إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [29]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوكالة تصح بكل قول يدل على الإذن، ويصح قبولها بكل قول أو فعل دال عليه، ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ ونحوها، لا الظهار واللعان والأيمان، وتصح في حق لله تدخله النيابة من العبادات، وليس للوكيل أن يوكل غيره إلا في حالتين: الأول: أن يؤذن له، و

    1.   

    الوكالة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوكالة. تصح بكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه، ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه، ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظهار واللعان والأيمان، وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يوكل فيما وُكل فيه إلا أن يُجعل إليه، والوكالة عقد جائز تبطل بفسخ أحدهما وموته، وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده، ولا يبيع بعرض ولا نسأ ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدر له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدر له صح وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد أو قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالاً، أو اشتر بكذا حالاً فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا].

    تقدم لنا بقية أحكام المحجور عليه لحظ نفسه، وذكرنا من هذه الأحكام ما يتعلق بالولاية عليه، ومن هو الولي عليه، وأن الولي على المحجور عليه لسفه أو جنون أو صغر ونحو ذلك هو الأب، ثم بعد ذلك وصيه، ثم بعد ذلك القاضي، وأن الرأي الثاني في المسألة: أن سائر العصبة لهم الولاية على هؤلاء. وكذلك أيضاً ذكرنا فيما يتعلق بالتصرف في أموال هؤلاء المحجور عليهم، وأن الله عزّ وجل ذكر ذلك قاعدة في قوله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152].

    وذكرنا جملة من التصرفات، من ذلك: هل للولي أن يأخذ عوضاً على العمل في أموال المولى عليهم أو لا؟ وهل له أن يدفع ماله مضاربة بجزءٍ معلوم مشاع من الربح أو لا؟ وما يتعلق ببيع أموالهم نسيئة أو بعوض، أو بغير نقد البلد، وتقدم أيضاً أن بينا متى ينفك الحجر عنه، وكذلك أيضاً ما يتعلق بأكل الولي من مال المولى عليه، وأنه إذا كان فقيراً فله أن يأكل بالمعروف، وذكرنا ما هو المعروف، وأما إن كان غنياً فليستعفف، وإذا أكل فهل يجب عليه أن يرد إذا أيسر أو لا يجب عليه؟ تقدم الكلام على ذلك.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الوكالة).

    تعريف الوكالة

    الوكالة في اللغة: التفويض، يقال: وَكالة بفتح الواو، ويقال: وِكالة بكسر الواو، وهي في اللغة: التفويض.

    وأما في الاصطلاح: فهي إنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.

    مشروعية الوكالة

    والوكالة الأصل فيها القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عزّ وجل: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19] وهذه وكالة، أي أنهم يوكلون واحداً منهم يشتري لهم طعاماً.

    وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد في شراء أضحية، والإجماع قائم على ذلك في الجملة، والنظر الصحيح يقتضي جواز الوكالة؛ لأن الإنسان قد لا يتمكن من مباشرة جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى من ينيبه في بعض أعماله، أو في بعض عقوده أو فسوخه ونحو ذلك.

    1.   

    شروط الوكالة

    والوكالة يشترط لها شروط، تؤخذ من التعريف: أن يكون الموكل جائز التصرف، وأن يكون الوكيل جائز التصرف، وأن تكون الوكالة فيما تدخله النيابة.

    فشروط الوكالة أولاً: أن يكون الوكيل جائز التصرف، وتقدم لنا أن جائز التصرف هو البالغ العاقل الحر الرشيد.

    و(البالغ) يُخرج الصبي؛ فالصبي ليس له أن يوكل إلا فيما يصح له أن يتصرف فيه.

    وسبق لنا ما هي العقود التي للصبي أن يتصرف فيها، وما ليس له أن يتصرف فيها، وأنه يتصرف في الأمور اليسيرة عرفاً، وإذا راهق وقارب البلوغ فإنه لا بأس أن يؤذن له في بعض التصرفات كما سلف بيانه. و(العاقل) يُخرج المجنون، فالمجنون لا تصح وكالته، و(الحر) يُخرج الرقيق، فالرقيق لا تصح وكالته إلا إذا أذن له سيده، و(الرشيد) يُخرج السفيه، فالسفيه الذي لا يُحسن التصرف في ماله لا تصح وكالته فيما حُجر عليه فيه.

    أيضاً الوكيل يشترط فيه: أن يكون جائز التصرف، بأن يكون بالغاً عاقلاً حراً رشيداً، والكلام في الوكيل كما قلنا في الموكل.

    والشرط الثالث: أن تكون الوكالة فيما تدخله النيابة، وعلى هذا فما لا تدخله النيابة لا تصح الوكالة فيه، فمثلاً -كما سيأتينا إن شاء الله- في الظهار أنها لا تصح فيه؛ لأنه لا تدخله النيابة، فلو قال: ظاهِر عني امرأتي! نقول: أن هذا لا تصح فيه، أي: لا تدخله النيابة، فكذلك أيضاً لا تصح فيه الوكالة.

    1.   

    صفة انعقاد الوكالة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تصح بكل قول يدل على الإذن).

    الوكالة -كما سلف- كسائر العقود؛ تنعقد بكل ما يدل عليه العرف من قول أو فعل، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (بكل قول يدل على الإذن) فكل قول يدل على الإذن تنعقد به الوكالة.

    فلو مثلاً قال: وكلتك أن تبيع سيارتي، فهذه وكالة، أو قال: أذنت لك أن تبيع سيارتي، فهذه وكالة، أو قال: بع السيارة، فهذه وكالة، فكل ما يدل على الإذن من قول أو فعل فإن الوكالة تنعقد فيه؛ لأن القاعدة في صيغ العقود أن مرجعها إلى أعراف الناس؛ إذ إن الشارع لم يُحدد صيغة معينة تنعقد بها العقود.

    والوكالة أيضاً تصح مؤقتة وتصح معلقة، تصح مؤقتة كما لو قال: وكلتك لمدة سنة أو لمدة شهر، في البيع والشراء. وتصح معلقة، كقوله: إذا دخل رمضان فقد وكلتك بالبيع بكذا وكذا.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه).

    كما أن صيغة الإيجاب مرجعها إلى العرف؛ فكذلك نقول: صيغة القبول من قِبل الوكيل مرجعها إلى العُرف، فالقبول من جهة الوكيل ينعقد بكل قول أو فعل يدل على الرضا بالوكالة.

    فلو مثلاً قال: أذنت لك أن تبيع، أو قم بع، أو وكلتك، فقال: رضيت، أو قبلت، أو شرع في البيع، فنقول: الوكالة تنعقد.

    المهم أن صيغة الإيجاب في الوكالة وصيغة القبول كل منهما ينعقد بما دل عليه العُرف من قول أو فعل، لقوله: (بكل قول أو فعل دال عليه).

    1.   

    ضابط من له التوكيل والتوكل

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن له التصرف في شيء فله التوكيل، والتوكل فيه).

    هذا ضابط في باب الوكالة، أن من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه، وهذا ضابط كما أشرنا، فمن له التصرف في شيء، أي: يملك التصرف في هذا الشيء فله التوكيل، فالشخص يملك أن يبيع بيته، ويملك أن يؤجر سيارته ونحو ذلك، مادام أنه يملك التصرف في هذه الأشياء فإنه يملك التوكيل فيها.

    كذلك أيضاً مادام أنه يملك أن يبيع سيارته فله أن يتوكل في بيع سيارة غيره، فمادام أن له التصرف في البيع والشراء والإجارة والشركة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك؛ فله التوكيل في هذه الأشياء، كما أنه يباشر هذه الأشياء في نفسه فله أن يباشرها بنائبه، وكذلك أيضاً له أن يتوكل فيها مادام أنه غير محجور عليه في البيع والشراء والإجارة والشركة ونحو ذلك، فنقول: له أن يتوكل في مثل هذه الأشياء.

    1.   

    بيان ما تدخله الوكالة وما لا تدخله

    قال رحمه الله: (ويصح التوكيل في كل حق آدمي؛ من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظهار واللعان والأيمان...) إلى آخره.

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان ما تدخله الوكالة وما لا تدخله، أي: ضابط ما تدخله الوكالة من العقود والفسوخ والعبادات ونحو ذلك، وما لا تدخله الوكالة، وعلى هذا نقول: هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما تدخله النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين؛ فهذا تدخله الوكالة.

    من حقوق الله مثل: تفريق الزكاة، وإخراج الكفارات -كفارة اليمين، وكفارة الظهار...- وتفريق الصدقات، فهذه من حقوق الله عزّ وجل تدخلها النيابة فتصح فيها الوكالة.

    من حقوق الآدميين مثل: البيع والشراء، والإجارة والقرض ونحو ذلك، فهذه تدخلها النيابة فنقول: تدخلها الوكالة.

    القسم الثاني: ما لا تدخل النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين، فمن حقوق الله مثل: الوضوء لا تدخله النيابة، فلا يصح أن تنيب شخصاً يتوضأ عنك، أو يغتسل عنك، أو يتيمم عنك، أو يصلي عنك، أو يصوم عنك فهذه لا تدخلها النيابة فكذلك أيضاً نقول: الوكالة لا تدخلها.

    وأيضاً مثاله من حقوق الآدميين: القسم للزوجات، فالقسم هذا متعلق بالزوج، فمثلاً: إذا كان عنده زوجتان، يقسم لكل واحدة منهما يوماً وليلة، فهذا القسم لا تدخله النيابة، أي: لا يصح أن يقول الزوج لأخي زوجته: اذهب واجلس عند أختك، الليلة وآنسها فأنا لن آتي! نقول: هذا لا تدخله النيابة، فكذلك أيضاً نقول: لا تدخله الوكالة، فما لا تدخله النيابة من حقوق الآدميين نقول: الوكالة لا تدخله.

    القسم الثالث: ما تدخله النيابة عند العجز عنه فتدخله الوكالة عند العجز عنه، مثال ذلك: الحج والعمرة، فالحج والعمرة تصح النيابة فيهما عند العجز، أما مع القدرة فإن النيابة لا تصح فيهما، وعلى هذا نقول: الوكالة تصح فيهما عند العجز.

    فقوله رحمه الله: (ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ).

    الفسوخ: كالخُلع، والإقالة والعتق والطلاق، فيصح أن يوكل من يعتق رقيقه، ومن يُطلق زوجته، والمراجعة، أي: من يراجع زوجته، نقول: هذا يصح.

    وقوله رحمه الله: (وتملك المباحات؛ من الصيد والحشيش ونحوه).

    أي: تصح الوكالة في مثل هذه الأشياء، وقوله: (ونحوه) كإحياء الموات.

    فيصح أن يوكل من يصيد عنه، ومن يحش عنه، أو من يحيي عنه هذه الأرض الميتة، فقد يوكله بجعل فيوكل هذا الشخص بعوض ليصيد عنه، أو يحش عنه أو يحتطب له، أو يحيي هذه الأرض، ونحو ذلك.

    وقوله رحمه الله: (لا الظهار واللعان والأيمان) أي: الظهار لا تصح فيه النيابة فلا تصح فيه الوكالة، فلا يصح أن ينيب شخصاً فيقول له: ظاهر عني زوجتي! وكلتك أن تظاهر عني زوجتي، نقول: هذا لا يصح؛ لأن الظهار لا يصح أصلاً من الزوج ولا يجوز؛ لأنه منكر من القول وزور، فإذا كان من الزوج لا يجوز وهو محرم من الزوج فكذلك أيضاً من الوكيل الذي هو فرع عن الموكل.

    واللعان أيضاً لا يصح، فلو أن الزوج قذف زوجته بالزنا، فنقول: البينة أو حد في ظهرك أو تلاعن، هذا الأصل في من قذف زوجته بالزنا: البينة أو حد في ظهره أو يلاعن إن لم تكن عنده بينة، ويسقط الحد باللعان، فهل يُنيب غيره أن يُلاعن عنه، أو نقول: لا ينيب؟ نقول: لا يملك أن ينيب؛ لأن هذه الأيمان في اللعان متعلقة بالزوج، لا تصح فيها النيابة ولا تصح فيها الوكالة، ومثلها الأيمان، لو قال: احلف عني أنبتك، وكلتك أن تحلف عني عند القاضي! فالبينة على المدعي، واليمين على من أنكر لكن نقول: لا يدخله النيابة فكذلك أيضاً لا تدخلها الوكالة.

    قال رحمه الله: (وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات).

    أي: تصح الوكالة (في كل حق لله عزّ وجل، تدخله النيابة من العبادات) مثل: إخراج الزكاة، وإخراج الكفارات ككفارة الظهار واليمين والقتل، وأيضاً كإخراج النذر، كذلك الحج والعمرة لمن كان عاجزاً.

    قال رحمه الله: (والحدود في إثباتها واستيفائها).

    أي: تصح الوكالة في إثبات الحد واستيفائه فيصح للإمام أن يوكل من يتولى إثبات الحد، أي أن يذهب للمتهم بحد من الحدود وينظر هل يثبت عليه الحد أو لا يثبت؟ وإذا ثبت أيضاً يصح أن يوكل الإمام من يقيمه عليه.

    ويدل لذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت، فارجمها ) فوكله في إثبات الحد بالاعتراف، ووكله أيضاً باستيفاء الحد.

    1.   

    الحالات التي يجوز للوكيل فيها أن يوكل

    قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وُكل فيه إلا أن يُجعل إليه).

    الوكيل هل له أن يوكل؟ مثال ذلك: رجل وكل شخصاً أن يبيع سيارته، فهل للوكيل أن يوكل غيره في بيع هذه السيارة؟ أو نقول: إنه لا يملك ذلك؟ نقول: هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: قال المؤلف رحمه الله: (إلا أن يُجعل إليه)، أي: أن يؤذن له، كأن يقول له الموكل: وكلتك ولك أن توكل ولك أن تعطي غيرك ليبيع؛ فهذا جائز لوجود الإذن من الموكل.

    القسم الثاني: أن تقوم القرينة على أن للوكيل أن يوكل، كأن تكون الوكالة في شيء كثير يعجز عنه الوكيل، فالوكيل لا يمكن أن يقوم بهذا العمل وحده، كما لو وكله أن يبيع شيئاً كثيراً من خضار أو فواكه، فالقرينة القائمة على أن له أن يوكل، فهو يحتاج إلى من يعينه في هذا الشيء، أو مثلاً لو كان الوكيل ممن لا يتولى هذا الشيء؛ أي ليس من مهنته، كأن يكون مثلاً بعيداً عن تجارة السيارات، ووكل في تجارة السيارات، فربما أنه لو قام بالبيع هو لغبن الموكل، فيحتاج إلى من يعينه في هذه المسألة فالمهم إذا قامت القرينة على أن له أن يوكل فنقول: لا بأس أن يوكل.

    القسم الثالث: ما عدا هذين القسمين: ليس هنا إذن له بالوكالة، ولم تقم القرينة على أنه له أن يوكل، فهل له أن يوكل أو ليس له أن يوكل؟ نقول: جماهير العلماء رحمهم الله على أنه ليس له أن يوكل، وإن أجاز الحنفية في ثلاث مسائل، فقالوا: له أن يوكل فيها، لكن جماهير العلماء على أنه ليس له أن يوكل؛ لأن الموكل إنما رضي تصرف الوكيل ولم يرض غيره، والعقود مبناها على الرضا، هذه قاعدة في العقود.

    1.   

    تكييف عقد الوكالة

    قال المؤلف رحمه الله: (والوكالة عقد جائز).

    ومعنى ذلك: أن لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخها، فمادام أنها عقد جائز فلكل واحد من المتعاقدين أن يفسخها، فالموكل له أن يفسخ، والوكيل له أن يفسخ؛ لأن عقدها عقد جائز، وهكذا هي العقود الجائزة، وسبق أن بينا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    الأول: عقد لازم من الطرفين، ليس لواحد من المتعاقدين أن يفسخه.

    والثاني: عقد جائز من أحد الطرفين.

    والثالث: عقد جائز من كلا الطرفين.

    فالوكالة عقد جائز من كلا الطرفين، فالموكل له أن يفسخ؛ لأن الوكالة من جهة الموكل إذن، والوكيل أيضاً له أن يفسخ؛ لأن الوكالة من جهة الوكيل بذل منفعة ليس ملزماً بها، فهي من جهة الموكل إذن له أن يرجع فيه، ومن جهة الوكيل بذل منفعة وتبرع فله أن يرجع فيه.

    1.   

    مبطلات الوكالة

    قال رحمه الله: (وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في ذكر مبطلات الوكالة، فالوكالة تبطل بعدة أشياء:

    الأول: فسخ العقد

    الشيء الأول: قال المؤلف رحمه الله: (بفسخ أحدهما) فإذا فسخها أحدهما بطلت الوكالة، كما تقدم أن الوكالة عقد جائز، فإذا فسخ الوكيل بطلت، وإذا فسخ الموكِّل نقول بأنها تبطل، لكن لو أن الموكل فسخ فإنه -كما سيأتينا إن شاء الله- يشترط علم الوكيل بالفسخ، وإلا فإن تصرفات الوكيل لازمة حتى يعلم الفسخ كما سيأتي إن شاء الله.

    فالأول من مبطلات الوكالة: الفسخ؛ فسخ الوكيل أو الموكل.

    وسبق أن ذكرنا القاعدة: أن العقود الجائزة إذا كان يترتب عليها مضرة فإنها تكون لازمة في حق غير المتضرر، وجائزة في حق المتضرر، وابن رجب رحمه الله ذكر هذه القاعدة -الفسوخ في العقود الجائزة- وأنه إذا كان يترتب عليها ضرر فلابد من جبر الضرر، وإلا فإنها تكون لازمة في حق غير المتضرر، أما المتضرر فالأمر إليه.

    الثاني: موت الموكل

    قال رحمه الله: (وموته).

    وهذا هو الثاني من مبطلات الوكالة، أما الوكيل إذا مات فالأمر ظاهر، لكن إذا مات الموكل هل تبطل وكالة الوكيل؟ نقول: نعم تبطل وكالته، وليس له أن يتصرف، لماذا؟ لأن المال انتقل إلى الورثة والورثة لم يوكلوه، إنما الذي وكله مورثهم.

    الثالث: الجنون

    الثالث: أيضاً من المبطلات: الجنون؛ جنون الوكيل أو جنون الموكل، فإذا جُن الوكيل بطلت الوكالة؛ لأنه ليس من أهل التصرف، وتقدم لنا أن شروط الوكالة: أن يكون الوكيل جائز التصرف، كذلك أيضاً جنون الموكل؛ فإذا جُن الموكل فإن الوكالة تبطل، وهذه المسألة تحدث كثيراً اليوم، كيف ذلك؟ قد يكبر الشخص وعنده مال ووكل أناساً يبيعون له ويشترون، ثم بعد ذلك يُخرف فما حكم وكالة الوكلاء؟ نقول: وكالة الوكلاء بطلت، لماذا؟ لأن الموكل الآن ليس جائز التصرف.

    نحن ذكرنا أن من شروط الوكالة: أن يكون الموكل جائز التصرف، فإذا خرف، فإن الوكالة تبطل، أو مثلاً أصيب بجلطة، وأصبح لا يُحسن التصرف، وقد وكل شخصاً أن يبيع ويشتري له، فما حكم الوكالة هنا؟ نقول: هذه الوكالة هنا تبطل، لأن الموكل الآن لم يصبح جائز التصرف، اختل عنده العقل ففقد الأهلية.

    الرابع: عزل الوكيل

    قال رحمه الله: (وعزل الوكيل).

    هذا المبطل الرابع: عزل الوكيل، أي: لو أن الموكل عزل الوكيل بطلت وكالة الوكيل، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن الوكالة تبطل ولو لم يعلم الوكيل بالعزل، لأنه يكون وكله أن يبيع السيارة، فذهب الوكيل لكي يبيع السيارة، فلما ذهب قال: عزلت فسخت! فالوكالة تبطل، فتصرفه الآن باطل، فلو باع الوكيل فالبيع باطل؛ لأنه ليس مالكاً بالتصرف لأنه انعزل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية وكذلك أيضاً الشافعية، واختاره شيخ الإسلام أن الوكيل: لا ينعزل إلا بالعلم، فلابد أن يعلم فإذا كان لم يعلم فالتصرفات قبل العلم حكمها صحيحة؛ فلا ينعزل الوكيل إلا بالعلم؛ لأننا لو قلنا: إنه ينعزل بمجرد العزل سيترتب على ذلك ضرر؛ لأنه ربما يبيع الجارية أو توطأ، ربما أنه يبيع السيارة، والمشتري يبيع السيارة، فيكون باع شيئاً لا يملكه.

    وأعظم من ذلك: أنه ربما يقتص وقد عزله! فيؤدي ذلك إلى سفك الدم وهو لا يملك سفك الدم! وسيأتينا من الفروق بين القصاص والحدود: أن الحد يقيمه الإمام، وأما القصاص فالذي يتولى إقامته هو ولي الجناية، وله أن يوكل في ذلك، فقد يوكل ثم يعزل الموكل، فيقوم يقتص وهو لا يملك القصاص! فمادام إنه يترتب على ذلك العزل ضرر، فنقول: بأن الوكيل لا ينعزل إلا بعلمه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    الخامس: حجر السفيه

    قال رحمه الله: (وبحجر السفيه).

    الحجر حجران: حجر لسفه وهو الذي لا يحسن التصرف في ماله، وحجر لفلس، والمفلس هو: المدين الذي دينه أكثر من ماله، فالحجر لفلس لا يبطل الوكالة؛ لأنه رشيد، لكن الحجر لسفه هذا يبطل الوكالة.

    فمثلاً: هذا الرجل رشيد ثم أصبح لا يحسن التصرف في ماله، فصار محجوراً عليه لسفه، فما دام أنه لا يحسن التصرف في ماله فهو محجور عليه لسفه، وقد وكل لما كان رشيداً من يبيع ويشتري له، فنقول: تبطل وكالته؛ لأنه هو لا يملك التصرف الآن، ووكيله أيضاً لا يملك التصرف؛ لأن وكيله فرع عنه، فمادام أن الأصل الآن أصبح لا يملك التصرف فنقول: أيضاً وكيله فرعه لا يمكن تصرفه.

    أما الحجر لفلس فإن المفلِّس رشيد لا تبطل وكالته، فمثلاً: زيد وكل عمراً لكي يبيع السيارة، وعمرو قد حجرنا عليه لكونه مدين، مع أنه رشيد يحسن التصرف! فهل تبطل وكالته أو لا تبطل؟ نقول: وكالته لا تبطل.

    1.   

    تصرفات الوكيل

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده).

    هنا الآن أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر ما يتعلق بتصرفات الوكيل، والحنفية هم أوسع الناس فيما يتعلق بتصرفات الوكيل، والقاعدة في تصرفات الوكيل: أننا نرجع إلى الشروط اللفظية، فإذا كان هناك شروط لفظية بين الموكل والوكيل بأن قال له: اعمل كذا، اعمل كذا.. إلى آخره، فيُرجع إليها، وإذا لم يكن هناك شرط لفظي فنرجع إلى الشروط العرفية (أعراف الناس) وإذا لم يكن فنرجع إلى كلام العلماء رحمهم الله، هذه هي القاعدة.

    بيع وشراء الوكيل لنفسه وولده

    من تصرفات الوكيل، هل له أن يبيع ويشتري من نفسه وولده؟ من أصوله وفروعه؟ ممن لا تُقبل شهادته له أو لا؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى.

    فالرأي الأول: وهو المذهب أن الوكيل لا يملك أن يبيع وأن يشتري من نفسه ولا من أصله ولا من فرعه، ولا ممن لا تُقبل شهادته له.

    فلو وكله أن يبيع السيارة فلا يشتريها لنفسه، ولو وكله أن يشتري أرضاً فلا يشتري من أبيه، ولا يشتري من ابنه، هذا المشهور من المذهب، وهو أيضاً قول الحنفية؛ لعلتين:

    العلة الأولى: التهمة، فلو باع من أصوله أو فروعه، أو اشترى منهم، لحقه التهمة لأنه ربما لا يستقصي بالنسبة للثمن لهم.

    والعلة الثانية: قالوا: لأن العُرف في البيع هو أن يبيع الرجل من غيره لا أن يبيع الرجل من نفسه.

    الرأي الثاني: أن هذا جائز إذا لم يكن هناك محاباة، وهذا قول المالكية، إلا أنهم استثنوا إذا اشترى من صغار أو سفهاء، وعلى كل المالكية يقولون: إذا لم يكن هناك محاباة فلا بأس أن يشتري من نفسه، إذا كان هذا هو ثمن السلعة في السوق، بمعنى إذا عُرضت في السوق وأصبح هذا هو الثمن فقالوا: المحاباة الآن انتهت وانتفت، وهذا القول قوي، أي: رأي المالكية، ويمكن أنه يُفرق بين الأشياء اليسيرة والأشياء الكثيرة، مثل العقارات ونحوها، فهذه لو رُجع فيها إلى القاضي ليكون أحوط في درء الفتنة.

    فمادام أن العلة هي التهمة، فالمحاباة الآن انتفت، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيظهر والله أعلم أن ما ذهب المالكية رحمهم الله تعالى في هذه المسألة أقوى من القول الأول.

    ومثل ذلك أيضاً ناظر الوقف، والوصي على الأيتام، هل له أن يشتري ويبيع من نفسه؟ الحكم في هذه المسألة كالحكم في المسألة السابقة.

    بيع الوكيل سلعة موكله بعرض

    قال رحمه الله: (ولا يبيع بعرض).

    هذه من تصرفات الوكيل، يقول المؤلف: (لا يبيع بعرض) أي: لو وكله أن يبيع السيارة فلا يبعها بسيارة ثانية، بل لابد أن يبيعها بالنقد؛ لأن هذا هو العُرف، فلا يبعها بسيارة، ولا بطعام، ولا بملابس؛ لأن العُرف إذا وكله في البيع أنه يبيع بنقد، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية أنه يصح أن يبيع بعرض؛ لأن البيع مطلق، والبيع المطلق مبادلة مال بمال، وهذا الآن مبادلة مال بمال، والصحيح رأي الجمهور: أنه لا يملك كما ذكرنا في القاعدة أنه يُرجع للشروط اللفظية، ثم الشروط العرفية، ثم كلام العلماء.

    بيع الوكيل سلعة موكله بالمؤجل وبغير نقد البلد

    قال رحمه الله: (ولا نسأ مؤجل).

    لا بيع بالمؤجل، فلو قال: بع السيارة، فإطلاق البيع هذا يكون بنقد، فلو ذهب الوكيل وباعها بثمن مؤجل، هل يملك ذلك أو لا يملك؟ الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة، فنقول: لا يملك.

    قال رحمه الله: (ولا بغير نقد البلد).

    هل يملك أن يبيع بغير نقد البلد أو لا يملك؟ فمثلاً: نقد البلد ريالات فباع بجنيهات، الجمهور على أنه لا يملك، وذكرنا رأي أبي حنيفة أنه يملك.

    بيع الوكيل بأقل من ثمن المثل

    قال رحمه الله: (وإن باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قُدر له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له، صح وضمن النقص والزيادة).

    هذه أيضاً من تصرفات الوكيل، فلو باع بأقل من ثمن المثل، فهذه المسألة لها حالتان:

    الحالة الأولى: أن يُقدر الموكل الثمن، ثم يخالف الوكيل، فلو قال الوكيل: خذ السيارة بعها بعشرة آلاف أو اشتر سيارة بعشرة آلاف، فذهب الوكيل وباع السيارة بتسعة آلاف، فنقول: يضمن لأنه خالف، والمسلمون على شروطهم، وكما ذكرنا في القاعدة أنه يُرجع إلى الشروط اللفظية فإن لم يكن فالعرفية، فإن لم يكن فإلى كلام العلماء، فمادام أنه قدّر فتقيد بما قدر.

    فلو قال: بع السيارة بعشرة آلاف ريال، فجاء وباعها بتسعة آلاف وتسعمائة، فيضمن الوكيل إلا إن رضي الموكل فالأمر إليه، أو قال له: اشتر بعشرة آلاف، فذهب واشترى بأحد عشر ألفاً فنقول: الشراء صحيح لكن يضمن الزيادة؛ لأنه لم يؤذن له في هذه الزيادة، هذا القسم الأول: أن يُقدر الموكل للوكيل الثمن.

    الحالة الثانية: لم يقدّر، بل قال للوكيل: اذهب وبع السيارة، والسيارة بعشرة آلاف ريال، فباعها بتسعة آلاف فنقول: هذا تحته حالتان:

    الحالة الأولى: أن يكون هذا النقص مما يتغابن به الناس، أي قال: بع السيارة، والسيارة قيمتها عشرة آلاف فباعها بتسعة آلاف وتسعمائة، أو تسعة آلاف وثمانمائة، فمثل هذه الأشياء يتغابن بها الناس، وهذا يختلف باختلاف السلع من جهة كثرة الثمن، وقلة الثمن، فإذا كان هذا مما يتغابن به الناس فهنا نقول: لا شيء عليه؛ لأن هذا مما جرى به العُرف، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    الحالة الثانية: أن يكون مما لا يتغابن به الناس، فمثلاً: السيارة قيمتها عشرة آلاف وباعها بتسعة آلاف ريال! فالناس لا يتغابنون بمثل هذا، إنما يتغابنون بخمسين أو بمائة ريال مثلاً، لكن بألف ريال هذا كثير! أو السيارة قيمتها عشرة آلاف فباعها بثمانية آلاف فهذا كثير، لكن هل يضمن أو لا يضمن النقص؟ المشهور من المذهب أنه يضمن ويُعفى عنه بما يتغابن به الناس؛ لأن العادة جرت بذلك، لكن ما لا يتغابن به الناس -مثل ألف أو ألفين- فهذا يظهر أن عنده تفريط.

    والرأي الثاني في المسألة: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أنه إذا اجتهد واحتاط ولم يظهر منه التفريط؛ فإنه لا ضمان عليه لأنه أمين والأمين لا يضمن إلا في التعدي أو التفريط؛ لأنه قد يجتهد ويبذل جهده لكن يخرج الشيء عن يده! وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوي؛ لما ذكرنا في العلة من أنه أمين ومادام أنه أمين فإنه لا يضمن إلا في حال التعدي والتفريط.

    بيع الوكيل بأزيد من الثمن أو ما فيه مصلحة

    قال رحمه الله: (وإن باع بأزيد أو قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالاً، أو اشتر بكذا حالاً، فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا).

    هذه مسائل ظاهرة (باع بأزيد) قال: بع بعشرة آلاف، فباعها بأحد عشر ألفاً، أو ثمنها عشرة آلاف فباعها بأحد عشر ألفاً، والأمر في هذا ظاهر بأن البيع هنا صحيح، والوكالة صحيحة.

    ومثله أيضاً (أو قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالاً)، قال: بع السيارة بعشرة آلاف ريال مؤجلة، فباعها بعشرة آلاف ريال حالة، فيصح، لكن المؤلف رحمه الله قال: بشرط أن لا يكون فيه ضرر؛ لأن الوكيل قد يكون له هدف من كونه مؤجلاً، فهو لا يريدها الآن حالة، وإذا كانت حالة قد لا يكون عنده مكان يحفظ فيه النقود، أو قد يكون هناك مكان غير آمن مثلاً، فإذا كان فيه ضرر فنقول: لا يصح، لكن إذا لم يكن هناك ضرر فهل يصح أو لا يصح؟ نقول: يصح؛ لأنه زاده خيراً.

    قوله: (أو اشتر بكذا حالاً فاشترى به مؤجلاً) أيضاً هذا فيه فائدة له، فلو قال: اشتر السيارة بعشرة آلاف ريال حالة، فاشتراها بعشرة آلاف ريال مؤجلة، فهل زاده خيراً أو لا؟ نعم زاده خيراً، فمادام أنه زاده خيراً فيقول المؤلف رحمه الله: يصح ذلك بشرط عدم الضرر، فإن كان هناك ضرر فلا يصح؛ لأنه قد يكون -مثلاً- عنده دراهم يريد أن يسلمها الآن لأنه لا يأمن عليها، فقال: اشتر بعشرة آلاف ريال حالة، فاشترى بعشرة آلاف ريال مؤجلة، والموكل يخاف على هذه الدراهم، ويلحقه ضرر بتأجيلها! فنقول: لا يصح.