إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [20]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الإسلام بالرهن كطريقة للتعاون بين المسلمين عند الأزمات والظروف الطارئة من حين لآخر، وهناك قاعدة تقول: كل ما صح بيعه صح رهنه، وهناك استثناءات من هذه القاعدة كرهن الثمرة والزروع قبل بدو صلاحها، ويصح الرهن عند أخذ الحق أو متأخراً، ويصح أن يكون الرهن على

    1.   

    الرهن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرهن: ويصح في كل عين يجوز بيعها حتى المكاتب مع الحق وبعده في دين ثابت، ويلزم في حق الراهن فقط، ويصح رهن المشاع، ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره، وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع، ولا يلزم الرهن إلا بالقبض واستدامته شرط، فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإن رده إليه عاد لزومه إليه، ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر إلا عتق الراهن، فإنه يصح مع الإثم، وتؤخذ قيمته رهناً مكانه، ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به، ومؤنته على الراهن وكفنه وأجرة مخزنه، وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه، ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه، وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين، ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين، وتجوز الزيادة فيه دون دينه].

    تقدم في الدرس السابق ما يتعلق بمنفعة القرض، وذكرنا أن هذه المنفعة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن تكون مشروطة في عقد القرض، فهذه منفعة محرمة ولا تجوز.

    القسم الثاني: أن تكون بعد الوفاء أو مع الوفاء، فهذه جائزة ولا بأس بها، وسواء كانت المنفعة أو الزيادة في الكمية، أو في الكيفية.

    والقسم الثالث: أن تكون قبل الوفاء ولم تكن مشروطة، فهذه المنفعة محرمة ولا تجوز إلا في مسائل:

    المسألة الأولى: إذا كانت هذه المنفعة مما جرت به العادة بين المقرض والمقترض، يعني: لم يحصل المقرض على منفعة بسبب القرض لم تجر بها العادة.

    المسألة الثانية: إذا نوى مكافأته، أو احتساب ذلك من دينه، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    المسألة الثالثة: إذا كان بينهما مهاداة، أو جرى بينهما مهاداة، فإن هذه المنفعة لم تكن بسبب القرض، فإن هذا جائز ولا بأس به. ‏

    تعريف الرهن في اللغة والاصطلاح

    قال المؤلف رحمه الله: ( باب الرهن ).

    الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، والرهن من عقود التوثقة.

    وأما في الاصطلاح فعرفه العلماء: بأنه توثقة دين بعين، يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها.

    وقيل في تعريفه: بأنه توثقة دين أو عين بدين أو عين أو منفعة.

    توثقة الدين بدين، مثاله: اقترض منه ألف ريال فقال: اعطني رهناً، قال: أنا أريد من زيد ألف ريال قرضاً خذ الوثيقة، فهذا توثقة دين بدين.

    وتوثقة دين بعين، مثاله: اقترض منه ألف ريال قال: اعطني رهناً، قال: هذه السيارة.

    وتوثقة دين بمنفعة، مثاله: اقترض منه ألف ريال قال: اعطني رهناً، قال: أنا أملك منفعة هذا البيت فيؤجر هذا البيت، وتكون الأجرة رهناً، فتوثقة الدين إما أن تكون بدين، وإما أن تكون بعين، وإما أن تكون بمنفعة.

    أيضاً توثقة العين: إما أن تكون بدين، وإما أن تكون بعين أو تكون بمنفعة، مثال ذلك: استعار منه سيارته، قال: اعطني رهناً؛ لأن الرهن ليس خاصاً بالديون، لأنه حتى الأعيان يصح أخذ الرهن عليها، فالأعيان المضمونة يصح أخذ الرهن عليها، فإذا استعار منه سيارته، قال: اعطني رهناً، قال: هذه السيارة، فهذه توثقة عين بعين، أو دين قال: أنا أريد من زيد ألف ريال ديناً هذه الوثيقة، أو منفعة قال: أنا أملك منفعة هذا الدكان، أو منفعة هذا البيت.

    أدلة جواز الرهن

    والرهن كما سلف: من عقود التوثقة، وقد دل عليه القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، وأما السنة فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الضرع يشرب بنفقته إذا كان مرهونا )، والنبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي؛ ولأن الناس بحاجة إلى مثل هذه التوثقة لكي يتوثقوا على أموالهم.

    إذاً: الرهن دل عليه القرآن، والسنة، وإجماع المسلمين، والنظر الصحيح يقتضي صحة الرهن.

    الرهن في السفر والحضر

    الرهن يصح في السفر بالإجماع؛ لقول الله عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].

    وهل يصح الرهن في الحضر أو نقول: بأنه لا يصح في الحضر؟ يرى جمهور العلماء رحمهم الله تعالى: أن الرهن يصح في الحضر كما يصح في السفر، واستدلوا على ذلك بأن (النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير)، وأيضاً للعمومات، وعمومات أدلة الرهن شاملة للحضر وللسفر.

    وذهب مجاهد رحمه الله تعالى إلى الأخذ بظاهر قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]. فقال: بأن الرهن خاص بالسفر، والصحيح في ذلك أن الرهن في السفر وفي الحضر، وعلى هذا جماهير العلماء رحمهم الله تعالى.

    فيما يصح الرهن

    قال المؤلف رحمه الله: (ويصح في كل عين يجوز بيعها).

    هذا ضابط، وهو أن الرهن يصح في كل عين يجوز بيعها، فما يصح بيعه يصح رهنه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، وهذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى، مع أنه -كما سيأتينا إن شاء الله- يستثنون بعض الأشياء، فبعض الأشياء لا يصح بيعها، ولكن يصح رهنها، فقول المؤلف رحمه الله: (ويصح في كل عين يجوز بيعها) هذا ليس على إطلاقه، وإنما هو في الجملة، وليس في جميع الصور، وهناك أشياء لا يصح بيعها، ومع ذلك يقولون: يصح رهنها؛ ولهذا المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: يصح رهن ما فيه غرر يسير كأن: يرهن البعير الآبق، والبعير الشارد، فلو رهن بعيره الشارد فإن هذا جائز ولا بأس به، أو رهن الثمرة التي لم يبدُ صلاحها، يقولون: بأن هذا جائز ولا بأس به مع أنه لا يصح بيع هذه الأشياء، أما إذا كان الغرر كثيراً كثمرة لم تخلق، فيقولون: لا يصح رهن هذه الأشياء.

    وبهذا نفهم أن عقود التوثقات أوسع من عقود المعاملات؛ لأن الرهن مجرد توثقة، فإن تُمكن أن يستوفى من هذه التوثقة فذاك، وإذا لم يُتمكن أن يستوفى من هذه التوثقة فإن حق المرتهن لا يضيع، وإنما هذا الرهن هو مجرد توثقة.

    فنأخذ من هذا: أن عقود التوثقة أوسع من عقود المعاملات، أو من عقود المعاوضات؛ لأن عقود المعاوضات هذه يقصد بها الكسب والربح، فلابد فيها من الضبط والتحرير، وأما الرهن فهو عقد توثقة يقصد به التوثق فقط للحق، وعلى هذا لو لم تتيسر هذه التوثقة فإن حق المرتهن لن يضيع، فقول المؤلف رحمه الله: (ويصح في كل عين يجوز بيعها) هذا فيه تضييق لعقد الرهن الصحيح؛ لأن عقد الرهن أوسع من ذلك؛ ولأن عقد الرهن إنما هو توثقة.

    فنقول: الصواب أنه يصح في الأعيان التي يصح بيعها كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، كما ذكر المالكية: هناك أعيان أخرى لا يصح العقد عليها ومع ذلك نقول: يصح أن تكون رهناً؛ لأن الرهن إنما هو مجرد توثقة، ولو فاتت هذه الوثيقة فإن حق المرتهن لا يفوت بل هو باق، فنأخذ من هذا أن الرهن أوسع من المعاوضة، وأن إلحاق الرهن بالمعاوضة فيه تضييق.

    وضع الرهن مع الحق وبعده

    قال المؤلف رحمه الله: (حتى المكاتب مع الحق وبعده).

    قوله: (مع الحق وبعده) يعني: يقول المؤلف رحمه الله: يصح الرهن مع الحق، ويصح الرهن بعد الحق، كأن يقول: بعتك السيارة بعشرة آلاف ريال مؤجلة على أن ترهنني كذا وكذا، أو ترهنني بيتك، أو أن ترهنني سيارتك ونحو ذلك، وهذا مع الحق، أو بعد الحق.

    فبعد الحق كأن يقرضه مثلاً: عشرة آلاف، وبعد أن تم القرض قال: أعطني رهناً، فيقول المقترض: خذ هذه السيارة رهناً أو نحو ذلك، فيصح مع الحق، وبعد الحق.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أنه لا يصح قبل الحق؛ لأنه قال: مع الحق وبعده، فظاهر كلامه أنه لا يصح قبل الحق، وهذا هو المذهب، ومذهب الشافعية.

    والرأي الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنه يصح قبل الحق، فلو أرهنه سيارته على أن يقرضه كذا وكذا، أو أن يبيعه بثمن مؤجل كذا وكذا، أو أن يعيره سيارته فهذا لا بأس به، يعني: لو تم عقد الرهن قبل الحق أو قبل الوجوب، فإن هذا جائز، قال: خذ هذه السيارة رهناً فقبلها رهناً على أن يقرضه عشرة آلاف، أو على أن يبيعه بثمن مؤجل، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    شروط أخذ الرهن من الراهن

    قال المؤلف رحمه الله: (في دين ثابت).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: يشترط أن يكون الرهن على دين ثابت، أو يكون على دين مآله إلى الثبوت، وكما سلف أن الرهن يكون للديون، ويكون للأعيان، فيكون بدين ثابت.

    وما هو الدين الثابت؟ الدين الثابت: هو الدين الذي لا يكون عرضة للسقوط كالقرض، والقرض دين ثابت، وثمن المبيع، وقيمة المتلف، هذه ديون ثابتة.

    كذلك أيضاً: إذا كان الدين يئول إلى الثبوت، فإن هذا لا بأس به، مثل ثمن المبيع في مدة الخيار، وثمن المبيع في مدة الخيار يئول إلى الثبوت؛ لأن العقد -حتى الآن- ليس لازماً، ومادام أن هناك خياراً فإن العقد ليس لازماً، لكن مآله إلى الثبوت، وإذا انتهى الخيار فإن العقد يثبت، ويلزم هذا الدين، فيصح بدين ثابت، وكذلك أيضاً يصح بدين يئول إلى الثبوت.

    كذلك أيضاً: يصح أخذ الرهن على الأعيان المضمونة، مثل: العارية، فالعارية على المذهب عين مضمونة، إذا تلفت في يد المستعير فإنه يكون ضامناً، وليست أمانة بل هي مضمونة -كما سيأتينا إن شاء الله- وعلى هذا لو طلب منه كتابه إعارة فللمعير أن يطلب رهناً على هذا الكتاب، قال: أنا أعطيك الكتاب، أو أعيرك الكتاب، لكن أعطني رهناً؛ لأنه ربما يتلف تحت يدك، وإذا تلف فإنه يضمنه مطلقاً تعدى أو لم يتعد، فرط أو لم يفرط، ففي الأعيان المضمونة يصح.

    ومثل ذلك: المقبوض بعقدٍ فاسد، فالمقبوض بعقد فاسد على المشهور من المذهب أن حكمه حكم الغصب.

    مثال ذلك: اشترى السيارة بثمن مجهول، والمشتري الآن قبض السيارة، يد المشتري على هذه السيارة كيد الغاصب، ويد الغاصب ضامنة، فإذا تلفت العين تحت هذه اليد فإن هذه اليد ضامنة مطلقاً تعدى، أو لم يتعد، فرط أو لم يفرط، يعني: هذه اليد ليست يد أمانة، فيقولون: المقبوض بعقد فاسد حكمه حكم المغصوب.

    وعلى هذا إذا اشترى السيارة بثمن مجهول أو قبض هذه السيارة، قلنا: رد هذه السيارة، قال: غداً أردها، قلنا: أعطنا رهناً، يصح أخذ الرهن هنا على المقبوض بعقد فاسد أو لا يصح؟ نعم، يصح أخذ الرهن على المقبوض بعقد فاسد، فالأعيان المضمونة هذه يصح أخذ الرهن عليها كما مثلنا، ومثله أيضاً: المقبوض على وجه السوم كما سيأتينا -إن شاء الله- في باب الضمان.

    أما الأعيان التي ليست مضمونة، فإنه لا يصح أخذ الرهن عليها، كالوديعة، وكمال الشركة، ومال المضاربة، والعين المستأجرة، والعين التي ليست مضمونة هي: كل عين قبضها الإنسان بإذن الشارع، أو بإذن المالك، فهذه عينٌ ليست مضمونة بل هي أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط.

    لزوم عقد الرهن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويلزم في حق الراهن فقط).

    يعني: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأن عقد الرهن عقد لازم، لكنه لازم من أي شيء؟ من جهة واحدة فقط، من جهة الراهن؛ لأن الراهن هو الذي عليه الحق، فالعقود من حيث اللزوم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: عقد لازم من الطرفين كعقد البيع، والإجارة، والسلم، ونحو ذلك، والصحيح: أن عقد المساقاة والمزارعة عقد لازم من الطرفين.

    القسم الثاني: عقد جائز من الطرفين، كعقد المضاربة، وعقد الشركة، وعقد الوكالة، وهذه عقود جائزة من الطرفين لكل واحد منهما أن يفسخ.

    القسم الثالث: عقد لازم من أحد الطرفين كعقد الرهن، وعقد الرهن هذا لازم من جهة الراهن؛ لكنه جائز من جهة المرتهن؛ لأن المرتهن له حق الوثيقة، والمرتهن له أن يسقط هذا الحق، وأما بالنسبة للراهن، فإن عقد الرهن حق لازم من جهته؛ لأن الحق عليه.

    رهن المشاع

    قال المؤلف رحمه الله: (ويصح رهن المشاع).

    والمؤلف رحمه الله سبق أن قال: (يصح الرهن في كل عين يجوز بيعها) ويدخل في ذلك المشاع؛ لأن المشاع يصح بيعه؛ لكن المؤلف رحمه الله تعالى نص على هذه المسألة دفعاً لخلاف الحنفية، فإن الحنفية يخالفون جمهور أهل العلم، ولا يرون صحة رهن المشاع.

    والصحيح في ذلك: ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن المشاع يجوز بيعه، وإذا كان كذلك فمن باب أولى أنه يجوز رهنه؛ لأن الرهن أوسع من البيع، لكن المؤلف رحمه الله -كما سلف- نص على هذه المسألة؛ لأن الحنفية يخالفون في المشاع، يعني: يتميز الحنفية فيما يتعلق بالمشاع، فالحنفية يُفردونه بأحكام خاصة، ومن هذه الأحكام ما ذكره المؤلف رحمه الله، فتجد أن المشاع عندهم يعني: المشترك وله أحكام خاصة فيما يتعلق بالوقف، وفيما يتعلق بالوصية، وفيما يتعلق بالبيع، وفيما يتعلق بالرهن، ويُفردون المشاع بأحكام خاصة خلافاً لجمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    رهن المبيع على ثمنه وضوابطه

    قال المؤلف رحمه الله: (ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره).

    يجوز رهن المبيع على ثمنه، وصورة ذلك: أن يشتري سيارة مثلاً، فيقول البائع للمشتري: أعطني الثمن، قال: غداً أعطيك الثمن، قال: السيارة تبقى رهناً حتى تأتي بالثمن، فهذا رهن المبيع على ثمنه، يعني: يحبس البائع السلعة رهناً حتى يأتي المشتري بالثمن، يقول المؤلف رحمه الله: بأن هذا المبيع -على كلام المؤلف رحمه الله- ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون المبيع مكيلاً، يعني: يحتاج إلى توفية كالمكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع، وكذلك أيضاً ما بيع بوصف أو رؤية متقدمة، على المذهب: هذه الأشياء لا يجوز رهنها على ثمنها، فهذه الأشياء المبيعة إذا بيعت السلعة بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو وصف، أو رؤية متقدمة، فهذه الأشياء الستة على المذهب لا يجوز أن ترهنها على ثمنها، والعلة عندهم في ذلك: أن هذه الأشياء -كما سلف- لا يجوز أن تُباع قبل قبضها.

    والرأي الثاني في هذه المسألة أنه يصح رهن هذه الأشياء على ثمنها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإذا اشترى منه مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً ولم يوف الثمن، فللبائع أن يحبس هذه السلعة رهناً حتى يأتي المشتري بالثمن، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب، وسبق أن ذكرنا أن عقد الرهن أوسع من عقد البيع، صحيح أن مثل هذه الأشياء لا تباع حتى تُقبض كما سلف؛ لكن عندنا أن عقد الرهن توثقة، وعقد الرهن أوسع من عقد البيع.

    القسم الثاني: ما عدا هذه الأشياء، كالمبيع جزافاً، أو المبيع برؤية حاضرة ونحو ذلك، فهذه يرى المؤلف رحمه الله -وهو المذهب- أنه يصح أن ترهن على ثمنها.

    استثناء من قاعدة: ما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه

    قال المؤلف رحمه الله: (وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه، إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع).

    يقول المؤلف رحمه الله: ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، وتقدم لنا أن الضابط على المذهب، أي: الضابط الذي يصح رهنه هو الذي يصح بيعه، وهذا الضابط ليس بالجملة، وإنما هو في الجملة، يعني: لا تندرج تحته جميع الصور؛ ولكنه تستثنى منه بعض الصور، قال: (إلا الثمرة والزرع الأخضر)، والثمرة قبل بدو الصلاح لا يصح رهنها، والزرع الأخضر قبل اشتداده، فالثمرة قبل بدو الصلاح لا يصح بيعها، ومع ذلك يصح رهنها، والزرع قبل اشتداده لا يصح بيعه، ومع ذلك يصح رهنه.

    هاتان المسألتان مستثنيتان من الضابط الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وما هي العلة؟ العلة: لا يصح البيع، فرق بين البيع وبين الرهن، فلا يصح البيع خشية العاهة، ولو فُرض أن العاهة جاءت لهذه الأشياء هل فات حق المرتهن أو لم يفت؟ لم يفت؛ لأن الراهن مجرد وثيقة وفاته الوثيقة؛ لكن الحق لا يزال باقياً في ذمة الراهن، على فرض حصول العاهة فإن حق المرتهن لا يفوت، وإنما فاته فقط الوثيقة، وأما حقه فإنه باق في ذمة الراهن.

    فمثلاً لو قال: أقرضني عشرة آلاف ريال، قال: هذه عشرة آلاف ريال قرض، أو اشترى سيارة منه بعشرة آلاف ريال مؤجل، قال: أعطني رهناً، قال: الرهن هذه الثمرة، والبسر الآن أخضر، هذا رهن يصح، مع أن هذه الأشياء لا يصح بيعها؛ لكن استثنيت هذه، وعلى تقدير أن هذه الأشياء تلفت، فإن حق المرتهن لم يتلف، والعشرة آلاف التي اقترضها الراهن لا تزال في ذمته وترجع عليه.

    وأيضاً كما ذكرنا أنه فرق بين عقد الرهن، وعقد البيع، وعقد التوثقة، وعقد المعاوضة وهذا مما يدل.

    ومن المسائل التي يفرقون فيها: الأمة مع ولدها، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يفرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه، وإذا كان الرقيق له أخ، فإنه إما أن تبيعهما جميعاً أو أن تبقيهما جميعاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ومع ذلك يقولون: يصح أن تُرهن الأمة دون ولدها مع أنه ما يصح أن تُباع الأمة دون ولدها؛ لكن يصح أن تُرهن الأمة دون ولدها، لماذا مع أن البيع لا يجوز؟ سلف التعليل كما تقدم.

    قبض الرهن

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يلزم الرهن إلا بالقبض).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا يلزم الرهن إلا بالقبض)، هذا هو المذهب وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، أي: أن الرهن لا يلزم بالعقد، والرهن لا يلزم إلا بالقبض، وعلى هذا لو أنه أقرضه عشرة آلاف ريال، وقال: أنا أقرضك العشرة بشرط أن ترهنني سيارتك، قال: قبلت وأعطاه العشرة؛ ولكن المقرض لم يأخذ السيارة، ولم يقبض السيارة التي اتفق على أن تكون رهناً، هل العقد لازم أو ليس لازماً؟ يقول: ليس لازماً، ولو أن المقترض الراهن باع سيارته صح البيع أو لم يصح البيع؟ على كلام المؤلف رحمه الله: يصح البيع؛ لأن العقد ليس بلازم مادام أن المرتهن الذي هو المقرض لم يقبض العين المرهونة، فإن العقد ليس لازماً، وعلى هذا فلو أن المقترض الذي هو الراهن تصرف بالسيارة فباعها، أو وقفها، أو وهبها، أو نحو ذلك، من التصرفات التي تنقل الملك، فإن هذا التصرف صحيح، لماذا؟ قال: لأن العقد ليس لازماً، ولا يلزم العقد في حق الراهن إلا بقبض المرتهن للعين المرهونة، وهذا هو رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله، ويستدلون على ذلك بظاهر قول الله عز وجل: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقبض درعه؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الضرع يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً )، وظاهر هذا أن المرتهن قد قبضهما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له أن ينتفع.

    الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه لا يلزم، وأنه يلزم لمجرد العقد، وإذا تم العقد، فإن الرهن يكون لازماً في حق الراهن، ولا يجوز له أن يتصرف، ويدل لهذا قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8]. وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وعليه عمل الناس اليوم، فتجد أن الإنسان يقترض مائة ألف ويُرهن بيته الذي هو ساكنه، هنا المرتهن ما قبض البيت، وإنما البيت الآن في يد الراهن، في يد المقترض، ومع ذلك لا يملك أن يتصرف فيه، هذا القول عليه عمل الناس، وفيه توسعة لهم.

    شرط القبض للعين المرهونة

    قال رحمه الله: (واستدامته شرط فإن أخرجه على الراهن باختياره زال لزومه، فإن رده إليه عاد لزومه إليه).

    قوله: (واستدامته شرط) يعني: استدامة القبض شرط في اللزوم. وعلى هذا لو أن المرتهن قبض العين المرهونة ثم أخرجها إلى الراهن زال اللزوم، لو قال: أقرضني عشرة آلاف ريال، قال: هذه عشرة قرض، قال: أعطني رهناً، قال: هذه السيارة رهن، فالمرتهن الآن قبض السيارة، ثم إن الراهن احتاج إلى هذه السيارة فأتى المرتهن، وقال: أعطني السيارة أحتاجها الآن لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة، زال لزومه إذا أخرج المرتهن العين المرهونة إلى الراهن، فإن اللزوم يزول، وعلى هذا لا يعود اللزوم إلا بأن يقبضها المرتهن مرة أخرى، فيزول اللزوم إذا أخرجها إلى الراهن وله أن يتصرف فيها، يعني: لو تصرف صح تصرفه، وإذا رد الراهن العين المرهونة إلى المرتهن مرة أخرى، فإن اللزوم يعود.

    ضوابط التصرف في العين المرهونة

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا ينفذ تصرف واحد منهما بغير إذن الآخر إلا عتق الراهن، فإنه يصح مع الإثم، وتؤخذ قيمته).

    حكم التصرف في العين المرهونة، أما المرتهن فلا يملك التصرف في العين المرهونة، لماذا؟ لأنه ليس مالكاً، وإنما له حق التوثق فقط، فالمرتهن لا يملك أن يتصرف بالعين المرهونة ببيع، أو وقف، أو إجارة؛ لأن العين في يده إنما هي أمانة وتوثقة، وليس مالكاً، وأما تصرف الراهن، فنقول: بأن تصرف الراهن ينقسم إلى:

    القسم الأول: التصرف بما ينقل الملكية، كالوقف، والبيع، والهبة، ونحو ذلك فنقول: بأن هذا التصرف باطل ولا يصح؛ لما في ذلك من إبطال حق المرتهن من الوثيقة.

    القسم الثاني: التصرف في منافع العين المرهونة، فهل يملك الراهن أن يتصرف في منافع العين المرهونة، أو نقول: بأنه لا يملك ذلك؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن الراهن لا يملك أن يتصرف في منافع العين المرهونة، يعني: إذا كان الرهن بيتاً فإنه لا يملك أن يؤجر هذا البيت، وإن كان سيارة لا يملك أن يؤجر هذه السيارة إلا بإذن المرتهن، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: أن الراهن يملك أن يتصرف في منافع العين المرهونة، وهذا قول الشافعية، وهو الصواب؛ لكن التصرف في منافع العين المرهونة، يقول: يملك الراهن بما يعود بالمصلحة على الرهن.

    فمثلاً: لو أراد أن يُعير العين المرهونة، هل يملك ذلك أو لا يملك؟ لا يملك؛ لأن العارية تنقص العين المرهونة؛ لكن لو أراد أن يؤجر العين المرهونة، نقول: يملك ذلك أو لا يملك؟ نقول: نعم يملك ذلك؛ لأن هذا فيه مصلحة للرهن، فالأجرة فيها مصلحة للراهن والمرتهن، ومصلحة المرتهن أن الأجرة ستكون رهناً زيادة توثقة، ومصلحة الراهن أن هذه المنافع لا تضيع عليه بل يُسدد من هذه الأجرة.

    إذاً فيما يتعلق بمنافع العين المرهونة، هل يملك الراهن أو لا يملك؟ نقول: الصواب ما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله: أن الراهن يملك أن يتصرف في منافع العين المرهونة؛ لكن يشترط أن يكون ذلك بما يعود على الرهن بالمصلحة، كالتأجير، أما العارية فما يملك ذلك إلا إذا أذن المرتهن؛ ولكن فيما يتعلق بالمنافع وإن لم يأذن المرتهن فمادام أنه فيه مصلحة. كالتأجير هنا فيه مصلحة لكل منهما، فالصواب في ذلك ما ذهب إليه الشافعية.

    القسم الثالث: من تصرفات الراهن قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إلا عتق الراهن)، القسم الثالث من تصرفات الراهن: إعتاقه للعين المرهونة.

    فمثلاً: لو اقترض أو اشترى بثمن مؤجل وأعطى رقيقه رهناً، بعد أن رهن رقيقه ذهب وأعتقه، فهل ينفذ هذا العتق أو لا ينفذ؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (إلا عتق الراهن، فإنه يصح مع الإثم)، وهذا هو المذهب.

    والرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا ينفذ، فلماذا يقولون في المذهب: ينفذ؟ يقولون: ينفذ؛ لأن الشارع يتشوف إلى العتق، وأيضاً يقولون: بأن العتق مبني على السراية والتغليب، فالسراية: إذا كان يملك جزءاً من هذا الرقيق ثم أعتقه، فإنه يسري عليه إذا كان موسراً، والتغليب: لو قال: رقيقي حر، فإنه يعتق كل رقيقه، ولو قال -مثلاً- أيضاً: يد رقيقي حرة، أو يدا رقيقي حرتان، أو رأس رقيقي حرة، فإنه يعتق عليه جميع رقيقه.

    والصواب في هذه المسألة: هو الرأي الثاني، هم يقولون: كحكم وضعي ينفذ لكن كحكم تكليفي يأثم، والصواب في هذه المسألة أنه يحرم كحكم تكليفي، ولا ينفذ كحكم وضعي؛ لأن هذا فيه إبطال حق المرتهن من الوثيقة.

    قال رحمه الله: (وتؤخذ قيمته رهناً مكانه).

    يعني: هذا على المذهب أنه ينفذ، فنقول: بأن العتق ينفذ، ويطالب الراهن بقيمة الرهن وقتاً، كم يساوي الرهن وقت الإعتاق؟ فنجعل هذه القيمة رهناً مكان الرقيق الذي أُعتق؛ لأنها بدل عنه، والصحيح في هذه المسألة كما سلف لنا أن العتق أصلاً لا ينفذ.

    نماء الرهن وغرمه

    قال رحمه الله: ( ونماء الرهن وكسبه، وأرش الجناية عليه ملحق به).

    نماء الرهن سواء كان النماء متصلاً أو منفصلاً فإنه ملحق بالرهن، فمثلاً: لو أن الرهن بقرة، ثم ولدت البقرة فقال الراهن: أنا رهنت البقرة أعطوني الولد، هل يملك أن يأخذ الولد أو لا يملك أن يأخذ الولد؟ نقول: لا يملك أن يأخذ الولد، والولد هذا تبع لأمه يكون رهناً، ولو كان الرهن بيتاً وأجرنا هذا البيت، فقال الراهن: أنا أريد أن آخذ الأجرة، والبيت يبقى رهناً؛ ولكن الأجرة تكون لي، نقول: لا، والأجرة تكون رهناً مع البيت، فنماء الرهن الغنم بالغرم، ونماء الرهن يكون تبعاً للرهن.

    قوله: (وكسبه)، وسواء كان أيضاً متصلاً أو منفصلاً، فإنه يكون تبعاً له، وأيضاً كسبه، لو كان الرهن رقيقاً وهذا الرقيق اكتسب: باع واشترى، فنقول: بأن كسبه يكون رهناً معه.

    قوله: (وأرش الجناية عليه ملحق به) أرش الجناية عليه، كرهن سيارة، فجاء شخص وضرب السيارة وكسر الزجاج فنطالبه بالأرش، أرش الجناية على السيارة، وكم أرش الجناية؟ يُقدر بألف ريال، فنأخذ الألف، وتكون ملحقة هذه الألف بالرهن، أي: تكون رهناً معه.

    قال رحمه الله: (ومؤنته على الراهن).

    أي: مؤنة العين المرهونة، فالعين المرهونة قد تكون حيواناً تحتاج إلى طعام وشراب، وقد تكون سلعاً تحتاج إلى مخازن، ونحو ذلك، فنقول: بأن المؤنة تكون على من؟ على الراهن؛ لأنه ملكه، وكما أن الكسب يكون له، كذلك أيضاً: الغنم بالغرم، كما أن غنمه يكون له كذلك أيضاً الغرم يكون عليه؛ ولهذا قال المؤلف: (ومؤنته على الراهن).

    قال رحمه الله: (وكفنه وأجرة مخزنه) كفنه لو مات، أجرة مخزنه إذا كانت سلعاً تحتاج إلى مخزن تُحفظ فيه، نقول: هذا المخزن، أو أجرة المخزن يكون على الراهن.

    ما يلزم المرتهن إذا تلف الرهن

    قال رحمه الله: (وهو أمانة في يد المرتهن، إن تلف من غير تعد منه فلا شيء عليه).

    إذا قبض المرتهن العين المرهونة فهو أمانة في يده؛ لأنه قبض بإذن المالك فيكون أمانة في يده، ومقتضى ذلك إذا تلفت هذه العين المرهونة فإن كان ذلك بتعد وتفريط من المرتهن فإنه يكون ضامناً، وإن كان بغير تعد ولا تفريط منه فإنه لا ضمان عليه.

    وإذا تلفت العين المرهونة في يد المرتهن، وهو لم يتعد ولم يفرط هل ينقص ذلك شيء من دينه، أو نقول: بأنه لا ينقص شيئاً من دينه؛ ولكن إذا كان بتعد وتفريط منه فإنه يكون ضامناً، ويُحسب عليه من دينه.

    قال رحمه الله: (ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه).

    إذا هلكت العين المرهونة، مثلاً: لو فرضنا أن العين المرهونة بقرة ثم ماتت هذه البقرة بغير تعد ولا تفريط من المرتهن، أو سيارة احترقت مثلاً، أو كتاب أتلفته الرياح والأمطار ونحو ذلك، فنقول: تلف العين المرهونة مادام أن المرتهن ما كان تحت يده لم يتعد ولم يفرط، نقول: بأنه لا يسقط بتلفه شيء من الدين ومن الحق الواجب في ذمة الراهن.

    قال رحمه الله: (وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين).

    قوله: (إن تلف بعضه) الضمير يعود إلى الرهن، (فباقيه رهن بجميع الدين) لأن الدين متعلق بجميع أجزاء الرهن، فلو فرضنا أن الرهن مائة صاع من البُر تلفت منه خمسون -يبقى خمسون رهناً- بجميع الدين، لا نقول: لما تلفت الخمسون الأولى ينفك نصف الدين.

    يعني: لو فرضنا أن عندنا مائة صاعٍ من البُر بعشرة آلاف، تلف منها خمسون صاعاً، هل نقول: ينفك نصف الدين، أو نقول: بأنه لا ينفك؟ نقول: لا ينفك؛ لأن الدين متعلق بجميع أجزاء الرهن، ولا ينفك شيء من الرهن مادام أنه بقي شيء من الدين، ولو بقي ريال واحد من الدين لا ينفك شيء من الرهن، فلو فرضنا أن الرهن بيت بمليون، وسدد كل ما عليه إلا مائة ريال، نقول: يبقى هذا البيت رهناً في هذه المائة لا ينفك أي شيء منه؛ لأنه متعلق بجميعه.

    وقت انفكاك الرهن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين).

    لما تقدم أن الدين كله متعلق بجميع أجزاء الرهن، فلو أن الراهن سدد الدين كله ما بقي إلا مائة ريال، وقال: أعطني، فالآن معك رهن عشر سيارات فأعطني تسع سيارات، فهل سيارة واحدة تقابل هذه المائة؟ وهل يُقبل قوله، أو لا يُقبل قوله؟ نقول: بأن قوله غير مقبول؛ لأن الدين متعلق بجميع أجزاء الرهن، فلو انفك الدين كله ما بقي إلا شيء يسير لا ينفك شيء من الرهن حتى يسدد جميع الدين.

    لو قال: أنا سددت الآن، أنا رهنتك عشر سيارات، فأعطني تسعاً، وتبقى سيارة بمائة ريال الباقية حتى يأتي آخر الشهر فأعطيك هذه المائة، نقول: للمرتهن أن يمتنع.

    الزيادة في الرهن دون الدين

    قال رحمه الله: (وتجوز الزيادة فيه دون دينه).

    هل تجوز الزيادة في الرهن؟ نعم، تجوز؛ لأن هذه زيادة توثقة، فمثلاً: أقرضه مائة ألف وأعطاه رهناً سيارة بعشرة آلاف ثم قال المرتهن للراهن: السيارة ما تكفي أعطني سيارة أخرى، فلا بأس إذا زاد في الرهن؛ لأنه زيادة توثقة.

    لكن هل تجوز الزيادة في الدين، أو لا تجوز الزيادة في الدين؟ فمثلاً: الرهن بيت بمليون ريال، والدين بعشرة آلاف، قال الراهن: أنا أعطيتك الآن بيتاً بمليون وأخذت عشرة أعطني عشرة تكون تحت الرهن -البيت- الذي بمليون، هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟ يقول المؤلف: لا يجوز، لماذا؟ قالوا: لأن الرهن اشتغل بهذه العشرة، والعشرة الأخرى لابد لها من رهن جديد، يقولون: الرهن الآن اشتغل بهذه العشرة والمشغول لا يُشغل فلابد من أي شيء؟ لابد من رهن جديد؛ ولكن إذا رضي المرتهن فالصواب أنه جائز ولا بأس به، أي: إذا رضي المرتهن أن يزيد الراهن في الدين، ويكون الرهن الأول رهناً في الدينين جميعاً، فإن هذا جائز ولا بأس به، وبه قال الإمام مالك ، وكذلك أيضاً الشافعي ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فالصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي واختاره شيخ الإسلام : أنه إذا رضي فهذا جائز ولا بأس به.

    سبحانك اللهم وبحمدك.