إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [39]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الإسلام ليحافظ على أموال الناس وحقوقهم، ومن غصب حقاً سواء غيره أو لم يغيره فإنه يعامل بأضيق الأمرين، وإذا تغيرت صفة المغصوب فإن على الغاصب أن يضمن التغير، وإذا خلط المغصوب بما يتميز يجب فصله ورده إلى مالكه، أما إذا خلط بما لا يتميز فإن تساوت القيمة فه

    1.   

    ضمان الغاصب عند تغير صفات المغصوب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته، ثم نسي أو هزل فنقصت ضمن الزيادة، كما لو عادت من غير جنس الأول، ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما .

    فصل: وإن خلط بما لا يتميز كزيت، أو حنطة بمثلهما، أو صبغ الثوب، أو لتَّ سويقاً بدهن أو عكسه، ولم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وإن نقصت القيمة ضمنها، وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه، ولا يجبر من أبى قلع الصبغ، ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة، وإن أطعمه لعالم بغصبه فالضمان عليه، وعكسه بعكسه، وإن أطعمه لمالكه، أو رهنه، أو أودعه، أو آجره إياه لم يبرأ إلا أن يعلم ويبرأ بإعارته، وما تلف أو تغيب من مغصوب مثلي غرم مثله إذاً وإلا فقيمته يوم تعذر، ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه، وإن تخمر عصير فالمثل، فإن انقلب خلاً دفعه ومعه نقص قيمته عصيراً. فصل: وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة].

    تقدم لنا جملة من أحكام الغصب، وذكرنا من ذلك ما يتعلق بتعريف الغصب في اللغة والاصطلاح، وأن الغصب محرم، ويدل له قول الله عزّ وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، ومن السنة حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ).

    وتقدم أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد : ( ليس لعرق ظالم حق )، وذكر المؤلف رحمه الله جملةً من أنواع المغصوب:

    النوع الأول: المنقولات، وأن الغصب يدخلها.

    النوع الثاني: العقارات، هل يدخلها الغصب أو لا؟

    النوع الثالث: المختصات.

    النوع الرابع: الحر... إلى آخر ما ذكر المؤلف رحمه الله.

    وتقدم أيضاً أن الغاصب يلزمه عدة أمور:

    الأمر الأول: التوبة والرجوع إلى الله عزّ وجل.

    الأمر الثاني: أن يرد المغصوب بزيادته، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة.

    الأمر الثالث: أن يرده ولو غرم أضعافه. تكلمنا عن هذه المسألة.

    وأيضاً حكم ما إذا بنى أو غرس في الأرض المغصوبة، وهل يلزمه أن يهدم البناء في الأرض المغصوبة؟ وهل يجب عليه أن يقلع الغرس أو لا؟ إذا قلع الغرس فإنه يجب عليه تسوية الأرض وما لحقها من النقص والأجرة، وذكرنا قاعدة وهي: أن الغاصب يعامل بأضيق الأمرين؛ لأنه ظالم ومعتد.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته، ثم نسي أو هزل فنقصت ضمن الزيادة، كما لو عادت من غير جنس الأول).

    هذه المسألة فيما إذا تغيرت صفة المغصوب بصفة أخرى، فهل يضمن الغاصب أو لا يضمن؟

    هذه المسألة تحتها صور:

    الصورة الأولى: قال المؤلف رحمه الله: (وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته، ثم نسي أو هزل فنقصت ضمن الزيادة). هذه الصورة الأولى: غصب شاة هزيلة وسمنت عنده -عند الغاصب- ثم بعد ذلك هزلت، وكانت قيمتها عند الغصب تساوي أربعمائة ريال، ثم سمنت عنده فأصبحت قيمتها تساوي خمسمائة ريال، ثم هزلت فأصبحت تساوي أربعمائة ريال، فهل يجب عليه أن يضمن النقص أو لا يجب عليه أن يضمن النقص؟

    نقول: يجب عليه أن يضمن النقص؛ لأنه يجب عليه أن يرد العين المغصوبة بزيادتها، فهو يجب عليه أن يرد العين المغصوبة في كل لحظة، ومن ذلك أن يردها حال الزيادة، فهو الآن غصبها وهي تساوي أربعمائة ريال، ثم سمنت وأصبحت تساوي خمسمائة ريال، ثم هزلت فأصبحت تساوي أربعمائة ريال، فالزيادة التي حصلت في السمن وقدرها مائة ريال يجب عليه أن يضمنها، فيرد الشاة ويرد معها قيمة السمن الذي حصل ثم ذهب مرة أخرى.

    والعلة كما سلف: أن الغاصب يجب عليه أن يرد العين المغصوبة في كل وقت، ومن ذلك في وقت السمن، ولما لم يردها في وقت السمن ضمن هذه الزيادة.

    قال: (كما لو عادت من غير جنس الأول).

    هذه الصورة الثانية: غصب رقيقاً وكان هذا الرقيق طباخاً، وكانت قيمته وهو يجيد الطبخ أربعمائة ريال، ثم نسي صنعة الطبخ، ولكنه اكتسب عند الغاصب صنعة أخرى وهي الكتابة، وكانت قيمته تساوي أربعمائة ريال، ولما نسي هذه الصفة أصبحت قيمته تساوي ثلاثمائة ريال، وتعلم الكتابة فأصبحت قيمته تساوي أربعمائة ريال، فيجب على الغاصب أن يضمن صفة الطبخ التي قيمتها مائة ريال، وكونه تعلم صفة أخرى عند الغاصب فإنها لا تقوم مقام الصفة السابقة؛ لأن هذه صفة زائدة يجب على الغاصب أن يردها أي: يرد هذه الصفة الزائدة، والصفة التي فاتت يجب عليه أن يضمنها.

    والصورة الثالثة: إذا ذهبت الصفة، ثم تعوض عنها صفة أخرى من جنسها، فهل يضمن الصفة الذاهبة أو لا يضمن الصفة الذاهبة؟

    صورة ذلك: غصب شاة سمينة وكانت تساوي خمسمائة ريال، ثم هزلت الشاة فأصبحت تساوي أربعمائة ريال، ثم سمنت مرة أخرى فعادت إلى قيمتها وأصبحت تساوي خمسمائة ريال، فهل يجب عليه أن يضمن الصفة الأولى وهي السمن الأول أو لا يجب عليه أن يضمنه؟

    نقول: يجب على الغاصب أن يضمنه؛ لأنه يجب عليه أن يرد الشاة في حال الهزال، ولو رد الشاة في حال الهزال، فإنه يضمن الصفة الفائتة، فأصبح عندنا ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن تفوت الصفة، وتتجدد عنها صفة أخرى.

    الصورة الثانية: أن تفوت الصفة، ولا تتجدد عنها صفة أخرى.

    الصفة الثالثة: أن تفوت الصفة وتتجدد عنها صفة أخرى من غير جنسها.

    ففي الصور الثلاث كلها يضمن الغاصب، لما ذكرنا من القاعدة وهي: أن الغاصب يعامل بأضيق الأمرين؛ لأنه ظالم ومعتد.

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما).

    هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله بقوله: (ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما) والصواب في هذا: أنه يضمن الصفتين جميعاً؛ لأنه ظالم ومعتدٍ، والظالم المعتدي يعامل بأضيق الأمرين كما سلف.

    وصورة المسألة: لو غصب شاة سمينة تساوي خمسمائة ريال، ثم هزلت عنده هذه الشاة، ثم سمنت مرة أخرى وأصبحت تساوي خمسمائة ريال، ثم عادت مرة أخرى، فهل يضمن الصفة التي فاتت أو لا يضمن الصفة التي فاتت؟

    على كلام المؤلف رحمه الله: لا يضمن الصفة التي فاتت؛ لأنه قال: (لا يضمن إلا أكثرهما)، والصواب في ذلك: أنه يضمن الصفة التي فاتت؛ لما ذكرنا من أن الغاصب يعامل بأضيق الأمرين.

    1.   

    تصرف الغاصب في العين المغصوبة بالخلط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن خلط بما لا يتميز كزيت، أو حنطة بمثلهما، أو صبغ الثوب، أو لتَّ سويقاً بدهن أو عكسه، ولم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما فيه).

    إذا تصرف الغاصب في العين المغصوبة بالخلط فإن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يخلط المغصوب بعين أخرى متميزة عن المغصوب، كما لو خلط براً بشعير، فيجب عليه أن يفصل بينهما، ولو غرم أضعاف البر يعني: أضعاف المغصوب؛ لأنه تمكن من تسليم العين المغصوبة لصاحبها.

    الأمر الثاني: أن يخلط المغصوب بما لا يتميز، كما لو خلط الزيت بزيت، والعصير بعصير.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولم تنقص القيمة، ولم تزد، فهما شريكان بقدر ماليهما فيه).

    إذا خلط العين المغصوبة بما لا يتميز أي: خلط الطحين بطحين، والبر ببر، والزيت بزيت، فيقول المؤلف رحمه الله: (فهما شريكان)، يعني: الغاصب والمالك يكونان شريكان في هذه العين بقدر ماليهما.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ولم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وإن نقصت القيمة ضمنها، وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه).

    فأصبحت الأقسام ثلاثة:

    القسم الأول: ألا تزيد القيمة ولا تنقص، يعني: هذا صاع من الزيت خلط بصاع آخر من الزيت، وقيمة كل منهما تساوي مائة ريال، أصبحت القيمة تساوي مائتين ريال، لم تزد ولم تنقص قيمة كل واحد منهما، فيقول المؤلف رحمه الله: (فهما شريكان بقدر ماليهما) فهذا له النصف وهذا له النصف، ولو خلط هذا الصاع بصاعين، فهذا له الثلث وهذا له الثلثان مادام أن المغصوب لم يزد ولم ينقص.

    القسم الثاني: إن نقصت القيمة أي: نقصت قيمة العين المغصوبة، فمثلاً: صاع من الزيت قيمته تساوي مائة ريال، خلط بصاعين، فأصبحت قيمته تساوي الآن ثمانين ريالاً، فنقصت قيمته، فيقول المؤلف رحمه الله: يضمن النقص الغاصب.

    القسم الثالث : أن تزيد قيمة أحدهما.

    فيقول المؤلف رحمه الله: (الزيادة لمالكها) فلو أن هذا الصاع كان يساوي خمسين ريالاً، ثم خلط بصاعين، فأصبح قيمته تساوي ثمانين ريالاً، لما خلط بهذين الصاعين، فالزيادة تكون للمالك.

    وكذلك قال المؤلف: (أو صبغ الثوب، أو لت سويقاً بدهن أو عكسه) فهذه حكمها كما تقدم. ‏

    قلع الصبغ من المغصوب

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجبر من أبى قلع الصبغ).

    يعني: لو أنه غصب ثوباً ثم صبغه، فهل يجبر الغاصب بقلع الصبغ من الثوب؟ ولو أن المالك طالبه بخلع الصبغ، هل يجبر أو لا يجبر؟

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يجبر) لو أن المالك طالب الغاصب أن يقلع الصبغ، فيقول المؤلف رحمه الله: (لا يجبر الغاصب بقلع الصبغ)، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه إن أمكن فصل الصبغ فإنه يجبر الغاصب، قياساً على إجباره بقلع الغراس، فلو غرس الغاصب في الأرض، فهل يجبر على قلع الغراس أو لا يجبر؟ وهل يجبر على قلع البناء وهدمه أو لا يجبر؟ نقول: يجبر، فكذلك أيضاً هنا، فهذا مذهب الشافعية، وهذا القول هو الأقرب، فنقول: إذا أمكن أن يجبر الغاصب بحيث يمكن أن يفصل الصبغ من الثوب، فنقول: بأن الغاصب يجبر، وهذا مذهب الشافعية، وهذا القول هو الصواب.

    رجوع المشتري على الغاصب بغرامته

    قال المؤلف رحمه الله: (ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة).

    صورة المسألة: رجلٌ اشترى أرضاً وغرس فيها أو بنى فيها، ثم تبين أن هذه الأرض ليست ملكاً للبائع، وجاء المالك، فهل يملك المالك أن يقلع بناء المشتري وغرسه أو لا يملك؟

    يقول المؤلف رحمه الله: بأنه يملك قلع بناء المشتري وغرسه، ويرجع بالغرامة على بائعها بغرامة؛ لأن بائعها هو الذي غره وأوهمه أن هذه الأرض تكون له، وقد يكون البائع أخطأ، وباعه الأرض على أنها أرضه، ثم تبين أنها ليست أرضه.

    وعلى هذا لو أن رجلاً اشترى أرضاً وغرس وبنى، ثم تبين أن هذه الأرض ليست ملكاً للبائع الذي باعها، وجاء مالكها، ومالكها يملك أن يقلع البناء كما لو كانت مغصوبة، ويملك أن يخلع الغرس، فهذا المشتري ما هو ذنبه؟ فقلع غراسه وقلع بنائه يرجع على من؟ على البائع بالغرامة؛ لأن البائع هو الذي غره، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وإنما يملك المالك أن يقلع البناء ويقلع الغرس؛ لأن الأرض تبين أنها مستحقة له، وليست مستحقة للمشتري. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن المالك لا يملك أن يقلع غراس المشتري، ولا يملك أن يقلع بناء المشتري، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وصححه ابن رجب ، وهذا القول هو الصواب؛ لأن هذا البناء وهذا الغراس محترم، فكيف نلحقه بالغراس والبناء الذي ليس محترماً، وهو غراس المشتري، فغراس المشتري وبناؤه، ليس محترماً، فكيف نلحق هذا بهذا؟!

    والمشتري اشترى على أنه مالك، فالصواب: أن المالك لا يملك أن يقلع البناء، ولا يملك أن يقلع الغراس، أما لو كان زرعاً فالأمر ظاهر؛ لأن الزرع مدته لا تطول وقصيرة، فالمشتري يأخذ الزرع وترجع الأرض لصاحبها ومالكها؛ لكن بقينا في البناء والغراس، وهذا تطول مدته، والصواب في ذلك: أن هذا البناء وضع بحق، وكذلك أيضاً الغراس، فلا يملك المشتري أن يقلعه، وإنما له قيمة الأرض، كوننا نجبره على أن يقلع، فهذا بناءٌ وغراسٌ محترم، وهذا القول هو الصواب، فنقول الصواب في ذلك: أنه يأخذ القيمة من المشتري، والمشتري يرجع على البائع، إلا إذا كان المشتري يتمكن أن يقلع الغراس بلا ضرر يلحقه، أو أن يقلع البناء بلا ضرر يلحقه، فهذا هو الأصل، وترد الأرض إلى مالكها، ويرجع على من باعه بالقيمة وبما لحقه من ضرر، المهم إذا كان الضرر يسيراً، فهذا الأمر فيه ضرر.

    1.   

    أحكام الضمان على الأيدي المترتبة على يد الغاصب

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن أطعمه لعالم بغصبه فالضمان عليه، وعكسه بعكسه).

    صورة المسألة: هذا رجل غصب براً، ثم طبخ البر وأطعمه لزيد، وزيد يعلم أنه مغصوب، فعندنا ضمان وعندنا قرار الضمان، فالضمان على من يكون؟ نقول: الضمان يكون على كلٍ منهما، يعني: المالك يملك أن يضمن الغاصب ويملك أن يضمن الآكل؛ لكن قرار الضمان على من يكون؟ نقول: على الآكل -على زيد الذي أكله- فإن ضمن الغاصب فإن الغاصب يرجع على الآكل، وإن ضمن الآكل فإن الآكل لا يرجع على الغاصب، فعندنا ضمان وعندنا قرار الضمان.

    نقول: المالك له أن يضمن كلاً منهما، فله أن يضمن الغاصب الذي غصبه؛ لأنه معتد وظالم، وله أن يضمن الآكل؛ لأنه أتلفه عن علم بالأكل، فله أن يضمن كلاً منهم.

    لكن قرار الضمان على الآكل، وما معنى قرار الضمان؟ يعني: على من يستقر ضمان هذا المغصوب، نقول: على الآكل، فإن ضمن الغاصب فإن الغاصب يرجع على الآكل، وإن ضمن الآكل فإن الآكل لا يرجع على الغاصب، هذا إذا كان الآكل عالماً بالغصب.

    وأما إن كان جاهلاً لا يدري أنه مغصوب وأكله، فهذا البر، أو الخبر الذي أطعمه الغاصب لزيد، وزيد لا يدري أنه مغصوب، فنقول: له أن يضمن كلاً منهما، له أن يضمن الغاصب؛ لأنه معتد بالغصب، وله أن يضمن الآكل؛ لأنه تلف تحت يده؛ لكن بالنسبة لقرار الضمان على من يكون؟ على الغاصب؛ لأن الآكل معذور بالجهل، وعلى هذا إذا ضمن الغاصب، فإن الغاصب لا يرجع على الآكل وإن ضمن الآكل، فإن الآكل يرجع على الغاصب.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن أطعمه لمالكه، أو رهنه، أو أودعه، أو آجره إياه لم يبرأ إلا أن يعلم ويبرأ بإعارته).

    إذا أطعمه لمالكه أي: الغاصب غصب خبزاً، ودعا المالك وأطعمه هذا الخبز، هل يبرأ الغاصب أو لا يبرأ؟

    يقول المؤلف رحمه الله: فيه تفصيل: إن كان المالك يعلم أنه خبزه وأكله برأ الغاصب، وإن كان يجهل فإن الغاصب لا يبرأ.

    قوله: (أو رهنه، أو أودعه) يعني: جعله رهناً عند المالك، واقترض من المالك، اغتصب من المالك كتاباً، ثم اقترض منه قرضاً وأعطاه العين المغصوبة رهناً أو أعطاه الكتاب وديعة -أعطاه للمالك- أو أجرة السيارة التي غصبها منه، فهل يبرأ بدفعها للمالك عن طريق الوديعة، أو الرهن، أو عن طريق الإجارة، أو لا يبرأ؟

    نقول: فيه تفصيل: إن كان المالك يعلم أنها ملكه فإن الغاصب يبرأ، وإن كان يجهل أنها ملكه فإن الغاصب لا يبرأ. قال المؤلف رحمه الله: (ويبرأ بإعارته).

    صورة المسألة: غصب الثوب ثم أعاره للمالك فهل يبرأ الغاصب أو لا يبرأ؟ نحن قلنا: لغياب العلة في الإجارة أعطاه العين، وفي الرهن أعطاه العين، وفي الوديعة أعطاه العين، وقلنا: في الإجارة، وقلنا: في الوديعة، وقلنا: في الرهن أن فيها تفصيلاً: إن كان يعلم أنها ملكه برأ الغاصب، وإن كان يجهل أنها ملكه لم يبرأ الغاصب؛ ولكن في الإعارة يبرأ مطلقاً؛ لأن العارية مضمونة على المذهب، فيرون أنه يبرأ الغاصب؛ لأنه دخل على أنه ضامن، وعلى هذا لو تلفت هذه العين تحت يد المالك يبرأ الغاصب؛ لأنها مضمونة عليه، وكيف يضمن لنفسه من نفسه، ففرق بين العارية وبين غيرها؛ لأن العارية يرون أنها مضمونة، وإذا ردها إلى مالكها برأ منها؛ لأنها مضمونة عليه، ويده عليها يد ضمان، فيبرأ سواء علم أنه ملكه، أو لم يعلم أنها ملكه؛ لأنه دخل على أنه ضامن، والعارية مضمونة، وهذه من المسائل التي يرتبون فيها ما يترتب على الخلاف في العارية، هل هي أمانة أو أنها مضمونة؟ وهل المستعير يده يد أمانة أو أن يده يد ضمان؟

    بقينا في مسألة وهي: ما يتعلق بالأيدي المترتبة على يد الغاصب، فهنا أشار المؤلف رحمه الله إلى بعض الأيدي المترتبة على يد الغاصب، قال: (إن أطعمه لعالم بغصبه).

    الأيدي المترتبة على يد الغاصب كما يقول العلماء: عشر أيدٍ، وقد أفردها ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد، وذلك بقاعدة مستقلة اسمها: الأيدي المترتبة على يد الغاصب عشر أيدٍ:

    يد الغاصب، ويد المشتري، ويد المستأجر، ويد الشريك، والمضارب، والمودع، والمرتهن، والمزارع، والمساقي، والقابض على وجه السوم، فهذه الأيدي المترتبة على يد الغاصب، بمعنى: أن العين المغصوبة انتقلت من يد الغاصب إلى يد أخرى، فتلفت العين المغصوبة تحت اليد الأخرى.

    مثال ذلك: غصب السيارة ثم أجرها، وتلفت العين المغصوبة تحت يد المستأجر، أو أنه باعها، ثم تلفت العين المغصوبة تحت يد المشتري، أو أنه أودعها، أو أنه رهنها، فهذه الأيدي المترتبة على يد الغاصب، فعندنا ضمان وعندنا قرار الضمان.

    فنقول: إن الأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان؛ لأن التلف حدث تحتها، وعلى هذا فإن المالك يضمن كلاً منهما، فله أن يضمن الغاصب؛ لأنه هو الذي اعتدى، وله أن يضمن من انتقلت إليه العين المغصوبة -اليد الأخرى التي انتقلت إليها العين المغصوبة، كيد المشتري والمستأجر والمودع- فله أن يضمنه؛ لأن التلف حصل تحت يده، فعندنا الضمان يكون على كلٍ منهما أي: على الغاصب؛ لأنه هو الذي اعتدى بالغصب، وعلى اليد الأخرى؛ لأن التلف حصل تحتها، هذا بالنسبة للضمان.

    1.   

    قرار الضمان على الغاصب

    بالنسبة لقرار الضمان، نقول: قرار الضمان يكون على الغاصب إلا في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا كانت اليد الأخرى تعلم أنها مغصوبة، فقرار الضمان على اليد الأخرى، ودخلت اليد الأخرى على أنها ضامنة، فقرار الضمان عليها.

    الخلاصة: أن عندنا ضماناً، وعندنا قرار الضمان، فالضمان على كليهما، وقرار الضمان على الغاصب إلا في حالتين:

    الحالة الأولى: أن تكون اليد الثانية قد علمت أن هذه العين مغصوبة فقرار الضمان عليها.

    الحالة الثانية: إذا دخلت اليد الثانية على أنها ضامنة فقرار الضمان عليه.

    مثال ذلك: لو أن غاصباً غصب من الغاصب، فأصبح عندنا غاصبان: الغاصب الأول، والغاصب الثاني، فالمالك له أن يطالب كلاً منهما، وقرار الضمان على الغاصب الثاني، فإذا ضمن الأول رجع إلى الثاني، وإذا ضمن الثاني لم يرجع إلى الأول، وكذلك أيضاً كما قلنا: إذا كانت اليد الثانية قد علمت بالغصب، فإذا ضمن الغاصب رجع عليها، وإذا ضمن اليد الثانية لم يرجع عليها، وأما إن كانت اليد الثانية جاهلة، ولم تدخل على أنها ضامنة، فقرار الضمان على الغاصب، فإذا ضمن الغاصب لم يرجع على اليد الثانية، وإن ضمن اليد الثانية رجع على الغاصب.

    1.   

    ضمان الغاصب للمثلي والقيمي

    قال المؤلف رحمه الله: (وما تلف أو تعيب من مغصوب مثلي غرم مثله إذاً، وإلا فقيمته يوم تعذر، ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه).

    بين المؤلف رحمه الله: كيف يضمن المغصوب فقال: إن كان المغصوب مثلياً فإن الغاصب يضمن المثل، وإن كان المغصوب قيمياً فإن الغاصب يضمن القيمة. لكن ما هو المثلي وما هو القيمي على المذهب؟

    المثلي هو: كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، لا صناعة فيه مباحة، هذا ضابط المثل عند الحنابلة والشافعية، وتقدم الكلام عليه في القرض، والقيمي ما عدا ذلك، فهم يضيقون في المثليات، ويوسعون في القيميات. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن المثلي: ما له مثل في الأسواق، والقيمي: ما ليس له مثل في الأسواق، وعلى هذا يكون العكس، توسيع المثلي، وتضييق القيمي، وهذا القول هو الصواب، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة وضربنا لها أمثلة.

    فقول المؤلف رحمه الله: [وما تلف أو تعيب من مغصوب مثلي، غرم مثله إذاً، وإلا فقيمته يوم تعذره، ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه] فالقيمي يضمن بالقيمة، ومتى وقت الضمان؟ قال المؤلف رحمه الله: إن وقت الضمان يوم التلف والمثلي يضمن بالمثل.

    1.   

    الضمان عند تخمير العصير وانقلابه إلى خل

    قال رحمه الله: (وإن تخمر عصير فالمثل).

    إذا غصب عصيراً ثم تخمر هذا العصير، وأصبح الآن خمراً، ماذا يلزم الغاصب؟ نقول: يلزم مثله عصيراً؛ لأن العصير مكيل فهو مثلي على المذهب، فيلزم مثله، وقوله: (إن تخمر عصير فالمثل)؛ لأنه لما تخمر فسدت ماليته؛ ولأن الخمر ليست له قيمة شرعاً، فيلزمه مثله عصيراً.

    قال رحمه الله: (فإن انقلب خلاً دفعه ومعه نقص قيمته عصيراً)، أي: أصبح عصيراً، ثم أصبح خمراً، ثم بعد أن أصبح خمراً انقلب إلى كونه خل، فيقول المؤلف: يعطيه الفرق، فمثلاً: قيمة العصير تساوي مائة ريال، ثم انقلب خمراً والخمر لا يساوي شيئاً، وكان الخل يساوي خمسين ريالاً، فكم يلزم الغاصب للمالك؟ نقول: يلزمه خمسون ريالاً.

    والصحيح: أنه كما تقدم لنا من قول المؤلف رحمه الله: (ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرها).

    على كلام المؤلف أنه يضمن الزيادة، فهو الآن أصبح عصيراً، ثم أصبح خمراً، فأصبح ليس له قيمة، فالأصل أنه يضمن مائة ريال، فيجب أن يرده عصيراً؛ لأنه لما تخمر أصبح ليس له قيمة شرعاً فيضمنه؛ ولأنه فسد عنده، وإن كان لا يجب رده؛ لأنه أصبح لا قيمة له فيضمن مائة ريال كاملة، وإن رجع إلى كونه خلاً، وأصبحت قيمته تساوي خمسين ريالاً، فعلى المذهب أنه يرده ويرد الخمسين الريال. فهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه يضمن كل النقص، فإذا أصبح خمراً فإنه يضمن مائة ريال، وإذا أصبح خلاً فيضمن خمسين ريالاً، ويضمن النقص، يعني: يرد الخل ويرد أيضاً النقص، ولكن على المذهب يرد الخل ويرد أيضاً النقص، يعنى: الخل وخمسين ريالاً، ولا يلزمه أن يرد مائة ريال، والصواب أنه يلزمه، فيجب أن يرد المائة ريال؛ لأنه فسد لما انقلب خلاً، فهو يرد المائة ريال، ويجب أيضاً أن يرد الخل، فعلى هذا يرد مائة وخمسين ريالاً، وعلى المذهب يرد الخل الذي قيمته خمسين ريالاً، والنقص الذي قيمته خمسون ريالاً، فيرد مائة واحدة فقط.

    أعيد المسألة: هو الآن عصير، يساوي قيمته مائة، أصبح خمراً، الخمر لا قيمة له شرعاً، انقلب الخمر إلى خل، إذا تخلل الخمر بغير فعل آدمي، حل، وهذا الخل ما تساوي قيمته مائة ريال، تساوي خمسين ريالاً، فعلى المذهب: أن يرد الخل، ويرد النقص خمسين ريالاً.

    وعلى القول الثاني: فإنه يرد جميع النقص أي: أنه لما أصبح خمراً يرد قيمة العصير، وقيمة العصير مائة ريال؛ لأنه فسد، وهذا العصير الآن انقلب إلى خل، فيجب عليه أيضاً أن يرد هذا الخل إلى المالك، فهو يرد قيمة العصير؛ لأن العصير فسد، ولما تخلل هذا الخمر يجب عليه أن يرده إلى مالكه.

    1.   

    تصرفات الغاصب الحكمية

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة).

    ما معنى الحكمية؟ يعني: التي يحكم لها بالصحة والفساد، وهذه التصرفات تنقسم إلى قسمين: إما أن تكون في باب العبادات، وإما أن تكون في باب العقود.

    المذهب: أنها إذا كانت في باب العبادات فهي باطلة فمثلاً: توضأ بماء مغصوب، فالوضوء باطل، أو صلى في أرض مغصوبة، فالصلاة باطلة، أو صلى في ثوب مغصوب، فالصلاة باطلة، أو حج بدراهم مغصوبة، فالحج باطل، هذا المشهور من المذهب، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة في أصول الفقه، وقلنا: إن النهي هل يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟ وأن هذه المسألة تنقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يعود النهي إلى ذات المنهي عنه، فهذا يقتضي الفساد.

    القسم الثاني: إلى أمر خارج فهذا يقتضي الفساد.

    القسم الثالث: إلى شرط العبادة على وجه يختص فهذا يقتضي الفساد.

    القسم الرابع: إلى شرط العبادة على وجه لا يختص فهذا لا يقتضي الفساد.

    فإذا صلى في أرض مغصوبة، أو توضأ بماء مغصوب، أو بثوب مغصوب، في هذه الصور الصحيح أنه يقتضي الفساد؛ لأنه يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص، فإذا لبس ثوباً مغصوباً وصلى فيه، نقول: صلاته صحيحة؛ لأن الغصب ليس خاصاً في الصلاة، والغصب منهي عنه في الصلاة وخارج الصلاة، فهو يعود إلى العبادة على وجه لا يختص، ولكن لو لبس ثوباً نجساً وصلى فيه، فنقول: لا تصح صلاته؛ لأن هذا يعود إلى الشرط على وجه يختص، فالنهي عن لبس الثوب النجس خاص بالصلاة، أي: خارج الصلاة لك أن تلبس ثوباً نجساً، فهذا القسم الأول من تصرفات الغاصب.

    والقسم الثاني: فيما يتعلق بالعقود. مثل: البيع، والشراء، والإجارة، والشركة، والمساقاة، فهذه العقود باطلة، فمثلاً: لو غصب سيارة ثم باع الغاصب هذه السيارة، فهنا يعود إلى شرط المعاملة على وجه يختص، فنقول: يقتضي الفساد. كذلك لو أجر السيارة، فالإجارة باطلة. كذلك لو غصب الأرض وعقد عليها عقد مساقاة، أو مزارعة، فالعقد باطل.

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (باطلة)؛ لأن العقد هنا لابد أن يكون من مالك، وهنا تخلى شرط من شروط صحة البيع، فنقول: إن هذه الأشياء باطلة، وحينئذ يجب أن ترد السلعة إلى مالكها، وهذا العقد وجوده كعدمه. فهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني في المسألة: أنه إذا أمكن إبطال العقد فإننا نبطله، وأما إذا لم يمكن إبطال العقد فإنه يمضي، فمثلاً قد يغصب السيارة ثم يبيعها، والذي اشترى منه باعها على آخر، والآخر باعها على آخر، فهنا لا يمكن أن نبطل العقد، وإبطال العقد فيه مشقة، وحينئذ نقول: يمضي العقد، ويغرم الغاصب قيمة السيارة.

    وهذا الذي يظهر والله أعلم أنه الأقرب؛ لأنه قد لا يتمكن من إبطال العقد.