إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [43]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوديعة عقد جائز بالنسبة لصاحب الوديعة، ومستحبة بالنسبة للمودع عنده، وإذا تلفت الوديعة عند المودع عنده من غير تعد أو تفريط فلا ضمان عليه، وعلى المودع عنده أن يحفظ الوديعة في حرز يناسبها، فإن غاب المودع عنده أخذ الوديعة معه، أو أودعها عند من يثق به، ولا يج

    1.   

    إقرار البائع وإنكار المشتري

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت، وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع.

    باب الوديعة:

    إذا تلفت من بين ماله، ولم يتعد، ولم يفرط لم يضمن، ويلزمه حفظها في حرز مثلها، فإن عينه صاحبها فأحرزها بدونه ضمن، وبمثله أو أحرز فلا، وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضمن، وإن عين جيبه فتركها في كمه، أو يده ضمن، وعكسه بعكسه.

    وإن دفعها إلى من يحفظ ماله، أو مال ربها لم يضمن، وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا، وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها، فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة.

    ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها، أو ثوباً فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها، أو رفع الختم، أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن].

    تقدم لنا بقية شروط الشفعة، وذكرنا من هذه الشروط: أن يأخذ جميع الشقص بجميع الثمن الذي استقر عليه العقد، وكذلك أيضاً من الشروط: ألا يكون الشفيع كافراً على مسلم، وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وكذلك أيضاً من الشروط: أن يتقدم ملك الشفيع، ثم بعد ذلك تعرضنا لتصرفات المشتري؛ وأن تصرفات المشتري من حيث الجملة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون بعد طلب الشريك بالشفعة، فهذه التصرفات حكمها باطلة.

    والقسم الثاني: أن يكون ذلك قبل الطلب بالشفعة، وهذه أنواع، وذكرنا منها ستة أنواع أو سبعة: إذا تصرف بالوقف، أو الهبة تصرفاً لا تثبت به الشفعة ابتداءً، أو بالوصية، أو بالإجارة، أو بالبناء والغرس، أو بالزرع، تكلمنا على هذه المسائل.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت).

    إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت الشفعة، وصورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فأقر زيدٌ أنه باع نصيبه على صالح، لكن صالحاً المشتري أنكر وقال: أنا ما شريت شيئاً، فهل لعمرٍ أن يشفع؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وجبت) أي: الشفعة، فلعمرو أن يُشفع فيأخذ نصيب زيد، ويعطيه الثمن الذي يدعى أنه باعه به، ولهذا قال: (وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت).

    والعلة في ذلك: أن البائع أقر بحقين: بحقٍ للشريك وهو الشفعة، وبحقٍ للمشتري وهو الشراء، فالمشتري أنكر حقه، فبقي حق الشريك، فنقول: إن الشفعة ثابتة لشريك البائع.

    1.   

    عهدة الشفيع والمشتري

    قال المؤلف رحمه الله: (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع).

    ذكرنا أن العهدة في اللغة: الميثاق واليمين، وأما في الاصطلاح: فعندنا عهدتان: عهدة الثمن، وعهدة المثمن، فعهدة الثمن بمعنى: الرجوع بالثمن إذا تبين أنه معيب، أو أنه مستحق للغير، وعهدة المثمن بمعنى: الرجوع بالسلعة، بالمثمن، بالمبيع إذا تبين أن هذا المبيع مستحقٌ للغير، أو أنه معيب فيقول المؤلف رحمه الله: (عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع).

    صورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فزيدٌ باع نصيبه على صالح، فصالح هو المشتري، لو تبين أن هذا الشقص معيب أو أنه ليس له، فصالح يرجع على من باعه وهو زيد، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وعهدة المشتري على البائع)، فالمشتري هنا صالح، فعهدته على زيد الذي هو البائع هنا.

    قوله: (وعهدة الشفيع على المشتري)، مثاله: زيد وعمرو شريكان في أرض، فزيدٌ باع على صالح، فعمرو هذا يُشفع على المشتري وهو صالح، فسيكون أخذ النصيب من صالح، فإذا تبين أن في هذا النصيب الذي أخذه عمرو بالشفعة شيئاً كخلل أو أنه معيب مثلاً، فنقول: بأن الشفيع يرجع على المشتري؛ لأنه ملكه من جهته، أما المشتري فإنه يرجع على البائع؛ لأنه ملكه من جهته.

    1.   

    الوديعة

    تعريف الوديعة

    قال رحمه الله تعالى: (باب: الوديعة).

    الوديعة من عقود الحفظ: وهي التبرع بالحفظ.

    الوديعة في اللغة: مأخوذةٌ من ودع الشيء إذا تركه؛ لأنها متروكةٌ عند المودع.

    وأما في الاصطلاح: فهي استنابة جائز التصرف مثله في الحفظ.

    والوديعة بالنسبة للمودع جائزة، أي: يجوز له أن يودع ولا بأس بذلك، وليس هذا من المسائل المكروهة، أي: لو طلب شخصٌ من شخصٍ أن يودع عنده كتابه؛ لأنه خاف عليه، أو أن يودع عنده سيارته لكي يحفظها، أو أن يودع ماله عنده فإن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن الأصل في المعاملات الحِل.

    وأما بالنسبة للمودَع -بالفتح- عنده فالأصل في ذلك الاستحباب، الأصل في الاستيداع الاستحباب؛ لما في ذلك من تفريج كربة المسلم، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من فرج عن مسلم كربةً فرج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة ) ولما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، والله عز وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فنقول: الأصل في ذلك الاستحباب، هذا هو الأصل، وقد تجب الوديعة، وقد تحرم.

    تجب الوديعة: إذا خُشي على المال الضياع، أي: لو أن المودع إن لم يقبل الوديعة أدى ذلك إلى ضياع المال -كأن يكون هناك ظالم يريد أن يأخذ هذا المال- فهنا نقول: الوديعة واجبة.

    وتحرم الوديعة: إذا كان المودع يعرف من نفسه أنه لن يقوم بالحفظ، أو كان المال المودع محرمًا، فإذا كان المال المودع محرمًا فإن الوديعة محرمة، أو كان المودع -بالفتح- عنده يعرف من نفسه أنه لن يقوم بالحفظ، فإنه لا يجوز له في هذه الحال أن يقبل.

    والوديعة: هي عبارة عن إنابة الغير -كما تقدم- في الحفظ، فهي عبارة عن توكيل في الحفظ، وعلى هذا يُشترط لها ما يشترط في الوكالة، وتقدم لنا ما يتعلق بشروط الوكالة.

    تلف الوديعة من غير تعد أو تفريط

    قال المؤلف رحمه الله: (إذا تلفت من بين ماله، ولم يتعد، ولو يفرط لم يضمن).

    المودع -بالفتح- عنده أمين لا ضمان عليه، حتى ولو تلفت الوديعة من بين ماله، أي: هو جعل الوديعة ضمن أمواله، فمثلاً: أُودِع كتاباً فأخذ الكتاب ووضعه في المكتبة، فسُرق الكتاب من المكتبة، فهو الآن حفظه في حرز مثله؛ لأن حرز الكتاب في المكتبة، فتلف من بين ماله، سُرق من بين كتبه، أو سُرق الثوب من بين ثيابه مثلاً، فنقول: إنه لا ضمان على المودَع عنده؛ لأن المودَع أمين، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، أما إذا لم يتعد ولم يفرط، فإنه لا ضمان عليه، والتعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: هو ترك ما يجب، فإذا فعل شيئًا لا يجوز له في الوديعة فإنه يضمن، أو ترك شيئًا يجب عليه من حيث الحفظ فإنه يضمن.

    لو لم يحفظ الوديعة كما ينبغي فُسرقت، فمثلاً: ترك السيارة المودعة مفتوحة فسُرقت، أو عُبث بها، فهنا نقول: إنه يضمن؛ لأنه فرط بترك الواجب عليه، فكان الواجب عليه أن يحفظ الوديعة، ولا يتم الحفظ إلا إذا حفظها في حرزها، أو لو فعل شيئاً لا يجوز له فنقول: إنه يضمن، أودع ثوباً مثلاً فلبسه، فهو هنا تعدى، فنقول: إنه يضمن، وسيأتينا إن شاء الله أنه إذا تعدى ثم تاب، هل يعود ائتمانه أو لابد من عقد جديد؟ هذا سيأتي إن شاء الله.

    مكان حفظ الوديعة

    قال المؤلف رحمه الله: (ويلزمه حفظها في حرز مثلها).

    قوله: (يلزمه) أي: يجب على المودع -بالفتح- أن يحفظ الوديعة في (حرز مثلها) أي: في حفظ مثلها، فالحرز هو: المكان الذي يُحفظ فيه مثل هذه الأموال، فيجب على المودَع أن يحفظ الوديعة فيه، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان والمال، فحرز الأموال يختلف، فمثلاً: الذهب حرزه في وقتنا الآن يكون في صناديق الحديد، فلا يكفي أن تضع الذهب على الطاولة وتنصرف عنه، ربما يُسرق، وكذلك الدراهم حرزها في دولاب الحديد، فلا يكفي أن تضع الدراهم على الطاولة، ومثلها الوثائق، والكتاب حرزه يكون في المكتبة مع الكتب، فإذا وضعه مع كتبه فهذا هو حرزه، لا يلزم أن يُقفل عليه في دولاب الحديد، والثوب حرزه أن يكون في الدولاب كسائر الأثواب، فلا يلزم أن يقفل عليه بالأقفال، والسيارة هل حرزها أنه لابد أن يدخلها داخل البيت، أو أنه يكفي ولو كانت خارج البيت إذا كانت مقفولة؟ هذا يختلف باختلاف البلاد، والحيوان حرزه يكون بأن يضعه في الحوش ويقفل عليه، فلا يلزم أن يدخله داخل البيت، (فحرز) أي: حفظ كل مال بحسبه، وهذا كما ذكرنا يختلف باختلاف الزمان والمكان والمال.

    فقول المؤلف يرحمه الله: (ويلزمه حفظها في حرز مثلها)، يدل عليه قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، وأداء الأمانة إلى أهلها واجب، ولا يتم هذا الواجب إلا بالحفظ، فلا يمكن أن تؤدي الأمانة وأنت فرطت في حفظها، لا يمكن أن تؤدي الأمانة إلى أهلها إلا إذا حفظتها لهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فأداء الأمانة واجب، ولا يمكن أداء هذه الأمانة إلا إذا حفظتها على أهلها، أما إذا فرطت في حفظها فلا يمكن أن تؤدي هذه الأمانة، فدل ذلك على وجوب حفظ الوديعة في حرزها.

    قال المؤلف: (فإن عينه صاحبها فأحرزها بدونه ضمن، وبمثله أو أحرز فلا).

    إذا عين صاحبها مكان الحفظ، فقال مثلاً: احفظ الثوب في الصندوق الفلاني، فالمودع لا يخلو من حالتين: إما أن يمتثل، وإما أن يخالف، فإن امتثل فلا ضمان عليه، لكن لو خالف، هل يضمن أو لا يضمن؟ نقول: قال المؤلف: (فأحرزها بدونه ضمن، وبمثله أو أحرز فلا)، فالأقسام ثلاثة مع المخالفة:

    القسم الأول: أن يحرزها فيما هو أعلى من الحرز الذي عينه صاحبها، فمثلاً قال: احفظها في صندوق الخشب هذا، فحفظها في صندوق الحديد، ففي هذه الحالة لا يضمن؛ لأنه في الحقيقة حفظها بمثل الحرز الذي عينه صاحبها وأفضل، فالحديد يشمل الخشب وزيادة على الخشب، فنقول: في هذه الحالة لا ضمان عليه.

    القسم الثاني: أن يحفظها بما هو أقل حرزًا، فمثلاً قال: احفظها في صندوق الحديد فجعلها في صندوق الخشب، فنقول: إنه يضمن، ولهذا قال المؤلف: (بدونه ضمن)؛ لأنه خالف، والمسلمون على شروطهم.

    القسم الثالث: أن يحفظها بمثله، قال: احفظها في هذا الصندوق من الخشب فحفظها في الصندوق الثاني من الخشب أيضاً، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وبمثله أو أحرز فلا)، أي: أنه لا يضمن، فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه لا يضمن، وهذا قول جمهور العلماء، والعلة في ذلك قالوا: إن من رضي حرزًا رضي مثله، وحينئذٍ لا ضمان.

    والرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقول للحنفية: أنه يضمن؛ لأنه خالف ما عينه المودع، والمسلمون على شروطهم، فمادام أنه خالف الحرز الذي عينه المودع فإن المسلمين على شروطهم، والذي يظهر والله أعلم أن يقال في مثل هذه المسائل أنه يُنظر إلى وجه المخالفة، أي: لماذا خالف؟ إن رأى أن الحفظ في هذا الصندوق أحرز وأصلح، أي: خالف بقصدٍ شرعي ومصلحة؛ فنقول: إنه لا ضمان عليه، أما إذا خالف هكذا! فنقول: إن المسلمين على شروطهم.

    قطع العلف من المودع عن الدابة

    قال رحمه الله: (وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضمن).

    لو كانت الوديعة حيوانًا، ثم بعد ذلك قطع المودع العلف والطعام عن الدابة! فهذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون ذلك بغير إذن صاحبها، أي: صاحبها لم يأذن بهذا، فنقول: إنه يضمن؛ لأن إطعام الدابة من كمال الحفظ، وهو مأمور بالحفظ، ولا يمكن أن يحفظ ويؤدي الأمانة إلا إذا أطعم الدابة، فكيف إذا قطع العلف عنها! فسيؤدي هذا إلى هلاكها، فهو فرط الآن بترك الواجب.

    الحالة الثانية: أن يكون ذلك بإذن صاحبها، أي: صاحبها هو الذي أمره، فقال: لا تُطعم الدابة، فظاهر كلام المؤلف: (وإن قطع العلف عن الدابة بغير قول صاحبها ضمن) أنه لا ضمان عليه، وهذا هو المشهور في المذهب أنه لا ضمان عليه؛ لأن صاحبها هو الذي أذن بإتلافها، كما لو أمر بقتلها فقتلها، فإنه لا ضمان عليه، هذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: وهو قول لبعض الحنابلة أنه يضمن؛ لأنه وإن أذن له صاحبها في ترك الإطعام لكنه لم يأذن له الله عز وجل في ترك الإطعام، وفي حديث أبي هريرة : ( أن امرأةً دخلت النار في هرةٍ حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ).

    فالصحيح في ذلك: هو الرأي الثاني، وأنه يضمن مع التوبة، لكن هذا المال الذي نضمنه إياه لا يكون لمالك البهيمة، وإنما يكون في بيت المال، أو يُتصدق به على الفقراء والمساكين، هذا هو الصواب، فمالك البهيمة ليس له شيء؛ لأنه هو الذي أذن في الإتلاف.

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن نفقة الوديعة تكون على المالك؛ لأن المال ماله، والغُنم بالغرم، فكما له غنمه فعليه غرمه، (الخراج بالضمان).

    مخالفة المودع في مكان حفظ المال

    قال رحمه الله: (وإن عين جيبه فتركه في كمه أو يده ضمن).

    أي قال له: احفظ المال في الجيب، فترك المال في كمه، وكان في الزمن السابق كانت لهم أكمام واسعة، وهذه الأكمام الواسعة كان يكون فيها خياطات بمثل الجيب، يُدخلون فيها بعض الأشياء، فهو الآن قال: ضعها في جيبك، فوضعها في كمه، أي: في جيب الكم، فهل يضمن أو لا يضمن؟ قال المؤلف رحمه الله: (يضمن)؛ لأن الجيب أحرز من الكم، فهو الآن خالف.

    ومثله أيضًا لو قال: احفظها في جيبك، فجعلها في يده، فإنه يضمن؛ لأن كونها في يده عرضة للسقوط والسهو والغفلة ونحو ذلك، لكن إذا كانت في الجيب فهذا يكون أضمن لها.

    قال رحمه الله تعالى: (وعكسه بعكسه).

    أي إذا قال: احفظها أو اتركها في كمك، فجعلها في جيبه، أو قال: اجعلها في يدك فجعلها في جيبه، فهنا نقول: إنه لا يضمن، لأنه حفظها بما هو أحرز.

    1.   

    صور دفع الوديعة من المودع عنده

    دفع الوديعة إلى من يحفظ مال المودع

    قال رحمه الله: (وإن دفعها إلى من يحفظ ماله أو مال ربها لم يضمن).

    إذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها، ولنفرض أن هذا الرجل صاحب الوديعة عنده موظف، وهذا الموظف جرت العادة أنه يحفظ ماله، أو أن هذا الرجل يحفظ ماله عند زوجته، أو عند ولده، فجاء المودِع ودفع الوديعة، المودَع أخذ الوديعة ودفعها إلى من يحفظ مال ربها؛ كهذا الموظف، أو هذه الزوجة، أو هذا الولد فسُرقت الوديعة، فهل يضمن المودع، أو لا ضمان عليه؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لم يضمن)، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    والعلة في ذلك، قالوا: إن عقد الوديعة الملتزم فيه هو الحفظ، وإذا كان كذلك فالإنسان لا يلزمه أن يحفظ مال غيره إلا بما يحفظ به مال نفسه، فإذا دفع هذا المال لزوجته التي تحفظ ماله، أو لموظفه، أو لوكيله، أو لولده، إذا كان يدفع ماله لهؤلاء، لكي يقوم بالحفظ؛ فكذلك أيضاً له أن يدفع مال غيره.

    ومثل ذلك أيضًا: لو دفعه إلى زوجة المالك، أو موظف المالك لكي يقوم بالحفظ؛ لأن هؤلاء يحفظون أموال هذا الشخص، والملتزم في عقد الوديعة هو الحفظ، هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية أنه يضمن؛ لأن المودع لم يرض إلا بائتمان المودَع -بالفتح-، لم يرض بائتمان غيره وحفظ غيره، والمسلمون على شروطهم، فالرأي الثاني: رأى الشافعية أنه يضمن.

    والأقرب في مثل هذا والصواب أن يقال كما تقدم: نرجع إلى قرائن الأحوال، فهذا يختلف باختلاف القرائن، فقد يكون الدفع لهؤلاء هو الحفظ، وقد يكون الدفع لهؤلاء ليس حفظًا.

    فمثلاً: لو أنه أعطاه وثائق، وهذه الوثائق دفعها لزوجته، ربما أن هذه المرأة لا تحسن الحفظ، لكن لو أعطاه إناءً ثم دفعه لزوجته فهذا تحسن حفظه، وربما أنه لو أعطاه أشياء ودفعها إلى موظفه، أو الوكيل الذي عنده، يكون أضبط منه لكونه قد كبر، أو لكونه يلحقه شيء من النسيان مثلاً.

    فالمهم أن الصواب في مثل هذا أن يقال: مثل هذه الأشياء يُرجع فيها وينظر إلى قرائن الأحوال، وما دلت عليه.

    دفع الوديعة للأجنبي أو الحاكم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعكسه الأجنبي والحاكم، ولا يطالبان إن جهلا).

    ما المراد بالأجنبي؟ قلنا: هذا المصطلح يتكرر في كلام الفقهاء رحمهم الله، وهذا يختلف باختلاف السياقات، فالمراد بالأجنبي هنا: الأجنبي عن الوديعة وعن المودع، ليس هو المودِع، وليس هو من يحفظ مال المودِع، هذا هو الأجنبي، فلم يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، ولم يدفعها إلى من يحفظ مال ربها، وإنما دفعها لرجلٍ أجنبي فتلفت عنده أو سُرقت.

    أو دفعها للحاكم؛ كالقاضي مثلاً أو الأمير، فتلفت أو سُرقت، هل يضمن المودَع أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: (وعكسه الأجنبي والحاكم)، أي: بأنهما يضمنان، وهذا إذا دفعها للأجنبي والحاكم ولم يكن له عذر -كما سيأتينا إن شاء الله- أما لو حصل خوف فخاف على الوديعة، أو حصل سفر ونحو ذلك، فدفع الوديعة فهذا سيأتي إن شاء الله، لكن المقصود هنا أنه ليس له عذر حين أعطاها للأجنبي أو للحاكم، فهل يضمن أو لا يضمن؟ على كلام المؤلف رحمه الله أنه يضمن؛ لأنه فرط، والمودع لم يرض إلا بائتمانه ولم يرض بائتمان غيره، فلو كان يرضى بائتمان غيره لدفع الوديعة إليه! وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يطالبان إن جهلا)، إذا جهلا أنها وديعة، يقول المؤلف رحمه الله: (لا يطالبان)، أي: هذا الرجل الأجنبي. أو الحاكم الذي دُفعت له الوديعة وأخذها، ثم تلفت عنده هذه الوديعة. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يطالبان).

    لكن قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إن جهلا)، فيؤخذ من ذلك أنهما إن كانا يعلمان أنها وديعة فتلفت تحت أيديهما، أنهما يطالبان، وعلى هذا عندنا حالتان:

    الحالة الأولى: حالة الجهل أنها وديعة.

    الحالة الثانية: حالة العلم أنها وديعة، فإذا كانا يجهلان أنها وديعة فلا يطالبان ولا ضمان عليهما، اللهم إلا إن تعديا أو فرطا؛ فإن المودع الأول له أن يطالبهم.

    فعندنا الآن مطالبة، وعندنا قرار الضمان أو تضمين، فإذا كانا يعلمان أنها وديعة فللمالك أن يطالب المودَع الأول، وله أن يطالب المودَع الثاني الذي هو الأجنبي والحاكم، فله أن يطالب كلًا منهما، بقينا في قرار الضمان، وقرار الضمان يكون على المودع الثاني؛ لأن التلف حصل تحت يده، ولأنه تعدى بقبول الوديعة، وكان الواجب عليه أن لا يقبل الوديعة إذا كان يعلم أنها وديعة، وأن المودع الأول لم يؤذن له بالإيداع.

    1.   

    ما يلزم المودع عند خوفه أو سفره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن حدث خوف أو سفر؛ ردها على ربها، فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة).

    قوله: (إن حدث خوف)، أي: حدث في البلد خوف، فاضطرب الأمن، وخشي على هذا المال المودع، (أو سفر)، أي: أراد المودع أن يسافر وعنده هذه الوديعة، فما الذي يعمله؟ قال: (فإن غاب ردها).

    الحالة الأولى: إذا حدث خوف أو سفر فرد الوديعة على ربها.

    الحالة الثانية: إن غاب ربها فلم يكن موجودًا، فيحملها إن كان ذلك أحرز وأحفظ لها، فإذا لم يتمكن أن يردها على ربها فإنه يحملها، لكن بشرط أن يكون الحمل أحفظ لها.

    قال رحمه الله: (إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة).

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أنه يعطيها ثقة، ولا يدفعها إلى الحاكم، أي: لا يذهب إلى القاضي ويعطيه الوديعة.

    والرأي الثاني: وهو المذهب ومذهب الشافعية: أنه يدفعها إلى القاضي، وعلى هذا تكون المراتب أربع:

    المرتبة الأولى: أنه يردها إلى أصحابها.

    المرتبة الثانية: إذا غاب صاحبها يأخذها معه في السفر، بشرط أن يكون ذلك أحرز.

    المرتبة الثالثة: على المذهب ومذهب الشافعية: لابد أن يدفعها إلى القاضي، فإن تعذر القاضي فإنه يدفعها إلى ثقة.

    والرأي الثاني: أنه لا حاجة إلى أن يدفعها إلى القاضي، وهذا مذهب المالكية، وهو الذي مشى عليه الماتن، وبهذا يكون الماتن في هذه المسألة خالف المذهب، وما ذهب إليه المالكية هو الصواب، فلا حاجة إلى أن يدفعها إلى القاضي، بل له أن يدفعها إلى ثقة.

    ويدل لذلك: أن النبي صلى الله علية وسلم لما أراد أن يهاجر، أودع الودائع التي كانت عنده عند أم أيمن رضي الله تعالى عنها.

    فأصبحت المراتب ثلاث مراتب، إذا حصل عذرٌ من خوف، أو أراد أن يسافر، ونحو ذلك:

    المرتبة الأولى: أن يردها إلى صاحبها.

    المرتبة الثانية: أن يأخذها معه في السفر إن كان ذلك أحفظ لها.

    المرتبة الثالثة: أن يدفعها إلى ثقة، وهل هناك مرتبة رابعة، أو لا؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    1.   

    الانتفاع بالوديعة

    قال رحمه الله تعالى: (ومن أودع دابةً فركبها لغير نفعها، أو ثوباً فلبسه، أو دراهم فأخرجها من محرزٍ ثم ردها، أو رفع الختم...).

    هذه المسألة حكم ما إذا تصرف المودع بالوديعة، وهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ذلك لمصلحة الوديعة، مثلاً: ركب الدابة لمنفعة الدابة؛ لكي يسقي الدابة، أو ليعلفها، أو خشي على الثوب من العبث -أن تأكله هذه الدودة مثلاً- فأخرج الثوب ونشره، فإذا كان ذلك لمنفعة الوديعة فإن ائتمان المودع لا يزول، ولا ضمان عليه، هذا الأمر الأول، ومثله: لو أخرج الدراهم، أو نقل الدراهم من مكان لمكان لكون ذلك أحرز، أو خشي عليها، فإذا كان ذلك لمصلحة الوديعة فلا ضمان.

    الأمر الثاني: ألا يكون ذلك لمصلحة الوديعة، كأن يكون أُعطي السيارة وديعة، فركب السيارة لشغلٍ أو عمل له، أو لبس الثوب المودع لكي ينتفع به هو، أي: لمصلحته هو لا لمصلحة الوديعة، فحصل التلف أو السرقة للوديعة، فهل يضمن، أو لا يضمن المودع؟ نقول: يضمن؛ لأنه تعدى، وكما تقدم لنا أن التعدي: هو فعل ما لا يجوز، فهذه التصرفات التي تصرفها لا تجوز له.

    لكن لو أنه رد الوديعة إلى مكانها، ولنفرض أنه أخذ السيارة فاستعملها، ثم بعد ذلك رد السيارة إلى مكانها وأقفلها، فسُرقت السيارة أو احترقت! فالمشهور من المذهب ومذهب الشافعية: أنه يضمن؛ لأنه لما تعدى في المرة الأولى زال ائتمانه، ولا يعود ائتمانه إلا بعقد جديد، لابد أن يعقد معه المالك عقد الوديعة مرةً أخرى.

    والرأي الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنه إذا تاب وأعاد الوديعة إلى حرزها، ثم بعد ذلك تلفت أو سُرقت، أنه لا ضمان عليه, وأن ائتمانه يعود بلا عقد، والله أعلم.