إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [25]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلح بالنسبة للمدعي يعتبر بيعاً وبالنسبة للمدعى عليه يعتبر إبراءً، والصلح في الحقوق قسمان: قسم يتعلق بحقوق الله، وقسم يتعلق بحقوق الآدميين، فالأول: لا يجوز الصلح على إسقاطه، والثاني: يجوز الصلح على إسقاطه في الجملة.

    1.   

    تابع القسم الثاني: الصلح على الإنكار

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهو للمدعي بيع يرد معيبه ويفسخ الصلح ويؤخذ منه بشفعة وللآخر إبراء، فلا رد ولا شفعة، وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام. ولا يصح بعوض عن حد سرقة وقذف ولا حق شفعة وترك شهادة، وتسقط الشفعة والحد، وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره، أزاله، فإن أبى لواه إن أمكن، وإلا فله قطعه، ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق، لا إخراج روشن وساباط ودكة وميزاب، ولا يفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك بلا إذن المستحق، وليس له وضع خشبة على حائط جاره إلا عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلا به، وكذلك المسجد وغيره، وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه، أجبر عليه، وكذا النهر والدولاب والقناة ].

    تقدم لنا: ما يتعلق بأن الصلح يكون على الدين، والصورة الثانية أن يكون على عين، وكذلك -أيضاً- صلح الإنكار؛ إما أن يكون على دينٍ أو أن يكون على عين، وذكرنا في صلح الإقرار أنه إذا ادعى عليه ديناً وأقر بالدين، ثم أسقط بعضه، فهو أسقطه تبرءاً، لكن لو أقر بالدين وصالحه على سيارة، أي: أن يعطيه بدل هذا الدين سيارة، فهذا حكمه حكم البيع، هذا بالنسبة لصلح الإقرار.

    وأما بالنسبة لصلح الإنكار: فهو للمدعي بيع؛ لأنه يأخذ المال المصالح عليه مقابل ما يعتقده من ماله، ويدعيه من ماله، فهو بالنسبة للمدعي بيع، وأما بالنسبة للمدعى عليه فهو إبراء، يعني المدعى عليه يبذل هذا المال لكي يبرئ نفسه من اليمين أمام القاضي، فإذا ادعى عليه ديناً وأنكر ثم صَالح وقال: خذ هذا الألف الريال، فهذا إبراء بالنسبة للمدعى عليه، لكن بالنسبة للمدعي فهذا حكمه حكم البيع؛ لأنه يأخذه مقابل ما يعتقده من أنه مال له.

    قال رحمه الله: (وهو للمدعي بيع يرد معيبه، ويفُسخ الصلح، ويؤخذ منه بشفعة، وللآخر إبراء فلا رد ولا شفعة).

    تقدم الكلام على هذا، فهو للمدعى عليه إبراء؛ لأنه يدفع هذا المال المصالح عليه افتداء ليمينه وإبراء لنفسه، ولهذا قال المؤلف: ( فلا رد ولا شفعة )، فلو حصل بهذا المال المصالح عليه عيب فإنه لا يملك الفسخ؛ لأنه ليس بيعاً، وإنما هو إبراء، كذلك أيضاً لا تجري فيه الشفعة.

    مثال ذلك: ادعى عليه ديناً قدره عشرة آلاف ريال فأنكر، قال: أنت لا تسألني شيئاً، أو سكت وهو يجهل، ثم بعد ذلك المدعى عليه صالح المدعِي، وأعطاه جزءاً له من أرض مشاعة، هل هذا في حكم البيع بالنسبة للمدعى عليه بحيث إن شريكه يملك أن يشفع المدعي، أو نقول بأنه ليس في حكم البيع؟ لو قلنا بأنه في حكم البيع فشريك المدعى عليه يشفع على المدعي؛ لأن هذا النصيب انتقل للمدعي.

    أعيد الصورة، قال المؤلف: (لا شفعة). هذا زيد ادعى على عمرو عشرة آلاف، وعمرو أنكر، ثم تصالحا على أن يعطيه نصيبه من الأرض التي هي مشتركة مع صالح، عمرو -المدعى عليه الذي أنكر الدين- سيعطي زيداً -المدعي- نصيبه من الأرض المشتركة مع صالح، اتفقا على ذلك، وأخذ زيد هذا النصيب، هل لصالح أن يُشفع على زيد أو ليس له أن يُشفع على زيد؟، نقول: ليس له أن يشفع على زيد؛ لأن هذا ليس في حكم البيع بالنسبة للمدعى عليه، هذا إبراء، هو ما باع، هذا معنى قول المؤلف رحمه الله: (لا شفعة).

    وأيضاً: ليس فيها رد بالنسبة للمدعى عليه؛ لأنه ليس في حكم البيع.

    مثال ذلك: زيد ادعى على عمرو، قال: هذا الكتاب الذي بيدك لي، فأنكر عمرو قال: لا، الكتاب ليس لك، ثم صالحه وقال: هذه عشرة ريالات، ثم إن المدعى عليه وجد في الكتاب عيباً، فهل له الحق في الفسخ أو ليس له الحق في الفسخ؟ نقول: ليس له الحق في الفسخ؛ لأن هذا بالنسبة للمدعى عليه إبراء، ليس له حق الفسخ، لكن لو كان العكس هل للمدعي الحق في الفسخ أو ليس له الحق في الفسخ؟ نقول: له الحق؛ لأنه بالنسبة للمدعِي بيع.

    فمثلاً: زيد ادعى على عمرو أنه يريد منه ديناً قدره عشرة آلاف، فأنكر عمرو ثم أعطاه كتاباً أو أعطاه سيارة فوجد المدعِي في هذا الكتاب أو في هذه السيارة عيباً، فهل له الحق في الفسخ أو ليس له الحق في الفسخ؟ له الحق؛ لأنه بيع بالنسبة للمدعي.

    وكذلك أيضاً لو أن المدعي أعطاه نصيبه المشترك مع صالح، فهل لصالح الشريك أن يُشفع أو ليس له أن يُشفع؟ له أن يُشفع؛ لأنه بالنسبة للمدعي بيع، أما المدعى عليه فكما تقدم أنه إبراء وافتداء لليمين.

    قال رحمه الله: (وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام).

    هذا صحيح، إذا كان أحدهما كاذباً ،كذب المدعي في دعواه أو كذب المنكر في إنكاره، فما أخذه من المال محرم ولا يجوز: ( ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه )، فمثلاً: ادعى عليه ديناً، قال: لي عليك عشرة آلاف ريال وهو كاذب، والمدعى عليه -بدلاً من أن يذهب المدعي إلى القاضي ويحضره ويحلفه- قال: خذ هذه ألف ريال، والمدعي يعلم أنه كاذب، ما الحكم هنا بالنسبة لما أخذه من المال؟ نقول: حرام، والصلح في حقه محرم.

    وكذلك أيضاً لو أن المدعى عليه يعلم أن المدعِي صادق لكن أنكر لكي يسقط، نقول: ما أخذه من المال حرام، وما أُسقط عنه فإنه محرم ولا يجوز له.

    فمثلاً: قال: لي عليك عشرة آلاف ريال وأنكر وهو يعلم أنه صادق في دعواه، ثم تصالحا على أن يعطيه خمسة آلاف أو يعطيه سيارة قيمتها خمسة أو سبعة آلاف، هل هذا جائز بالنسبة للمدعى عليه أو ليس جائزاً؟ نقول: هذا ليس جائزاً ويحرم عليه أن يأخذ المال بهذه الطريقة.

    1.   

    الصلح في الحقوق

    قال رحمه الله: (ولا يصح بعوض عن حد سرقة وقذف).

    الصلح في الحدود

    هذا صحيح لا يصح الصلح في إسقاط الحدود، الصلح في الحدود: هو إقامتها، أما إسقاطها فهذا ليس من الصلح بل هو الظلم والجور، فلو أن رجلاً سرق من رجل فأمسكه، فقال: هذه ألف ريال ولا ترفع بي إلى القاضي، ما الحكم هنا؟ هذا محرم ولا يجوز؛ لأن الحدود لم تُشرع لجلب المال والكسب.

    أو مثلاً: وجده يزني، فقال: هذا مال قدر كذا وكذا، ولا ترفع بي، فهذا نقول: بأنه محرم ولا يجوز.

    أو مثلاً: قذفه، فقال له: يا لوطي أو يا زانٍ وغير ذلك من ألفاظ القذف فقال: خذ خمسة آلاف ريال، واتركني، فنقول: هذا الصلح محرم ولا يجوز؛ لأن حد القذف شُرع للدرء عن أعراض المعصومين، ولم يُشرع حد القذف للكسب والتجارة والربح، فنقول بأن هذا محرم ولا يجوز.

    وبهذا نعلم: أن الصلح بالنسبة للحقوق ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما يتعلق بحقوق الله عز وجل، من الصلاة والزكاة والصيام والحج والحدود وغير ذلك، فالصلح فيها إقامتها وعدم تعطيلها، وتعطيلها هو الظلم والجور وخلاف الصلح، فلو أنه صَالح، قال: هذه ألف ريال واتركوني أنام ولا أصلي؟ هل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: لا يصح، وهذا الصلح محرم ولا يجوز.

    فالصلح في حقوق الله هو إقامتها وعدم تعطيلها، ولا مدخل للصلح في حقوق الله عز وجل.

    وأما حقوق الآدميين فالصلح له مدخل فيها، وهذا في الجملة، وإلا فمن حقوق الآدميين ما لا يدخله الصلح، كما ذكر المؤلف رحمه الله، حد القذف -كما سيأتينا في كتاب الحدود- أنه يغلب فيه حق الآدمي.

    وعلى هذا؛ فإنه لو قذفه، وقال: خذ كذا ولا ترفع بي، نقول بأن هذا محرم، ولا يجوز، لكن القصاص في قتل العمد، هذا المغلب فيه حقوق الآدميين، يصح الصلح فيها، ووردت به السنة، وكما سيأتينا في باب القصاص: القصاص عند الجناية على النفس أو على ما دون النفس، يصح الصلح في ذلك.

    الصلح في حق الشفعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا حق شفعة).

    أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح الصلح في حق الشفعة. صورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، وزيد باع نصيبه على صالح، من الذي يشفع الآن؟ عمرو الشريك يشفع على صالح المشتري، يعطيه ما دفعه لشريكه زيد، ويأخذ النصيب كله، فلو أن صالحاً قال لعمرو: لا تُشفع، واتركني في نصيب زيد، وأنت تبقى في نصيبك، وخذ كذا وكذا من المال يصالحه على ترك الشُفعة هل يصح الصلح أو لا يصح الصلح؟

    أُعيد الصورة زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، زيد باع نصيبه على صالح، صالح حل محل زيد في الأرض، عمرو له حق الشُفعة له أن يُشفع على صالح فيعطيه ما دفعه لشريكه زيد ويأخذ جميع النصيب، فقال صالح -المشتري- لعمرو: لا تُشفع، وهذه كذا وكذا من الدراهم، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ قال المؤلف رحمه الله: لا يصح ذلك؛ لأن الشفعة شُرعت لدفع الضرر المتوقع من الشريك الجديد، فلكي يستقل الشريك الذي هو عمرو بكل النصيب ويدفع الضرر؛ لأنه سيكون له شريك -وهو صالح- بدل زيد ربما يلحقه ضرر بذلك شُرع له الشفعة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني في المسألة: والذي رجحه الشيخ السعدي رحمه الله وغيره من أهل العلم: أنه يصح الصلح عن حق الشفعة؛ لأن هذا حق مالي، وإذا كان حقاً مالياً فله أن يعاوض عنه، وهذا القول هو الصواب.

    الصلح في الخيار

    ومثل ذلك أيضاً حق الخيار، خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب، فمثلا خيار المجلس باعه السيارة، المتبايعان في مجلس العقد لكل واحد منهما الفسخ، فمثلاً: البائع قال للمشتري: لا تفسخ، أسقط حقك من خيار المجلس ولك خمسمائة ريال، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ المؤلف يقول: لا يصح، والمشهور من المذهب أن هذا لا يصح.

    ومثله أيضاً خيار الشرط، لو أنه اشترى البيت وقال: لي الخيار لمدة يومين، فقال البائع: أسقط خيار الشرط لكي يكون العقد لازماً وهذا ألف ريال، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ المشهور من المذهب أن هذا لا يصح.

    والصحيح في ذلك: أن الصلح صحيح؛ لأن هذه حقوق مالية، هم يقولون: لا يصح الصلح عن حق الخيار؛ لأن حق الخيار ما شُرع لاستمالة المال، وإنما شُرع لكي ينظر ما هو الأحظ له، هل يفسخ أو لا يفسخ؟ والصواب في هذه المسألة: أن الصلح عن حق الخيار جائز ولا بأس به.

    ويدل على صحة الصلح أنهم يقولون: يصح الصلح عن العيب بقليل وكثير، فمثلاً هذا رجل اشترى سيارة ثم وجد في السيارة عيباً، هل له حق الفسخ أو ليس له حق الفسخ؟ له حق الفسخ، لكن قال البائع: لا تفسخ هذا البيع خذ ألف ريال عن العيب، هل يصح أو لا يصح؟ المذهب أنه: يصح.

    أو مثلاً: اشترى بيتاً ثم وجد في البيت عيباً، فقال البائع للمشتري: خذ هذا الألف الريال عن العيب الموجود في البيت. صح ذلك، وهذا الكلام يدل على أمرين:

    الأمر الأول: أن ما تقدم من القول بصحة الصلح عن حق الشفعة أو حق الخيار، هو الصواب.

    والأمر الثاني: يدل على أن الصلح يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره؛ لأن المشتري قد يطالب بالأرش، ما ندري كم الأرش، ربما يكون الأرش ألفين، يعني: هو الآن اشترى سيارة مثلاً بخمسين ألف، والمشتري وجد فيها عيباً لو ذهبنا نقدر العيب عند أهل الخبرة ربما يكون بألف، ربما يكون بألفين، ربما يكون بخمسة آلاف، لكن لو قال: خذ ألف ريال وانتهينا، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ يصح؛ لأن الصلح يتوسع فيه.

    الصلح عن الأشياء المجهولة والميراث

    ومن ذلك أيضاً: الصلح عن الأشياء المجهولة، مثلاً: أنا أخذت من زيد ديناً فضاعت الوثيقة ما ندري كم الدين، فتصالحنا على أن يعطيني ألف ريال عن الدين الذي في ذمته هل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول بأن هذا صحيح.

    ومن ذلك أيضاً المواريث، مثلاً زيد يرث من عمرو، وأراد أن يخرج من هذا الميراث، فصالح بقية الورثة على أن يعطوه عشرة آلاف أو عشرين ألفاً، ويخرج، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ هذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم، لكن إذا نظرنا إلى القاعدة العامة، أن الصلح يقصد منه دفع الخلاف والشقاق فأن هذا صحيح ولا بأس به.

    الصلح على ترك شهادة

    قال رحمه الله: (وترك شهادة).

    ترك شهادة سواء كانت هذه الشهادة بحق أو بباطل، فلا يصح الصلح على ترك شهادة، لو أنه صَالح زيداً على ألا يشهد عند القاضي سواء كانت الشهادة بحق أو بباطل فنقول بأن هذا الصلح محرم ولا يجوز؛ إذ لا يجوز للشاهد أن يأخذ العوض، فإذا كانت الشهادة بحق فيجب على الشاهد أن يؤدي الشهادة، وإن كانت الشهادة بباطل فلا يجوز له أن يؤدي الشهادة، وما يأخذه من العوض مقابل ترك الشهادة سواء كانت بحق أو باطل، نقول بأنه محرم، ولا يجوز. والصلح في الشهادة هو أن تقيمها كما علمت.

    سقوط الشفعة والحد بالصلح على إسقاطهما

    قال رحمه الله: (وتسقط الشفعة والحد).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح الصلح عن حق الشفعة على المذهب، وتسقط الشفعة؛ لأنه رضي بإسقاط الشفعة، ولم يأخذ على الفور.

    مثلاً: قال المشتري للشريك الذي سيشفع عليه: لا تشفع هذه خمسة آلاف ريال، فأخذها الشريك، مثلاً زيد وعمرو شريكان، زيد باع على صالح، فقام عمرو يشفع على صالح، وصالح المشتري قال لعمرو: لا تشفع وهذه خمسة آلاف ريال فأخذها عمرو ورضي بالصلح، قلنا له: على المذهب هذا الصلح لا يجوز، ويجب عليك أن ترد المال لصالح المشتري، فهل يسقط حقه من الشفعة، أو لا يسقط؟ قال المؤلف: يسقط حقه من الشفعة؛ لأنه رضي بالإسقاط في أول الأمر؛ ولأن الشفعة أيضاً من شروطها كما سيأتينا أنها على الفور، فيسقط حقه من الشفعة.

    وهذا على القول: بأنه لا يصح الصلح عن حق الشفعة، لكن إذا قلنا: بأن الصلح يصح عن حق الشفعة، فالأمر في ذلك ظاهر، نقول: الصلح صحيح، وإذا قلنا بأنه غير صحيح فالحق يكون باقياً للشريك.

    قال رحمه الله تعالى: (والحد).

    يعني: حد القذف، أما حد السرقة والحدود التي يُغلب فيها حق الله عز وجل، فهذه لا تسقط بالمصالحة، لكن لو أن شخصاً صَالح من قذفه على أن يعطيه ألف ريال ولا يرفعه إلى القاضي، قلنا بأن هذا الصلح محرم ولا يجوز.

    فلو قام برفعه آجلاً، هل يسقط حقه في حد القذف أو لا يسقط؟ يقول المؤلف رحمه الله: يسقط؛ لأنه رضي بالإسقاط وأخذ العوض، وتبين أن العوض أصبح محرماً، والحد ساقط، وهذا القول هو الصواب: أنه يسقط حقه كما ذكر المؤلف رحمه الله؛ لأنه رضي بإسقاط الحد، لكن يبقى حق الله عز وجل؛ لأن حد القذف فيه حق الله وحق الآدمي وإن كان يُغلب فيه حق الآدمي، لكن يبقى حق الله وهو التعزير فنقول: سقط الحد، ويُعزر القاضي.

    1.   

    أحكام الجوار

    قال رحمه الله: (وإن حصل غصن شجرة في هواء غيره أو قراره أزاله، فإن أبى لواه إن أمكن، وإلا فله قطعه).

    شرع المؤلف رحمه الله في ذكر شيء من أحكام الجوار. ‏

    تعريف الجوار لغةً واصطلاحاً

    والجوار في اللغة: يطلق على معانٍ منها: المساكنة والعهد والأمان. وأما في الاصطلاح فاختلف العلماء رحمهم الله في ضابط الجار على أقوال:

    فالرأي الأول: أن الجار هو الملاصق، يعني: هو الذي جداره يلاصق جدارك.

    والرأي الثاني: أن الجار أربعون بيتاً من كل جانب، وهذا كان في الزمن السابق لما كانت البيوت صغيرة.

    والرأي الثالث: أن الجيران هم الذين يجمعهم مسجد الحي، وهذا القول قريب.

    والرابع: -وهو أصح الآراء- أن الجار يُرجع في تحديده إلى العُرف، فما تعارف الناس على أنه جار فهو جار، وهذا يختلف باختلاف الزمان واختلاف المكان، وعندنا قاعدة سبقت وهي: قاعدة العادة مُحكمة أو قاعدة العُرف، وما ورد مطلقاً على لسان الشارع كما سلف أي: لم يحده الشارع، فإننا نرجع إلى العُرف في حده وضبطه، وهذا القول هو الصواب.

    تدلي غصن الشجرة في هواء الجار أو العرق في قرار الجار

    ومن الأحكام المتعلقة بالجيران: قال رحمه الله: (وإن حصل غصن شجرة في هواء غيره أو قراره).

    (في هواء غيره) كما تقدم في باب بيع الأصول والثمار: أنه إذا اشترى أرضاً ماذا يملك؟ يملك الهواء إلى السماء، ويملك القرار إلى الأرض السابعة، فلو أنَّ غصن الشجرة تدلى على الجار، أو العروق من الأسفل امتدت إلى قرار الجار، فالجار له مالك للهواء، له أن يزيل هذا الغصن؛ لأن الهواء له والقرار له، وله أن يزيل هذه العروق، وقد ذكر المؤلف رحمه الله لذلك مراتب:

    المرتبة الأولى: قال: (أزاله) يعني: يُلزَمُ الجار بأن يزيل هذا الغصن عن هواء جاره، أو العروق عن قراره.

    قال: ( فإن أبى ) وهذه المرتبة الثانية ( لواه إن أمكن ) إذا أمكن للجار أن يلويه يبعده عن هوائه.

    قال لك المؤلف رحمه الله: لواه، وإذا لم يتمكن من ليه يقطعه، فهذه ثلاث مراتب.

    المرتبة الأولى: أزاله صاحبه، فإذا أبى صاحبه أن يزيله، فإن الجار له أن يلويه، فإذا لم يتمكن من ليه، فله أن يقطعه، -وهذا من باب دفع الصائل- يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإذا لم يندفع إلا بالقطع فله أن يقطعه.

    وهناك مرتبة لم يذكرها المؤلف رحمه الله تعالى: وهي ما إذا تصالحا على ثمرة الغصن، كما لو قال المالك: لك نصف الثمرة، ولي نصف الثمرة، واترك هذه الأغصان، أو لك الربع ولي ثلاثة أرباع، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ إذا تصالحا على شيء من الثمرة فالمذهب أن هذا جائز ولا بأس به.

    أيضاً بقيت مرتبة أخرى وهي: إذا صالحه على عوض، قال له: اترك هذا الغصن، ولك كذا وكذا، أعطيك مثلاً: مائة ريال أو مائتي ريال ونحو ذلك هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ إذا صالحه على عوض فالمشهور من مذهب الحنابلة أن هذا غير جائز، والصحيح: أنه لا فرق، سواء صالحه على عوض أو صالحه على شيء من الثمرة، فالصحيح في ذلك أنه لا فرق وأن هذا جائز.

    فتح الأبواب للاستطراق

    قال رحمه الله: (ويجوز في الدرب النافذ).

    وهنا أيضاً ذكر المؤلف رحمه الله شيئاً من أحكام المرافق العامة كالطرق ونحو ذلك، كما سيأتي وذكرنا فيما تقدم أن هذه المرافق يبحثونها هنا، ويبحثونها أيضاً في باب إحياء الموات.

    والدروب أو الطرق تنقسم إلى قسمين: وهذا كان في الزمن السابق، وربما أنه يوجد في بعض البلاد حالياً. فالدروب والطرق تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: طرق نافذة عامة، فهذه هي التي أراد المؤلف رحمه الله بيان حكمها، وسيأتي ما يتعلق بالقسم الثاني: وهي الطرق الخاصة غير النافذة المشتركة التي تكون بين بعض بيوت الجيران.

    فالطرق العامة: قال المؤلف رحمه الله: يجوز فتح الأبواب للاستطراق، وهذا بالاتفاق، وعليه عمل المسلمين؛ لأن الطريق العام حق لجميع المسلمين فلهم أن ينتفعوا به.

    إخراج شيء من البناء إلى الطرق العامة

    قال: (لا إخراج روشن وساباط ودكة وميزاب).

    هذا الحكم الثاني، فتح الأبواب، تبين لنا أن هذا جائز ولا بأس به، والحكم الثاني: إخراج روشن.

    قال رحمه الله: (لابد من إذن الإمام)، فالمذهب أنه لابد من إذن الإمام أو نائبه.

    وما هو الروشن؟ الروشن: هو أن يُمد شيء من طرف البناء ويسمى في عرفنا البلكونة، يعني: هذا سطح الجار مثلاً، يُمد شيء من طرف البناء؛ لكي يتوسع، وهذه الغرفة العلوية يُمد مثلاً متر في التسقيف؛ لكي تتوسع.

    فالمشهور من المذهب أن مرجع مثل هذه الأشياء إلى الإمام ونائب الإمام، والآن مثل هذه الأشياء نُظمت من قِبل البلديات، فالبلدية تتصرف في مثل هذه الأشياء وتضع لها شروطاً ومواصفات بحيث لا يضر الناس.

    قوله: ( وساباط ) الساباط: أن يمتد التسقيف إلى جدار الجار، بحيث أنه يسقف الطريق ويبني له فوقه غرفة، وهذا مرجعه إلى إذن الإمام.

    قوله: ( ودكة ) الدكة: هي بناء يوضع عند الأبواب للجلوس عليه، وهذا مرجعه إلى الإمام.

    قوله: ( وميزاب ) الميزاب معروف فهذا أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: مرجع ذلك إلى إذن الإمام، وكما تقدم مثل هذه الأشياء الآن لها تنظيمات، وهي تختلف باختلاف الزمان والمكان، يعني: باختلاف الدول.

    والقاعدة في ذلك: أن مثل هذه الأشياء -يعني: المرافق العامة- الانتفاع فيها حق لجميع المسلمين، ولكن يُقيد حق الانتفاع بألا يكون هناك ضرر، فإن كان يتولد من ذلك ضرر فإن هذا لا يجوز.

    إخراج شيء من البناء في ملك الجار والدروب المشتركة

    قال رحمه الله: ( ولا يفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك بلا إذن المستحق ).

    ما تقدم يتعلق بالطرق العامة، أما الطرق الخاصة المشتركة فلا يفعل ذلك، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى، أنه ليس له أن يُخرج الروشن ولا الساباط ولا الدكة في ملك الجار، وكذلك أيضاً في الطرق الخاصة إلا بإذن أصحابها؛ لأن الحق متعلق بهم، فلابد من إذنهم، فهم ملاك هذا الطريق أو هذا البيت، فلابد من إذنهم.

    وضع الخشبة على جدار الجار

    قال رحمه الله تعالى: (وليس له وضع خشبة على حائط جاره إلا عند الضرورة، إذا لم يمكنه التسقيف إلا به).

    هذه أيضاً من أحكام الجيران، هل للجار أن يضع خشبه على جدار جاره أو لا؟ المشهور من المذهب أن له ذلك بشرطين:

    الشرط الأول: أن يكون محتاجاً إلى ذلك، بحيث لا يمكنه التسقيف إلا بوضع الخشب على جدار جاره.

    الشرط الثاني: عدم الإضرار بالجدار؛ لأن الضرر لا يُدفع بالضرر، ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه أو خشبة في جداره. يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين، -يعني: عن هذه السنة- والله لأرمين بها بين أكتافكم ) خرجاه في الصحيحين.

    والرأي الثاني: رأي جمهور العلماء، أن الجار لا يضع خشبه على جدار جاره إلا بإذن الجار، فالمشهور من المذهب: مادام أنه توفر الشرطان فإنه لا يشترط إذن الجار؛ لأن الشارع أذن، والرأي الثاني: أنه لابد من إذن الجار، وهو رأي جمهور العلماء رحمهم الله.

    واستدلوا على ذلك بحديث جابر : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام )، والأصل في مال المسلم الحرمة، والصحيح أن هذا مستثنى، فالشارع استثناه، فنقول: الجار له أن يضع خشبه على جدار جاره، هذا الصواب في هذه المسألة بالشرطين السابقين وإن لم يأذن الجار، وليس له أن يمنع.

    ومثل ذلك اليوم يعني: يمكن الآن التسقيف قل أو ندر، إذا احتاج إلى جدار الجار؛ لكي يضع فيه مواسير ماء؛ أو لكي يضرب فيه وتداً أو مسامير أو أسلاك كهرباء أو نحو ذلك، هل للجار أن يمنع أو ليس له أن يمنع؟ نقول: من باب أولى أنه ليس له أن يمنع بالشرطين: أن يكون محتاجاً، والشرط الثاني: ألا يكون هناك ضرر على الجدار، ومثل ذلك أيضاً لو كان الجدار لمسجد أو كان الجدار ليتيم، فالحكم في ذلك واحد، كما قال رحمه الله تعالى: (وكذلك المسجد وغيره).

    فيجوز للجار أن يضع خشبةً بالشرطين السابقين.

    انهدام الجدار المشترك بين الجارين

    قال رحمه الله: (وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أُجبر عليه).

    هذه أيضاً من أحكام الجوار: إذا انهدم الجدار المشترك بين الجارين، أو خيف ضرره، بأن مال ويُخشى سقوطه فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أُجبر عليه، وهذا هو المذهب؛ دفعاً للضرر.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي في الجديد، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه لا يُجبر، واستدلوا على ذلك بأن الإنسان لو انفرد بالجدار وانهدم جداره لا يُجبر أن يُعمر جداره، فكذلك أيضاً إذا كان مشتركاً لا يُجبر أن يعمره.

    والأقرب: أن يقال: في ذلك تفصيل، فنقول: بأن هذا لا يخلو من أقسام:

    أولاً: أن يُخشى من ضرر الجدار كما لو كان الجدار مائلاً متهيئاً للسقوط، فنقول: يُجبر الممتنع؛ دفعاً للضرر.

    القسم الثاني: إذا لم يكن هناك ضرر، فطلب الجار من جاره أن يعمر معه الجدار، فإن كان ذلك لا يترتب عليه منفعة أو أن المنفعة المترتبة من عمارة الجدار يسيرة فإنه لا يجب عليه، وإن كان هناك منفعة للشريك وعدم العمارة فيه مضرة على الشريك الآخر، فنقول: يجب عليه.

    فتلخص لنا أنَّ الصواب التفصيل: إن كان فيه مضرة يجب كما لو كان متهيئاً للسقوط، وإذا لم يكن فيه مضرة من حيث السقوط، يعني: مضرة للآخرين، فإن كان لا منفعة للجار من العمارة أو وُجدت منفعة يسيرة هذا لا يجب عليه، لكن إن كان فيه منفعة له وعدم العمارة فيه مضرة على الشريك، فنقول: يجب عليه في هذه الحالة أن يعمر.

    صيانة النهر والدولاب والقناة المشتركة بين الجيران

    قال رحمه الله: (وكذا النهر والدولاب والقناة).

    الحكم في مثل هذه الأشياء الثلاثة كحكم الجدار المشترك، يجب أن يعمرها. والنهر هو الجدول الذي يجري فيه الماء، فهناك جداول تجري بين الجيران، وتجري بين المزارع تأتي من النهر الكبير أو من الوادي أو من العين، ربما يمر بالمزارع، أو يمر بالبيوت، فربما أن هذا الجدول أصابه شيء من التلف فطلب الجيران أن يشتركوا في إصلاحه فامتنع أحدهم هل نجبره أو لا نجبره؟ الحكم كما تقدم.

    كذلك أيضاً الدولاب، والدولاب هو آلات تديرها البقر؛ لإخراج الماء، وهي مشتركة، فإذا طلب أحد الجيران المشتركين في هذا الدولاب إصلاحه إذا تلف أو احتاج إلى صيانة فالحكم كما تقدم.

    قال: (والقناة).

    القناة: هي عبارة عن أبيار متتالية يجري ماء بعضها إلى بعض، فربما تحتاج إلى صيانة فالحكم فيها كما سلف.

    نقف على باب الحجر، وبقيت في الحقيقة الحوالات المصرفية، وكذلك أيضاً الضمانات البنكية والكفالات المصرفية والاعتمادات المستندية.

    1.   

    الحوالة المصرفية

    سنأخذ الحوالات المصرفية الآن التي توجد اليوم، والحوالات المصرفية تنقسم إلى قسمين:

    الحوالة بجنس المال

    القسم الأول: أن تكون الحوالة بجنس المال، مثال ذلك: أن يعطيه جنيهات سودانية، ويأخذها من المصرف الآخر جنيهات سودانية، فهذا جائز، ولا إشكال في ذلك، حتى ولو كان بمقابل، وهذه من قبيل السفتجة التي يتكلم عليها العلماء رحمهم الله.

    وما هي السفتجة؟ السفتجة هي: أن تعطي شخصاً مالاً على أن يعطيه وكيلاً لك مثلاً في مكة، وهذه كانت موجودة في الزمن السابق، فهو يستفيد من هذا المال وأنت تستفيد أمن الطريق، فتشترط عليه أن يعطيها وكيلاً لك أو أي شخص في مكة مثلاً أو في بلد آخر، فهذه جائزة، وهذا إذا كان الجنس واحداً.

    الحوالة مع اختلاف جنس المال

    القسم الثاني: أن يكون جنس المال مختلفاً، كأن يعطيه ريالات سعودية، ويأخذها جنيهات سودانية في البلد الآخر، فهذه الحوالة تضمنت أمرين:

    الأمر الأول: المصارفة.

    والأمر الثاني: الحوالة.

    فتحويل المال فيها مصارفة، كيف مصارفة؟ يعني: أنت إذا أعطيته ريالات سعودية أخذ منك ريالات سعودية سيصرفها إلى جنيهات، ثم بعد ذلك يقوم بتحويلها مرة أخرى.

    فما يتعلق بالمصارفة يشترط القبض، ولهذا بعض العلماء يقول: يصارفه أولاً: يعطيه الريالات، ثم يقبض الجنيهات، ثم يعطيه تحويلاً؛ لكي يقوم بتحويلها، وهذا ذهب إليه بعض المتأخرين، وجمهور المتأخرين أن هذا ليس شرطاً؛ لأنه يعطيك المستند أو يسجل في حسابك أن لك هذا القدر، مثلاً: أعطيته ألف ريال، وقال: لك ألف ريال تساوي ألف جنيه، قالوا: هذا هو القبض؛ لأن القبض يختلف باختلاف الزمان، ويختلف أيضاً باختلاف المكان.

    وأما ما يقوم به من الحوالة، فهذه أمرها ظاهر، لكن ما يتعلق بأخذ الأجرة، فنقول: أخذ الأجرة على حصول التحويل هذا جائز ولا بأس به، ويكون من قبيل أخذ الأجرة على الوكالة.