إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [36]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا ضمان على الأجير المشترك؛ سواء تلف بفعله أو في حرزه على الصحيح؛ لأنه أمين كالمودع، هذا إذا لم يكن متعدياً أو مفرطاً، وتلزم الأجرة بمجرد العقد في إجارة المنافع، والعقود الفاسدة في الإجارة ليست لازمة؛ لكن تجب أجرة المثل. والمسابقات ثلاثة أقسام: مشروعة، و

    1.   

    ضمان الراعي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [... ولا راع لم يتعد، ويضمن المشترك ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حرزه، أو بغير فعله ولا أجرة عليه، وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل، وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة، ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل.

    باب السبق: يصح على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق، ولا تصح بعوض إلا في إبل وخيل وسهام، ولابد من تعيين المركوبين، واتحادهما، والرماة، والمسافة بقدر معتاد، وهي جعالة لكل واحد فسخها].

    تقدم لنا أن الأجراء ينقسمون إلى قسمين:

    القسم الأول: أجير خاص: وهو من أجر نفعه بالزمن.

    والقسم الثاني: أجير مشترك: وهو من قدر نفعه بالعمل، وضربنا لذلك أمثلة، وذكرنا أن كثيراً من الناس اليوم من باب الأجراء الخاصين، فمثلاً الموظف: إذا كان يعمل في هذه المؤسسة من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية، ونحو ذلك، فهذا أجير خاص، ومثال آخر: سائق المركبة إذا كان عمله مقدراً بالأشهر، فهذا أجير خاص، وأما الأجير المشترك فهو من قدر نفعه بالعمل، وذلك مثل: الخياط، والغسال، والطباخ، وأصحاب الورش، سواء كانت هذه الورش في صناعة الأثاث، أو إصلاح السيارات، أو غير ذلك، فهؤلاء كلهم من قبيل الأجراء المشتركين.

    لكن هل يضمن الأجير الخاص، أو لا يضمن؟ قال المؤلف رحمه الله: بأنه لا ضمان عليه، إلا إن تعدى وفرط، وتكلم أيضاً المؤلف رحمه الله عن الطبيب: هل يضمن الطبيب، أو لا يضمن؟

    وذكرنا ثلاث حالات للطبيب، ومثله البيطار، والحجام، والختان.

    الحالة الأولى: أن يكون حاذقاً ولا تجني يده، فهذا لا ضمان عليه.

    الحالة الثانية: أن يكون حاذقاً وتجني يده، فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه يضمن، وتكلمنا على هذه المسألة فيما سبق.

    الحالة الثالثة: أن يكون غير حاذق، كأن يكون متطبباً جاهلاً، فهذا يضمن، وذكرنا دليل ذلك.

    الحالة الرابعة: وهي أن يكون حاذقاً؛ لكن يقوم بالمداواة بلا إذن فهل يضمن أو لا يضمن؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو قول أكثر أهل العلم أنه يضمن؛ لأنه لم يؤذن له بالمداواة.

    الرأي الثاني: وهو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله، واختاره ابن القيم أنه لا ضمان عليه، لقول الله عزّ وجل: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:91]، وهذا محسن، فإذا كان كذلك فنقول: لا ضمان عليه.

    وهذا الذي يظهر -والله أعلم- أنه لا ضمان عليه، وخصوصاً بعض الحالات قد يتعذر فيها الإذن، كما لو كانت الحالة مستعجلة، كما لو حصل عنده نزيف أو نحو ذلك، أو صار له حادث، فقد يتعذر الإذن، وأيضاً بعض الحالات إذا لم يداو ربما أن المرض يكون معدياً وينتشر، وقد يأذن المريض أو وليه وقد لا يأذن، فيظهر والله أعلم أنه لا ضمان عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا راعٍ لم يتعد).

    الراعي هذا من الأجراء الخاصين؛ لأنه يظهر أن نفعه مقدر بالزمن، وأنه يرعى كل شهر بكذا وكذا، فهو أجيرٌ خاص، وهذا الأجير الخاص كما سلف لنا لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.

    1.   

    ضمان الأجير المشترك

    قال رحمه الله: (ويضمن المشترك).

    المشترك: من قدر نفعه بالعمل.

    ضمان ما أتلفه الأجير بفعله

    قال رحمه الله: (ويضمن المشترك ما تلف بفعله)، الأجير المشترك هل يضمن أو لا يضمن؟

    نقول: هذا فيه تفصيل، فلا يخلو من أحوال:

    الحالة الأولى: قال المؤلف: يضمن ما تلف بفعله، كيف ذلك؟ مثلاً: خاط الثوب، وأثناء الخياطة شق الثوب، هنا الآن تلف بفعله، أو لم يتلف بفعله؟ تلف بفعله، كذلك الطباخ لو رفع النار على اللحم، أو على الأرز ونحو ذلك، فاحترق، فتلف بفعله، يقول المؤلف رحمه الله: يضمن ما تلف بفعله.

    وكذلك أيضاً: صاحب الورشة لإصلاح السيارات، أثناء عمله بالسيارة أخطأ، فتلف شيء من أجزاء السيارة، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: يضمن ما تلف بفعله، وهذا هو المشهور من المذهب، ويستدلون بحديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه )، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وإسناده ضعيف.

    الرأي الثاني: وبه قال أبو حنيفة وهو الأظهر عن الشافعي : أنه لا ضمان عليه، لماذا؟ لأنه أمين، وكما أسلفنا أن كل من قبض المال بإذن الشارع، أو بإذن المالك، فإنه أمين لا ضمان عليه، والله عزّ وجل قال: فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193]، فما دام أنه ليس ظالماً، لم يتعد ولم يفرط، فهو أمين لا ضمان عليه، وهذا القول هو الصواب.

    وهناك آثار واردة عن الصحابة عن عمر وعلي في تضمين الصناع ونحو ذلك؛ لكن الصواب أنها ضعيفة ليست ثابتة عنهم، رضي الله تعالى عنهم.

    ضمان ما تلف من حرزه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يضمن ما تلف من حرزه).

    هذا القسم الثاني: ما تلف من حرزه يقول المؤلف رحمه الله: لا ضمان عليه، كيف ذلك؟ مثلاً هذا الخياط أعطيناه الثوب لكي يخيطه، أو الغسال أعطيناه الثوب لكي يغسله، فجاء السارق وكسر المحل، وسرق الثوب، فهل يضمن الغسال أو لا يضمن؟

    قال المؤلف: لا يضمن ما دام أنه تلف من حرزه، ولم يثبت بفعله، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه تلف بغير يده، ولأن العين بيده أمانة، فهو كالمودع، والمودع لا ضمان عليه.

    ضمان ما تلف بغير فعل الأجير

    قال: (أو بغير فعله).

    أيضاً قال المؤلف إذا تلف بغير فعله، فلا ضمان عليه.

    مثال ذلك: الغسال أخذ الثوب لكي يغسله، ثم احترقت المغسلة، واحترق الثوب معها، فهل يضمن أو لا يضمن؟

    نقول: لا ضمان عليه؛ لأنه تلف بغير فعله، والحريق هذا خارج عن إرادته، فلو كان بيده ما احترق محله، والعين كما تقدم في يده أمانة، والمودع لا ضمان عليه.

    فتلخص لنا أن الأجير المشترك تحته ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: ما تلف بفعله.

    الحالة الثانية: ما تلف من حرزه.

    الحالة الثالثة: ما تلف بغير فعله.

    وأصحاب المذهب يرون أنه يضمن في الحالة الأولى، أما في الحالة الثانية والثالثة فإنه لا ضمان عليه، وذكرنا أن الصحيح: أنه لا ضمان عليه في جميع هذه الحالات.

    1.   

    وقت استحقاق الأجير للأجرة

    قال المؤلف رحمه الله: (وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل).

    تجب الأجرة بالعقد، ويدل لذلك: حديث سهل رضي الله عنه في قصة الواهبة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأت أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقض فيها شيئاً، قامت، فقال رجل: (يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها؟ قال: إزاري)، والإزار: هو الثوب الذي يستر النصف الأسفل من البدن، يقول الراوي: عليه إزار ما عليه رداء لا يملك إلا هذا الإزار فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك )، أي: إن أصدقتها هذا الإزار فلا يكون لك إزار.

    والشاهد من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( جلست ولا إزار لك )، هذا يدل على أنها ملكت الإزار بالعقد.

    ومثلها أيضاً تكون الأجرة، فإذا استأجر البيت، فالمؤجر ملك الأجرة، فيجب على المستأجر أن يعطيه الأجرة؛ لأنه ملكها.

    وقوله: (وتجب الأجرة بالعقد) أي: يجب عليه أن يسلمها إليه.

    قوله: (إن لم تؤجل) فإذا أجلت الأجرة فالمسلمون على شروطهم، واليوم تجد أن المستأجر إذا استأجر بيتاً يسلم بعض الأجرة، ويؤجل الأجرة الباقية، ويجعلها أقساطاً، يعطيه دفعة في أول العقد، ودفعة في منتصف العقد، فالمهم أن المسلمين على شروطهم، والخلاصة في ذلك: إن كان شرط فنرجع إليه، وإن لم يكن فنرجع إلى كلام العلماء وهو أن الأجرة تجب بالعقد إذا لم يكن هناك تأجيل. هذا إذا كان العقد على منفعة.

    فإن كان العقد على عمل، فقال المؤلف: (وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة)، إذا كانت الأجرة على عمل، فما يستحق الأجرة إلا إذا سلم المستأجر العمل، مثلاً: إذا استأجرت هذا الشخص لكي يقوم بالدهان، ولكي يقوم بعمل البلاط ونحو ذلك، هل يستحق الأجرة في بداية العمل عند العقد؟ أو يستحقها إذا سلمني العمل؟ الجواب إذا سلم العمل.

    فيتلخص لنا أن الأجرة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون على منافع، مثاله: البيت، والدكان ونحو ذلك، فهذا -كما ذكر المؤلف- تجب الأجرة بالعقد، إن لم تؤجل.

    القسم الثاني: أن تكون الإجارة على عمل من الأعمال، كما لو استأجرته لكي يبني مثلاً، أو لكي يدهن، أو لكي ينظف، أو لكي يصلح السيارة، فإنه لا يستحق الأجرة إلا إذا سلم العمل، ولهذا قال المؤلف: (الذي في الذمة) يعني: العمل الموصوف في الذمة، كما لو استأجرته لكي يبني البيت، أو لكي يدهن، بصفة كذا وكذا، فهذا عمل مقصود.

    1.   

    الإجارة الفاسدة والأجرة اللازمة فيها

    قال رحمه الله: (ومن تسلم عيناً بإجارة فاسدة، وفرغت المدة، لزمه أجرة المثل).

    الإجارة الفاسدة ما فقدت شرطاً من شروط صحتها -مثلاً- إذا كانت الأجرة مجهولة، فنقول: هذه إجارة فاسدة، فلو أنه تسلم البيت بإجارة فاسدة كأن يكون استأجر البيت لمدة سنة بأجرة مجهولة، وتسلم البيت، فهذه الإجارة فاسدة لجهالة الأجرة، وفرغت المدة، يقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أجرة المثل.

    وهنا قاعدة على المذهب -وستأتينا في باب الغصب- وهي: أن المقبوض في عقد فاسد حكمه حكم المغصوب، وسيأتينا في المغصوب أنه إذا غصب ما له منافع فإنه تجب عليه أجرة هذه العين، مثلاً: غصب بيتاً، أو غصب سيارة، ونحو ذلك، فإنه يجب عليه الأجرة مدة الغصب.

    1.   

    السبق

    قال رحمه الله تعالى: (باب: السبق). ‏

    تعريف السبق

    السبق بتسكين الباء: وهو المجاراة، وبالتحريك السبق: وهو العوض، ولهذا في الحديث: ( لا سبَق )، يعني: لا عوض، فلا يصح أن تقول: لا سبْق؛ لأن الشارع أثبت المجاراة، وبالتحريك هو العوض، الذي يكون في المسابقة، وأما بتسكين الباء: فهو المجاراة، والسبق في اللغة: يطلق على معاني منها التقدم.

    وأما في الاصطلاح: فهو المجاراة بين حيوان وغيره ليعلم المتميز منهما.

    مشروعية السبق والأدلة على ذلك

    الأصل في المسابقات قول الله عزّ وجل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، ومما يدخل في القوة المسابقات المشروعة؛ لأن المسابقات المشروعة هي المسابقات التي تكون على آلات الجهاد، كما سيأتينا إن شاء الله، وأيضاً قول الله عزّ وجل عن إخوة يوسف: قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا [يوسف:17].

    وأما السنة، فسيأتينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل.

    والإجماع قائم على جواز المسابقة في الجملة، والنظر الصحيح يقتضي ذلك؛ لأن المسابقات لها مصالح، ولها فوائد، إن كانت شرعية، أو مباحة بضوابط الشرع، وفيها مصالح منها إجمام القلوب، وتقوية الأبدان، والتعلم على آلات الجهاد وغير ذلك.

    1.   

    أقسام المسابقات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يصح على الأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق).

    المسابقات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: مسابقات مشروعة.

    القسم الثاني: مسابقات مباحة.

    القسم الثالث: مسابقات محرمة.

    المسابقات المشروعة وأخذ العوض عليها

    المسابقات المشروعة: هي ما بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر )، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وإسناده ثابت، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر )، هذا القسم الأول وهو المسابقات المشروعة، المسابقة عن الخف: في الإبل، والحافر: في الخيل، والنصل: في السهام.

    ويلحق بهذه المسابقات ما كان في معناه من آلات الجهاد، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا سبق )، أي لا عوض إلا في هذه الأشياء، فهذه المسابقات المشروعة سنة، ولهذا الشارع رخص فيها بالرهان، لما يترتب عليها من المصلحة.

    هل يجوز في هذه المسابقات المشروعة أخذ العوض عليها؟

    نقول: أخذ العوض ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون العوض من الإمام الأعظم، والآن نواب الإمام يقومون مقامه، مثلاً: لو أن الحكومة عملت مسابقة في الخيل، أو في الإبل، أو في السهام، أو نحو ذلك من آلات الجهاد، فنقول: هذه المسابقة مشروعة، وإذا بذلت العوض يجوز أخذ العوض بالاتفاق، هذا القسم الأول: إذا كان العوض من الإمام، أو ممن ينوب عنه، فإن العوض جائز بالاتفاق، ويدل لذلك: حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل، وأعطى السابق ).

    القسم الثاني: أن يكون العوض من أجنبي، يعني: من غير المتسابقين، هذا أيضاً جائز باتفاق الأئمة للبعد عن شبهة القمار.

    القسم الثالث: أن يكون العوض من أحد المتسابقين، مثلاً: يكون هنا سابق على الخيل، أو السهام، أو الرمي ونحو ذلك، فإن سبقتك لا تعطيني شيئاً، وإن سبقتني أعطيتك مائة ريال، أو يقول: هذه المائة ريال من يسبق له العوض الآن من أحدهما، فهل هذا جائز، أو أنه ليس بجائز؟

    أكثر أهل العلم أن هذا جائز ولا بأس به، قالوا: للبعد عن شبهة القمار، ما دام أنه من أحدهما فشبهة القمار هذه بعيدة، وما دام أنه يصح بذل العوض من أجنبي، فكذلك أيضاً بذله من أحدهم.

    الرأي الثاني: أنه لا يجوز. والعلة في ذلك: أن أخذ العوض، ليس مقصوداً بالمسابقات، فالمسابقات لها مصالح أخرى غير العوض؛ ولأن القول بتجويز العوض إذا كان من أحدهما قد يلهي عن ذكر الله، وعن الصلاة ونحو ذلك، وهذا فيه نوع من المغالبة، والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن في مثل هذه المسابقات المشروعة يصح أخذ العوض إذا كان من كل منهم، فإذا كان من أحدهم فهذا من باب أولى.

    القسم الرابع: أن يكون العوض من كلٍ منهما، مثلاً: زيد وعمرو كلٌ منهما يدفع مائة ريال، ثم يتسابقان على هذه الآلات، أو هذه التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والسابق له ذلك، هل هذا جائز أو أن هذا ليس جائزاً؟

    إذا كان العوض من كل منهما، فأكثر العلماء أن هذا جائز؛ لكن لابد من محلل، فالصورة هنا صورة قمار فهذا يدفع مائة ريال، وهذا يدفع مائة ريال، هذا يدفع ألف ريال، وهذا يدفع ألف ريال، ثم يتسابقان على هذه المسابقات المشروعة كالخيل ونحو ذلك، فهذا صورته صورة قمار، فالجمهور يقول: إن هذا جائز بشرط أن يكون هناك محلل، ومن هو المحلل؟ هو متسابق يدخل معهم، ويغنم، ولا يغرم.

    بمعنى: إذا أراد زيد وعمرو أن يتسابقا وكل منهما يدفع مائة ريال أو مائتي ريال، ويدخل معهما صالح، وصالح هذا لا يدفع شيئاً، فإن فاز أخذ العوض، وإذا لم يفز ما عليه شيء، هذا يسمى محللاً، ويشترط في المحلل أن يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، كما جاء في الحديث، أو آلاته آلاتهما؛ لأنه إذا كان لا يكافئ فإن وجوده كعدمه؛ لكن لابد أن يكون فرسه أو آلاته تكافئ فرسي المتسابقين، أو آلاته تكافئ آلاتي المتسابقين، وإلا يكون وجوده كعدمه.

    ودليلهم على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدخل فرساً بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فلا بأس، ومن أدخل فرساً بين فرسين، وهو يأمن أن يسبق فهو في النار )، يعني: أنه لابد أن يكافئ فرسه فرسيهما، وإن كان يأمن أن يسبق فهو في النار، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم ، وهو ضعيف؛ في إسناده سفيان بن حسين ، وهو لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأيضاً اختاره ابن القيم رحمه الله: أنه لا يجب المحلل، وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ما علمت بين الصحابة خلافاً في عدم اشتراط المحلل، وأن القول بالمحلل هذا محدث بعد الصحابة رضي الله عنهم، وما دام أن الحديث لم يثبت، فالصواب في ذلك: أنه لا يشترط المحلل، وحينئذ يكون هذا القمار، أو الرهان أجازته الشريعة لما يترتب على ذلك من مصلحة.

    فتلخص لنا في القسم الأول وهي المسابقات المشروعة: أن العوض يجوز أخذه مطلقاً، سواء كان من الإمام ونوابه، أو كان من أجنبي، أو كان من أحد المتسابقين، أو من المتسابقين جميعاً، وهل يشترط المحلل أو نقول بأن المحلل لا يشترط؟

    ذكرنا أن الصواب في هذه المسألة: أن المحلل لا يشترط، كما هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هذا ما يتعلق بالمسابقات المشروعة، وبينا ما هي المسابقات المشروعة.

    المسابقات المباحة وأخذ العوض عليها

    القسم الثاني: المسابقات المباحة، والمسابقات المباحة: هي كل مسابقة فيها مصلحة دينية، أو دنيوية بضوابطها الشرعية، ولم ينص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، نفهم أنه من المسابقات المشروعة، ويلحق بها ما في معناها قياساً، من أمثلتها كما قال المؤلف: (يصح على الأقدام)، فالمسابقة على الأقدام -مثل الجري- من المسابقات المباحة؛ لأن فيها مصلحة دينية ولا شك، وكذا مصلحة دنيوية، أما الدنيوية فما يترتب على هذا من تقوية البدن، وأما الدينية فما يترتب على ذلك من الاستعانة بمثل هذه الأشياء التي تجم القلوب على طاعة الله عزّ وجل.

    قال المؤلف رحمه الله: (وسائر الحيوانات).

    المسابقة على الحيوانات إن كانت من آلات الجهاد -كالخيل والإبل- فهذه من المسابقات المشروعة، وإذا كانت لا تستخدم في الجهاد فهذه من المسابقات المباحة.

    قال رحمه الله: (والسفن، والمزاريق).

    المزاريق جمع مزراق: وهو الرمح القصير، ومن أمثلة المسابقات المباحة: المسابقة على الدراجات، ومثلها أيضاً السباحة، ومثلها أيضاً الكرة بضوابطها الشرعية، ومثل المصارعات بضوابطها الشرعية فهذه من المسابقات المباحة.

    ومن المسابقات المباحة ما كثر الآن وجوده، مثل: المسابقات التي تكون عن طريق هذه الآلات، والكومبيوترات ونحو ذلك، لكن بضوابطها، كما سنذكر إن شاء الله، فهذه كلها من المسابقات المباحة.

    لكن هل يجوز أخذ العوض على هذه المسابقات المباحة؟

    مثلاً المسابقة على الدراجات، أو المسابقة على الأقدام، أو السباحة، ونحو ذلك، هل يجوز أخذ العوض عليها أو لا يجوز؟

    هنا يأتينا الأقسام الأربعة:

    القسم الأول: أن يكون العوض من الإمام، فإذا كان العوض من الإمام فهذا جائز بالاتفاق.

    القسم الثاني: أن يكون العوض من أجنبي، فهذا أيضاً جائز ولا بأس به، للبعد عن شبهة القمار.

    القسم الثالث: أن يكون العوض من أحدهما، قال مثلاً: نتسابق، أو فريقان يلعبان الكرة، وهذا يبذل ألف ريال، وهذا لا يبذل شيئاً؛ فالآن العوض من أحدهما، فإذا كان العوض من أحدهما فهو موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، هل هو جائز، أو ليس بجائز؟

    الرأي الأول: أنه جائز، للبعد عن شبهة القمار.

    الرأي الثاني: أنه ليس جائزاً، لما تقدم من مثل هذه المسابقات أن بذل العوض فيها يؤدي إلى أن يدعو قليلها إلى كثيرها، وكثيرها يصد عن ذكر الله، والأحوط إذا كانت ليست مسابقة مشروعة وكان العوض من أحدهما؛ فإنه يترك، والله أعلم.

    القسم الرابع: أن يكون العوض من كل منهما، فحكمه هنا بأنه غير جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر )، فنقول: هذا غير جائز، ولا شك أن هذا من القمار المحرم.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تصح بعوض إلا في إبل، وخيل، وسهام).

    هذا تقدم الكلام عليه، وأن المسابقات المشروعة، بالنسبة للعوض تنقسم إلى هذه الأقسام الأربعة.

    شروط السبق فيما يؤخذ عليه عوض

    قال رحمه الله: (ولا بد من تعيين مركوبين واتحادهما والرماة والمسافة بقدر معتاد).

    الآن المسابقات المشروعة يصح أن يكون العوض من كل منهما؛ لكن لكي نخرج عن الميسر والقمار لابد من هذه الشروط، فلو مثلاً: تسابقنا على الخيل، وهذا بذل ألف ريال، وأتى بخيل، وهذا بذل ألف ريال وأتى بحمار، فهذا ميسر فصاحب الخيل لا شك أنه سيسبق، فالعلماء رحمهم الله اشترطوا شروطاً لكي نخرج من هذا الميسر؛ لأنه إذا بذل كل واحد منهم العوض، فهذا رهان؛ لكن إذا قطعنا أن أحدهم سيسبق فأصبح هذا ميسراً؛ لأن صاحب الحمار داخل وهو إما غانم، أو غارم؛ لكن صاحب الخيل داخل وهو غانم غانم، فلا بد لكي تكون المسابقة صحيحة من توافر هذه الشروط:

    الشرط الأول: لابد من تعيين المركوبين، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط أن يعين الراكبان، المهم أن يعين المركوبان، ما هو الذي سيركب من الخيل؟ وما هو الذي سيركب من الإبل؟ وما الذي سيرمي فيه من الآلات؟ والآلات اليوم تختلف فلابد من تعيين المركوبين.

    قال رحمه الله: (واتحادهما).

    هذا الشرط الثاني لابد أن يتحدا في الجنس وفي النوع، فالجنس خيل، والنوع هل هو عربي؟ هل هو أعجمي؟

    إذاً لابد من تعيينه جنساً ونوعاً وهذا المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني: أنه يشترط التعيين في الجنس، وأن النوع ليس شرطاً، وهذا المشهور عن الشافعية، وهذا القول هو الأقرب.

    الشرط الثالث: إن كان السبق في المسافة، فإذا كانت المسافة طويلة لا يمكن السبق فيها فنقول: هذا لا يجوز.

    الشرط الرابع: لابد من تعيين البداية والنهاية.

    الشرط الخامس: أن ينطلق المتسابقان في جهة واحدة.

    الشرط السادس: أن يكون العوض معلوماً.

    الشرط السابع: المحلل وقد تقدم الكلام عليه.

    قوله رحمه الله: (والرماة، والمسافة بقدر معتاد).

    أيضاً لابد من تعيين الرماة، ففي المسابقات على ما يركب لا بد من تعيين المركوبين، وأما في المسابقات في الرمي فلابد من تعيين الرماة؛ لأن المقصود معرفة حذقهم، وهذا يختلف الآن؛ لأن الآلات التي يرمى بها تختلف، فلابد من تعيينها جنساً، وهل يشترط النوع أو لا؟ نقول: الصحيح أنه لا يشترط كما ذكرنا؛ لكن لابد من تعيين الأجهزة، اللهم إلا إذا كان اختلاف النوع يؤدي إلى اختلافها كثيراً في العمل، وفيما يظهر أنه لابد من اشتراط النوع، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله.

    كذلك أيضاً: ما يركب اليوم، غير الخيل من الآلات، يقول المؤلف: من الحيوان ما يركب، لابد من تعيين الحيوان لكن الآلات وما يركب منها فهذا يختلف الآن، فالذي يظهر الآن أنه لابد من تعيين الآلات جنساً.

    وأما نوعاً: فالمشهور من المذهب أنه لابد من اتفاقها في النوع، والشافعي يقول: لا يشترط، وكما ذكرنا إن كانت هذه الآلات تختلف في عملها لابد أيضاً من تعيينها، لكي نبتعد عن القمار.

    المسابقات المحرمة وأخذ العوض عليها

    بقي القسم الثالث وهو في المسابقات المحرمة، وهي: كل مسابقة يترتب عليها مضرة في الدين، أو الدنيا، وأمثلة ذلك كثيرة اليوم، كالملاكمات، فهذه فيها مضرة ومثل المصارعات الموجودة الآن، يصحبها مضرة، ومثل: سباق السيارات، ومثل: تسلق الجبال، المهم كل شيء فيه مضرة دينية أو دنيوية، أو المسابقات التي تؤدي إلى البغضاء، أو الشحناء، أو تضييع الصلاة، وتلهي عن طاعة الله عزّ وجل، فهذه من المسابقات المحرمة.

    فنقول: المسابقات المحرمة هي المسابقات التي تشتمل على ما يضر في الدين أو الدنيا، وهذا باطل، وألحق به ما شئت من أنواع المسابقات الموجودة.

    أما حكم أخذ العوض على هذه المسابقات، فنقول: أخذ العوض على هذه المسابقات محرم ولا يجوز، سواء كان من أحدهما، أو من كليهما؛ لأنها في الأصل لا يجوز الدخول فيها.

    1.   

    تكييف عقد المسابقة وفسخه

    قال: (وهي جعالة، لكل واحد فسخها).

    المؤلف رحمه الله يقول: المسابقة من قبيل عقد الجعالة، وسيأتينا إن شاء الله أن عقد الجعالة من العقود الجائزة، وأن لكل واحد من المتسابقين أن يفسخ؛ لكن على المذهب هم يقولون: فيه تفصيل: إن ظهر فضل أحدهما في المسابقة فلا يجوز الفسخ، إلا الفائز فهو الذي له أن يفسخ، مثلاً: إذا تسابقا وأحدهما تقدم، فقال المسبوق: فسخنا، فلا يملك؛ لكن لو قال السابق: فسخت، فيملك ذلك، فهم يقولون: لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ذلك، قبل البدء بالمسابقة، لكل واحد منهما أن يفسخ.

    الأمر الثاني: أن يكون ذلك بعد بدء المسابقة، فإن ظهر الفضل لأحدهما، فالسابق له الفسخ، أما المسبوق فليس له حق الفسخ، هذا هو المذهب.

    الرأي الثاني: أنه لا يجوز الفسخ، وهذا قول المالكية، وأن عقد المسابقة عقد لازم، فما دام أنهما تعاقدا فالعقد لازم لوجود العوض، فهي مثل عقد الإيجار وهو عقد لازم، وعقد البيع عقد لازم، مادام العوض موجوداً يعني: تعاقدا على عوض فيقولون: لا يجوز فيها الفسخ لوجود العوض، والله عزّ وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

    والذي يظهر -والله أعلم- في تكييف عقد المسابقة أنه جعالة.

    والرأي الثاني: وهو رأي ابن القيم يقول: إن عقد المسابقة ليس من قبيل الجعالات، وإنما هو عقدٌ مستقل بذاته.