إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [42]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأمور التي لا تصح فيها الشفعة: الشفعة في شركة الوقف، والشفعة فيما لم يكن فيه نصيب للشفيع سابقاً، وكذلك شفعة الكافر على المسلم، وتصرفات المشتري بعد الطلب بالشفعة باطلة، أما إذا كانت التصرفات قبل الطلب بالشفعة كالوقف أو الهبة أو الرهن أو الوصية أو البيع

    1.   

    الأمور التي لا تصح فيها الشفعة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا شفعة بشركة وقف، ولا غير ملك سابق، ولا لكافر على مسلم.

    فصل: وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه لا بوصية سقطت الشفعة، وببيعٍ فله أخذه بأحد البيعين، وللمشتري الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة، فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر، وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت، وبعده لوراثه، ويأخذ بكل الثمن، فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته، والمؤجل يأخذه المليء به، وضده بكفيل مليء.

    ويقبل في الحلف مع عدم البينة قول المشتري، فإن قال: اشتريته بألف، أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر].

    الشفعة في شركة الوقف

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا شفعة بشركة وقفٍ).

    صورة المسألة: إذا كان هناك عقارٌ بعضه وقف والبعض الآخر ملكٌ مطلق، فبيعَ الملك المطلق، هل يشفع لصالح الوقف أو لا يشفع؟ هذه الأرض نصفها لزيد، والنصف الآخر وقف مشاع، نصيب زيد منها ملكٌ مطلق، فزيدٌ باع نصيبه، وقد يكون للوقف مال، فهل للناظر القائم على الوقف أن يشفع لكي يضم هذا النصيب إلى الوقف فتكون جميع الأرض، ويكون جميع الشقص وقفاً، أو أنه لا يملك الناظر على هذا الوقف الشفعة؟

    يقول المؤلف رحمه الله: (لا شفعة بشركة وقفٍ)، يعني: أن الناظر لا يملك أن يشفع على المشتري لكي يضم بقية النصيب إلى الوقف، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب الشافعي .

    وعلتهم في ذلك قالوا: لأن الوقف لا يؤخذ بالشفعة، فكذلك أيضاً لا تجب به، فلو فرضنا أن المسألة على العكس، فهل لصاحب الملك أن يأخذ الوقف أو ليس له ذلك؟ يقولون: لا يؤخذ بالشفعة، فكذلك أيضاً لا تجب به، فمثلاً: لو كانت الأرض بعضها لزيد، والبعض الآخر وقف، بيع الوقف، فهل لزيد أن يشفع ويأخذ الوقف أو ليس له أن يشفع؟ يقول المؤلف: ليس له أن يشفع ويأخذ هذه الوقف، فكذلك أيضاً: لو بيع الملك المطلق، ليس لناظر الوقف أن يشفع لكي يأخذ هذا الملك ويضمه إلى الوقف، فكما أنه لا يؤخذ بالشفعة، فكذلك أيضاً لا تجب به الشفعة، وهذا التعليل غير مسلم به، أي: مَن قال: إنه لا يؤخذ بالشفعة؟

    الصحيح: أنه إذا بيع الوقف لأمرٍ يقتضي ذلك، فإن لصاحب الملك المطلق أن يشفع، ولا ضير في ذلك، يأخذ الأرض التي بيعت والتي كانت وقفاً، ويعطي الثمن للمشتري، فما دام أننا أجزنا بيع الوقف لأمرٍ يقتضي ذلك، فلا بأس أن يؤخذ بالشفعة، وثمن الوقف يشترى به، فالصحيح أنه إذا بيع الوقف، فلصاحب الملك المطلق أن يشفع، فإذا كان كذلك أيضاً لناظر الوقف أن يشفع إذا بيع نصيب الملك المطلق، هذا هو الصواب، وهذا هو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي المالكية، وأنه تثبت الشفعة بشركة الوقف، وعلى هذا إذا بيع الملك المطلق، فلناظر الوقف أن يشفع على المشتري لكي يضم النصيب إلى الوقف، وهذا القول هو الصواب:

    أولاً: لعموم الحديث، وثانياً: لأن الحكمة من الشفعة هي دفع الضرر المتوقع من المشتري الجديد، فكما أن الملك المطلق يلحقه ضرر، فكذلك أيضاً الوقف يلحقه ضرر، فأيضاً الوقف بحاجة إلى الشفعة لدفع الضرر عنه، بل قد يكون أولى، فالصحيح في ذلك: أنه إذا بيع الملك المطلق، فللقائم على الوقف أن يشفع لكي يضم بقية النصيب إلى الوقف فتكون وقفاً.

    تقدم ملك الشفيع للنصيب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا غير ملكٍ سابق).

    الشرط السابع: من شروط صحة الشفعة أن يكون ملك الشفيع للنصيب سابقاً، وهذا الشرط السابع من شروط صحة الشفعة.

    وعلى هذا لو اشترى اثنان شقصاً دفعةً واحدة، فليس لأحدهما أن يشفع الآخر؛ لأنه تخلف شرطٌ من شروط صحة الشفعة، وهو: تقدم ملك الشفيع للرقبة أو للنصيب، فنقول: يشترط أن يتقدم ملك الشفيع للنصيب، لو أنه ملكه لم يتقدم، بمعنى: أن زيداً وعمراً اشتريا أرضاً دفعةً واحدة، فليس لأحدهما أن يشفع على الآخر.

    شفعة الكافر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا لكافرٍ على مسلم).

    هذا الشرط الثامن من شروط صحة الشفعة: ألا يكون الشفيع كافراً، فإن كان الشفيع كافراً، فإن الشفعة لا تصح.

    صورة المسألة: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض، زيد نصراني، وعمرو مسلم، عمرو باع نصيبه على صالح، وصالح مسلم، فهل للشريك زيد النصراني أن يشفع على صالح، أو نقول: ليس له أن يشفع على صالح؟ يقول المؤلف رحمه الله: الشريك غير المسلم ليس له أن يشفع على المسلم.

    لكن لو أن المشتري كان نصرانياً، فهل لزيد أن يشفع؟ نقول: نعم، له أن يشفع؛ لأنه هنا يشفع كافر على كافر.

    ودليلهم على ذلك: ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا شفعة لنصراني )، وأيضاً قالوا: بأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ).

    والرأي الثاني: أنه تثبت شفعة غير المسلم على المسلم، وعلى هذا إذا شفع هذا النصراني على المسلم، فإن الشفعة صحيحة لعموم حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وهذا القول هو الصواب، وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس أنه قال: ( لا شفعة لنصراني )، فهذا الحديث غير ثابت، بل كما قال أبو حاتم رحمه الله: هو باطل الإسناد.

    وأما القول بأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وحديث أبي هريرة : ( لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام )، نقول: بأن هذا ليس من حق الملاك، وإنما هو من حقوق الملك، فكما أنه ملك هذا العقار أو هذا الشقص، فإن كل ما يتبعه من حقوق فإنه يملكه، وسلف لنا مسألة نظير هذه المسألة، وأن العلماء رحمهم الله اختلفوا فيها، وهي مسألة البيع على بيع أخيه والشراء على شراء أخيه، هو يحرم عليه أن يبيع على بيع المسلم؛ لكن هل يجوز أن يبيع على بيع الكافر أو أن يشتري على شراء الكافر، أو أن يسوم على سوم الكافر؟

    قلنا: لا يجوز أن يبيع على بيع الكافر؛ لأن هذا من حقوق الأملاك، وليس من حقوق الملاك، ولما في ذلك من الظلم والاعتداء، فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم أنه تصح الشفعة للكافر على المسلم.

    1.   

    تصرفات المشتري قبل الشفعة

    قال المؤلف رحمه الله: (فصلٌ: وإن تصرف مشتريه بوقفه، أو هبته).

    هنا تكلم المؤلف رحمه الله على حكم تصرفات المشتري قبل الشفعة، يتصرف المشتري في الشقص قبل الشفعة، وكذلك أيضاً ما يتعلق بنماء الشقص قبل الشفعة كما سيأتي.

    صورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، زيد باع نصيبه على صالح، صالح تصرف في الشقص: كأن باع الشقص، أو وهب الشقص، أو بنى فيه، أو غرس فيه، أو أجره، فما حكم هذه التصرفات؟ الآن نبحث في تصرفات المشتري قبل الأخذ بالشفعة، ولنفرض أن عمراً كان غائباً ثم قدم فوجد شريكه زيداً قد باع نصيبه وحصلت المقاسمة، والمشتري أخذ نصيبه وتصرف فيه، فبالنسبة للشريك هو على شفعته، لو قدم بعد سنة أو سنتين أو حتى عشر سنوات، فهو على شفعته؛ لكن ما يتعلق بتصرفات المشتري، فنقول: هذه التصرفات على أقسام:

    القسم الأول: أن يكون ذلك بعد الطلب بالشفعة، يعني: الشريك طالب بالشفعة وشفَّع، فنقول: بأن كل تصرفات المشتري بعد الطلب بالشفعة تصرفاتٌ باطلة، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    القسم الثاني: أن يكون التصرف قبل الطلب بالشفعة، ولنفرض أن الشريك كان غائباً لم يطالب بالشفعة، والمشتري قاسم الشريك الآخر، وأخذ النصيب وتصرف فيه، فقدم شريكه، فنقول: يثبت له حق الشفعة.

    وتصرفات المشتري إذا كانت قبل الطلب بالشفعة فهي على أنواع:

    تصرف المشتري بالوقف والهبة

    النوع الأول: أن يتصرف تصرفاً لا تثبت به الشفعة ابتداءً، ومثاله الذي لا تثبت به الشفعة ابتداءً: الهبة، الوقف، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وإن تصرف مشتريه بوقفه، أو هبته، أو رهنه لا بوصيةٍ سقطت الشفعة).

    فلو أن الشريك وهب أو وقف، فهل لشريكه أن يشفع عليه أو ليس له أن يشفع عليه؟ الجواب: ليس له أن يشفع عليه كما تقدم لنا وذكرنا أن من شروط صحة الشفعة: أن يكون الشقص انتقل بعوضٍ مالي، وليس هناك الآن عوض، هنا الشريك الجديد ما اشترى الشقص.

    فلو قال: هذا مسجد وقف لله، أو هبة وهبه لزيد، فالمذهب يقولون: سقطت الشفعة؛ لأن الأصل أن الشريك لو تصرف بهذا التصرف الذي باع عليه، فليس للشريك الآخر أن يشفع، فكذلك أيضاً المشتري الفرع إذا تصرف بهذا التصرف ليس للشريك أن يشفع، فكما أن الأصل ليس له أن يشفع فكذلك أيضاً الفرع ليس له أن يشفع، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: وهذا قول أكثر أهل العلم، أن الشفعة ثابتة صحيحة؛ لأن حق الشفعة أسبق من التصرف، فبمجرد حصول البيع ثبت حق الشفعة، ثم جاء التصرف بعد ذلك وارداً على حق الشفعة، فنقول: بأن حق الشفعة سابق، وإذا كان سابقاً فلا يبطله التصرف، فمثلاً: زيد وعمر شريكان في هذه الأرض، زيد باع نصيبه على صالح، فلما باع زيد على صالح ثبت لعمروٍ حق الشفعة، فنقول: كون صالح يتصرف بعد ثبوت حق الشفعة لعمرو، هذا التصرف لا يسقط هذا الحق السابق، وهذا القول كما ذكرنا هو الصواب، وهو رأي جمهور أهل العلم، وعلى هذا نقول: إذا تصرف بالوقف، أو تصرف بالهبة ونحو ذلك، فإن ذلك لا يسقط حق الشريك من الشفعة، بل يبقى على شفعته.

    تصرف المشتري بالرهن

    النوع الثاني قال: (أو رهنه)، لو أنه رهنه فالخلاف في هذه المسألة كما سلف:

    المذهب: حكم الشفعة أنها تسقط، فمثلاً: زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، زيدٌ باع نصيبه على صالح، وصالح اقترض قرضاً، ورهن هذا النصيب، ثم جاء عمرو الشريك، هل له أن يشفع أو ليس له أن يشفع؟ المذهب يقولون: ليس له أن يشفع، والرأي الثاني: له أن يشفع، والشفعة صحيحة؛ لأن حق الشفعة سابق على هذا التصرف، وهذا القول هو الصواب.

    تصرف المشتري بالوصية

    النوع الثالث: قال المؤلف: (لا بوصية)، يقول: لا يسقط حق الشفعة بالوصية، زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، زيدٌ باع نصيبه على صالح، ثم إن صالحاً قال: هذا النصيب الذي اشتريته أوصيت أن يكون بعد موتي للفقراء، أو يكون مسجداً، أو نحو ذلك من الوصايا، فجاء عمرو الشريك، فهل تسقط شفعته، أو نقول: بأن شفعته لا تسقط؟

    يقول المؤلف: لا تسقط شفعته، واستثنى الوصية؛ لأن الوصية تصرفٌ بعد الموت غير لازم كما سيأتينا، فالوصية هذه ليست لازمة، فهي محض تبرع، أو أمرٌ بالتصرف بعد الموت، فما دام الأمر كذلك فالشفعة لا تسقط.

    تصرف المشتري بالبيع

    قال المؤلف رحمه الله: (وببيعٍ فله أخذه بأحد البيعين).

    هذا النوع الرابع: إذا تصرف المشتري بالبيع، فنقول: الشفعة ثابتة كما ذكر المؤلف، وللشفيع الشريك أن يأخذ بأحد البيعين، وهو سيأخذ بأقلهما، فمثلاً: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض، زيدٌ باع على صالح، وصالح باع على محمد، ثم جاء عمرو الشريك، فهل له أن يشفع، أو ليس له أن يشفع؟ نقول: له أن يشفع، ثم هل يأخذ بالبيعة الأولى أو بالبيعة الثانية؟ عندنا الآن بيعتان: بيعة زيد على صالح، وبيعة صالح على محمد، فسيأخذ بأيهما؟ الجواب: هو بالخيار، فنقول لعمرو: أنت بالخيار، إن شئت أن تأخذ بالبيعة الأولى، وإن شئت أن تأخذ بالبيعة الثانية، فسيأخذ بأقلهما، فلو أن زيداً باع على صالح بمائة ألف، وصالح باع على محمد بثمانين، فإن الشفيع -عمراً- يأخذ بالثانية من البيعتين، فيعطي محمداً ثمانين ويخرج.

    وإذا كان العكس، زيد باع على صالح بثمانين، وصالح باع على محمد بمائة، فسيأخذ الشفيع بأي البيعتين؟ سيأخذ بالبيعة الأقل، وهي الأولى.

    قال المؤلف رحمه الله: (وللمشتري الغلة، والنماء المنفصل، والزرع والثمرة الظاهرة).

    يعني: قبل أن يأخذ الشفيع بالشفعة، النماء لمن يكون؟ للمشتري؛ لأنه كما أن عليه الضمان فأيضاً له الغنم، وكما أن عليه الغرم فله الغنم، فالغنم بالغرم والخراج بالضمان، فمثلاً: زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، زيدٌ باع نصيبه على صالح، وصالح أجر الأرض. قبل الأخذ بالشفعة، فلمن يكون هذا النماء؟ يقول المؤلف: للمشتري؛ لأنه نماء ملكه، ولو أنتجت الأشجار الثمرة، سواءٌ كانت مؤبرة أو غير مؤبرة فهي له؛ لأن هذا نماء ملكه، وسواءٌ كانت الزيادة منفصلة أو متصلة فهذا كله له.

    قوله: (والزرع والثمرة الظاهرة)، زيد وعمرو شريكان في أرض، زيدٌ باع نصيبه على صالح، وصالح زرع الأرض، فالزرع يكون للمشتري أي لصالح، فهو الذي زرع.

    كذلك لو أن هذا الزرع أظهر ثمرة، مثلاً: زرع طماطم وزرع باذنجان، فالثمرة هذه تكون للمشتري؛ لأن هذا نماء ملكه، فإذا حصل غلة، وحصل نماء قبل أن يأخذ بالشفعة، نقول: هذا كله يكون للمشتري، والفقهاء رحمهم الله من أصحاب المذهب يقولون: للمشتري أن يبقيه إلى وقت أخذه بلا أجرة، ولنفرض أن المشتري صالح زرع الأرض، وجاء عمرو وشفع، الآن زرع البر -مثلاً- يحتاج إلى خمسة أشهر لينمو في الأرض، أو ستة، وقد مضى ثلاثة أشهر، وبقي ثلاثة أشهر، فهل نقول للمشتري: اقلع الزرع؟ هذا يؤدي إلى فساده؛ ولأن هذا الزرع وضع بحق، والزمن لا يطول، فيقولون: له أن يبقيه إلى وقت أخذه بلا أجرة، والأجرة هذه ليست لازمة.

    تصرف المشتري بالغرس والزرع

    قال رحمه الله: (فإن بنى أو غرس، فللشفيع تملكه بقيمته).

    هذا النوع الخامس من التصرفات، وقد ذكرنا من التصرفات قبل الأخذ بالشفعة:

    النوع الأول: التصرف بالوقف والهبة، يتصرف تصرفاً لا تثبت به الشفعة ابتداءً.

    النوع الثاني: بالرهن.

    النوع الثالث: بالوصية.

    النوع الرابع: بالبيع.

    النوع الخامس: بالزرع، فلو أن المشتري زرع، فنقول: الزرع للمشتري، وله أن يبقيه إلى وقت أخذه بلا أجرة؛ لأن زمنه لا يطول؛ ولأنه وضع بحق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن بنى أو غرس، فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه، ويغرم نقصه، أو يترك الشفعة، ولربه أخذه بلا ضرر).

    لو فرض أن المشتري غرس نخيلاً، أو أشجار تفاح، أو برتقال غرس شيئاً من الأشجار، ونحو ذلك، أو بنى بيتاً ونحو ذلك، فنقول: الخيار أولاً للمشتري ثم للمالك، قال: (ولربه أخذه بلا ضرر)، نقول: أنت مخير. إما أن تبقيه، وإما أن تأخذه؛ لكن بشرط ألا يكون هناك ضرر على الأرض، وكما تقدم -مثلاً- في الصورة السابقة: المشتري صالح غرس في الأرض، فنقول لصالح: أنت بالخيار إن شئت أن تقلع الغراس فاقلع؛ لكن بشرط ألا يكون هناك ضرر على الأرض، وهذا المسألة خالف فيها الماتن المذهب، ففي المذهب حتى ولو كان هناك ضرر فله أن يقلع؛ لكن ما ذهب إليه الماتن هو الصواب، إن شئت أن تقلع، وإن شئت أن تبقيه، فإن قال: أنا أريد القلع، نقول: اقلع غرسك أو اقلع بناءك، والشفيع على شفعته، وإن اختار أن يبقيه، فنقول للشفيع: أنت بالخيار، إما أن تأخذه بقيمته، وإما أن تلزمه بقلعه مع دفع النقص الذي يحصل بسبب القلع، وإما أن تترك الشفعة.

    إذاً الخيار أولاً يكون للمشتري، يخير بين القلع والترك، فإن اختار القلع، قلنا: يشترط ألا يكون هناك ضرر، وإن قال: أريد أن أبقيه، نقول: لك ذلك، فإذا اختار أن يبقيه، فنقول للشفيع: خذه بقيمته، كم يقدر البناء؟ الأرض ثمنها كذا, والبناء ثمنه كذا، والغراس قيمته كذا، والشفيع إن قال:

    أنا ما أريده، لا بد أن يقلعه، نقول: لا بأس بقلعه. لكن عليك نقص القلع، فالغراس قد يتضرر، والبناء قد يتضرر فعليك النقص، أو تترك الشفعة، ولهذا قال رحمه الله: (فإن بنى أو غرس، فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه، ويغرم نقصه، أو يترك الشفعة ولربه أخذه بلا ضرر)، فيكون الخيار أولاً للمشتري، ثم بعد ذلك يكون الخيار للشفيع.

    تصرف المشتري بالإجارة

    النوع السادس من التصرفات: التصرف بالإجارة، فإذا قام المشتري بتأجيره، فنقول: هذا التصرف صحيح ولا يسقط الشفعة، ولو أن المشتري أجره فالأجرة تكون قبل الأخذ بالشفعة للمشتري، وبعد الأخذ للبائع.

    1.   

    سقوط الشفعة بموت الشفيع

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت، وبعده لوارثه).

    إذا مات الشفيع هل يبطل حق الشفعة، أو لا يبطل؟ يقول المؤلف رحمه الله: فيه تفصيل: إن كان الشفيع طالب بالشفعة قبل الموت لم تبطل، وإن كان لم يطالب حتى مات بطلت الشفعة، وهذا المشهور من المذهب، وتعليلهم: أنه إذا طالب فإن الحق تقرر بالطلب، أما إذا لم يطالب فإن الحق لم يتقرر.

    والرأي الثاني، وهو رأي المالكية والشافعية: أن حق الشفعة لا يسقط بالموت بل يورث؛ لأنه حقٌ مالي، وكما تقدم لنا أنه تصح المعاوضة عليه، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، فقوله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، يشمل كل ما تركه الأزواج من الأعيان المالية، والحقوق المالية، وغير ذلك. وهذا هو الصواب في هذه المسألة أعني ما ذهب إليه المالكية والشافعية، وهو أن حق الشفعة لا يبطل بالموت، سواءٌ طالب الشفيع أو لم يطالب الشفيع.

    وعند الحنفية: إذا مات يسقط حقه في الشفعة دون تفصيل؛ لكن الصواب ما تقدم.

    1.   

    أخذ الشفيع كل الشقص بكل الثمن

    قال المؤلف رحمه الله: (ويأخذ بكل الثمن).

    هذا الشرط التاسع من شروط صحة الشفعة: أن يأخذ كل الشقص بكل الثمن.

    فمثلاً: لو فرضنا أن الشريك باع بمائة ألف، فقال الشفيع: أنا أشفع بثمانين ألفاً، فهل له ذلك؟ نقول: ليس له ذلك؛ لأن الضرر لا يدفع بالضرر، فالشفعة شرعت لدفع الضرر، وكونه يأخذ ببعض الثمن هذا فيه ضرر على المشتري، فنقول: إما أن تأخذ بكل الثمن الذي استقر عليه العقد، وإما أن تسقط الشفعة، وليس له أن يأخذ ببعض الثمن.

    قال: (فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته)؛ لأنه كما تقدم لنا: الضرر لا يزال بالضرر؛ لكن يمهل ما جرت به العادة عرفاً، هل يستطيع أن يحصل المال، أو لا يحصله؟ يمهل كيوم، يومين، ثلاثة.. إلى آخره، فإذا لم يحصل المال في مثل هذه المدة، نقول: إذاً ليس له الحق في الشفعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمؤجل يأخذه المليء به وضده بكفيلٍ مليء).

    إذا كان الثمن مؤجلاً، فإن الشفيع له أن يشفع ويكون الثمن عليه مؤجلاً، فكما أنه يأخذ بكل الثمن، أيضاً يأخذ بصفة الثمن، فإذا كانت صفة الثمن أنه مؤجل، فإنه يأخذ بالتأجيل، هذا هو مقتضى العدل.

    فمثلاً: لو أن زيداً باع على صالح بمائة ألف مؤجلة لمدة سنة أو لمدة سنتين، ثم شفع الشريك على المشتري صالح، فيعطيه بالحلول أم بالتأجيل؟ بالتأجيل؛ لأن المشتري اشترى بثمن مؤجل، فكذلك أيضاً يؤخذ منه بثمن مؤجل؛ لكن اشترط المؤلف رحمه الله تعالى أن يكون الشفيع مليئاً، فإن كان غير مليء فلابد أن يأتي بكفيل، قال المؤلف: (يأخذه المليء به).

    وعلى هذا إذا كان الثمن مؤجلاً، فإن الشفيع لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون مليئاً، فإنه يأخذ بالتأجيل.

    والأمر الثاني: أن يكون غير مليءٍ، وحينئذ لابد أن يأتي بكفيل.

    1.   

    اختلاف المشتري والشفيع في قدر الثمن

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقبل في الحلف مع عدم البينة قول المشتري، فإن قال: اشتريته بألفٍ أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر).

    إذا حصل خلافٌ بين المشتري والشفيع في قدر الثمن، يقول المؤلف رحمه الله: يقبل قول المشتري، فمثلاً المشتري قال: أنا اشتريت بمائة ألف، قال الشفيع: لا، ما اشتريت بمائة ألف، بل اشتريت بثمانين ألف، فمن القول قوله؟ يقولون: القول قول المشتري؛ لأن هذا هو الأصل، ولأن المشتري أعلم بالثمن.

    وكما سبق لنا في مثل هذه المسائل أنه إذا كان هناك بينة، فإننا نرجع إليها، وإذا لم يكن هناك بينة نرجع إلى القرائن، فقد تكون القرينة تؤيد قول الشفيع، ولا تؤيد قول المشتري، فقد يقول المشتري: اشتريت بمائة ألف، وهو لم يشتر إلا بثمانين، ففي مثل هذا نقول: نرجع إلى القرائن، وإذا لم يكن شيءٌ من ذلك نرجع إلى ما ذكر العلماء رحمهم الله وأن القول قول المشتري؛ لأنه أعلم بالثمن، والأصل سلامة العقد وبقاؤه.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن قال: اشتريته بألفٍ أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر).

    مثلاً المشتري صالح قال: اشتريته بألف، قال الشريك -زيد- الذي باع عليه: لا، أنا بعت عليك بألف وخمسمائة، فعمرو الشفيع يأخذ بقول المشتري -صالح- أو يأخذ بقول زيد البائع؟ الجواب: يأخذ بقول المشتري؛ لأن المشتري يقر أنه ليس له إلا ألف.

    ويقر أنه لا يستحق إلا هذا المبلغ، فيقدم إقراره على إقرار غيره.

    لكن لو قال: أنا نسيت أو غلطت بعدما قال البائع: أنا بعت عليك بألف وخمسمائة، فهل يقبل قوله؟ المذهب أنه لا يقبل قوله؛ لأنه رجوعٌ عن الإقرار، وما يملك الرجوع عن الإقرار.

    والصواب في هذه المسألة أنه ينظر إلى القرائن، فإن دلت القرائن على أنه صادق في دعواه وأنه غلط أو نسي، فنرجع إلى كلامه ويقبل قوله.