إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [30]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا اشترى الوكيل ما يعلم عيبه يلزمه، وإن جهل العيب رده، ويجب عليه تسليم ثمن السلعة فإن أخره بلا عذر حتى تلف فإنه يضمن، والوكالة المجهولة والمطلقة غير صحيحة، وإذا وكل في خصومة فلا يقبض السلعة إلا بنصّ الوكالة والعكس، وإذا لم يُشهد في الوديعة لا يضمن، ويقبل

    1.   

    تابع تصرفات الوكيل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله، فإن جهل رده، ووكيل البيع يسلمه، ولا يقبض الثمن بغير قرينة، ويسلم وكيل المشتري الثمن، فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه، وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً، أو وكله في كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء، أو عيناً بما شاء ولم يعين لم يصح، والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس، واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قبِله، ولا يضمن وكيل الإيداع، إذا لم يُشهد.

    فصل: والوكيل أمين، لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط، ويُقبل قوله في نفيه، والهلاك مع يمينه، ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه، ولا اليمين إن كذبه، فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو، وإن كان المدفوع وديعة أخذها، فإن تلفت ضمن أيهما شاء.

    باب الشركة: وهي اجتماع في استحقاق أو تصرف، وهي أنواع، فشركة عنان أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ولو متفاوتاً ليعملا فيه ببدنيهما، فينفذ تصرف كل منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه ].

    تقدم لنا جملة من أحكام الوكالة، وبقي علينا شيء من أحكامها، وقبل الدخول في أحكام الشركات كان من آخر ما تحدثنا عنه هو ما يتعلق بتصرفات الوكيل، وذكرنا أن الضابط في ذلك أن يُرجع إلى الاتفاق اللفظي، فإن كان هناك اتفاق لفظي بين الوكيل وموكله فإنه يُرجع إلى ذلك الاتفاق، إذ إن المسلمين على شروطهم، فإن لم يكن اتفاق يُرجع إلى العرف، فإذا كان هناك عرف يحكم تصرفات الوكيل فإنه يُرجع إليه، وإذا لم يكن شيء من ذلك فنرجع إلى ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى.

    وتقدم لنا من تصرفات الوكيل مسألة هل للوكيل أن يبيع سلعة إذا وكل بالبيع؟ وهل له أن يبيع بعرض؟ وإذا باع بأقل من الثمن، فهل يضمن أو لا يضمن؟ وذكرنا أن هذه المسألة فيها تفصيل، وكذلك إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل، فهل يضمن أو لا يضمن؟ تقدم الكلام على هذه المسائل.

    شراء الوكيل ما يعلم عيبه أو يجهله

    ثم قال المؤلف رحمه الله: ( فصل: وإن اشترى ما يعلم عيبه، لزمه، إن لم يرض موكله ).

    أيضاً من تصرفات الوكيل: ما إذا اشترى الوكيل شيئاً يعلم عيبه، أي: وُكل في شراء سلعة من السلع، فاشترى سلعة يعلم أنها معيبة، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: فيه تفصيل: إن رضي الموكل بهذه السلعة فالحق له وقد أسقطه، وإن لم يرض الموكل بهذه السلعة المعيبة فإن الشراء يلزم الوكيل؛ لأن الوكيل داخل بالعيب على بصيرة، فمادام أنه يعلم العيب كان الواجب عليه ألا يشتري، لكن ما دام أنه قد اشترى فنقول: إن رضي موكله فالحق له، وقد أسقطه، وإن لم يرض موكله بهذه السلعة المعيبة، فإن الشراء يلزم الوكيل.

    قال رحمه الله: ( فإن جهل رده ).

    أي: الوكيل إذا جهل العيب الذي في السلعة، مثلاً وكل في شراء سيارة فاشترى السيارة، ثم وجد بها عيباً فيقول المؤلف رحمه الله: الوكيل يملك رد السلعة المعيبة، ولا حاجة إلى أن يستأذن الموكل؛ لأنه قائم مقام الموكل في التصرف، وقد أذن له أن يشتري له شراءً صحيحاً، فما دام أنه يجهل هذا العيب الذي في السلعة فله الحق في الفسخ؛ لأنه قائم مقام الموكل، وإن لم يرجع إليه.

    تسليم الوكيل المبيع وقبض الثمن من المشتري

    قال المؤلف رحمه الله: ( ووكيل البيع يسلمه، ولا يقبض الثمن بغير قرينة ).

    يقول المؤلف رحمه الله: وكيل البيع يسلم المبيع؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضي ذلك إذ أنه من تمامه، فمثلاً: لو وكل في بيع السيارة، فإن الوكيل يملك بيع السيارة ويملك أيضاً تسليمها، يعني ليس هناك حاجة إلى أن يطلب الوكيل من الموكل أن يوكله أيضاً في التسليم؛ لأن هذا من تمام البيع؛ كون الوكيل يسلم السيارة للمشتري، وليس هناك حاجة أن يطلب منه أن يوكله في تسليم السيارة، أو ينصّ فيقول: وكلتك في البيع، وفي التسليم، كل هذا لا حاجة له، بل إذا وكله في بيع السيارة فإن هذا يقتضي أنه يملك البيع ويملك أيضاً التسليم.

    قوله: ( ولا يقبض الثمن بغير قرينة ). أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: إذا وكل في البيع، فهل هو وكيل في قبض الثمن؟ نعم هو وكيل في تسليم السيارة، لكن هل هو وكيل في قبض الثمن أو ليس وكيلاً؟

    قال المؤلف رحمه الله: ليس وكيلاً في قبض الثمن، أي: لابد أن الموكل ينصّ أنه يبيع ويقبض الثمن، أما إذا قال: بع السيارة، فإنه يملك أن يبيع، أما قبض الثمن فإنه لا يملك، وعلى هذا لو أنه قبض الثمن، وتلف بيده، فإنه يضمن؛ لأنه متعد لم يؤذن له في القبض، أي ليس أميناً، وهذا فائدة كلام المؤلف رحمه الله.

    فيقول هنا: لا يملك قبض الثمن إلا بقرينة، لابد أن يوجد دليل، إما أن الموكل ينصّ على ذلك. فيقول: وكلتك في بيع السلعة وفي قبض ثمنها، أو توجد قرينة، كأن يكون هناك عرف على أن الوكيل يبيع ويقبض، المهم أنه لابد من دليل على أنه يقبض الثمن، أما إذا لم يكن هناك دليل فإن الوكيل الذي وكل في البيع لا يملك قبض الثمن، وإنما يملك البيع فقط، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أن الوكيل يملك قبض الثمن، وهذا قول الحنفية والشافعية؛ لأن العرف جار بذلك، وسبق أن ذكرنا القاعدة في ذلك أنه يرجع إلى الاتفاق اللفظي، فإن لم يكن فإلى العرف، والعرف جار بذلك، وأعراف الناس على أنه إذا وكل في البيع فإنه يبيع ويقبض الثمن، هذا عرف الناس، بل لو أنه لم يقبض ثمن المشتري لأضاع الثمن، وأنكر عليه الموكل، فالصواب في ذلك أنه يملك أن يبيع، وكذلك أيضاً يملك قبض الثمن.

    تسليم الوكيل الثمن أو تأخيره

    قال رحمه الله: ( ويسلم وكيل المشتري الثمن ).

    فلو وكل في شراء سلعة فإنه وكيل في الشراء، ووكيل أيضاً في تسليم الثمن للبائع، فمثلاً لو قال: اشتر لي سيارة بكذا وكذا فهو وكيل في الشراء، وكذلك أيضاً وكيل في تسليم الثمن للبائع وليس هنالك حاجة إلى أن ينصّ الوكيل على أنه وكيل في الشراء وأيضاً أنه وكله في تسلم الثمن للبائع، أو أن الوكيل إذا اشترى السلعة يرجع مرة أخرى إلى الموكل، ويقول: وكلني في تسليم الثمن، بل إذا وكل في شراء سلعة فإن هذه وكالة في الشراء، وكذلك في تسليم الثمن؛ لأن هذا من تتمة العقد وحقوقه.

    قال رحمه الله: ( فلو أخره بلا عذر وتلف ضمن ).

    أي: أن هذا الوكيل الذي وكل في شراء سلعة، ولم يسلم الثمن حتى تلف، فلو قيل له: هذه عشرة آلاف ريال اشتر بها سيارة، فاشترى السيارة ولم يسلم الثمن، وهو كما ذكرنا أنه وكيل في الشراء، وكذلك أيضاً وكيل في تسليم الثمن، فلم يسلم الثمن حتى تلف، ولنفرض أن الثمن سُرق منه أو ضاع، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: يضمن، لأنه متعدٍ بالتأخير، أو نقول: لأنه مفرط بتأخير تسليم الثمن، والواجب عليه أن يبادر بتسليم الثمن، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى وفرط، والتفريط ترك الواجب، والتعدي فعل ما لا يجوز، فهو الآن فرط بترك واجب التسليم فإذا أخر لغير عذر حتى تلف الثمن كأن سُرق مثلاً أو ضاع فيقول المؤلف رحمه الله: يضمن.

    الوكالة المجهولة

    قال رحمه الله: ( فإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً... لم يصح ).

    يعني: لو قال له مثلاً: اشتر سيارة بثمن مجهول، أو اشتر سيارة بما في بيتي من الدراهم، والذي في بيته من الدراهم مجهولة، فهذا شراء فاسد؛ لأنه اختل شرط من شروط صحة العقد، وهو العلم بالثمن، وقد سلف لنا ذلك، فإذا اختل شرط من شروط صحة العقد فهو عقد فاسد.

    فإذا قال: اشتر السيارة بهذا الثمن المجهول الذي في جيبي، أو في البيت، أو في الصندوق، وهو مجهول، يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح الشراء، حتى ولو أن الوكيل خالف واشترى شراءً صحيحاً، أي اشترى بثمن معلوم، فالموكل قال: اشتر بثمن مجهول والوكيل خالف واشترى بثمن معلوم، فهل شراء الوكيل صحيح، أو ليس صحيحاً؟ شراء الوكيل صحيح وخالف، ومع ذلك نقول بأن هذا البيع لا يصح؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن بهذه الوكالة بالشراء الفاسد، والموكل أيضاً لا يأذن، أي لا يملك أن يوكل في شراء فاسد، فنقول بأن هذا لا يصح.

    1.   

    الوكالة المطلقة

    قال رحمه الله: ( أو وكله في كل قليل وكثير ).

    لو وكله وكالة مطلقة فقال: وكلتك في كل قليل وكثير من أموالي وما يتعلق بي، نقول: هذا لا يصح؛ لأنه يعظم الغرر، فقد يشتري أشياء وقد يبيع أشياء وقد يصل إلى أن يطلق عليه زوجته ونحو ذلك، لأنه وكله في كل شيء أو في كل قليل وكثير، قال المؤلف رحمه الله: لا تصح هذه الوكالة؛ لأن هذا يترتب عليه غرر عظيم، فقد يدخل في ذلك أن يشتري أشياء لا يحتاجها، أو أن يبيع أشياء يحتاجها، أو أن يوقف، أو أن يهب، أو أن يطلق، أو أن يُعتق، ونحو ذلك، فيعظم الغرر، فنقول: بأن هذا لا يصح.

    قال رحمه الله: ( أو عيناً بما شاء ولم يعين ).

    فلو قال: اشتر سيارة، لكن لم يعين السيارة، بل قال: اشتر سيارة، أو اشتر بيتاً، ولم يعين ما نوع السيارة ، ولو قال: بما شئت، ولم يعين الثمن، فهو لم يعين السيارة، ولم يعين النوع، ولم يعين الثمن، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يصح، لدخول الغرر، فإذا قال: اشتر شيئاً بما شئت ولم يعين النوع، فهذه العين لم يعين نوعها، أي: لم يقل: سيارة نوعها كذا وكذا، أو بيت نوعه كذا وكذا، أو ثوب نوعه كذا وكذا، والثمن هو كذا وكذا، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: بأن هذا لا يصح، لوجود الغرر.

    والرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن هذا صحيح، ولا بأس به.

    والرأي الثالث: أنه إن عين الثمن فالوكالة صحيحة وإن لم يعين النوع.

    والرأي الرابع: العكس إن عين النوع فقال: السيارة نوعها كذا وكذا، فالوكالة صحيحة.

    فالآراء في هذه المسألة أربعة:

    الرأي الأول: المشهور من المذهب أنه لا يصح، ولابد أن يعين النوع وأن يعين الثمن.

    والرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد أنه يصح، وإن لم يعين النوع ولا الثمن، فلو قال: اذهب واشتر السيارة التي تراها من السيارات صح.

    والرأي الثالث: أنه إن عين الثمن فالوكالة صحيحة.

    والرأي الرابع: أنه إن عين النوع، أي عين نوع المبيع، فالوكالة صحيحة.

    ويظهر والله أعلم، أن مثل هذه الأشياء تحكمها القرائن والأعراف؛ لأنه قد يقول له: اشتر سيارة، وهو يعرف ما الذي يصلح له من السيارات، وهو أيضاً يعرف ثمن السيارات، فقد يوكله ويقول: اشتر سيارة، وهذا الوكيل يعرف ما يصلح لهذا الموكل، ويعرف أيضاً الثمن ونحو ذلك.

    فيظهر والله أعلم: أن مثل هذه المسائل مرجعها إلى القرائن والأعراف، فإذا دلت القرائن والأعراف على أن الوكيل سيشتري بثمن المثل لكونه عارفاً بالسيارة، أو عارفاً بهذه السلع، وما يصلح للموكل، فنقول بأن هذا جائز، لانتفاء الغرر، فالحكم يدور مع الغرر، نقول: إذا انتفى الغرر لوجود القرينة والعرف والدليل على انتفائه صحة الوكالة، وإن لم ينتف وكان الغرر موجوداً فإن الوكالة لا تصح، فالصحيح في ذلك أن نقول بأن الحكم معلق بالغرر كما سلف.

    1.   

    قبض الوكيل في الخصومة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( والوكيل في الخصومة لا يقبض ).

    الوكيل في الخصومة هو ما يسمي عندنا اليوم بالمحامي، إذا وكله أن يخاصم له، وكان له حق عند زيد، فوكل شخصاً يحامي له، أي يدافع له عند القاضي، أو عند غير القاضي فيذهب حتى يستخرج هذا الحق.

    إذاً: هذا المحامي الآن هو وكيل في الخصومة حتى يحرز الحق، لكن هل هو وكيل في القبض؟ الآن أقر الذي عليه الحق بأن عليه حقاً لموكل هذا المحامي، لكن هل يملك المحامي أن يقبض أو لابد من وكالة جديدة -أي: لابد من أن ينصّ الموكل على أنه وكيل في الخصومة وفي القبض-؟ يقول المؤلف: لابد من وكالة جديدة، ولابد من نص، فهو يملك أن يخاصم، لكن لا يملك أن يقبض الثمن، فإذا استخرج الثمن، يذهب صاحبه لكي يقبضه، لكن بالنسبة للوكيل في الخصومة، أو ما يسمي بالمحامي، فإنه لا يملك أن يقبض الثمن.

    والعلة في ذلك قالوا: بأن الإذن لا يتناول القبض، وإنما يتناول الخصومة فقط، أما القبض فإنه لا يتناوله، وكما أسلفنا، أن مثل هذه الأشياء، إذا كان هناك اتفاق لفظي كما لو قال: تدافع وتخاصم وتقبض، وإذا لم يكن يُرجع إلى العُرف، فإذا كان هناك عُرف يصير العُرف حلاً، وإذا لم يكن هناك عُرف فنرجع إلى ما ذكره العلماء رحمهم الله، فإذا كان هناك عرف على أنه يخاصم ويقبض الحق نرجع إليه، وإذا لم يكن هناك عرف فإنه لا يملك القبض إلا بإذن أو نص.

    قال المؤلف رحمه الله: ( والعكس بالعكس ).

    يعني: العكس في هذه المسألة لو وكل في القبض، فإن مقتضى ذلك أن ذلك وكالة في المخاصمة فلو قال: اقبض حقي من زيد، ولنفرض أن زيدا عنده قرض أو ثمن مبيع، فقال صاحب القرض أو البائع لشخص: وكلتك في أن تقبض حقي من فلان، مقتضى ذلك أنه يخاصم؛ لأنه لا يملك أن يقبض إلا بعد الخصومة، فقد يقبض بلا خصومة، وقد يحتاج إلى الخصومة لكي يستخرج الحق.

    قال المؤلف رحمه الله: ( واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قِبله ).

    لو قال: اقبض حقي من زيد، وذهب يريد أن يقبض حقه من زيد، وإذا بزيد قد مات، فهل يقبض من الورثة أو نقول بأن هذه ليست وكالة في القبض من الورثة؟ قال المؤلف رحمه الله: هذه ليست وكالة في القبض من الورثة، فيحتاج إلى وكالة جديدة لكي يقبض من الورثة؛ لأنه لم يؤذن له في القبض من الورثة وإنما أذن له أن يقبض من زيد، وهذا كما ذكرنا في القاعدة إن كان هناك لفظ يُرجع إليه، وإن لم يكن هناك لفظ فالعرف، أي عُرف الناس أنه إذا قال: اقبض حقي من زيد، أو الذي عند زيد فإنه يريد أن يستخرج حقه سواء كان منه أو من ورثته، فالذي يظهر -والله أعلم- أنه إذا قال: اقبض حقي من زيد، أنه يملك أن يستخرجه من زيد، ويملك أيضاً أن يستخرجه من ورثته، هذا الذي يظهر والله أعلم.

    قوله: ( إلا أن يقول الذي قِبله ).

    يقول المؤلف رحمه الله: إذا قال: الذي على زيد، أو قِبل زيد، فإنه يملك أن يقبض من ورثته، والصحيح كما ذكرنا أن عامة الناس لا يفرقون بين هذه الأقوال، فإذا قال: اقبض حقي من زيد، أو الذي قِبل زيد، أو الذي على زيد ونحو ذلك، فهو يريد أن يستخرج حقه سواء من عين زيد أو من ورثته.

    1.   

    ضمان وكيل الإيداع

    قال المؤلف رحمه الله: ( ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد ).

    أي: إذا وكله أن يودع هذه الدراهم عند عمرو، فقال: اذهب بهذه الدراهم وأودعها عند عمرو، فذهب بها الوكيل وأعطاها لعمرو فأنكر عمرو وقال: ما أعطاني شيئاً، فهل يضمن الوكيل أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يضمن حتى وإن ترك الإشهاد؛ لأنه أمين، حتى لو قال المودع عنده: نعم أودعني ولكن الدراهم تلفت، فهل يُقبل قوله أم لا يُقبل؟ نعم يُقبل قوله لأن المودع أمين، والأمين قوله مقبول، أو قال المودع عنده: أنا رددت الدراهم، يقبل قول الوكيل؛ لأنه أمين.

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: إذا وكله أن يودع هذه الدراهم عند زيد من الناس، فأودعها فأنكر المودع عنده ولم يُشهد الوكيل في الإيداع، هل يضمن الوكيل في الإيداع أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يضمن؛ لأن المودع لا حاجة في أن نشدد عليه، فالمودع أمين يُقبل قوله في الرد، كما يقبل قوله في التلف، فلا فائدة في الإشهاد؛ بخلاف مسألة الوكالة في قضاء الدين.

    فلو أنه وكله أن يقضي الدين الذي عليه لزيد، وقال له: اذهب بهذه الدراهم لزيد، واقض بها الدين الذي عليّ، فذهب الوكيل وأعطى صاحب الحق أي المقرض حقه ثم بعد ذلك أنكر المقرض، وقال: ما أعطاني شيئاً، ولم يُشهد الوكيل، فهل يضمن أم لا يضمن؟ يقولون بأنه يضمن لأنه فرط في ترك الإشهاد، وقد سبق أن تكلمنا على هذه المسألة.

    وقلنا: بأن الصواب في هذه المسألة أن الوكيل في قضاء الدين إذا جرى العرف بأنه لا يشهد عليه لكونه يسيراً فإنه لا ضمان عليه، وإن جرى العرف بأنه يشهد عليه، أو يأخذ عليه الوثيقة ونحو ذلك، فترك الوكيل مثل هذه الوثائق أو الشهادات فنقول بأنه يضمن لأنه فرط.

    1.   

    الوكيل أمين

    قال المؤلف رحمه الله: ( فصل: والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط ).

    نعم (الوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط)، وقد سبق أن ذكرنا هذه القاعدة في الأمانة، وذكرنا أن كل من قبض المال بإذن الشارع أو بإذن المالك فإنه أمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، وقد تقدم مثل هذه القاعدة في القواعد الفقهية، أن كل من قبض المال بإذن الشارع أو بإذن المالك، فإنه أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.

    ويدخل في هذا صور كثيرة جداً، وذكرنا أن سائر الموظفين اليوم أمناء، فالموظف في دائرته أمين عن أدوات الكتابة، والآلات ونحو ذلك، فإذا تلفت تحت يده، فاحترقت مثلاً آلة التصوير فنقول: هو أمين، فإن كان تعدى، أو فرط فإنه يضمن، وإن لم يتعد أو لم يفرط فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه قبض هذا المال بإذن المالك، ويدخل في ذلك الوكيل إذا أعطاه الدراهم كي يشتري سيارة، ثم ضاعت الدراهم، أو سُرقت، نقول: إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد أو لم يفرط فلا ضمان عليه، أو مثلاً: باع السيارة، وقبض الثمن، ثم بعد ذلك سُرق الثمن ، أو ضاع، ويدخل في ذلك المضارب، والشريك، والمساقي، والمزارع، والمستأجر أي من استأجر السيارة، أو استأجر البيت، فالبيت تحت يده أمانة فإن احترقت الأنوار، أو نحو ذلك، فإن كان بتعد وتفريط من المستأجر ضمن، وإن لم يكن بتعدٍ ولا تفريط، فإنه لا ضمان عليه، ويدخل في ذلك ناظر الوقف، والوصي على الأيتام والقصر والسفهاء، والتفريط: هو ترك ما يجب، والتعدي: هو فعل ما لا يجوز.

    ومن هذه الصور ما ذكره المؤلف رحمه الله، أن الوكيل أمين، فإذا تلف المال تحت يده بلا تعدٍ منه، ولا تفريط، فإنه لا ضمان عليه، كمن أخذ الدراهم لكي يشتري سيارة، فحفظها في حرزها، ثم سُرقت أو ضاعت منه، أو احترقت فنقول بأنه لا ضمان عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويُقبل قوله في نفيه).

    أيضاً هو لا ضمان عليه، فلو قال الموكل: أنت فرطت، أو أنت ما حفظت الدراهم وقال هو: ما فرطت، فهل نقبل قول الوكيل أم نقبل قول الموكل؟ نقبل قول الوكيل، فلو قال له: أعطيتك عشرة آلاف تشتري، فقد تكون سُرقت منك أو ضاعت لكنك أنت ما حفظتها، أنت جعلتها في غير الحرز حتى سُرقت، فقال: لا أنا حفظتها في حرزي، فنقبل قول الوكيل؛ لأنه أمين؛ ولأن مقتضى الأمانة أن نقبل قوله.

    قال رحمه الله: ( والهلاك مع يمين ).

    فلو سأله: أين الدراهم؟ فقال: الدراهم احترقت، أو قال أين الكتاب؟ وقد وكله في شراء كتاب فقال: الكتاب احترق، أو الكتاب سُرق، فلا بد أن نقبل قوله في الهلاك، لكن قال العلماء رحمهم الله: إن ادعى الهلاك بأمر ظاهر، فإنه يُكلف بالبينة.

    لو قال مثلاً: جاءت أمطار في يوم كذا وكذا، وأتلفت الطعام الذي اشتريته، أو الكتاب الذي اشتريته، أو حدث حريق في البيت ونحو ذلك، فإذا ادعى التلف بأمر ظاهر، نقول: بأنه يُكلف بالبينة.

    1.   

    ادعاء الوكالة عند القبض

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه، ولا اليمين إن كذبه).

    وصورة المثل: هذا صالح ادعى وكالة زيد لعمرو، أي أن صالحاً أتى عمراً وقال: بأن زيداً وكلني أن أقبض المال الذي عندك له، فالذي يدعي الوكالة صالح ويدعي وكالة زيد عند عمرو وعمرو عليه الحق.

    فيقول المؤلف رحمه الله: لم يلزمه دفعه، من الذي لا يلزمه؟ عمرو، فقال عمرو: أنت صادق أنك وكيل، أنا لا أكذبك، لكن لن أعطيك شيئاً، قال: لا يُلزم بالدفع.

    قوله: ( لم يلزمه دفعه إن صدقه )؛ لأنه ربما أن زيداً ينكر الوكالة، فعمرو يقول له: أنت صادق أنك وكيل وأنا لا أكذبك لكن لن أعطيك؛ لأنه ربما أن زيداً ينسى وينكر الوكالة، فلا يلزم عمراً أن يدفع لصالح الذي يدعي الوكالة إن صدقه.

    قوله: ( ولا اليمين إن كذبه ) فلو قال: أنت كاذب، فلا نقول: احلف أنه كاذب؛ نقول: لو جاء صالح الآن إلى عمرو وقال له: زيد وكلني أن أطلب الدراهم التي عندك قال عمرو: كذاب أنت لم يوكلك، فهل نقول لعمرو: احلف أنه كاذب؟ لا يلزمه أن يحلف؛ لأنه حتى لو حلف لا يقضى عليه، ولا نلزمه بدفع الدراهم.

    قوله: ( ولا اليمين إن كذبه ) لأنه لا يقضى عليه بالنكول، فلو أنه رفض أن يحلف فلا نقول: يجب عليك أن تدفع، إذاً عمرو كذب صالحاً، وقال: أنت كاذب ما وكلك زيد، هل يُلزم باليمين أم لا يُلزم باليمين؟ لا يُلزم باليمين؛ لأنه لو رفض اليمين، وقال: ما أنا بحالف أنه كاذب، هل القاضي يقضي عليه ويُلزمه أن يدفع الدراهم؟ قال: لا، لأن العلماء يقولون: لا يُقضى عليه بالنكول، ولا يُلزمه القاضي أن يدفع الدراهم لمدعي الوكالة، الذي هو صالح، فحينئذ لا يلزمه أن يحلف، قال رحمه الله: فلا يلزمه أن يحلف، لأنه لا فائدة في اليمين كما تقدم.

    قال رحمه الله: ( فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو ).

    لو أن عمراً في الصورة السابقة دفع المال لصالح، أي: جاء صالح، وقال: وكلني زيد في قبض القرض الذي عندك، فدفع عمرو المال لصالح، فأنكر زيد الوكالة وقال: لماذا تعطيه؟ فأنت تعديت بإعطائه، ماذا نرد عليه؟ قال: (فأنكر زيد الوكالة حلف) نقول لزيد: احلف أنك ما وكلته فإذا حلف زيد أنه لم يوكل الوكيل الذي هو صالح فإنه يضمن عمرو.

    قال رحمه الله: ( وإن كان المدفوع وديعة أخذها فإن تلفت ضمن أيهما شاء ).

    إذا كان المدفوع وديعة، والآن صالح ذهب إلى عمرو، وقال: زيد أودعك كتاباً أعطني هذه الوديعة، وقد وكلني زيد في قبضها منك قال المؤلف رحمه الله: إن كان المدفوع وديعة أخذها ربها إذا وجدها، ربها من هو؟ زيد.

    فإن كانت تالفة، قال المؤلف رحمه الله: ( ضمن أيهما شاء )، يعني له أن يُضمن الدافع وله أن يُضمن الوكيل، يُضمن الدافع لأنه ضمن بالدفع، وكذلك أيضاً يُضمن الوكيل لأنها تلفت تحت يده والوديعة مضمونة.

    يقول المؤلف رحمه الله: له أن يُضمن الدافع، لأن الدافع ضمن بالدفع، وكذلك أيضاً يُضمن القابض، لأنها تلفت تحت يده، وقبض ما لا يستحقه، هذا بالنسبة للضمان.

    لكن بقينا في قرار الضمان على من يكون قرار الضمان؟ نقول: إن ضمن الدافع وكان الدافع صدق القابض الذي يدعي الوكالة قال: أنت صادق فإن الدافع لا يرجع على القابض، وإن ضمن القابض لم يرجع على الدافع، يعني عندنا الآن قرار الضمان نقول: إن ضمن القابض فإنه لا يرجع على الدافع، وإن ضمن الدافع فإن كان الدافع صدق القابض، فهل يرجع عليه أو لا يرجع؟ نقول: بأنه لا يرجع.

    1.   

    الشركة

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب الشركة ).

    تعريف الشركة

    الشركة في اللغة: يقال: شَرِكة بوزن سرقة، ويقال: شِركة بوزن نِعمة، ويقال: شَركة بوزن تمرة، والشَرِكة في اللغة تطلق على معان منها: الاختلاط.

    وأما في الاصطلاح: فهي اجتماع في استحقاق أو تصرف.

    أنواع الشركة

    والشركة نوعان:

    النوع الأول: (اجتماع في استحقاق)، وهذه يسميها العلماء رحمهم الله تعالى شركة الأملاك اجتماع في استحقاق، وهي أن يشترك اثنان فأكثر في ملك عين أو منفعة من المنافع، وشركة الأملاك هذه لا يبحثها العلماء رحمهم الله تعالى هنا، بل يبحثونها في باب القسمة عند قسمة الأملاك، ويبحثونها في باب الشفعة عندما يبيع أحد الشريكين، ويبحثونها في باب البيع، وفي باب الإجارة ونحو ذلك.

    النوع الثاني من نوعي الشركة من حيث العموم شركة العقود، وشركة العقود هي الاجتماع في التصرف، وهي التي يبحثها العلماء رحمهم الله في قولهم: باب الشركة، فشركة الأملاك: اجتماع شخصين فأكثر في ملك عين أو منفعة، وشركة العقود هي اجتماع شخصين أو أكثر في التصرف. وشركة العقود: وهي الاجتماع في التصرف، كما سلف، وهذه الشركة أنواع، وأوسع الناس في باب الشركة هم الحنابلة، وأضيق الناس في هذه الشركة هم الشافعية؛ لأن الشافعية يُحرمون كثيراً من أنواع الشركات كما سيأتينا إن شاء الله.

    1.   

    شركة العنان

    قال المؤلف رحمه الله: ( فشركة عنان أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم، ولو متفاوتاً ليعملا فيه ببدنيهما ).

    تعريف شركة العنان

    العنان في اللغة: يُطلق على معان، منها الظهور والتساوي، وأما في الاصطلاح فعرف المؤلف رحمه الله شركة العنان فقال: أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم، ولو متفاوتاً ليعملا فيه ببدنيهما.

    صورة شركة العنان

    زيد وعمرو يشتركان بالمال والعمل، فهذا يدفع مثلاً مائة ألف، وهذا يدفع مائة ألف، ويعملان فيه يفتحان مثلاً مكتبة، أو يفتحان بقالة لبيع المواد الغذائية، أو لبيع الآلات، ونحو ذلك، فهما يعملان الآن بماليهما وبدنيهما فهذه شركة عنان.

    لكن لو كان المال من كل منهما، والعمل من أحدهما فهذا موضع خلاف بين العلماء، يعني هذا دفع مالاً، وهذا دفع مالاً ويعمل فيه أحدهما، فتحا مثلاً محلاً تجارياً لبيع المواد الغذائية فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، فبعض العلماء يجعلها من شركة العنان، والبعض يجعلها من شركة المضاربة، وسواء قلنا بأنها من العنان، أو من المضاربة فهي شركة صحيحة.

    حكم شركة العنان وأدلتها

    قال المؤلف رحمه الله: وشركة العنان هذه جائزة بالإجماع.

    والأصل في الشركة القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عزّ وجل: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ص:24]، وأما السنة فحديث ابن عمر في الصحيحين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر) يعني نوع من المشاركة.

    أي أعطى الأراضي لأهل خيبر يعملون عليها بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر، والإجماع قائم على ذلك في الجملة في بعض أنواع الشركة، والنظر الصحيح يقتضي ذلك؛ لأن الإنسان قد يكون عنده مال، لكنه لا يملك العمل، وقد يكون عنده العمل، لكنه لا يملك المال فاقتضى النظر الصحيح حِل الشركة.

    وهل الأفضل للمسلم أن يشارك أو الأفضل له أن ينفرد؟ هذا موضع خلاف، فقال بعض العلماء: الأفضل أن يشارك لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى والله عزّ وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وفي الحديث القدسي وإن كان فيه ضعف ( أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر )، وقال بعض العلماء: الأفضل أن ينفرد؛ لأن السلامة لا يعدلها شيء، وكون الإنسان ينفرد بعمله وماله هذا أبعد له من حقوق الآخرين.

    1.   

    شروط شركة العنان

    وقوله: ( فشركة عنان أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ).

    الشركة يشترط لصحتها شروط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم) سواء كانا مسلمين، أو كان أحدهما مسلماً، والآخر غير مسلم، فمشاركة الذمي عند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى جائزة، ولا بأس بذلك، ويدل لذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر مما يخرج منها من زرع وثمر ).

    الشرط الأول: أن يكون المال معلوماً

    وقوله: ( بماليهما المعلوم ) هذا الشرط الأول، أن يكون المال معلوماً، وهذا ظاهر؛ لأن ( النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ) فإذا كان مال أحدهما، أو مال كل منهما مجهولاً، فإنه لا يمكن المصير إليه عند فض الشركة، فيشترط أن يكون معلوماً.

    الشرط الثاني: تساوي المالين

    وقوله: ( ولو متفاوتاً )، فهل يشترط تساوي المالين أو نقول بأنه لا يشترط؟ فمثلاً هذا الرجل دفع مائة ألف والآخر دفع خمسين ألفاً، هل نقول بأن هذا جائز، أو ليس جائزاً؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، فجمهور العلماء على أن هذا جائز ولا بأس به، والمؤلف رحمه الله أشار إلى ذلك بقوله: (ولو كان متفاوتاً) فجمهور العلماء أنه هذا جائز؛ لأن الأصل في الشركة الحِل.

    وذهب بعض الشافعية إلى أن هذا غير جائز، وقالوا: لأنه قد يأخذ من الربح ما يساوي صاحب المال الكثير، وهذا فيه غبن، لكن هذا لا يُسلَّم، والصحيح أن هذا جائز ولا بأس به، وقد يدفع هذا قليلاً لكنه له عمل كثير أو عنده خبرة، فالصواب: أن هذا جائز ولا بأس به.

    وهل يُشترط أن يكون المال حاضراً أو لا يشترط؟

    المشهور من المذهب: أنه يشترط أن يكون المال حاضراً، فلا تصح الشركة على مال الغائب، أو على ما في الذمة، لأن هذا ليس جائزاً، وهذا قول أكثر العلماء رحمهم الله: أنه يشترط أن يكون المال حاضراً، فلو كان المال غائباً أو كان في الذمة، كان المال ديناً وهذا لا يصح.

    والرأي الثاني، الذي رجحه ابن القيم رحمه الله: أنه يصح، فمثلاً لو كان زيد له دين عند عمرو، وقال: المال الذي سأدفعه هو الدين الذي عند عمرو، وهذا أحضر خمسين ألفاً؟ نقول: بأن ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن هذا صحيح ولا يتضمن غرراً.

    تصرفات الشركاء في شركة العنان

    قال رحمه الله: (فينفذ تصرف كل منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه).

    هنا بين المؤلف رحمه الله التكليف الفقهي لتصرف كل واحد من الشركاء، فيقول: تصرف كل واحد من الشركاء صحيح، بالنسبة لماله فتصرفه بحكم الملك، وبالنسبة لشريكه فتصرفه بحكم الوكالة، فهو يتصرف في ماله بحكم الملك، ويتصرف في مال شريكه بحكم الوكالة عن الشريك، فتصرف كل منهما صحيح.