إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [35]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عقد الإجارة من العقود اللازمة، فلا يجوز لأحدهما الفسخ إلاَّ برضا الطرف الآخر، وتنفسخ الإجارة بتلف العين المؤجرة، وبعدم القدرة على استيفاء المنفعة، ولا تنفسخ بموت المتعاقدين أو أحدهما، والأجير الخاص لا يضمن ما جنته يداه خطأ، وكذا الطبيب الحاذق سواء جنت يدا

    1.   

    تابع أخذ الأجرة على القربات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل، ورحله، وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال، والمحامل، والرفع، والحط، ولزوم البعير، ومفاتيح الدار وعمارتها، فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة.

    فصل: وهي عقد لازم، فإن آجره شيئاً ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له، وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه، وتنفسخ بتلف العين المؤجرة، وبموت المرتضع، والراكب إن لم يخلف بدلاً، وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه، لا بموت المتعاقدين أو أحدهما، ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه.

    وإن اكترى داراً فانهدمت، أو أرضاً لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي، وإن وجد العين معيبة، أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى، ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأً، ولا حجام وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم ].

    تقدم لنا ما يتعلق بشروط العين المؤجرة، وتقدم أن من هذه الشروط معرفتها، وذكرنا طريقة المعرفة، وكذلك أيضاً القدرة على التسليم، وذكرنا دليل ذلك، وكلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، كذلك أيضاً تقدم معنا ما يتعلق بشروط العين المؤجرة.

    وتقدم لنا أيضاً من أحكام الإجارة ما يتعلق بإجارة الوقف، وذكرنا أن إجارة الوقف صحيحة؛ لأن الموقوف عليه مالك للمنفعة، وإذا كان كذلك فله أن يستوفيها بنفسه أو بنائبه عن طريق الإجارة.

    ولكن ذكرنا أن الموقوف عليه لا يملك تأجير الوقف مدة طويلة، وذكرنا أيضاً حكم تأجير العين المؤجرة هل يملك المستأجر أن يؤجر العين المؤجرة؟

    فمثلاً: لو استأجر دكاناً فهل يملك أن يؤجره لغيره أو لا؟

    تقدم أنه يملك أن يؤجره بمثل الضرر أو بأقل منه، أما أن يؤجره بأكثر ضرراً فإن هذا لا يجوز.. إلخ ما تقدم.

    المقصود بأخذ الأجرة على القربات

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة ).

    هذه المسألة تعرف بما يسمى بأخذ الأجرة على القربات، هل يصح أخذ الأجرة على القربة وعلى فعل العبادة؟

    والمقصود بالقربة: ما يتقرب إلى الله عز وجل به وهي العبادات، فهل يصح أخذ الأجرة على العبادات أو لا؟ كأخذ الأجرة على الإمامة، والأذان، والخطابة، والقضاء، والفتيا، والتدريس، وغير ذلك، أو أن هذا لا يصح؟

    أقسام أخذ المال على القربات

    سبق أن ذكرنا أن أخذ المال على القربات ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أخذ الرزق من بيت المال فهذا جائز ولا بأس به؛ لأن بيت المال موضوع لمثل هذه المصالح، وقد جاء أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا محذورة صرة من فضة )، وكان أبو محذورة مؤذناً.

    القسم الثاني: أخذ الجعل بلا مشارطة كأن يقول قائل: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، فهذا أيضاً جائز ولا بأس به.

    القسم الثالث: الأخذ بلا مشارطة كأن يؤذن أو أن يؤم الناس في رمضان مثلاً، أو أن يدرس، ونحو ذلك، ثم يعطى فهذا جائز ولا بأس به.

    القسم الرابع: وهو ما يتعلق بأخذ الأجرة وهو ما يكون عن طريق المؤاجرة والمشارطة، هل هذا جائز أو ليس جائزاً؟

    فهذه المسألة موضع كلام كثير للعلماء رحمهم الله تعالى، فهم يفصلون في العبادات ويتكلمون على كل عبادة، وقد أفردت هذه المسألة بمؤلفات مستقلة.

    أقوال الفقهاء في أخذ الأجرة على القربات

    والخلاصة في ذلك: أن أضيق الناس في هذه المسألة هم الحنابلة والحنفية، ففي الجملة لا يرون أخذ الأجرة على القرب، وأوسع الناس في هذه المسألة هم المالكية، ثم يأتي من بعدهم الشافعية.

    فعندنا في الجملة أخذ الأجرة على القرب في العبادات للعلماء رحمهم الله تعالى قولان:

    القول الأول: وهو قول الحنفية والحنابلة: أنه لا يصح أخذ الأجرة على العبادات.

    والقول الثاني: وهو قول المالكية والشافعية: أنه يصح، وهذا في الجملة، وإن كانوا يستثنون بعض الصور أنه يصح أخذ الأجرة على القُرَب، ولكل منهم دليل.

    أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على القربات

    فأما الذين قالوا بأنه لا يجوز أخذ الأجرة على القرب فاستدلوا بأدلة، ومن أدلتهم حديث عثمان بن أبي العاص ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي ، وصححه الترمذي .

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وفيه: ( أن عبادة رضي الله تعالى عنه علم الناس من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليه رجل قوساً، قال: فقلت: هذه قوس وليست بمال أتقلدها في سبيل الله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن يقلدك الله قوساً من نار فاقبلها ). وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والإمام أبو داود وابن ماجه لكنه ضعيف لا يثبت.

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث عبد الرحمن بن شبل وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقرؤوا القرآن ) إلى أن قال: ( ولا تأكلوا به )، وهذا الحديث أيضاً فيه ضعف رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني .

    أدلة من قال بجواز أخذ الأجرة على القربات

    والذين قالوا: يصح أخذ الأجرة على القرب استدلوا بأدلة، ومن أدلتهم حديث سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )، وقوله: ( كتاب الله ) هذا شامل، وفي حديث أبي سعيد في قصة السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم، فاستضافوا أناساً من العرب فلم يضيفوهم، فلدغ سيدهم، فأتوا إلى الصحابة رضي الله عنهم وسألوهم قارئاً يرقي، فقام أحد الصحابة وجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب، وقبل ذلك شارطوهم وقالوا: لا نرقي إلا بكذا وكذا من الغنم، فجعل يقرأ عليه فاتحة الكتاب فقام كأنما نشط من عقال، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خذوا واضربوا لي معكم بسهم )، وحديث سهل : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )، وحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه في قصة الواهبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( زوجتكها بما معك من القرآن )، فهذه الأدلة تدل لما ذهب إليه المالكية والشافعية.

    والأقرب في هذه المسألة أن يقال: إنه يُتوقف على النص، فما دل النص على أنه لا تؤخذ عليه الأجرة، وذلك كالعبادات المحضة التي ليست متعدية، فهذا لا يجوز أخذ الأجرة عليه، مثل: الأذان، والإمامة، والخطابة.. إلخ، فهذه دل النص كما في حديث عثمان بن أبي العاص أنه لا تجوز الإجارة عليها.

    أما ما عدا ذلك كالإجارة على الحج، والإجارة على تعليم القرآن، والفتيا، والقضاء، ونحو ذلك، فالذي يظهر والله أعلم أن هذا جائز ولا بأس به؛ ويدل لما سلف من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )، كما تقدم أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( زوجتكها بما معك من القرآن ).

    1.   

    ما يلزم المؤجر توفيره وتمكين المستأجر منه

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل، ورحله، وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال، والمحامل، والرفع، والحط، ولزوم البعير، ومفاتيح الدار وعمارتها ).

    هذا ضابط ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وهو أن المؤجر عليه كل ما يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة، يعني: يجب على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من استيفاء المنافع، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان والأعراف.

    وكما سلف لنا في باب الشركات والمساقاة والمزارعة، أيضاً يقال هنا في باب الإجارات: إذا كان هناك لفظ فإنه يرجع إلى الشرط اللفظي، وإذا لم يكن هناك لفظ فإننا نرجع إلى العرف، وإذا لم يكن هناك عرف فنرجع إلى ما ذكره العلماء رحمهم الله، وهو أنه يجب على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع -من استيفاء المنفعة- والذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هذا كان في زمن سلف.

    قوله: ( كزمام الجمل ). يعني: يجب على المؤجر أن يوفر زمام الجمل الذي يقاد به.

    قوله: ( ورحله ) الرحل هو الذي يكون على الجمل، ويكون عليه الراكب.

    قوله: ( وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال... ) إلخ. المهم أن نقول: إن هذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، فإن كان هناك شرط لفظي رجع إليه، وإذا لم يكن هناك شرط لفظي فنرجع للشروط العرفية، وإذا لم يكن هناك شرط عرفي فنرجع إلى كلام العلماء رحمهم الله.

    واليوم مثلاً إذا استأجر سيارة لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يستأجر السيارة دون قائدها؛ فعرف الناس أن ما يتعلق بقيادة السيارة يكون على المستأجر، وكذلك أيضاً ما يتعلق بزيت السيارة ونحو ذلك أنه يكون على المستأجر، لكن المؤجر عليه ما يتعلق بالسيارة وأن تكون السيارة سليمة لكي يستوفي المستأجر المنفعة، وأيضاً ما يتعلق بالمفاتيح على المؤجر أن يمكن المستأجر منها وهكذا، هذا إذا استأجر السيارة أو المركوب دون قائد.

    الأمر الثاني: إذا استأجر السيارة مع القائد؛ فعرف الناس اليوم أن ما يتعلق بوسائل التشغيل ونحو ذلك -كوقود المحركات- أن هذه تلزم المؤجر ولا تلزم المستأجر.

    وهذا قريب مما ذكره المؤلف رحمه الله، يعني ما ذكره المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بالجمل في الزمن السابق وقريب مما يوجد الآن في المراكب سواء كانت سيارات أو قاطرات أو طائرات، أو نحو ذلك.

    قال رحمه الله: ( ومفاتيح الدار وعمارتها ).

    أيضاً عمارة الدار تجب على المؤجر؛ لأن المستأجر لا يتمكن من استيفاء المنفعة إلا بهذه العمارة.

    فمثلاً لو سقط حائط من حيطان الدار فالذي يلزم ببناء هذه الحائط هو المؤجر مالك الدار، ولو فسدت الأنوار أو تمديدات الكهرباء أو تمديدات الماء فالذي يلزم بإصلاح هذه الأشياء هو المؤجر، وهذا هو كلام المؤلف رحمه الله؛ لأن المستأجر لا يتمكن من استيفاء المنافع إلا عن طريق إصلاح مثل هذه الأشياء؛ ولأن الذي يجبر على إصلاحه هو المؤجر.

    فما يتعلق بعمارة الدار وإصلاح السيارة ونحو ذلك فالذي يلزم به هو المؤجر؛ لأنه لا يتمكن المستأجر من استيفاء المنافع إلا بعد هذه العمارة، فلو فسدت تمديدات المياه، أو تمديدات الكهرباء، أو تعطلت بعض الأنوار، أو انكسر شيء من الأبواب، أو تهدم شيء من الحيطان، فهذه كلها تجب على المؤجر؛ إذ إن المستأجر لا يتمكن من الاستيفاء إلا بعد إصلاح مثل هذه الأشياء.

    1.   

    ما لا يلزم المؤجر توفيره للمستأجر

    قال رحمه الله: ( فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة ).

    معنى كلام المؤلف رحمه الله: أن ما يتعلق بتفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر، فلو أن المستأجر تسلم البيت والبالوعة فارغة ثم امتلأت، أو الكنيف، -المكان الذي يكون فيه فضلات الآدميين- تسلمها فارغة ثم اشتغل بهذه الفضلات، فيقول المؤلف رحمه الله: هذه يلزم المستأجر تنظيفها.

    وهذا كما أسلفنا يختلف باختلاف أعراف الناس، فإذا كان هناك لفظ فإنه يرجع إلى الشرط اللفظي، وإذا لم يوجد لفظ فيرجع إلى العرف، والآن عرف الناس أن المستأجر لا يفرغ مثل هذه الأشياء، ولا يلزمه أن يستأجر من يفرغ مثل هذه الأشياء، وهذا القول هو الصواب؛ أن المرجع في ذلك إلى العرف.

    1.   

    لزوم عقد الإجارة والآثار المترتبة على ذلك

    قال المؤلف رحمه الله: ( فصل: الإجارة وهي عقد لازم ).

    يعني: عقد الإجارة من العقود اللازمة، وسبق لنا أن عقد الإجارة نوع من البيع؛ إذ إنها بيع للمنافع، وسبق أيضاً أنه يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها عقد لازم، ومعنى ذلك أنه لا يتمكن أحد المتعاقدين بعد لزوم العقد من فسخ العقد إلا برضا الآخر، فالإجارة: عقد لازم من قبل المؤجر ومن قبل المستأجر، فإذا آجره البيت نقول: هذا عقد لازم لا يملك أحدهما أن يفكه إلا برضا الآخر، أو بوجود شيء من مقتضيات فسخ عقد الإجارة كما سيأتينا إن شاء الله، وإنما كانت عقداً لازماً؛ لأنها نوع من البيع، والبيع من العقود اللازمة.

    ورتب المؤلف رحمه الله على قوله بأنها عقد لازم فقال: ( فإن آجره شيئاً، ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له ). أي: إذا آجره عيناً كبيت أو دكان لمدة سنة، لكن المؤجر منع المستأجر فلم يمكنه من الانتفاع كأن لم يعطه المفاتيح، فقال المؤلف: ليس له شيء من الأجرة إذا منعه كل المدة.

    كذلك أيضاً: لو منعه بعض المدة فليس له شيء من الأجرة، ولنفرض أنه آجره البيت لمدة سنة، وبعد أن مضى ستة أشهر أو عشرة أشهر وبقي شهران، قال المؤجر للمستأجر: اخرج، فقال المستأجر: بقي شهران، فقال المؤجر: لابد أن تخرج، الأصل أنه لا يجوز له أن يخرجه؛ لأن عقد الإجارة عقد لازم، لكن لو فرض أنه ألزمه بالخروج فهل يستحق شيئاً من الأجرة؟ قال المؤلف: لا يستحق شيئاً من الأجرة، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: يستحق المؤجر من الأجرة بقدر ما سكن المستأجر؛ وذلك لأنه استوفى هذه المنافع في تلك المدة، فيلزمه قيمتها، ونسبه ابن قدامة رحمه الله إلى أكثر الفقهاء.

    والأقرب والله أعلم أن يقال: إنه ينظر إلى الضرر، فإن كان المستأجر يتضرر بخروجه بحيث يلحقه مضرة، أو لا يجد إلا بثمن أعلى، أو لا يجد إلا بعد المشقة والتعب ونحو ذلك، فنقول: ليس للمؤجر شيء، أو أنه ينقص ويخصم من نصيب المؤجر بقدر ما يحصل للمستأجر من الضرر.

    قال رحمه الله: (وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه).

    يعني: المراد بالآخر هنا هو المستأجر، فلو فرض أن المستأجر خرج من البيت أو خرج من الدكان وقد بقي له شهر، فهل يلزم المؤجر بأن يخصم أجرة هذا الشهر؟ نقول: لا يلزم، فما دام أنه مكنه من الانتفاع فلا يلزمه أن يخصم قيمة أجرة هذا الشهر، لكن المستأجر له أن يؤجر البيت لمدة هذا الشهر، نقول: أنت أيها المستأجر أجره، إن لم يخصم لك، يعني: لك أن تستوفيه ولك أن تنيب غيرك في استيفائه، وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه الله كله مرتب على أن عقد الإجارة عقد لازم.

    1.   

    مبطلات عقد الإجارة

    قال رحمه الله: ( وتنفسخ بتلف العين المؤجرة ).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان مبطلات عقد الإجارة، أي بم ينفسخ عقد الإجارة؟

    أولاً: تلف العين المؤجرة

    قال: ( تنفسخ بتلف العين المؤجرة )؛ لأن المنفعة زالت بالكلية، فمثلاً: لو أجره البيت ثم جاءت الأمطار وهدمت البيت، فالمنفعة الآن غير موجودة، فمنفعة السكنى زالت؛ لأن البيت انهدم فزالت منفعة السكنى، ولو أجره سيارة ثم تلفت السيارة فالمنفعة صارت غير موجودة، وهي ركوب السيارة، فانفسخ العقد، ومما تنفسخ به الإجارة تلف العين المؤجرة.

    ثانياً: تعذر استيفاء المعقود عليه

    قال رحمه الله: ( وبموت المرتضع ).

    لتعذر استيفاء المعقود عليه بموت المرتضع، فمثلاً لو استأجر ظئراً لكي ترضع طفلاً بكذا وكذا من الطعام أو الشراب أو نحو ذلك، ثم بعد ذلك مات الطفل، فهل تنفسخ هذه الإجارة أو لا تنفسخ؟ يقول المؤلف رحمه الله: تنفسخ الإجارة.

    والعلة كما تقدم هو تعذر استيفاء المعقود عليه، وهو الإرضاع؛ لأن الطفل قد توفي، فنقول عندئذٍ: الإجارة تنفسخ.

    وأيضاً: نفهم أن المؤلف رحمه الله يأتي ببعض الأحكام على سبيل المثال؛ لأن هذا أوضح للمتعلم بدلاً من أن يقول: كذا ومثال كذا، فهذا أوضح، فطالب العلم يتأمل أمثلة العلماء رحمهم الله ويأخذ منها الضوابط، وقد يأتونا بالمثال لأنهم يرون عين المثال لا عموم الضابط، وقد يؤتى بالمثال لكون المثال أوضح وأسهل، وقد يؤتى به لانحصاره في هذه الصورة، وما عداها من الصور لا يرى فيها هذا المثال.

    ثالثاً: موت المستأجر إذا لم يخلفه أحد

    قال: ( والراكب إن لم يخلف بدلاً ).

    إذا مات الراكب، ولنفرض أن رجلاً استأجر سيارة إلى مكة، ثم بعد ذلك هلك هذا المستأجر، يعني: استأجر سيارة ومن يقودها إلى مكة كل يوم بمائة ريال لمدة خمسة أيام، ثم مات هذا المستأجر، فهل تنفسخ الإجارة أو لا تنفسخ الإجارة؟

    فيقول المؤلف رحمه الله: تنفسخ الإجارة، وهذه المسألة من المسائل التي خالف فيها الماتن المشهور من المذهب، فالمشهور من المذهب: أن الإجارة لا تنفسخ.

    لكن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى حيث قال: الإجارة تنفسخ؛ لأن المستأجر لا يتمكن من استيفاء المنفعة هذه لأنه هلك.

    والذي يظهر والله أعلم، أن يقال: بأن الإجارة تنفسخ بشرط ألا يكون هناك ضرر، فمثلاً قد يكون استأجره إلى مكة كل يوم بمائة ريال، لكن لما وصل إلى مكة هلك، فأصبح الآن لم يدفع له إلا مائة، وقد يكون استهلك عليه من الوقود بمقدار مائتين في الطريق؛ لأن السفر سيأخذ عليه وقوده.

    فالصحيح في ذلك إذا قلنا بأنه تنفسخ الإجارة كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، فنقول: الإجارة تنفسخ، لكن الضرر الذي يلحق المؤجر يجبر عليه من بقية الأجرة.

    قال رحمه الله: ( وانقلاع ضرس أو برئه ).

    يعني: استأجره لكي يقلع له الضرس، ثم بعد ذلك انقلع الضرس، فنقول: بأن الإجارة انفسخت؛ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه، أو برئ الضرس.

    قال رحمه الله: ( ونحوه ).

    كما لو استأجر طبيباً لكي يداوي له مريضاً، أو بيطاراً لكي يداوي له دابة ثم برئ المريض فنقول: عقد الإجارة ينفسخ.

    1.   

    صور لا ينفسخ بها عقد الإجارة

    أولاً: موت المتعاقدين

    قال رحمه الله: ( لا بموت المتعاقدين أو أحدهما ).

    يعني: هل تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما؟ مثال ذلك: استأجر البيت لمدة سنة، وبعد أن مضى شهر مثلاً مات المستأجر أو مات المؤجر، فهل تنفسخ الإجارة أو نقول بأن الإجارة لا تنفسخ؟

    نقول: الإجارة لا تنفسخ، ويدل لذلك حديث ابن عمر ، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله أنه إذا مات أحد المتعاقدين فالإجارة لا تنفسخ، فالمستأجر هناك من ينوب عنه في استيفاء المنفعة وهم الورثة، والمؤجر هناك من ينوب عنه في الأجرة وهم الورثة.

    ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما- عامل أهل خيبر، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وخلفه أبو بكر ولم يرد أن أبا بكر جدد العقد مع اليهود.

    ثانياً: حصول عذر للمستأجر يمنعه من تمكن استيفاء المنفعة

    قال رحمه الله: ( ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه ).

    يعني: إذا حصل عذر للمستأجر يمنعه من تمكن استيفاء المنفعة، مثال ذلك: استأجر الدكان لكي يبيع فيه ثم إن البضاعة احترقت، فلم يعد هناك بضاعة يبيعها، أو أن البضاعة سرقت فليس عنده بضاعة يبيعها الآن، فهل تنفسخ الإجارة أو لا تنفسخ؟

    المؤلف رحمه الله يقول: هذه الأعذار لا تنفسخ بها الإجارة، ويجب أن يوفى بالعقد لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: -وهو رأي الحنفية- أن عقد الإجارة ينفسخ بهذا العذر؛ ويدل لذلك أن عقد الإجارة تكون المنافع فيه غير مقبوضة، فإذا حدث عذر صار كالعيب في المبيع قبل قبضه، فهم يقولون: إن المنافع في عقد الإجارة ليست مقبوضة، وإنما تقبض شيئاً فشيئاً، فلا شك أنه يقبض منفعة السكنى شيئاً فشيئاً، وكذا تقبض منفعة هذا الدكان شيئاً فشيئاً، ومنفعة الركوب في السيارة يقبضها شيئاً فشيئاً، فإذا حصل عذر فهذا العذر بمنزلة العيب في المبيع قبل قبضه، والعيب في المبيع قبل قبضه يوجب الفسخ.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أصل غير هذا، فهو يرى المسألة التي سبق أن أشرنا إليها في باب الأصول والثمار، وهي: أن هذا من باب وضع الجوائح، ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح )، وعلى هذا إذا حصلت جائحة فإنها توضع بقدرها، فإذا احترق متاعه نقول بأنها تنفسخ من باب وضع الجوائح.

    فكيف نلزمه الآن وقد احتراق المتاع، وأيضاً هو لا يستفيد، ومثل ذلك أيضاً لو أن أهل هذا الشارع، أو أهل هذه المحلة انصرفوا عنه، واستأجر الدكان مثلاً بعشرة آلاف ريال، ثم الناس انتقلوا عن هذا المحل، فأصبح الآن ليس عليه وارد، فهذه جائحة -أيضاً- توضع بقدرها.

    ومثل ذلك أيضاً في وقتنا لو استأجر الدكان ثم حصلت حفريات، فأصبح الناس لا يريدون الدكان، وعليه خسارة فيوضع عنه من الإجارة بقدر ما حصل له من خسارة، فنقول: هذه نوع من الجوائح.

    قال رحمه الله: (وإن اكترى داراً فانهدمت، أو أرضاً ذي زرع فانقطع ماؤها أو غرقت، انفسخت الإجارة في الباقي).

    لأن المقصود من العقد قد فات فأشبه ما لو تلف، فمثلاً: اكترى داراً وانهدمت، فهنا تعذر استيفاء المعقود عليه وهو المنفعة.

    وقوله: ( أو أرضاً ذي زرع فانقطع ماؤها أو غرقت ).

    فنقول: هنا المقصود بالعقد قد فات فانفسخت الإجارة في الباقي، فالمقصود بالعقد قد فات وهو المنفعة، وهو الآن لا يتمكن من استيفاء المنافع، وعلى هذا نقول: الإجارة تنفسخ إذا تعذر استيفاء المنافع، هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: إذا تلفت العين المؤجرة.

    أما موت المتعاقدين أو أحدهما، فتقدم أن الإجارة لا تنفسخ بمثل هذه الأشياء.

    وكذلك إذا حصل عذر للمستأجر فهو كما ذكرنا فيما يتعلق بوضع الجوائح.

    فالخلاصة في ذلك: أنه إذا تلفت العين المؤجرة، أو تعذر استيفاء المنافع، أو حصل عذر للمستأجر، أو ما يسمى بوضع الجوائح، أو موت أحد المتعاقدين.. إلخ، هذه هي الخلاصة في انفساخ عقد الإجارة وعدمه، وقد ذكر المؤلف رحمه الله هذا كله على سبيل المثال.

    1.   

    وجود العيب في العين المؤجرة

    قال رحمه الله: ( وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى ).

    إذا حصل عيب في العين المؤجرة هل يقتضي الفسخ أو لا يقتضي الفسخ؟

    المؤلف رحمه الله يقول: يباح للمستأجر أن يفسخ، فمثلاً استأجر البيت ثم وجد فيه تعطل في مواسير المياه في أحد بيوت الخلاء، فهذا عيب، أو تعطل آلات الكهرباء في بعض الغرف ونحو ذلك، فهذا عيب، للمستأجر الفسخ بسببه، أو حدث عيب بعد أن سكن كأن فسد شيء من مواسير المياه، أو الكهرباء، فله حق الفسخ. ولكن هل له حق الأرش؟ مثلاً: لو قال: أنا لن أفسخ، فهو أجرني البيت بعشرة آلاف ريال في السنة، إلا أن يعطيني الأرش، فحسبنا الأرش فوجدناه يساوي ألف ريال، والأرش كما تقدم في خيار العيب، فهل له حق الأرش، أو ليس له حق الأرش؟

    المشهور من المذهب: أنه ليس له حق الأرش، فنقول: إما أن ترضى بالعين المؤجرة مع وجود العيب، أو تفسخ، قال: أنا أريد الأرش، فنقول: ليس لك حق الأرش، مع أنه في باب البيع يثبتون الأرش لكنهم في باب الإجارة لا يثبتون الأرش، هذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: أن الأرش ثابت، وعلى هذا نقول للمستأجر: إما أن تفسخ، وإما أن تأخذ الأرش، يعني يلزم المؤجر بدفع الأرش، فمثلاً إذا كانت هذه البيت استأجرها بألف ريال، ثم وجدها معيبة -وقدر العيب يساوي مثلاً ألفاً أو ألفاً وخمسمائة- فيجب على المؤجر إما أن يصلح العيب، وإما أن يدفع قيمة الأرش بخصمه من الإجارة، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، صوبه المرداوي صاحب الانصاف.

    قال رحمه الله: ( وعليه أجرة ما مضى ). فإذا فسخ نقول له: يجب أن تدفع أجرة ما مضى.

    1.   

    ضمان الأجير الخاص والأجير المشترك

    قال: ( ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ ولا حجام وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم ).

    الأجَرة ينقسمون إلى قسمين:

    القسم الأول: أجير خاص.

    والقسم الثاني: أجير مشترك.

    والأجير الخاص: هو الذي قدر نفعه بالزمن، والأجير المشترك: هو الذي قدر نفعه بالعمل.

    مثال الأجير الخاص: سائر الموظفين أجراء خاصين، فالموظف في هذه الشركة قدر نفعه بالزمن، يشتغل من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية والثالثة، فهذا يسمى أجيراً خاصاً.

    ومثال الأجير المشترك: الخياط، والطباخ، والغسال، وأصحاب الورش، ومثل السباك، والكهربائي، يعني: الأجير المشترك لم يقدر نفعه بالزمن يشتغل من الساعة كذا إلى الساعة كذا، بل قدر نفعه بالعمل.

    والأجير الخاص والأجير المشترك قد يتلف معه المال.

    مثلاً: عندك موظف يشتغل عندك من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية على جهاز الكمبيوتر، فإذا تلف تحت يده، هل يضمن أو لا يضمن؟ أو مثلاً احترق هل يضمن أو لا يضمن؟

    قال المؤلف رحمه الله: ( ما جنت يده خطأً ). نقول: بأنه قبض المال بإذن المالك، وما دام أنه أمين فلا ضمان عليه إلا إذا تعدى أو فرط.

    مثلاً: إنسان عنده خادم يخدمه في البيت، هذا قدر نفعه بالزمن؛ لأنه يخدم عنده كل شهر بألف ريال، أو يعمل عنده في البيت من كذا إلى كذا، فهذا قدر نفعه بالزمن، فهذا الأجير الخاص لو انكسر الزجاج أو تلفت الآلات تحت يده هل يضمن أو لا يضمن؟

    نقول: إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.

    أو مثلاً: سائق سيارة -أجير خاص؛ لأنه قدر نفعه بالزمن كل شهر كذا وكذا- يعمل عنده شهرياً، فإذا تلفت السيارة تحت يد السائق، هل يضمن أو لا يضمن؟

    نقول: إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.

    والتعدي: هو فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، فمثلاً: لو أسرع حتى حصل الحادث فيضمن، ولو ترك الواجب كأن ترك السيارة مفتوحة حتى سرقت أو عبث بها الأطفال فيضمن؛ لأنه ترك الواجب، وعلى هذا فَقِسْ، هذا بالنسبة للأجير الخاص.

    1.   

    ضمان الطبيب

    قال رحمه الله: ( ولا حجام وطبيب وبيطار ).

    الحجام: هو من يعمل عمل الحجامة وإخراج الدم من أماكن معينة.

    والطبيب: من يمتهن مهنة مداواة الآدميين.

    والبيطار: الذي يداوي البهائم.

    فهل يضمن الحجام والطبيب والبيطار؟

    قال رحمه الله: ( لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم ).

    مثلاً: أجر طيب للعملية ثم تلف المريض تحت يده أو عمي أو حصل له شلل، فالآن فاتت منفعة من منافعه -وهذا يحصل كثيراً في المستشفيات- فهل يضمن الطبيب، أو نقول بأنه لا يضمن؟

    الطبيب ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الطبيب حاذقاً أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده.

    ومتى يكون الطبيب حاذقاً؟ ابن القيم رحمه الله ذكر ما يقرب من عشرين أمراً يكون به الطبيب حاذقاً، والذي يظهر والله أعلم أن مثل هذا يرجع الآن إلى أهل الخبرة وأهل المعرفة في الطب، هل هذا حاذق أو ليس حاذقاً؛ لأن المعرفة في الطب إما أن تكون عن طريق التجارب، وإما أن تكون عن طريق النظر وعن طريق الدراسة.

    إذا كان الطبيب حاذقاً ولم تجن يده

    فالقسم الأول: أن يكون حاذقاً -إما عن طريق النظر أو عن طريق التجارب بشهادة أهل الخبرة- أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فلا ضمان عليه إن توفر الأمران.

    وقوله: (ما جنت يده).

    يعني: هو حاذق فإذا أراد أن يقطع في البطن سنتيمتراً واحداً، لم يزد عليه، وما جنت يده لا ضمان عليه، وكأن يعطيه كذا وكذا من الجرعة المخدرة مثلاً واحد ملليمتر، فما زاد على ذلك شيئاً، نقول: لا ضمان عليه ما دام أنه توفر الشرطان.

    وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تطبب وهو لا يعلم منه طب فهو ضامن )، وهذا رواه الإمام أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم .

    يفهم منه أنه إذا كان يعلم الطب فلا ضمان عليه، والله عز وجل يقول: فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193] ، وهذا ليس ظالماً ما دام أنه حاذق، وما جنت يده.

    إذا كان الطبيب حاذقاً وجنت يده

    القسم الثاني: أن يكون حاذقاً -أعطى الصنعة حقها- لكن جنت يده.

    ومثال ذلك: طبيب حاذق وماهر أراد أن يقطع، والمقرر أن يقطع واحد سنتيمتر، فتحركت يده وقطع اثنين سنتيمتر أو واحداً ونصف، فهو الآن حاذق أعطى الصنعة حقها لكن جنت يده، أو مثلاً في جرعة المخدر بدلاً من أن يعطي واحد ملليمتر أعطى واحداً ونصف، المهم أن يده جنت، فهل يضمن أو لا يضمن؟

    المؤلف يقول: يضمن؛ لأنه قال: ( لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم )، فاشترط ألا تجني يده، فإذا جنت يده يضمن.

    والرأي الثاني: أنه لا ضمان عليه؛ لأنه أمين، فبدن المريض تحت يده أمانة، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.

    ورأي الجمهور أنه يضمن؛ لأن هذا حق آدمي وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة.

    والذي يظهر والله أعلم أن يقال: ينظر إلى القرائن؛ فإن كان هذا الشخص عرف منه التساهل والتسرع ونحو ذلك فإنه يضمن، أما إذا اجتهد واحتاط فيما بينه وبين الله عز وجل ثم جنت يده بأمر خارج عن إرادته فهذا لا ضمان عليه؛ لأنه قد يخطئ في إعطاء الدواء، وقد يخطئ في القياس.

    وسبق أن ذكرنا ما يشبه هذا الكلام، فتقدم لنا في باب الوكالة: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : الوكيل إذا شرى بأكثر من ثمن المثل، أو باع بأقل من ثمن المثل... قسمناه إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون مما يتغابن به الناس، فلا ضمان عليه، يعني: السيارة مثلاً بعشرة آلاف ريال فشراها هو بعشرة آلاف ريال وتسعين، ومثل هذا يتغابن به الناس، فهذا لا ضمان عليه، كذلك لو كانت تباع بعشرة آلاف ريال فباعها بتسعة آلاف وتسعمائة، فهذا أيضاً يتغابن به الناس، لكن لو باعها بثمانية آلاف وهي قيمتها عشرة، فالمذهب أنه يضمن.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: إذا اجتهد واحتاط فإنه لا ضمان عليه.

    وهذه مسألة لا تكثر كثيراً، وهناك لجان طبية وشرعية حول هذه المشاكل.. إلخ.

    لكن الذي يظهر والله أعلم أن يقال عن الطبيب والصيدلي ونحو ذلك: إنه أمين، فإذا كان حاذقاً واجتهد واحتاط ولم يعرف منه التسرع فإنه لا ضمان عليه.

    إذا كان الطبيب جاهلاً

    القسم الثالث والأخير: أن يكون الطبيب جاهلاً، فهذا يضمن سواء جنت يده أو لم تجن، المهم أنه جاهل؛ ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تطبب وهو لا يعلم منه طب فهو ضامن ).