إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [12]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من ضوابط الربا، أنه إذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل، وإذا اختلفت الأنواع فلا بد من التساوي، ولا يصح بيع اللحم من الحيوان بجنسه، ومثله بيع الحب بدقيقه، وبيع العصير بأصله، ويصح بيع الدقيق بمثله، وعصيره بعصيره. هذا ومن البيوع المحرمة: مسألة مد عجوة ودرهم، وب

    1.   

    ضابط الجنس والنوع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً كبرٍّ ونحوه، وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان أجناس، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذا اللبن، واللحم والشحم والكبد أجناس، ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح غير جنسه، ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه ونيئه بمطبوخه، وأصله بعصيره، وخالصه بمشوبه، ورطبه بيابسه، ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف، وعصيره بعصيره، ورطبه برطبه، ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسه].

    تقدم لنا ما يتعلق بعلة الربا، وأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في علة الربا في الذهب والفضة على أقوال، وأن أقرب هذه الأقوال أن العلة هي الثمنية، وكذلك أيضاً اختلفوا في العلة في الأصناف الأربعة الباقية، وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة أن العلة هي الكيل، والشافعية يقولون: العلة هي الطعم، والمالكية يقولون: العلة هي الاقتيات والادخار، وشيخ الإسلام له قول: بأن العلة هي الطعم مع الكيل أو الطعم مع الوزن.

    وكذلك أيضاً سبق لنا شيء من الضوابط، ومن هذه الضوابط أنه لابد من المعيار الشرعي عند اشتراط التساوي، وذلك فيما إذا بيع ربوي بجنسه، فإذا بيع ربوي بجنسه فإنه لابد من التساوي، والتساوي لابد أن يكون بالمعيار الشرعي كيلاً في المكيلات، ووزناً في الموزونات، وإذا بادلنا ربوياً بربويٍ آخر اختلف معه في الجنس ولو اتفق معه في العلة فإنه لا يشترط التساوي، فإذا لم يشترط التساوي فيقول المؤلف رحمه الله: (جازت الثلاثة)، يعني يجوز أن تضبط بالكيل، ويجوز أن تضبط بالوزن، ويجوز أيضاً الجزاف يعني أن تبيع بلا ضبط وإنما يقتصر على الرؤية؛ لأن التساوي هنا ليس شرطاً.

    قال المؤلف رحمه الله: (والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً كبر ونحوه، وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان أجناس).

    سبق أن ذكرنا ثلاثة ضوابط من ضوابط الربا، وهذا هو الضابط الرابع: وهو ضابط الجنس وضابط النوع، فالجنس: يشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، وأما النوع: فإنه يشتمل على أشياء مختلفة بأشخاصها وأفرادها، هذا هو ضابط الجنس وضابط النوع.

    وعلى هذا نقول كما ذكر المؤلف: (الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً) ومثال الجنس: البر، فالبر جنس يشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، فالبر أنواع فهناك الحنطة، وهناك اللقيمي، وهناك المعية، فهذه كلها أنواع للبر.

    ومثال ذلك أيضاً: التمر، فهو جنس يشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، كالعجوة والسكري، والبرحي، فأنواع التمر كثيرة.

    وكذلك اللحم، فلحم الإبل جنس مشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، فهناك لحم الإبل العراض، ولحم الإبل البخاتي. ولحم الغنم أيضاً جنس مشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، فهناك لحم الضأن، وهناك لحم الماعز.

    ولحم البقر جنس؛ لأنه يشتمل على أشياء مشتملة بأنواعها، فهناك لحم البقر، ولحم الجواميس، ولحم البقر العراض.

    وقل مثل ذلك أيضاً في الحليب، وفي الدهن، فدهن الإبل جنس مشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، ودهن الغنم جنس مشتمل على أشياء مختلفة بأنواعها، فالجنس هو كما ذكر المؤلف بأنه اسم خاص يشمل أشياء مختلفة بأنواعها.

    وأما النوع: فهو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها وأفرادها، ومثال ذلك من أنواع التمر العجوة، فلو أن عندنا كيسين، في هذا الكيس الأول تمر عجوة، والكيس الثاني تمر عجوة، فالعجوة نوع مشتمل على أشياء مختلفة في أشخاصها وأفرادها، فهذا الكيس خلاف هذا الكيس لكن كل منهما نوع واحد، فعندك هذا كيس عجوة، وهذا كيس عجوة، وهذا كيس عجوة، هذه أنواع؛ لأنها مختلفة بأفرادها وأشخاصها وليست مختلفة بأنواعها.

    ومثال ذلك أيضاً الحنطة، فهذا كيس حنطة، وهذا كيس آخر من الحنطة وهذا كيس ثالث من الحنطة، فهذه نقول: بأنها أنواع؛ لأنها مختلفة بأشخاصها وأفرادها.

    فالضابط أن الجنس يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، والنوع هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها.

    البيع عند اختلاف الجنس واختلاف النوع

    الضابط الخامس: إذا اختلف الجنس جاز التفاضل، وإذا اختلف النوع واتحد الجنس فلا يجوز التفاضل، وعلى هذا الضابط فلا أثر لاختلاف النوع، أو اختلاف الصفة بالجودة والرداءة عند اتحاد الجنس الربوي، فعندما يتحد الجنس الربوي يجب التساوي ولو اختلف النوع، فمثلاً عندما تبادل تمراً سكرياً بتمر برحي، أو بتمر عجوة فإنه يشترط التساوي، فاختلاف النوع لا أثر له، واختلاف الصفات في الجودة والرداءة لا أثر له، وعندما تبادل براً جيداً ببر رديء فهذا الاختلاف في الصفات لا أثر له، بل يجب التساوي مادام أنه اتحد الجنس الربوي.

    ويدل لذلك حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الصحابة رضي الله عنهم: ( أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: يا رسول الله! نأخذ الصاع الجيد بالصاعين من الرديء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوه، عين الربا ) فلابد من التساوي حتى ولو اختلف النوع أو اختلف الوصف.

    أما إذا اختلف الجنس فلا يشترط التساوي، فعندما تبادل مثلاً براً بشعير فلا يشترط التساوي، وعندما تبادل ذهباً بفضة فلا يشترط التساوي، وعندما تبادل لحم إبل بلحم بقر فلا يشترط التساوي؛ لأن هذا اختلاف جنس، لكن عندما تبادل لحم إبل بخاتي بلحم إبل عراض، فهذا اختلاف نوع، واختلاف النوع لا أثر له، بل يجب التساوي؛ لأن الجنس متحد، فعندما تبادل دهن إبل بدهن بقر لا يشترط التساوي؛ لأن الجنس هنا مختلف، لكن عندما تبادل دهن ضأن بدهن ماعز يشترط التساوي، وعندما تبادل حليب ضأن بحليب ماعز يشترط التساوي؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف نوع، أما حليب الإبل، وحليب البقر، وحليب الضأن فهذا اختلاف جنس، فإذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل، وإذا اختلفت الأنواع مع اتحاد الجنس فإن التفاضل لا يجوز، ولهذا عرف المؤلف رحمه الله ما يتعلق بالجنس، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالنوع، فالبر تحته أنواع، والشعير تحته أنواع، والتمر تحته أنواع.

    فروع الأجناس أجناس

    قال رحمه الله: (وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان أجناس).

    فروع الأجناس أجناس كالأدقة، والمقصود بالدقيق الطحين، فعندنا بر طحناه فأصبح الآن دقيقاً، فالبر هذا جنس، والدقيق جنس، وطحين الشعير جنس، فعندما تبادل طحين بر بطحين شعير فإنه يجوز التفاضل؛ لأن كلاً منهما جنس مستقل، فطحين البر جنس، وطحين الشعير جنس، فإذا كان عندنا طحين الحنطة، وطحين أمعية، أو الجيمي لا يجوز التفاضل؛ لأن هذا اختلاف في النوع.

    وقوله رحمه الله: (والأخباز) يعني الخبز، فخبز البر جنس، وخبز الشعير جنس، فعندما تبادل خبز بر بخبز شعير لا يشترط التساوي لكن يجب التقابض، وعندما تبادل خبز بر بخبز بر يشترط التساوي على المشهور من المذهب، فلابد أن يتساويا في النشاف.

    وقوله رحمه الله: (والأدهان أجناس)، وهذا أشرنا إليه فدهن الإبل جنس، ودهن البقر جنس، ودهن الغنم جنس، وعندما تبادل دهن إبل بدهن بقر لا يشترط التساوي؛ لأن الجنس مختلف، لكن عندما تبادل دهن بقر جواميس بدهن بقر عراض فإنه يشترط التساوي؛ لأن الاختلاف هنا في النوع وليس اختلافاً في الجنس.

    قال رحمه الله: ( واللحم أجناس باختلاف أصوله وكذلك اللبن ).

    كما قلنا لحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الغنم جنس، وكذلك اللبن أجناس، فلبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس، ولبن الماعز جنس، فعندما تبادل لبن بقر بلبن إبل لا يشترط التساوي، لكن عندما تبادل لبن إبل بخاتي بلبن إبل عراض نقول: يشترط التساوي؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف نوع وليس اختلاف جنس.

    قال رحمه الله: ( والشحم والكبد أجناس ).

    الشحم أيضاً جنس، فشحم الإبل جنس، وشحم البقر جنس، وشحم الغنم جنس.

    وقوله رحمه الله: ( والكبد )، أي: والكبد أجناس، فكبد الإبل جنس، وكبد البقر جنس، وكبد الغنم جنس.

    1.   

    بيع اللحم بحيوان من جنسه

    قال المؤلف رحمه الله: ( ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه ).

    فلو بعت كبد إبل بلحم إبل، فهل هذا اختلاف نوع أو اختلاف جنس؟ فعلى كلام المؤلف أنه اختلاف جنس، وعلى هذا يجوز التفاضل، ولو بعت شحم إبل بلحم إبل أيضاً على كلام المؤلف أنه اختلاف أجناس، وعلى هذا يجوز التفاضل، ولا نقول بأنه اختلاف أنواع ولذلك قال المؤلف رحمه الله: ( ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح من غير جنسه ).

    آراء العلماء في بيع اللحم بالحيوان

    بيع اللحم بالحيوان للعلماء رحمهم الله في ذلك ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: ما ذكره المؤلف رحمه الله من التفصيل: أنه لا يصح بيع لحم بالحيوان إذا كان من جنسه، ويصح من غير جنسه، فمثلاً لحم الإبل لا يصح أن تشتري به بعيراً؛ لأنه من جنسه، لكن يصح من غير جنسه، فلحم الإبل يصح أن تشتري به شاة أو بقرة، هذا هو المشهور من المذهب.

    وكذلك أيضاً قال به الإمام مالك واستدل على ذلك بحديث زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان )، ولكن هذا الحديث مرسل.

    الرأي الثاني: أنه يجوز مطلقاً وهذا رأي الحنفية، فيصح أن تبيع اللحم بالحيوان سواء كان من جنسه أو من غير جنسه.

    الرأي الثالث: أنه لا يجوز مطلقاً وهذا قول الشافعية؛ لأنه ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كره بيع اللحم بالحيوان، وشيخ الإسلام رحمه الله له اختيار في هذه المسألة، وكذلك أيضاً ابن القيم فيقولان: إذا اشترى حيواناً بلحم من جنسه إذا كان مقصوده بالحيوان اللحم فإنه لا يجوز، وإذا كان لا يقصد اللحم وإنما يقصد الركوب ونحو ذلك فهذا جائز.

    فمثلاً: اشترى بعيراً بلحم بعير وهو يقصد اللحم، نقول: هذا لا يجوز، وإن كان لا يقصد اللحم فإن هذا جائز ولا بأس به، وعلى رأي شيخ الإسلام رحمه الله إذا اشترى بعيراً بلحم بعير وهو لا يقصد اللحم يجوز خلافاً للمذهب، وهذا هو أقرب الأقوال؛ لأن الحيوان ليس ربوياً أصلاً لأنه ليس مكيلاً ولا موزوناً، فهو معدود وليس ربوياً، لكن إذا قصد اللحم، فكأنه بادل هذا اللحم بجنسه، فإذا بادل هذا اللحم بجنسه دخل في الربا، فما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله هو الأقرب.

    1.   

    صور بيع الأجناس المحرمة

    بيع الحب بالدقيق

    قال رحمه الله: ( ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه، ونيئه بمطبوخه ).

    بيع حب كبُر لا يجوز أن تبيعه بدقيقه، يعني: بطحين بر؛ لأنه لا يمكن التساوي، أما بيع طحين بر بطحين بر، وبيع حب بر بحب بر فيمكن التساوي، أما كونك تبيع حب بر بطحين بر فلا يمكن التساوي؛ لأنه مع الطحن ينقص فلا يمكن التساوي.

    بيع الحب بالسويق

    وقوله رحمه الله: ( ولا سويقه )، السويق: هو دقيق الحنطة أو الشعير يحمص، ويعرض على النار، ثم يبل بالماء أو بالسمن، فلا يصح أن تبيع حب بر بسويقه يعني: براً مطحوناً، ومعروضاً على النار ومبلولاً بالماء؛ لأنه يتعذر التساوي، ويدل لذلك أيضاً حديث عبادة وحديث أبي سعيد وحديث سعد رضي الله عنهم في السنن: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك) ، فإذا تعذر التساوي نقول بأنه لا يجوز.

    بيع النيئ بالمطبوخ

    وقوله رحمه الله: ( ونيئه بمطبوخه )، يعني لا يصح أن تبيع النيئ بالمطبوخ، يعني بر لم يطبخ بخبز بر فكلام المؤلف أن هذا غير جائز، وهذا المذهب.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن ما خرج عن القوت بالصنعة فليس ربوياً، وإذا كان قوتاً قائماً بنفسه فإنه يكون جنساً مستقلاً، فلو كان عندك بر ثم خبزنا هذا البر، فالبر خرج عن القوت بالصنعة، وأصبح الآن خبزاً، وهذا الخبز إن كان قوتاً قائماً بنفسه فإنه يكون جنساً مستقلاً، وعلى هذا يصح أن تبادل خبزاً ببر؛ لأنه أصبح جنساً مستقلاً، هذا إن كان قوتاً، فإذا كان غير قوت خرج عن كونه ربوياً بالكلية، فلو فرضنا أن الخبز هنا لم يصبح قوتاً، فيصح أن تبادل خبزاً ببر، بمعنى أنه لما أصبح جنساً مستقلاً صح أنه تبادله بأصله، لكن بجنسه لا يصح، يعني الخبز يجوز أن تبادله بأصله وهو البر، لكن بخبز البر لا يجوز مادام أنه أصبح قوتاً فيكون جنساً مستقلاً، فلو قلنا بأن هذا الخبز لم يصبح قوتاً فإنه يجوز أن تبادله متفاضلاً بأصله هذا على كلام شيخ الإسلام ، وأيضاً بمثله خبزاً بخبز؛ لأنه الآن ما أصبح قوتاً، ولا أصبح جنساً مستقلاً، فخرج عن كونه ربوياً. فعلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا باع براً بخبز بر يجوز، هذا إذا قلنا بأن الخبز أصبح قوتاً قائماً بنفسه، وأما إذا قلنا بأن الخبز ما أصبح قوتاً لما خرج بالصنعة، فهذا جائز لا إشكال في ذلك، بل يجوز أن تبادل خبزتين بخبزة واحدة، لكن إذا كان قوتاً قائماً بنفسه فإنه يكون جنساً مستقلاً، فعندما تبادل خبزاً بخبز لابد من التساوي في النشاف والرطوبة.

    بيع العصير بأصله

    قال المؤلف رحمه الله: ( وأصله بعصيره ).

    مثل زيت الزيتون بالزيتون، فعلى المذهب هذا لا يجوز، لكن على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن زيت الزيتون لما عصر خرج بالصنعة عن كونه ربوياً، لكن إذا كان قوتاً قائماً بنفسه أصبح جنساً مستقلاً، فعلى كلام شيخ الإسلام لا بأس أن تبادل زيت الزيتون بزيتون؛ لأن كلا منهما أصبح جنساً مستقلاً، وإن كان غير قوت فهذا يصح أن تبادله بأصله وبمثله.

    بيع الخالص بالمشوب

    قال رحمه الله: ( وخالصه بمشوبه ).

    يعني لابد أن تبادل براً خالصاً ببر خالص، أما أن تبادل براً قد شيب ببر خالص فهنا يتعذر التساوي، فقال المؤلف رحمه الله: هذا لا يجوز.

    بيع الرطب باليابس

    قال رحمه الله: ( ورطبه بيابسه ).

    مثل بيع التمر بالرطب، وكذلك أيضاً العنب بالزبيب فهذا لا يجوز؛ لما في السنن من حديث سعد رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن بيع التمر بالرطب فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك )، ولهذا العلماء رحمهم الله يشددون في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكد على مثل هذه الأشياء فقال: ( البر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد ... ).

    1.   

    صور البيع الجائزة في الأجناس والأنواع

    بيع الدقيق بالدقيق

    قال رحمه الله: ( ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة ).

    يعني: يجوز أن تبيع طحين بر بطحين بر، لكن لابد أن يستويا في النعومة، وعلى هذا إذا اختلفا في الطحن، فهذا البر طحن ولكنه ليس طحناً تاماً بل مجروشاً جرشاً، وهذا البر طحن طحناً تاماً فنقول: لا يجوز التبادل؛ لأنه لابد أن يتساويا في النعومة.

    بيع المطبوخ بالمطبوخ

    وقال رحمه الله: ( ومطبوخه بمطبوخه ).

    يقول المؤلف رحمه الله بأن هذا جائز ولا بأس به، ومثله: (خبزه بخبزه إذا استويا في النشاف) والرطوبة، فالخبز الآن لا يمكن أن تكيله، لكن الخبز هنا يتساوى في النشاف والرطوبة، فيحتاج إلى الوزن؛ لأنه يتساوى بالوزن، وهذا كما ذكرنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا خرج عن القوت بالصنعة فإنه لا يكون ربوياً، لكن إذا كان قوتاًفإنه يكون جنساً قائماً بنفسه، بمعنى أنك تبادله بأصله وتفاضل، وإما بمثله، فإذا كان قوتاً فإنه لابد من التساوي، والتساوي هنا يحتاج إلى الوزن.

    بيع العصير بالعصير

    قال رحمه الله: ( وعصيره بعصيره ).

    مثل ماء العنب بماء العنب، أو زيت الزيتون بزيت الزيتون، فعندما تبادل زيت زيتون بزيت زيتون لابد من التساوي.

    قال رحمه الله: ( ورطبه برطبه ).

    كعنب بعنب، ورطب برطب، يعني إذا تساويا في ذلك كل ذلك يجوز.

    1.   

    بيع المحاقلة

    بقي عندنا مسألتان تتعلقان بهذه الأمور:

    المسألة الأولى: بيع المحاقلة .

    المسألة الثانية: بيع المزابنة.

    بيع المحاقلة: هي بيع الحب المشتد في سنبله بجنسه، بمعنى أنه يبيع الحب من البر المشتد -لأن الحب لا يجوز أن تبيعه حتى يشتد- بجنسه.

    مثلاً: هذا البر في السنابل تبيعه بكذا وكذا من أصواع البر، أو هذا الشعير تبيعه بكذا وكذا من أصواع الشعير، فنقول: هذا لا يجوز؛ لأنه لابد من التساوي عند مبادلة الربوي بجنسه وهنا يتعذر التساوي؛ لأنه لابد من المعيار الشرعي، فلابد من الكيل، ولهذا ثبت في حديث جابر في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة ).

    1.   

    بيع المزابنة

    المسألة الثانية: وهي ما يتعلق ببيع المزابنة.

    فالمزابنة في اللغة: مأخوذة من الزبن وهو الدفع الشديد.

    وأما في الاصطلاح: فهي بيع الرطب على رءوس النخل بثمر مجذوذ مثل كيله خرصاً، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة) والمزابنة هي أن يبيع الثمر على رءوس النخل بالتمر، والعنب بالزبيب.

    صورة بيع المزابنة

    وصورة المزابنة: أن تبيع التمر بالرطب على رءوس النخل بمثل كيله خرصاً، فمثلاً النخل يخرصها فإذا كانت تساوي إذا جفت ثلاثة أصواع فتبيع بثلاثة أصواع من التمر، فتقول: هذا لا يجوز، فهذه هي صورة المزابنة مثل كيله خرصاً.

    ومثله ثلث التمر اليابس يساوي ثلاثة أصواع أو عشرين صاعاً فيخرص الرطب على رءوس النخل بكم يساوي، فإذا قيل: يساوي عشرين صاعاً تأخذ منه عشرين صاعاً من التمر، فهذه هي المزابنة.

    وهذه المزابنة لا تجوز؛ لأنه لا يتحقق التساوي، ولهذا ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن بيع الرطب بالتمر )؛ لأن الرطب ينقص إذا جف؛ ولأن الخرص تقدير، فربما نخرص النخل فيساوي عشرين صاعاً، لكن قد يساوي أقل أو أكثر فنقع في الربا.

    استثناء العرايا من المزابنة وشروطها

    يستثنى من صورة المزابنة مسألة العرايا، فالعرايا هي من المزابنة إلا أنها مستثناة للحاجة، وصورة العرايا هي: أن تبيع الرطب على رءوس النخل بالتمر المجذوذ بمثل كيله خرصاً، إلا أن العلماء اشترطوا لها شروطاً.

    الشرط الأول: أن تكون في أقل من خمسة أوسق، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق )، وكما ذكرنا أن العرايا هي صورة المزابنة، ولهذا الحنفية يحرمونها يقولون: العرايا هي المزابنة، وكذلك أيضاً قول الإمام مالك رحمه الله أن العرايا محرمة؛ لأنهم يرون أن العرايا هي المزابنة، فهي بيع رطب بتمر يابس، لكن مادام أن النص قد جاء باستثناء هذه المسألة فيصار إلى ما جاء في النص.

    إذاً الشرط الأول: أن يكون ذلك فيما دون خمسة أوسق، أي: لا يبلغ خمسة أوسق؛ لأن الحديث جاء على وجه الشك، فالأحوط أن ينقص إلى أقل من خمسة أوسق، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً هو مذهب الشافعية وهذا هو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أنه لا بأس أن يصل إلى خمسة أوسق.

    والأحوط في ذلك ما ذكر عند الحنابلة والشافعية لحديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    الشرط الثاني: أن يبيعه خرصاً بمثل ما يؤول إليه إذا جف كيله، بمعنى أننا نخرص الرطب التي على رءوس النخل، فإذا كان يساوي عشرين صاعاً من التمر إذا جف يعطيه المشتري عشرين صاعاً من التمر اليابس.

    الشرط الثالث: التقابض، فالتمر اليابس قبضه بكيله، والرطب الذي على رءوس النخل قبضه بتخليته، يعني أن يخلي البائع بين النخلة وبين المشتري.

    الشرط الرابع: أن يكون محتاجاً إلى أن يأكله تفكهاً، أما إذا كان لا يهمه كالفقير لا يهمه سواء أكل من التمر اليابس أو أكل من الرطب فإنه لا يجوز، لكن إذا كان يحتاج إلى أن يأكل رطباً ويتفكه مع الناس فإنه يصار إلى هذا.

    الشرط الخامس: ألا يكون معه ثمن يشتري به الرطب، فإن كان معه ثمن يشتري به الرطب فإنه لا يصار إلى مثل هذه المعاملة.

    في أي شيء تكون العرايا

    هل العرايا خاصة في التمر، أو أنها تشمل سائر الثمار، أو حتى في غير الثمار؟

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أوسع الناس في هذه المسألة فيقول: العرايا كما تكون في التمر تكون أيضاً في بقية الثمار مثل الموز، ومثل الخوخ، ومثل المشمش، بل تكون في الزروع كلها، والمشهور من المذهب أنها خاصة في الرطب مع التمر، والشافعية يرون أنها في الرطب مع التمر، وفي العنب مع الزبيب، فإنهم يرون أن العنب كالرطب في وجوب الزكاة، لكن كما ذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية يتوسع في هذه المسألة، ويقول بأنها تجوز في سائر الثمار كالخوخ، والمشمش، والعنب مع الزبيب، وكذلك أيضاً في سائر الزروع.

    1.   

    مسألة مد عجوة ودرهم

    قال المؤلف رحمه الله: ( ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسه ).

    هذه المسألة تسمى بمسألة مد عجوة ودرهم، والعجوة: نوع من أنواع التمر، والدرهم معروف، وهو المضروب من الفضة.

    وضابط مسألة مد عجوة ودرهم: مبادلة ربوي بجنسه ومع أحدهما أو مع كل منهما من غير جنسهما، فمثلاً تبادل ذهب بذهب، ومع أحدهما من غير جنسهما أو مع كل منهما من غير جنسهما، أو تبادل تمراً بتمر، فقولهم مد عجوة ودرهم هذا إنما هو على سبيل المثال، وإلا إذا بادلت ربوياً بجنسه فتبادل براً ببر، ومع أحدهما من غير جنسهما، أو مع كل منهما من غير جنسهما، فهذا داخل في مسألة مد عجوة ودرهم، وقولنا: (مبادلة ربوي بجنسه) يخرج مبادلة الربوي بغير جنسه، فمثلاً: بر بشعير ومع أحدهما من غير جنسهما، أو مثلاً ذهب بفضة ومع أحدهما من غير جنسهما، نقول: هذا جائز ولا بأس به، أما الممنوع فهو إذا بادلت ربوياً بجنسه ومع أحدهما أو مع كل منهما من غير جنسهما.

    صور مسألة مد عجوة بدرهم

    ولهذه المسألة صورتان:

    الصورة الأولى: مبادلة ربوي بجنسه، ومع كل منهما من غير جنسهما، ومثال ذلك: مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم هذه الصورة الأولى.

    الصورة الثانية: أن يكون مع أحدهما من غير جنسهما، مثال ذلك: مد عجوة ودرهم بمدين، أو مد عجوة ودرهم بدرهمين، فهنا الآن بادلت تمراً بتمر ومع الأول من غير جنسهما وهو الدرهم، يعني مد بمدين ومع الأول درهم، أو مد عجوة ودرهم بدرهمين، فضة بفضة ومع الأول تمر، فهذه مسألة مد عجوة ودرهم.

    حكم مسألة مد عجوة ودرهم

    وهذا التبادل في مسألة مد عجوة ودرهم حكمه:

    أولاً: إذا كانت هذه المبادلة حيلة على الربا فلا شك في التحريم.

    ثانياً: أن يكون الزائد ليس مقصوداً لذاته وإنما جاء تبعاً، فهذا أيضاً لا يضر، فمثلاً عند مبادلة شاة ذات لبن بشاة ذات لبن، فهنا الربوي ليس مقصوداً لذاته، فالمقصود الشاة بالشاة، فالربوي هنا ليس مقصوداً بذاته، فهنا نقول: إنما جاء تبع، فنقول: هذا لا يضر، لكن إذا كان مقصوداً لذاته -كما مثلنا- وهذا يحصل الآن في بيع الذهب، عندما يذهب إلى الصائغ يعطيه حلياً ودراهم، ويأخذ منه حلياً، هذه داخلة في مسألة مد عجوة ودرهم، فيعطيه الحلي ويزيده ليشتري حلياً جديداً، فالمرأة معها ذهب قديم فتعطي الصائغ الذهب الذي معها، وتأخذ منه ذهباً جديداً وتضيف عليه دراهم، فهنا وقعت في مسألة مد عجوة ودرهم، ومسألة مد عجوة ودرهم موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    فأكثر العلماء على أنها محرمة ولا تجوز، واستدلوا على ذلك بحديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقلادة فيها ذهب وخرز، ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى تميز بينهما ). فهنا ذهب بذهب؛ لأن الدنانير ذهب والقلادة ذهب، ومع هذه القلادة خرز، والآن حصل مبادلة ذهب بذهب ومع أحدهما من غير جنسهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا، حتى تميز بينهما ).

    والرأي الثاني: أن هذه المعاملة جائزة إذا حصل التساوي، فمثلاً عندما تبادل مد بر بمد بر، ومع الأول درهم، ومع الثاني درهم، فالمد الأول يقابل المد الثاني، والدرهم الأول يقابل الدرهم الثاني، فإذا حصل التساوي فإن هذا جائز، أو مثلاً مد بر ودرهم بمدين من بر، فالمد الأول يقابل المد الأول، والدرهم يقابل المد الثاني إذا كانت هذه القيمة فقالوا: هذا جائز ولا بأس به، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن الأصل الحل، وهذا الزائد على الربوي يقابله الزائد في الربوي الآخر.

    والأقرب في هذه المسألة -والله أعلم- هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم؛ لأن هذا هو الأحوط، خصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم شدد عند اتحاد الجنس الربوي قال: ( مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد )، وحديث فضالة : ( حتى تميز بينهما )، فما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم هل الخرز يقوم مقام الزائد من الدنانير أو لا؟ بل أمره أن يزن وأن يضبط الوزن، فالذي يظهر -والله أعلم- وهو الأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، والله أعلم.