إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [37]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العارية جائزة في النفع المباح بشروط منها: أهلية المعير والمستفيد مع بقاء العين، ولا يجوز إعارة البضع، ولا مسلم لكافر، ولا امرأة لغير محرم، ولا إعارة شيء محرم، ومن أعار حائطاً لحاجة المستفيد وعدم الضرر بالمعير فلا أجرة له، وتضمن العارية إلا عند تلفها فيما

    1.   

    المناضلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي.

    باب العارية: وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، وتباح إعارة كل ذي نفع مباح إلا البضع، وعبداً مسلماً لكافر، وصيداً ونحوه لمحرم، وأمة شابة لغير امرأة، أو محرم، ولا أجرة لمن أعار حائطاً حتى يسقط، ولا يرد إن سقط إلا بإذنه، وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت، ولو شرط نفي ضمانها، وعليه مؤونة ردها، لا المؤجرة.

    ولا يعيرها فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، ويضمن أيهما شاء].

    تقدم لنا ما يتعلق بأحكام المسابقات، وذكرنا أن المسابقات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: المسابقات المشروعة، وذكرنا ضابطها.

    القسم الثاني: المسابقات المباحة، وذكرنا أيضاً ضابطها.

    القسم الثالث: المسابقات المحرمة، وذكرنا ضابطها.

    وأيضاً تكلمنا عن العوض في المسابقات المشروعة، وأن العوض يصح في المسابقات المشروعة بأقسامه الأربعة، وأيضاً العوض في المسابقات المحرمة لا يصح بأقسامه الأربعة، والعوض في المسابقات المباحة يصح إذا كان من الإمام، أو من أجنبي، ولا يصح إذا كان من كل منهما، وإن كان من أحدهما فموضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وتقدم لنا أيضاً ما يتعلق بشروط المسابقة، وكذلك أيضاً هل يشترط المحلل إذا كان العوض من كل منهما، أو أنه لا يشترط؟ وكيفية المحلل، وهل المسابقة جعالة، أو أنها عقد مستقل بذاته؟ وهل يجوز فسخها أو لا؟ تقدمت هذه الأحكام.

    ثم قال المؤلف رحمه الله في آخر باب المسابقة: (وتصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي).

    المناضلة: هي المسابقة بالرمي، والمسابقة بالرمي من المسابقات المشروعة، واشترط المؤلف رحمه الله: أن يكون المتسابقان معينين ويحسنان الرمي؛ لأنه إذا كان لا يحسن الرمي فإن وجوده كعدمه، وكذلك اشتراط أيضاً تعيين عدد الرمي، كأن يرمي كل واحد منهما كذا وكذا، وأيضاً يشترط تعيين عدد الإصابات، كأن يرمي كل واحد منهما خمس رميات، والذي يصيب كذا وكذا فهو الفائز، كذلك أيضاً يشترط معرفة قدر الغرض، والمقصود بالغرض: الهدف الذي يرمى إليه، ومعرفة قدر الغرض أي: طوله، وعرضه، وسمكه، وأن تكون الإصابة إليه ممكنة.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله: أنه يستحب أن يكون لهما غرضان، كما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم، يعني: هذا يكون له غرض، وهذا يكون له غرض، ويرميان إلى هذين الغرضين، ولو كان هناك غرض واحد يرميان إليه فهذا لا بأس به.

    وتقدم ما يتعلق بضابط المسابقات المباحة، وذكرنا أن المسابقات المباحة: هي كل ما فيها مصلحة دينية، أو دنيوية، مما لم يرد النص فيه، والذي ورد النص فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر )، وما يقاس على هذه الأشياء من آلات الجهاد اليوم، وما عدا ذلك تكون مسابقات مباحة، ويدخل في ذلك السباحة.

    وكذلك أيضاً: يدخل في ذلك المصارعات، وليست كالمصارعات الموجودة اليوم، التي يكون فيها إظهار العورات، ونحو ذلك، لا. إنما المصارعات التي بضابطها الشرعي، وكذلك أيضاً المسابقات على الدراجات، والمسابقات على الكرة، والمسابقة على الأقدام، ورفع الأثقال، ونحو ذلك، هذه كلها يترتب عليها مصالح دينية، ومصالح دنيوية؛ لكن هذه المسابقات المباحة يشترط لها شروط:

    الشرط الأول: أنها إذا كانت من الكبير البالغ فإنه لا يكثر منها، بخلاف الصغير فإنه يرخص للصغير ما لا يرخص للكبير، وخصوصاً ما يتعلق باللعب واللهو؛ لأن الكبير البالغ مكلف، ويأخذ منها بقدر ما يكون فيه إجمام القلوب، والاستعانة على طاعة الله عزّ وجل، وإذا أكثر من هذه الأشياء فإن قليلها يدعو إلى كثيرها، وكثيرها يصد عن ذكر الله.

    الشرط الثاني: ألا يترتب على ذلك محذور شرعي، وكثير من المسابقات المباحة اليوم يترتب عليه محاذير شرعية، مثلاً: ما يتعلق بكشف العورات، أو ما يتعلق بوجود البغضاء أو الشحناء، أو ما يتعلق بوجود التحزبات، والموالاة والمعاداة لغير الله عزّ وجل، أو تصد عن ذكر الله والصلاة، فإن كان كذلك فنقول: هذا لا يجوز.

    الشرط الثالث: ألا يكون فيها عوض؛ لأنه كما تقدم لنا أن العوض إنما يكون في المسابقات المشروعة على ما سبق تفصيله.

    1.   

    العارية

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب: العارية).

    العارية: من عقود التبرعات، ولو أن المؤلف رحمه الله تعالى جعل العارية مع أحكام الهبة والأوقاف والوصايا وغيرها من أحكام التبرعات، لكان أحسن؛ لأن عقد العارية من عقود التبرعات.‏

    تعريف العارية

    العارية في اللغة: مأخوذة من العري، وهو التجرد؛ لأنها تجردت عن العوض.

    وأما في الاصطلاح: فهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، فمثلاً: يعيره السيارة لمدة يوم أو يومين، ينتفع بها مع بقاء العين.

    أدلة مشروعية العارية

    والعارية: الأصل فيها القرآن، والسنة، والإجماع.

    أما القرآن: فقول الله عزّ وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]، وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7]: القدر، والميزان، والدلو.

    أما السنة: فهذا سيأتينا إن شاء الله في الأحاديث أثناء دراسة الباب، سيأتي جملة من الأحاديث التي تدل على أصل العارية.

    وأما الإجماع فقائم على ذلك، والنظر الصحيح يقتضي العارية؛ لما يترتب عليها من النفع المتبادل، والله عزّ وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    حكم العارية

    أما الحكم الوضعي لها فصحيح إذا توفرت شروطها، وأما الحكم التكليفي للعارية، فنقول: أما بالنسبة للمستعير فالعارية في حقه جائزة، ولا بأس بها، وليست مسألة مكروهة.

    ويدل لذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس استعار فرساً من أبي طلحة ، وهذا في صحيح البخاري ، وكذلك أيضاً يأتينا أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار أدرعاً من صفوان بن أمية ، فبالنسبة للمستعير نقول بأنها ليست من المسائل المكروهة.

    وأما بالنسبة للمعير: فالعلماء رحمهم الله يقولون: إن العارية بالنسبة للمعير مستحبة، أي إذا طلبت منه عارية يستحب له أن يعير، لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، والله عزّ وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    وخلاصة ذلك: أن العارية بالنسبة للمستعير جائزة مباحة، وبالنسبة للمعير مستحبة؛ لما في ذلك من البر والتعاون عليه، والله عزّ وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، لما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من أبي طلحة فرساً، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن العارية واجبة على المعير إذا كان مستغنياً عن العارية. فمثلاً: إذا كان عنده كتابان، كتابٌ يحتاجه، وكتابٌ هو مستغنٍ عنه، أو عنده سيارتان، سيارة يستعملها، وسيارة هو مستغنٍ عنها، فالرأي الثاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن العارية واجبة، يعني: يجب على الشخص إذا طلبت منه السلعة وهو مستغن عنها أن يعيرها.

    ويدل لذلك: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها، قيل: يا رسول الله! ما حقها؟ قال: إعارة دلوها، وإطراق فحلها.. ) رواه مسلم ، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حقاً، وهذا مما يدل على وجوبها، وهذا القول أحوط، وهذا هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. اللهم إلا إذا كان الإنسان يخشى على ماله، مثلاً: كون من طلب العارية ليس موثوقاً به في الرد، أو في المحافظة عليها ونحو ذلك، فحينئذ يظهر أنه لا يجب عليه.

    طرق انعقاد العارية

    والعارية تنعقد بكل ما يدل عليها من قول، أو فعل، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه المسألة، وأن صيغ العقود ليس لها في الشرع ألفاظٌ محدودة، وإنما يرجع في ذلك إلى عرف الناس.

    شروط العارية

    والعارية يشترط لها شروط:

    الشرط الأول: أهلية المعير، أن يكون المعير أهلاً للإعارة، وذلك بأن يكون بالغاً، عاقلاً، حراً، رشيداً؛ فالصغير لا تصح تصرفاته، والمجنون لا تصح تصرفاته، والرقيق تصح تصرفاته بإذن سيده، والسفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله، نقول: هذا لا تصح تصرفاته.

    الشرط الثاني: أهلية المستعير لقبول التبرع، وهذا سيأتينا إن شاء الله في باب الهبة؛ فإن كان بالغاً عاقلاً يقبل بنفسه، أما إن كان مجنوناً، أو صغيراً، فإن وليه يقبل عنه، فلو أعير هذا المجنون لحاجته، فإن وليه هو الذي يقبل عنه، وكذلك الصغير وليه هو الذي يقبل عنه، والرقيق وليه هو الذي يقبل عنه، والسفيه أيضاً نقول: وليه هو الذي يقبل عنه.

    الشرط الثالث: أن يكون النفع مباحاً، فإن كان النفع محرماً فلا يصح، فمثلاً: لو أعاره الإناء لكي يشرب فيه خمراً، أو أعارة الكبريت لكي يشرب به دخاناً، نقول: هذا لا يجوز.

    الشرط الرابع: أن تكون العين باقية، أي: تبقى بعد استيفاء المنفعة منه.

    ضوابط العارية

    قال المؤلف رحمه الله: (وتباح إعارة كل ذي نفع مباح).

    هذا ضابط في باب العارية، ما هو الذي تصح إعارته، وما هو الذي لا تصح إعارته؟

    قال المؤلف رحمه الله: كل ذي نفع مباح تصح إعارته، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فمثلاً: السيارة، والثوب، والقلم، ونحو ذلك، هذه كلها لها نفع مباح.

    ويؤخذ من كلام المؤلف أن النفع إذا كان محرماً فإنه لا تصح العارية؛ لما في ذلك من تعاون على الإثم والعدوان، والله عزّ وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    أشياء لا يجوز إعارتها

    قال رحمه الله: (إلا البضع).

    البضع المراد به: الفرج؛ لأن الوطء لا يجوز إلا في نكاح أو ملك يمين، مثلاً: لو كان الإنسان عنده جارية ملك يمين، ثم أعارها لشخص لكي يطأها، لكي ينتفع بالوطء، هل هذا جائز أو ليس جائزاً؟ نقول: هذا ليس جائزاً؛ لأن البضع لا يستباح إلا بالنكاح، أو ملك اليمين، قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6]، وما عدا ذلك قال الله عزّ وجل: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7]، أي بعد الزوجة وملك اليمين، فأولئك هم العادون، أي: أولئك هم المتجاوزون لحدود الله عزّ وجل.

    قال رحمه الله: (وعبداً مسلماً لكافر).

    يعني: الرقيق، هل تعيره للكافر؟ يقول المؤلف: لا تعيره، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والله عزّ وجل يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، وتقدم لنا في باب الإجارة حكم تأجير المسلم للكافر، فكون المسلم يؤجر نفسه للكافر، نقول: هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الإجارة الذاتية، فهذه لا تجوز، كأن يؤجر نفسه للكافر لكي يقوم بخدمته، كأن يغسل ثوبه، وينظف بيته، ويطبخ طعامه، ويغسل ماعونه، أي الخدمة الذاتية المتعلقة بذاته، فنقول: هذا لا يجوز؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

    القسم الثاني: الخدمة غير الذاتية، التي لا تتعلق بذات هذا الكافر، فهذه جائزة، وعلي رضي الله عنه آجر نفسه من يهودي، فنقول: هذه جائزة ولا بأس بها، كأن: يكتب عنده ونحو ذلك، ومثل العارية هنا، فإعارة هذا الرقيق للكافر، إن كان لخدمة ذاتية فلا يجوز، وإن كان لغير الخدمة الذاتية فإن هذا يجوز.

    قال رحمه الله: (وصيداً ونحوه لمحرم).

    فالصيد لا يجوز أن تعيره للمحرم، فلا تعير صيداً كغزال مثلاً، أو أرنب لمحرم؛ لأنه لا يجوز له أن يمسك الصيد.

    قوله: (ونحوه) مثل: الثوب، أو الطيب؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يلبس الثوب، أو أن يستعمل الطيب.

    قال رحمه الله: (وأمة شابة لغير امرأة أو محرم).

    يعني: لا يجوز أن تعير أمة شابة لغير امرأة، يعني: تعير أمة شابة لرجل، هل يجوز أو لا يجوز؟ نقول: لا يجوز؛ درءاً للفتنة؛ لأن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية من أسباب الفتنة، والله عزّ وجل قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، وهذا فيه نهي عن الزنا وعن أسبابه، وهي الطرق الموصلة إليه، ولا شك أنه إذا خلى بالمرأة الأجنبية فإن هذا لا يجوز.

    وقوله: (لغير امرأة) يفهم من كلام المؤلف أنه إذا كان لامرأة أن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن العلة انتفت.

    وقوله: (أو محرم) أي لو أعار هذه الأمة لأخيها فهذا جائز ولا بأس به؛ لأن العلة انتفت.

    ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله: (أمة شابة) أنها لو كانت كبيرة فيجوز، وهذا فيه نظر، والصحيح في ذلك: أنه حتى ولو كانت كبيرة فإنه لا يجوز، خلافاً لما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لأنه لا يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة الأجنبية حتى لو كانت كبيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يخلون رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما ).

    الرجوع عن العارية

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا أجرة لمن أعار حائطاً حتى يسقط، ولا يرد إن سقط إلا بإذنه).

    فمثلاً: لو أن شخصاً استعار من شخصٍ أن يضع خشبه على جداره، فأعاره، فهل يملك صاحب الجدار أن يطالب صاحب الخشب بالأجرة أو لا؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لا يملك)، فهو أعاره وقال له: أعرتك، وهذه المسألة تنبني على مسألة أخرى، وهي هل العارية لازمة أو لست لازمة؟

    يعني: لو أعرتك الكتاب، هل يجوز لي أن أرجع فيه أو لا يجوز لي أن أرجع فيه؟

    فهذه العارية من حيث الرجوع تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون العارية مطلقة، يعني: لم تحدد لا بزمن ولا بعمل، مثلاً قال: أعرني الكتاب فأعاره وبعد يوم رجع، نقول: لا بأس، فله أن يرجع، إذا كانت مطلقة؛ لأن العارية إباحة منافع، والمنافع تحدث شيئاً فشيئاً فما قبض له من المنافع مضى ومالم يقبض يجب أن يرجع فيه.

    القسم الثاني: أن تكون العارية مقيدة بزمن، أو عمل، مثلاً قال: أعرني السيارة لمدة أسبوع، قال: أعرتك، أو قال: أعرني الكتاب حتى ينتهي الامتحان، قال: أعرتك، أو إلى يوم الخميس، قال: أعرتك، فهل له أن يرجع أو نقول: ليس له أن يرجع؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم كالحنفية والشافعية: أن له أن يرجع، والعلة في ذلك كما يقولون: إن المنافع تحدث شيئاً فشيئاً، فما دام أنه لم يقبضها المستعير فإن للمعير أن يرجع فيها.

    الرأي الثاني: أن العارية إذا كانت مقيدة بزمن أو عمل، فإنه ليس له أن يرجع، وهذا رأي المالكية، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الله عزّ وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون على شروطهم )، فإذا اشترط عليك وقال: لمدة يومين، فقد يلحق ضرر بهذا.

    وقوله رحمه الله: (ولا أجرة لمن أعار حائطاً، حتى يسقط).

    صورة المسألة قال: أعرني الحائط أريد أن أضع الخشب عليه، فأعاره الحائط، أو غير الخشب، لأنه لا يوجد خشب اليوم في الغالب، أو قال مثلاً: أعرني الحائط أضع مواسير المياه، وأضع أسلاك الكهرباء عليه، أو نحو ذلك، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، أن الجار يجب عليه أن يمكن جاره بشرطين:

    الأول: أن يكون محتاجاً.

    الثاني: ألا يكون هناك ضرر على الجدار.

    لكن لو فرضنا أنه غير محتاج، وقال: أعرني، قال: أعرتك، ثم إن صاحب الجدار رجع، فهل له حق الرجوع، أو ليس له حق الرجوع؟ المذهب أن له حق الرجوع؛ لأنه يجوز للمعير أن يرجع في العارية مطلقاً، فإذا رجع فهل له أجرة أو ليس له أجرة؟ مذهب المؤلف: أنه ليس له أجرة؛ لأن صاحب الخشب لا يمكن أن يهدم الخشب، لأنه يتضرر، أو مثلاً يخرج الأسلاك والمواسير ونحو ذلك، فنقول: ليس له أجرة.

    وقوله: (حتى يسقط) أي: يبقى الخشب حتى يسقط الجدار.

    وقوله: (ولا يرد إن سقط إلا بإذنه) يعني: لو سقط الجدار فلا يملك صاحب الخشب أن يضع خشبه ثانية حتى يأذن له صاحب الجدار؛ لأن الإذن تناول الوضع الأول، أما الوضع الثاني فإنه يحتاج إلى إذن متجدد؛ فلو أعاره أرضاً للزرع، قال: أعرني الأرض أريد أن أزرع فيها براً ثم أردها عليك، فالمذهب أنه يملك الرجوع؛ لأنهم يرون أن العارية ليست لازمة، حتى لو كانت مقيدة بعمل، فإذا رجع يقولون: له الأجرة إلى وقت الحصاد. لكن إذا أعطيته الأرض لكي يزرع، فكيف تطالبه بالأجرة؟ مثلاً: زرع لمدة شهرين، والبر يحتاج إلى ستة أشهر، بقي أربعة أشهر، فيطالبه بالأجرة مدة الأربعة أشهر، والصحيح في ذلك -كما قلنا- أنه لا يملك الرجوع ما دامت العارية مقيدة بعمل.

    ضمان العارية

    قال رحمه الله: (وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت، ولو شرط نفي ضمانها).

    العارية هل هي مضمونة أو ليست مضمونة؟

    العلماء رحمهم الله تعالى لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو مذهب الشافعي أن العارية مضمونة، بمعنى: أن يد المستعير عليها ليست يد أمانة، فلو تلفت فعليه الضمان ولو لم يتعد أو لم يفرط، مثلاً قال: أعرني الكتاب، فقال: خذ الكتاب عارية، فالمستعير أخذ الكتاب وحفظه بالمكتب، وأغلق عليه في الدرج ثم سرق، أو احترق، هل يضمن أو لا يضمن؟

    نعم يضمن مع أنه حفظه، فالمشهور من المذهب ومذهب الشافعية: أن العارية ليست أمانة، وإنما هي مضمونة، ويستدلون على هذا بأدلة منها:

    أولاً: قول الله عزّ وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، المراد من ذلك أن يردها مطلقاً، وكذلك أيضاً يستدلون بحديث صفوان بن أمية ، عندما استعار منه النبي صلى الله عليه وسلم أدرعاً يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بل عاريةٌ مضمونة )، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي، وأجاب عن ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه (تهذيب السنن) فأطال الكلام في هذه المسألة، وأطال الجواب على هذا الحديث. والخلاصة في الجواب:

    أولاً: أن هذا الحديث بعض أهل العلم يضعفه، كـابن حزم.

    الجواب الثاني: على فرض أنه ثابت، فإن قوله: ( بل عارية مضمونة ) المقصود به ضمان الرد، يعني: أنا أضمن لك أن أردها عليك إذا كانت باقية، ويدل على ذلك: ما جاء في مستدرك الحاكم، وسنن البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( بل عارية مؤداة )، فقوله: (مضمونة) معناه الضمان للرد، وليس للتلف.

    الرأي الثاني: رأي ابن حزم رحمه الله، ورأي الحنفية: أن العارية ليست مضمونة إلا مع التعدي والتفريط، وأنها كسائر الأمانات، إن تعدى المستعير أو فرط، فإنه يضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط، فإنه لا ضمان عليه؛ لأن الله عزّ وجل قال: فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193]، وهذا ليس ظالماً؛ وأيضاً حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( العارية مؤداة )، وهذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، وكذلك أيضاً هو الثابت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عمر أنه قال: (العارية بمنزلة الوديعة، والوديعة أمانة)، وهذا رواه عبد الرزاق وابن حزم وإسناده حسن، وكذلك أيضاً ورد ذلك عن علي رضي الله عنه، أنه قال: (العارية ليست مضمونة).

    وهناك رأي ثالث: وهو تفصيل في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام أن العارية ليست مضمونة إلا إذا شرط المعير فقال: أنا أعيرك الكتاب؛ لكن إن تلف فتضمن، أو أنا أعيرك السيارة لكن إن تلفت السيارة فأنت ضامن، فهؤلاء يقولون: بالشرط يجوز؛ لأن المسلمين على شروطهم.

    صور عدم ضمان العارية

    وقوله رحمه الله بأن العارية مضمونة، لكنهم على المذهب يستثنون مسائل لا تضمن فيها:

    الصورة الأولى: إذا تلفت العارية فيما استعيرت له، فلا ضمان، مثال ذلك: أعاره قلماً، وهو يحتاج إلى بري هذا القلم، وظل يكتب بالقلم ويبريه حتى تلف، هنا يقول: لا ضمان عليه أو مثلاً أعاره ثوباً، وجعل يلبس الثوب حتى بلي الثوب، هنا يقولون: لا ضمان.

    الصورة الثانية: إذا كانت العارية وقفاً فاستعارها الموقوف عليه، فتلفت عنده فلا ضمان، ولنفرض أن هذا المسجد فيه كتب في المكتبة، والكتب هذه وقف على طلبة العلم، فجاء أحد طلبة العلم واستعار الكتاب، ثم بعد ذلك تلف الكتاب عنده، ولم يتعد أو يفرط، هنا هل يضمن، أو لا يضمن؟ الجواب: لا يضمن.

    الصورة الثالثة: إذا كان الأصل لا ضمان عليه، يعني: إذا استعارها ممن لا ضمان عليه فإنه لا يضمن المستعير، مثلاً: المستأجر -كما تقدم لنا- هل هو مالك للمنفعة أو ليس مالكاً للمنفعة؟ نعم مالك للمنفعة، وهل يملك أن يعير أو لا يملك أن يعير؟ نعم يملك أن يعير.

    مثال ذلك: رجل استأجر سيارة، فهل يملك أن يعير هذه السيارة أو لا يملك؟ نعم يملك أن يؤجرها وأن يعيرها، الآن المستعير من المستأجر إذا تلفت عنده، يضمن أو لا يضمن؟ نقول: لا يضمن؛ لأن الأصل وهو المستأجر لا ضمان عليه، فالمستعير الفرع أيضاً لا ضمان عليه.

    الصورة الرابعة والأخيرة: إذا أركب منقطعاً للثواب، -وهذا سيأتينا في كلام المؤلف رحمه الله- أي يقصد وجه الله عزّ وجل مثلاً: وجد شخصاً في الطريق فأركبه على دابته، ثم تلفت الدابة، وهو منتفع بهذا الركوب، فهل يضمن أو لا يضمن؟ يقولون: لا ضمان عليه، فأصحاب المذهب يرون أن العارية مضمونة إلا في أربع صور. فإنها لا تضمن.

    وقوله رحمه الله: (وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت)، يقولون: العارية تضمن يوم التلف؛ لأن يوم التلف يتحقق فيه فوات العارية.

    قوله رحمه الله: (ولو شرط نفي ضمانها).

    نقول: يسقط الضمان، وهذا هو المشهور من المذهب، وقد تكلمنا على هذه المسألة، وقلنا: رأي شيخ الإسلام أنه لو شرط نفي الضمان صح ذلك، وهم يذكرون ضابطاً أو قاعدة: كل عقد اقتضى الضمان فإن الشرط لا يغيره.

    الفروق بين العارية والإجارة

    قال المؤلف رحمه الله: (وعليه مؤونة ردها لا المؤجرة ولا يعيرها).

    هناك فروق بين باب العارية وباب الإجارة:

    الفرق الأول: أن العارية: إباحة المنافع، والإجارة: تمليك المنافع.

    الفرق الثاني: العارية مؤونة الرد على المستعير، وفي باب الإجارة مؤونة الرد على المستأجر. فمثلاً: لو استعار الكتاب، وهو في مكة، مؤونة الرد إلى مكة على المستعير؛ لكن لو استأجر السيارة وهو في مكة، فمؤونة الرد على المستأجر.

    الفرق الثالث: أن العارية من عقود التبرعات، وأما الإجارة فمن عقود المعاوضات.

    الفرق الرابع: أن العارية لا يثبت فيها خيار المجلس، وأما الإجارة فيثبت فيها خيار المجلس.

    الفرق الخامس: أن العارية عقد جائز كما سلف، والخلاف فيه، وأما الإجارة فعقد لازم.

    الفرق السادس: أن العارية تكون في المسجد، فهي من عقود التبرعات، وأما الإجارة فهي من عقود المعاوضات ولا تصح في المسجد.

    الفرق السابع: أن العارية تصح بعد نداء الجمعة الثاني، وأما الإجارة فلا تصح بعد نداء الجمعة الثاني؛ لأنها من عقود المعاوضات، وتقدم الكلام على هذه المسألة.

    الفرق الثامن: أن المستعير لا يملك أن يعير، والمستأجر يملك أن يعير.

    الفرق التاسع: أن المستأجر يملك أن يؤجر، وأما المستعير فلا يملك أن يؤجر؛ لأنه لا يملك، وإنما أبيح له النفع فقط، ولهذا قال رحمه الله: (ولا يعيرها).

    كذلك أيضاً لا يؤجرها؛ لأنه أبيح له فقط أن ينتفع، والعارية إباحة نفع، وهذا المذهب مذهب الشافعية، خلافاً للحنفية والمالكية، وعلى هذا لا يملك أن يعير ولا يملك أن يؤجر.

    الفرق العاشر: أن العارية لا تصح من ولي القصر؛ لأن هذا تبرع، مثلاً: ولي اليتيم لا يصح أن يعير، بخلاف الإجارة؛ لأن الولي يملك أن يؤجر.

    الضمان عند تلف العارية بيد المستعير الثاني

    قال رحمه الله: (فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، ويضمن أيهما شاء).

    إذا أعار هذا المستعير العارية، ثم بعد ذلك تلفت عند الثاني، فيقول المؤلف رحمه الله: له أن يضمن أيهما شاء، عندنا ضمان، وعندنا قرار الضمان، فالضمان معناه المطالبة، أي: له أن يطالب كل واحد منهما، وعندنا قرار الضمان: يعنى: على من يستقر قرار الضمان، أي: أخذ القيمة على من يستقر.

    الآن عندنا المستعير الأول، والمستعير الثاني.

    زيد المستعير الأول، أعارها لعمرو وتلفت عند عمرو، جاء صالح وهو المالك فله أن يطالب الأول؛ لأنه تعدى بإعارتها، ويطالب الثاني؛ لأن التلف حصل تحت يده، فعلى من يكون قرار الضمان؟ قال المؤلف رحمه الله: (استقرت عليه قيمتها)، أي على الثاني؛ لأن المستعير ضامن، وهو دخل على أنه ضامن مطلقاً.

    والصحيح أن نقول: إن كان الثاني يعلم أنها عارية، وأنه لم يؤذن له بالعارية، وأنه تعدى بالعارية، فالضمان عليه، لأنه استعار وتعدى، وإن كان يجهل فلا ضمان عليه لا بالتعدي ولا بالتفريط، وحينئذ يكون الضمان على الأول، فنقول: على الصحيح إن كان الثاني يعلم أنها عارية، وأن الأول لم يؤذن له بالإعارة، فقرار الضمان عليه، وإن كان يجهل، فنقول: لا ضمان عليه، إلا مع التعدي والتفريط، وهذا ما يتعلق بقيمة العارية.

    أما أجرة العارية فقال رحمه الله: (وعلى معيرها أجرتها) أي المعير الثاني عليه الأجرة للمعير الأول، إن لم يكن الثاني عالماً بالحال؛ لأنه لا يملك أن يعيرها، فالمستعير الأول الذي هو زيد أعارها لعمرو، فمدة إعارتها لعمرو تكون عليه الأجرة للمعير الأول، لمالكها، فإذا لم يكن الثاني عالماً بالحال، فتكون الأجرة عليه.