ولو عبداً ويقبل بإذن سيده).

    يعني: لا يشترط أن يكون حراً فيصح حتى ولو كان رقيقاً، ويكون ذلك بإذن سيده.

    ولا يشترط أيضاً أن يكون ذكراً، فيصح ولو كان امرأة، فإن عمر رضي الله تعالى عنه أوصى إلى حفصة رضي الله تعالى عنها.

    اشتراك شخصين فأكثر في الوصية إليهم

    قال رحمه الله: (وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركا).

    إذا أوصى لزيد في شهر محرم فقال: الذي يقوم بتغسيلي أو بتكفيني زيد، ثم أوصى لعمرو فيشتركون فيه، هذا في الموصى له كذلك أيضاً في الموصى إليه، فلو أوصى لزيد بمائة، ثم لعمرو بمائة تزاحموا، فلكل منهم مائة ويتزاحمون في الثلث، وكذلك إذا أوصى لزيد، ثم أوصى لعمرو... إلى آخره يشتركون.

    قال رحمه الله: (ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله موص له).

    أي: لا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعل له، فإذا قال مثلاً: الذي يقوم على ثلثي زيد وعمرو، أو زيد، ثم أوصى لعمرو، فيشترك زيد وعمرو ولا ينفرد أحدهما بالتصرف بل إنهما يشتركان في التصرف؛ لأن الموصي لم يرض بنظر أحدهما دون الآخر؛ لكونه أوصى لهما جميعاً وهذا يدل على أنه لم يرض بنظر أحدهما دون الآخر.