إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [22]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الضمان جائز، وينعقد بكل ما دل عليه العرف، ويصح الضمان المجهول إذا آل إلى العلم، وضمان العواري والمغصوب والمقبوض بسوم يصح وله صور، أما ضمان الأمانات فمختلف فيه، والكفالة جائزة بالكتاب والسنة، وتصح بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين، أما إن كان عليه حد أو قصا

    1.   

    الضمان

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب الضمان:

    ولا يصح إلا من جائز التصرف، ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت، فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه.

    ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له، بل رضا الضامن.

    ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم والعواري والمغصوب والمقبوض بسوم وعهدة مبيع لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها.

    فصل في الكفالة: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين لأحد ولا قصاص].

    تعريف الضمان لغة واصطلاحاً

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الضمان).

    الضمان في اللغة: مأخوذ من التضمن؛ لأن ذمة الضامن تتضمن ذمة المضمون عنه، أو لأن ذمة الضامن دخلت في ذمة المضمون عنه.

    وأما في الاصطلاح: فالضمان ما وجب وما قد يجب على غيره مع بقائه.

    مثال ذلك: كأن يقترض زيد من عمرو مالاً، ثم بعد ذلك طلب التأجيل، فقال: ائتن بمن يضمنك، فهذا التزام ما وجب، أو مثلاً: باع عليه سيارة بثمن مؤجل والمشتري طلب التأجيل، فقال البائع: ائتن بمن يضمنك فهذا التزام ما وجب.

    أما التزام ما قد يجب: كأن يطلب منه قرضاً فيقول: أُقرضك، لكن لابد أن تأتيني بمن يضمنك، فهذا التزام ما قد يجب مع بقائه، يعني: مع بقاء الحق في ذمة المضمون عنه، فكون الضامن يضمن هذا لا يبرأ المضمون عنه من الحق الواجب في ذمته.

    فمثلاً: زيد إذا ضمن عمراً فالحق باق في ذمته، فكون زيد ضمنه هذا لا يلزم من ذلك أن تكون ذمته قد برئت، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: مع بقائه، يعني: أن الحق لا يزال باقياً في ذمة المضمون عنه، فالضمان لا يبرئ المضمون عنه، وسيأتينا إن شاء الله أن المضمون له، له أن يطالب الضامن، وله أن يطالب المضمون عنه.

    مشروعية الضمان

    والأصل في الضمان السنة، وكذلك أيضاً الإجماع في الجملة.

    أما السنة: فمن ذلك حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بجنازة فسأل: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة رضي الله عنه: عليّ يا رسول الله، يعني: أن هذا الدين عليه، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ).

    وكذلك أيضاً من السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الزعيم غارم ).

    والإجماع منعقد على جواز الضمان، وعقد الضمان من عقود الإرفاق والإحسان، ولهذا جمهور العلماء رحمهم الله تعالى يرون أنه لا يجوز أخذ العوض عليه.

    فمثلاً لو قال: زيد يقرضك، وأنا أضمنك بألف ريال، فجمهور العلماء يرون أن هذا لا يجوز، وبهذا نعرف أن ما تفعله بعض المصارف اليوم من إصدار عقود ضمان مقابل عوض مالي غير جائز، يعني: ما ذهب إليه جماهير أهل العلم أن عقد الضمان أنه من عقود الإرفاق والإحسان وأنه لا يجوز أخذ العوض عليه لأمرين:

    الأمر الأول: أن عقد الضمان من عقود الإرفاق والإحسان، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح أخذ العوض عليه؛ لأنه مما يُبتغى به وجه الله عز وجل.

    والوجه الثاني: أننا لو قلنا بصحة أخذ العوض عليه؛ لكان من القرض الذي جر نفعاً؛ لأن المضمون عنه إذا لم يسدد للمضمون له من ذا الذي سيسدد؟ الضامن سيسدد وسيقرض المضمون عنه، وإذا أخذ عليه عوضاً فيكون قد أخذ عوضاً مقابل السداد؛ لأن مآل الضامن سيقوم بتسديد الحق عن المضمون عنه، وحينئذٍ يكون قد أقرض المضمون عنه، وإذا أخذ عوضاً من المضمون عنه مقابل الضمان، فإنه يكون قرضاً جر نفعاً.

    انعقاد الضمان

    وينعقد الضمان بكل ما دل عليه العرف؛ لأن القاعدة أن صيغ العقود تنعقد بكل ما تعارف عليه الناس، فكل ما تعارف عليه الناس من قول أو فعل متعاقب أو متراخ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن البيع والهبة ينعقدان بكل قول أو فعل متعاقب أو متراخ، فكل ما تعارف عليه الناس ينعقد به عقد الضمان.

    واصطلح الفقهاء رحمهم الله أن لفظ الضمان يكون في باب الديون، يعني: عند ضمان الديون يقال: ضمين أو ضامن، وعند ضمان الديات يقال: حميل، وعند ضمان أثمان المبيعات يقال: قبيل، وعند ضمان الأبدان يقال: كفيل، وعلى كل حال هذا مما اصطلح عليه أهل العلم رحمهم الله تعالى، وكما أسلفنا أن الضمان ينعقد لكل ما دل عليه العرف من قول أو فعل متعاقب أو متراخ، وإذا كان الأخرس له إشارة مفهومة فإن الضمان ينعقد منه.

    1.   

    شروط الضمان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يصح إلا من جائز التصرف).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان شروط الضمان، فالضمان يشترط له شروط:

    الشرط الأول: الضامن

    الشرط الأول: أن يكون الضامن جائز التصرف، وسبق لنا في شروط البيع بيان من هو جائز التصرف، وأن جائز التصرف من جمع صفات:

    الصفة الأولى: البلوغ، وعلى هذا الصبي لا يصح ضمانه، فلو ضمن الصبي نقول: بأن ضمانه غير صحيح اللهم إلا في الأمور اليسيرة عرفاً، يعني: كما سبق لنا أن الصبي محجور عليه ولا تصح تصرفاته إلا في موضعين:

    الموضع الأول: التصرف في الأمور اليسيرة عرفاً.

    الموضع الثاني: إذا راهق، أي قارب البلوغ فلا بأس أن يؤذن له في بعض التصرفات، والمصلحة من ذلك لكي يُنظر هل رشد فيُدفع إليه ماله إذا بلغ أو لم يرشد، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6].

    الصفة الثانية: العقل، وعلى هذا فالمجنون لا يصح ضمانه.

    الصفة الثالثة: الحرية، وعلى هذا فالرقيق لا يصح ضمانه إلا بإذن سيده؛ لأن الرقيق محجور عليه بحق السيد.

    الصفة الرابعة: الرشد، وعلى هذا فالسفيه الذي لا يُحسن التصرف في ماله، نقول: بأن ضمانه غير صحيح، اللهم إلا في الأمور اليسيرة عرفاً، يعني: السفيه يكون حكمه حكم الصبي المميز.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت).

    من هو صاحب الحق؟ صاحب الحق هو المضمون له، فالمضمون له أن يطالب الضامن، وله أن يطالب المضمون عنه.

    فمثلاً: زيد أقرض عمراً ألف ريال وضمنه صالح، فزيد المضمون له له أن يطالب المضمون عنه الذي هو عمرو المقترض، وله أن يطالب أيضاً صالحاً فإذا حل الأجل له أن يذهب إلى صالح ويطالبه بالحق، وله أن يذهب أيضاً إلى المضمون عنه ويطالبه بالحق، ولهذا قال المؤلف: (ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وفي الموت)، يعني: يطلب الضامن في الحياة، فإذا مات الضامن فهل يطالب الورثة أو لا يطالب الورثة؟ له أن يطالب الورثة في الحياة وفي الموت، فقوله: (ولرب الحق أن يطالب من شاء منهما في الحياة والموت) وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو قول جمهور أهل العلم، أما كونه يطالب المضمون عنه فالأمر ظاهر؛ لأن الحق عليه، لكن كونه يطالب الضامن؛ لأن الضامن أيضاً غارم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الزعيم غارم )، وإذا كان غارماً فإن للمضمون له أن يطالب أيضاً الضامن؛ لأنه غارم، وله أن يطالب المضمون عنه؛ لأنه غارم أيضاً؛ ولأنه هو الذي عليه الحق، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    الرأي الثاني: رأي المالكية: أنه لا يملك أن يطالب الضامن إلا إذا تعذر عليه أن يأخذ الحق من المضمون عنه، وهذا هو الذي رجحه ابن القيم رحمه الله؛ لأن الضامن محسن، قال تعالى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91] هذا الدليل الأول.

    الدليل الثاني: قياساً على الماء مع الصعيد، فإنه لا يصار إلى الصعيد إلا إذا تعذر الماء، فكما أنه لا يصار إلى الصعيد فهو بدل وفرع إلا إذا تعذر الماء، كذلك أيضاً لا يصار إلى الضامن إلا إذا تعذر الأخذ من المضمون عنه، وهذا القول في هذه المسألة هو الأقرب، ونقول: بأن الضامن لا يملك المضمون له أن يطالبه إلا إذا تعذر عليه الأخذ من المضمون عنه، فإذا تعذر عليه الأخذ من المضمون عنه فإنه يصير إلى البدل، وهو الضامن، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه).

    إذا برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن؛ لأن المضمون عنه هو الأصل، فإذا برئ الأصل برئ الفرع، فمثلاً: برئت ذمة المضمون عنه بإبراء المضمون له، فلو أن المضمون له أبرأ المضمون عنه برئت ذمته، فإذا برأت ذمة المضمون عنه فإن الضامن تبرأ ذمته؛ لأن الضامن فرع عن المضمون عنه، فلو أن المضمون له قال للمضمون عنه: أبرأتك من الحق، فنقول: بأن ذمة المضمون عنه تبرأ، وإذا برئت ذمته فإنه تبرأ ذمة الضامن؛ لأنه إذا برئ الأصل برئ الفرع لا عكسه، أيضاً مثال آخر: إذا برئت ذمة المضمون عنه بأداء الحق، فإن ذمة الضامن أيضاً تبرأ، فلو أن المضمون عنه أدى الحق الذي عليه للمضمون له، فنقول: بأن ذمته قد برئت، فكذلك أيضاً: ذمة الضامن تبرأ لما أسلفنا أن إذا برئ الأصل برأ الفرع.

    قوله: (لا عكسه) فلو أن الضامن برئت ذمته هل يلزم من ذلك أن تبرأ ذمة المضمون عنه أو نقول: لا يلزم؟ لا يلزم، فلو أن المضمون له قال: للضامن: أنت ضمنت زيداً وأنا أبرأتك ولا حاجة لي بهذا الضمان، أنا أطالب المضمون عنه، فهو الآن أبرأ الضامن -أبرأ الفرع- فهل يترتب على ذلك براءة ذمة الأصل أو نقول: لا يبرأ؟ نقول: الأصل لا يبرأ، نعم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا عكسه).

    الشرط الثاني: معرفة الضامن للمضمون عنه

    قال رحمه الله: (ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له).

    هذا هو الشرط الثاني من شروط صحة الضمان، هل يُشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه أو أنه هذا ليس شرطاً؟ يقول المؤلف رحمه الله: بأن هذا ليس شرطاً يعني: لا يشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه، فلو أنه ضمن رجلاً مجهولاً، فقال: أقرض هذا الرجل المجهول، مثاله: جاء رجل لزيد من الناس فقال: أقرضني، قال: ائت بمن يضمنك، قال: يضمنني فلان، فالضامن الآن لا يعرف هذا الرجل، فهل يصح أن يضمنه أو لا يصح أن يضمنه؟ يقول المؤلف رحمه الله: يصح أن يضمنه ولا يُشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه فهذا ليس بشرط.

    ودليلهم ما تقدم من حديث سلمة بن الأكوع في قصة أبي قتادة رضي الله عنه، فإن أبا قتادة ضمن الحق وهو لا يعرف لا المضمون عنه، هل المضمون عنه متوفى، ولا يعرف أيضاً المضمون له.

    والرأي الثاني في المسألة: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنه يشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه في الجملة، ولهم تفصيل في هذه المسألة، كي يرجع عليه بالحق إذا سدده؛ لأنه إذا كان لا يعرفه فإنه لا يتمكن من الرجوع عليه.

    والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا يُشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه، فلو ضمن مجهولا فإن هذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك: ما تقدم من حديث سلمة ، وأيضاً يدل لذلك: أن عقد الضمان من عقود الإرفاق والإحسان مما يبتغى به وجه الله عز وجل والتي يقصد بها المياسرة، وعلى هذا فيصح أن يضمن مجهولاً.

    الشرط الثالث: معرفة الضامن للمضمون له

    الشرط الثالث: هل يُشترط أن يعرف المضمون له أو لا يُشترط؟ كما تقدم رأي جمهور أهل العلم: أنه لا يُشترط أن يعرف الضامن المضمون له، فإن أبا قتادة كما تقدم ضمن الحق ثلاثة دنانير لصاحبه وهو لا يعرف صاحبه.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية والشافعية: أنه يُشترط أن يعرف الضامن المضمون له، وكما سلف أن الصواب في هذه المسألة أن هذا ليس شرطاً لما تقدم أن عقد الضمان من عقود الإرفاق والإحسان والتي يُقصد منها المياسرة، ولما تقدم من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

    الشرط الرابع: رضا الضامن بالضمان

    قال رحمه الله: (بل رضا الضامن).

    هذا الشرط الرابع: رضا الضامن بالضمان؛ لأن الضمان التزام بأداء الحق ولا يُلزم أحد بشيء لم يلتزمه، فيُشترط رضا الضامن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا بطيبة نفس منه )، وقال الله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29].

    وهل يُشترط رضا المضمون عنه؟ يعني: لو أنه ضمن شخصاً وهو لم يرض، قال: أقرض زيداً وأنا أضمنه، قال زيد: أنا لا أرضى بضمانك، فهل يُشترط رضا المضمون عنه، أو نقول: بأن المضمون عنه لا يُشترط رضاه؟ على كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يُشترط رضا المضمون عنه، ولهذا قال: بل يُعتبر رضا الضامن وهذا باتفاق الأئمة الأربعة أن المضمون عنه لا يُشترط رضاه.

    وعلى هذا لو قال: أقرض زيداً وأنا أضمنه، قال زيد: أنا لا أرضى بهذا الضمان، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يُشترط رضاه؛ لأن الضمان تبرع، وهذا التبرع للمضمون له فإذا لم يسدد المضمون عنه، فإنه سيرجع للضامن، يعني: المضمون له إذا لم يسدد له المضمون عنه، فإن المضمون له سيرجع إلى الضامن فهو تبرع للمضمون له، وإذا كان كذلك فإنه لا يُعتبر رضا المضمون عنه.

    والصواب في هذه المسألة: أنه يُنظر، يعني: الصحيح أنه لا يُشترط رضا المضمون عنه ما لم يكن هناك ضرر؛ لأنه قد يكون هناك ضرر يلحق المضمون عنه بالضمان، فقد يكون هذا الرجل الذي ضُمن تاجراً كبيراً وله سمعة في التجارة أو شركة ولها مكانة في السوق، فإذا قيل: بأن هذه الشركة قد ضُمنت، أو أن هذا الرجل قد ضُمن فقد يلحقه ضرر بذلك، فعلى هذا نقول: لا يُشترط رضا المضمون عنه ما لم يترتب على ذلك ضرر للمضمون عنه.

    كذلك أيضاً: هل يُتشرط رضا المضمون له أو أنه لا يُشترط؟ أيضاً باتفاق الأئمة الأربعة أنه لا يُشترط رضا المضمون له، كما تقدم من حديث سلمة بن الأكوع قصة أبي قتادة رضي الله عنه، فإن أبا قتادة ضمن الحق لصاحبه ولا نعلم هل يرضى بذلك أو لا يرضى؟ فلا يُشترط رضا المضمون له؛ لأنه تبرع للمضمون له فلم يُشترط رضاه اللهم إلا كما ذكرنا إذا كان يترتب على ذلك ضرر، فنقول: يُشترط رضا المضمون له.

    الشرط الخامس: أن يكون المضمون معلوماً

    قال رحمه الله تعالى: (ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم).

    هذا الشرط الخامس: هل يُشترط أن يكون الحق المضمون معلوماً أو نقول: يصح ضمان المجهول؟

    فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: يصح ضمان المجهول، لكن بشرط أن يئول إلى العلم، وعلى هذا نقول: بأن ضمان المجهول ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: مجهول لا يئول إلى العلم، فهذا لا يصح ضمانه.

    مثال ذلك: هذا زيد عليه دين، قال: كم الدين؟ ما ندري، أين الوثيقة؟ ما ندري، فهل يصح أن يضمنه أحد بهذا الدين، أو نقول: لا يصح؟ نقول: لا يصح؛ لأن هذا مجهول لا يئول إلى العلم.

    القسم الثاني: أن يكون المجهول يئول إلى العلم، فمثلاً يقول: بع عليه السيارة وأنا ضامن، ولا ندري بكم يبيع السيارة؟ فقد يبيع السيارة بعشرة آلاف، وقد يبيع السيارة باثني عشر ألفاً، فهذا مجهول لكن يئول إلى العلم، أو مثلاً يقول: أقرضه وأنا ضامن، ولا ندري هل يُقرضه ألفاً أو يقرضه ألفين، فهذا مجهول يئول إلى العلم، أو يقول مثلاً: أعطه من البقالة كل يوم كذا وكذا، وأنا ضامن في آخر الشهر فلا ندري فقد يأخذ بألف وقد يأخذ بألفين، لكن هذا مجهول يئول إلى العلم.

    فتبين لنا أنه لا يُشترط أن يكون الحق معلوماً، لكن إذا كان مجهولاً فلابد أن يئول إلى العلم، فإن كان لا يئول إلى العلم فإنه هذا لا يجوز.

    ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، وحمل البعير يختلف، فقوله: أنا زعيم أي: أنا ضامن لحمل البعير هذا، فحمل البعير هذا يختلف ولا ندري قد يكون كذا من الأصواع، وقد يكون كذا من الأصواع، وهذا يعني: أنه يصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى.

    وعند الشافعية: أنه لا يصح ضمان المجهول قياساً على الثمن في المبيع، كما أن الثمن في المبيع لا يصح أن يكون مجهولاً فكذلك أيضاً الحق في الضمان لابد أن يكون معلوماً، ولكن الصواب في هذه المسألة: أنه يصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم، وكما ذكرنا أن عقد الضمان هذا من العقود التي يُقصد فيها التوسعة والمياسرة، وإذا كان كذلك فإنه لا يُشدد فيها، ولهذا كما ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يُشترط رضا المضمون له، ولا يُشترط رضا المضمون عنه، ولا يُشترط معرفة المضمون له، ولا يُشترط معرفة المضمون عنه، ولا يُشترط أن يكون الحق المضمون معلوماً، يعني: هذا العقد مما يقصد به المياسرة.

    ضمان العارية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم، والعواري، والمغصوب، والمقبوض بسوم).

    يقول المؤلف رحمه الله: يصح ضمان العواري، فالعارية كما سيأتينا على المذهب يرون أنها مضمونة، بمعنى: أن المستعير إذا تلفت تحته العارية، فإنه ضامن لهذه العارية إلا في أربع مسائل، يرون أن العارية مضمونة وليست يد المستعير عليها يد أمانة فلا يعتبرونها من الأمانات، بل يعتبرونها من الأموال المضمونة، وعلى هذا يصح أخذ الضمان على العارية، مثاله: لو قال: أعرني السيارة لكي أستعملها مدة يوم أو يومين، فقال: ائتني بمن يضمنكم صح ذلك؛ لأن العارية مضمونة، فلو فُرض أنها تلفت تحت يد المستعير، فإنه يرجع على الضامن أو المضمون عنه كما تقدم التفصيل.

    ضمان المغصوب

    قوله: (والمغصوب) أيضاً العين المغصوبة هذه مضمونة وهذا لا إشكال نية؛ لأن يد الغاصب على العين المغصوبة هذه يد عادية ظالمة، وإذا كان كذلك فإنه ضامن، وعلى هذا فلو أنه غصب سيارة ثم إن المالك طالبه، قال: أعطني السيارة، فقال: غداً أعطيك السيارة أو غداً آتي بالسيارة، فيصح أن يقول: ائتني بضامن يضمنك أيها الغاصب؛ لأنها قد تتلف تحت يده، وأيضاً المنافع كما سيأتينا في باب الغصب مضمونة على الغاصب، فالعين المغصوبة يصح أخذ الضمان عليها.

    ضمان المقبوض بسوم

    قوله: (والمقبوض بسوم) المقبوض بسوم هذا له ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن يساومه ويقطع الثمن، مثال الصورة الأولى: أخذ السلعة بعشرة، قال: لا بتسعة، فاتفقا على تسعة، لكنه ما عقد معه بل ساومه وقطع الثمن، وأخذ السلعة لكي يريها أهله، فالعلماء يقولون: هذا الذي ساوم، وأخذ السلعة يده على يد هذه السلعة يد ضمان وليست يد أمانة، بمعنى: أنها لو تلفت يضمنها، فيصح أن يقول البائع: ائتني بمن يضمنك.

    فالصورة الأولى: أن يساومه وأن يقطع الثمن، فإذا ساومه وقطع الثمن يصح لمالك السلعة أن يقول لهذا المساوم: ائتني بمن يضمنك؛ لأن يده عليه ليست يد أمانة، وإنما هي يد ضمان.

    الصورة الثانية: أن يساومه ولا يقطع الثمن فيقول: بكم هذه السلعة؟ قال: بعشرة، قال: لا، بل بتسعة ولم يتفقا على شيء، قال: آخذها وأُريها الأهل، فقال البائع: ائتني بمن يضمنك صح ذلك؛ لأن يد المساوم عليها يد ضمان وليست يد أمانة، فيصح أخذ الضمان عليها فهذه الصورة الثانية.

    الصورة الثالثة: أن يأخذها بدون مساومة لكي يريها أهله، فهنا يقولون: بأن اليد عليها يد أمانة وليست يد ضمان، وإذا كان كذلك فيقولون: لا يصح أن يقول: ائتني بمن يضمنك؛ لأنه أصلاً غير ضامن، وسيأتينا حكم ضمان الأمانات.

    فتلخص لنا أن المقبوض بالسوم له ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن يساومه ويقطع الثمن.

    الصورة الثانية: أن يساومه ولا يقطع الثمن ففي هاتين الصورتين يصح أخذ الضمان.

    الصورة الثالثة: ألا يساومه، وإنما يأخذ السلعة لكي يريها أهله إن رضوها وإلا ردها، فهنا في هذه الحالة يقولون: بأن يد المساوم عليها يد أمانة فلا يصح أخذ الضمان عليها كما سيأتينا في حكم أخذ الضمان على الأمانات.

    والصحيح في هذه المسألة: أن يد المساوم على السلعة في كل الصور الثلاث يد أمانة؛ لأن القاعدة في ذلك أن الأمين: هو كل من قبض المال بإذن الشارع، أو بإذن المالك، والمال المقبوض تحت يده أمانة فلا يضمنه إذا تلف إلا إذا تعدى أو فرط، وهذا يدخل تحته صور كثيرة: مثلاً: المستعير أمين، المودع أمين، المضارب أمين، الشريك أمين، المساقي أمين، المزارع أمين، فالمستأجر إذا استأجر السيارة أو استأجر البيت فهذا نقول: بأنه أمين، وكذلك سائر الموظفين الآن تحتهم يتصرفون في أموال الدولة، أو أموال الشركات، أو أموال الأفراد ونحو ذلك، فنقول: هؤلاء كلهم أمناء لماذا؟ لأنهم قبضوا المال بإذن المالك، كذلك ولي اليتيم أيضاً نقول: بأنه أمين؛ لأنه قبض المال بإذن الشارع، وكذلك الملتقط نقول: بأنه أمين، فدائرة الأمناء الصحيح أنها دائرة واسعة، وكما ذكرنا القاعدة أن الأمين: هو كل من قبض المال بإذن الشارع أو بإذن المالك، وأن المال الذي تحت يده بأنه أمانة لا يضمن إذا تلف إلا في حالتين، إما التعدي أو التفريط.

    ضمان عهدة المبيع

    قال المؤلف رحمه الله: (وعهدة مبيع).

    عهدة المبيع يصح، يقول المؤلف رحمه الله: يصح ضمان عهدة المبيع وكذلك أيضاً يصح ضمان عهدة الثمن، ما معنى عهدة المبيع؟ العهدة بمعنى: الدرك، وضمان عهدة المبيع معناه: الرجوع على الضامن إذا تبين أن المبيع غير ملك للبائع، فهو مستحق لغير البائع، أو أن المبيع معيب هذا ضمان عهدة المبيع.

    مثلاً قال: أبيعك السيارة، قال: ائتني بمن يضمن أن السيارة ملك لك أيها البائع، فهل يصح هذا أو لا يصح؟ يقول المؤلف رحمه الله: يصح ضمان عهدة المبيع بحيث يضمن للمشتري أن السلعة ملك للبائع، ويضمن أيضاً له أن السلعة ليس فيها عيب أو نقص بأي وجه من الوجوه فيصح ذلك.

    كذلك أيضاً: عهدة الثمن قال: بعني السيارة فقال البائع: ائتني بمن يضمن أن الثمن لك، أو أن الثمن غير معيب فيصح ذلك، فضمان عهدة الثمن أن يضمن للبائع أن الثمن ملك للمشتري أو أنه غير معيب، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: هذا صحيح وجائز، والأصل في ذلك الحل؛ ولأن الناس يحتاجون مثل هذه الأشياء).

    ضمان الأمانات

    قال رحمه الله: (لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها).

    هل يصح ضمان الأمانات، أو نقول: بأن ضمان الأمانات ليس صحيحاً؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: لا يصح ضمان الأمانات، لماذا لا يصح ضمان الأمانات؟ لأن الأمانة ليست مضمونة على الأمين، وإذا كان كذلك فليست مضمونة على الأصل الذي هو الأمين الذي قبض هذا المال، فليست مضمونة عليه ففرعه أيضاً الضامن ليست مضمونة عليه، فلا فائدة من الضمان.

    فمثلاً الوديعة: الوديعة هذه أمانة، فلو تلفت الوديعة عند المودع فهل يضمن أو لا يضمن؟ مادام أنه أمين فليس عليه ضمان، وليس فيه فائدة ليقول المودِع للمودع: ائتني بمن يضمنك؛ لأنه أصلاً هو غير ضامن، لكن قال المؤلف رحمه الله: (بل التعدي فيها) يعني يصح أن يقول المالك: ائتني بمن يضمنك عند التعدي والتفريط؛ لأنه عند التعدي والتفريط الأمين ضامن، وعلى هذا يتبين لنا أن ضمان الأمانات ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ضمان الأمانة مطلقاً دون أن يقيد بالتعدي والتفريط، نقول: هذا لا يصح.

    القسم الثاني: ضمان الأمانة عند التعدي والتفريط، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    فضمان الأمانات يتبين لنا أنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ضمانها مطلقاً سواء تعدى أو لم يتعد، فرط أو لم يفرط، نقول: هذا لا يجوز.

    القسم الثاني: أن تضمن عند التعدي أو التفريط، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    الكفالة

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل في الكفالة).

    كما تقدم أن الضمان يستخدم في الديون، والكفالة تستخدم في الأبدان، والقبيل كما تقدم يستخدمونه في أسماء المبيعات، والحميل في الديات.

    تعريف الكفالة في اللغة والاصطلاح

    الكفالة في اللغة: الالتزام، وأما في الاصطلاح: فهي التزام جائز التصرف بإحضار من عليه حق مالي لربه.

    الفرق بين الضمان والكفالة أن الضمان للأموال، وأما الكفالة فهي للأبدان والأعيان، يعني: يصح أن تكون الكفالة للبدن، وكذلك أيضاً: يصح أن تكون الكفالة للعين.

    فمثلا قال: أقرضني ألف ريال، فقال: ائتني بمن يكفلك، يعني: يحضرك إذا حل الأجل فهذه كفالة، لكن إذا قال: بمن يضمنك فهذا يكون ضماناً للمال، وأيضاً تصح الكفالة للأعيان، قال: أعرني السيارة، قال: ائتني بمن يكفل إحضار السيارة، يعني: بمن يكفل إحضار هذه العين، ويرد هذه العين، فنقول: هذا صحيح، فالكفالة تكون في إحضار الأبدان وكذلك أيضاً تكون في إحضار الأعيان.

    مشروعية الكفالة

    والأصل في الكفالة: القرآن والسنة، أما القرآن فقول الله عز وجل في قصة يعقوب عليه السلام قال: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ [يوسف:66]، فقوله: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) وهذا إحضار البدن، ومن السنة أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الزعيم غارم، والكفيل زعيم )، ولأن الناس يحتاجون إلى مثل هذه العقود، والكفالة هي من عقود الضمان كما تقدم وهي من عقود الإرفاق والإحسان؛ لأن الشخص قد لا يتمكن من المال؛ لكن قد يتمكن من إحضار البدن.

    الأمور التي تصح فيها الكفالة

    قال المؤلف رحمه الله: (وتصح الكفالة بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين لا حد ولا قصاص).

    كما سلف أن الكفالة تكون في إحضار الأبدان، فإذا كان هذا الشخص عليه دين فتصح الكفالة في إحضار بدنه لكي يستوفي صاحب الحق حقه منه عند حلول الأجل، وإذا تعذر عليه أن يُحضر البدن هل ينقلب ذلك إلى ضمان المال، أو لا ينقلب؟ هذا سيأتينا إن شاء الله.

    كذلك أيضاً قال رحمه الله: (تصح الكفالة بكل عين مضمونة) أيضاً لو كان الشخص عنده عين مضمونة كعارية فتصح الكفالة في إحضار بدن هذا المستعير التي تستوفى منه هذه العارية، أو في إحضار نفس العارية فهذا كله صحيح.

    فتلخص لنا: أن الكفالة تصح في الأبدان إذا كان الشخص عنده حق مالي فتصح الكفالة في إحضار بدنه، أي: إذا كان عنده عين مضمونة فتصح الكفالة في إحضار بدنه، أو في إحضار العين المضمونة.

    قوله: (وتصح ببدن من عليه دين).

    إذا كان عليه حقٌ بدني وليس حقاً مالياً، فهل تصح الكفالة بإحضار بدنه أو لا؟ عليه حق بدني وليس عليه حقٌ مالي كحد أو قصاص، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (لا حد ولا قصاص).

    فهل تصح الكفالة ببدن من عليه حد أو قصاص؟ مثلاً هذا الرجل قتل عمداً، فقال: أطلقوني، فهل يصح أن نطلقه بشرط أن يأتي بمن يكفله؟ بمعنى: يحضره بعد مضي أجل الإطلاق، أو عليه حد، مثلاً: حد زنا، أو حد قتل، ونحو ذلك، فهل يصح أن نطلقه بشرط أن يأتي بمن يحضره بعد مضي المدة؟ أو نقول: بأن هذا لا يصح؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله، فقالوا: إذا كان عليه حق بدني، يعني: حق متعلق بالبدن كالحد والقصاص ولا يمكن أنه يستوفى إذا تعذر على الكفيل أن يحضر بدل المكفول، فهل يمكن أن يستوفى هذا الحق من الكفيل أو لا يمكن؟ هل يمكن أن نقيم الحد في القطع في السرقة على الكفيل أو القتل على الكفيل، أو نقول: بأن هذا غير ممكن؟

    نقول: بأن هذا غير ممكن، يعني: إقامة الحد أو القصاص على الكفيل هذا غير ممكن؛ لأن هذا حق بدني متعلق بالبدن، ولا يمكن أن يستوفى إلا ممن عليه الحق، ولهذا الحق المالي إذا تعذر عليه البدن فينقلب إلى ضمان المال؛ لكن هنا لا يمكن، ولهذا قال جمهور العلماء: إنه لا تصح الكفالة في الحدود ولا في القصاص، وقد جاء في ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا كفالة في حد )، وهذا الحديث أخرجه ابن عدي في الضعفاء، وهذا الحديث ضعيف، وهذا هو الرأي الأول: وهو القول المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب المالكية.

    الرأي الثاني في المسألة: رأي الشافعية، قالوا: بأنه تصح الكفالة في الحدود والقصاص، يعني يقولون: تصح الكفالة في القصاص، وتصح الكفالة في الحد إذا كان الحد لآدمي، مثل: القذف؛ فالقذف يُغلب فيه حق الآدمي، فعندهم يصح الكفالة في مثل هذه الأشياء.

    ودليلهم على ذلك: أن هذا وارد عن ابن مسعود وعمر رضي الله تعالى عنهما، والصواب في هذه المسألة: أن يقال بأنه يُنظر إلى قرائن الأحوال وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، فقد يكون في بعض البلاد ممكناً أن يصار إلى الكفالة في الحدود والقصاص، وفي بعض البلاد لا يمكن، ففي بعض البلاد ممكن أن يُحضر البدن، لكن في بعض البلاد لا يمكن أن يُحضر البدن، فالصواب في ذلك أن يقال: بأنه ينظر إلى قرائن الأحوال، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان.