إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الربا من المعاملات التي حرمها الإسلام، وعدها من كبائر الذنوب، وهو ينقسم إلى قسمين: ربا فضل: وهو الزيادة في أحد الجنسين الربويين، وربا النسيئة: وهو تأخير أحد الربويين المتحدين في علة الربا. وقد وقع الخلاف في تحديد علة الربا والراجح أنها الثمنية في الذهب وا

    1.   

    الإقالة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإقالة فسخ تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن، ولا خيار فيها ولا شفعة.

    باب الربا والصرف:

    يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه، ويجب فيه الحلول والقبض، ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً، ولا موزون بجنسه إلا وزناً ولا بعضه ببعض جزافاً، فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة].

    تقدم لنا بقية أقسام الخيارات، ومن أقسام الخيارات التي تناولناها ما يتعلق بخيار التخبير بالثمن، وأنه يثبت في صوره الأربع: التولية والمرابحة والشركة والمواضعة.

    وتطرقنا أيضاً إلى خيار اختلاف المتبايعين، وأن اختلاف المتبايعين له صور منها: الاختلاف في قدر الثمن، والاختلاف في عين المثمن، والاختلاف في الأجل والشرط، والاختلاف في الاستلام والتسليم، والاختلاف بتغير ما تقدمت رؤيته، أو لتخلف صفة من صفات المبيع.

    تعريف الإقالة وتكييفها

    ثم بعد ذلك يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (والإقالة فسخ).

    الإقالة في اللغة: الرفع والفسخ، وفي الاصطلاح: ما يقتضي رفع العقد المالي بوجه مخصوص.

    والإقالة مستحبة لما فيها من تفريج كربة المسلم، فإن الإنسان قبل أن يتمكن من الشيء يكون راغباً فيه، فإذا تمكن منه ربما ندم على شرائه، وربما يتعجل الإنسان في بيع الشيء ثم بعد ذلك يندم بعد فواته من يده، فاستُحبت الإقالة لما فيها من تفريج كربة المسلم.

    وقول المؤلف رحمه الله: (الإقالة فسخ) هل الإقالة فسخ أو بيع؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن الإقالة فسخ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ودليلهم على ذلك أنها عبارة عن الرفع والإزالة، فهي رفع للعقد المتقدم، وإذا كان كذلك فإنها فسخ.

    ذهب بعض العلماء إلى أنها بيع لوجود المبادلة فيها. وهذا الرأي الثاني.

    والصواب في هذه المسألة: أنها فسخ وليست بيعاً، والكلام في أن الإقالة فسخ أو بيع يترتب عليه مسائل كثيرة ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد، فذكر في آخر كتابه بعض الفوائد، منها: الإقالة، هل هي فسخ أو بيع؟ وذكر ما يترتب على هذا الخلاف، وأن هذا الخلاف يترتب عليه مسائل كثيرة، وسنتعرض لشيء من هذه المسائل.

    الإقالة قبل قبض البيع

    قال المؤلف رحمه الله: (فتجوز قبل قبض المبيع).

    هذه المسألة الأولى: مما يترتب على الإقالة، هل هي فسخ، أو بيع؟ فإذا قلنا: بأنها فسخ فتجوز قبل قبض المبيع، وإذا قلنا: بأنها بيع فالبيع لا يصح إلا بعد قبض المبيع، وعلى هذا لو اشترى مبيعاً وقبل أن يقبضه طلب من البائع أن يقيله، وهو ما قبضه من البائع نقول: بأن هذا جائز لأنها فسخ، ولكن لو قلنا بأنها بيع فلابد أن يقبضه ثم بعد ذلك يبيعه مرة أخرى. هذه المسألة الأولى.

    الخيار في الإقالة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا خيار فيها).

    هذه المسألة الثانية: أنه لا خيار فيها، فإذا حصلت الإقالة نقول: بأنه لا خيار فيها، ولو قلنا: بأنها بيع فإنه يثبت فيها خيار المجلس، ولكن على القول: بأنها إقالة نقول: بأنه لا يثبت فيها الخيار.

    والصحيح في هذه المسألة: أن خيار الشرط ثابت، فلو قال: أنا أقيلك، ولكن لي خيار الشرط، فنقول: بأن هذا ثابت؛ لأن خيار الشرط أوسع من خيار المجلس، والصحيح أنه لا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأن خيار المجلس لا يثبت إلا في البيع وما كان في معنى البيع، وفيما يتعلق بخيار الشرط الصواب: أن خيار الشرط ثابت في سائر العقود، وأيضاً يثبت في الفسوخ، والصواب في ذلك أن خيار الشرط أمره واسع.

    صور الإقالة

    قال المؤلف رحمه الله: (بمثل الثمن).

    أي: الإقالة هل تجوز بأقل من الثمن أو أنه يشترط أن تكون بمثل الثمن؟ فهذه من المسائل المترتبة على الخلاف في الإقالة هل هي بيع أو فسخ؟ فإذا قلنا بأنها فسخ فمقتضي ذلك أن تكون بأي شيء؟ بمثل الثمن، ولهذا قال المؤلف: (بمثل الثمن)، ولو قلنا بأنها بيع صح بمثل الثمن، أو أقل من الثمن، أو أكثر.

    إذاً المؤلف رحمه الله يقول: (لابد أن تكون الإقالة بمثل الثمن لأنها فسخ وليست بيعاً). وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا بأس أن تكون الإقالة بأقل من الثمن، فمثلاً: اشترى السيارة بعشرة آلاف ريال، ثم قال المشتري للبائع: أقلني، قال: أنا أقيلك ولكن ما أعطيك إلا تسعة آلاف ريال، هو الآن اشتراها بعشرة آلاف، المشهور من المذهب أنه لا يصح أن يقيله إلا بعشرة آلاف لأنه اشتراها بعشرة آلاف، وإذا قال البائع: أنا لا أقيلك إلا بتسعة آلاف ريال فترجع السيارة وأعطيك تسعة آلاف، وأخصم عليك ألفاً، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ المشهور من المذهب أن هذا لا يصح.

    أو مثلاً: باع السيارة بعشرة آلاف ثم جاء البائع وقال للمشتري: رد عليّ السيارة وأعطيك العشرة آلاف، فقال المشتري: أنا أرد عليك السيارة، ولكن تعطيني ألفاً، فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟ المشهور من المذهب أن هذا ليس جائزاً. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني، أن هذا جائز ولا بأس به، بأقل من الثمن، أو أكثر.

    والصحيح في هذه المسألة: أنه تصح الإقالة بغير مثل الثمن، فمثلاً: لو قال البائع: أنا أقيلك لكن أخصم عليك ألفاً، فأنت اشتريت السيارة بعشرة آلاف فأرجع إليك السيارة وأعطاك تسعة آلاف، فنقول: الصواب أن هذا جائز ولا بأس به لأمرين:

    الأمر الأول: أن أخذ البائع شيئاً من الثمن فيه جبر للنقص الذي حصل في السلعة؛ لأن السلعة لما اشتُريت ثم رُدت فإنها تنقص في أعين الناس وفي أعين التجار، فكون البائع يأخذ شيئاً من الثمن، نقول: هذا جبر للنقص الحاصل في السلعة.

    والأمر الثاني: أن السلعة حُبست عند المشتري فمقابل هذا الحبس أي: أن البائع الآن لم يتمكن من التصرف فيها وفات عليها أُناس ربما يشترون هذه السلعة، فكونه يشترط شيئاً من الثمن مقابل الحبس ومقابل الضرر الذي لحقه نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    الشفعة في الإقالة

    وأيضاً من المسائل قال رحمه الله: (ولا شفعة فيها).

    لأنها فسخ وليست بيعاً، فلا تثبت بها الشفعة.

    وصورة المسألة لو أن زيداً وعمراً شريكان في أرض، لكن زيداً باع نصيبه على صالح، فأصبح الآن الشركاء عمرو وصالح بالأرض وزيد الشريك الأول، فإذا فسخ من صالح فالآن رجعت الأرض لزيد، والنصيب رجع لزيد، فهل لشريكه عمرو أن يُشفع أم ليس له أم يُشفع؟

    في الأول ما شفع ودخل صالح مدخل زيد وأصبحا شريكين.

    فالآن حصل الفسخ ورجعت الأرض والنصيب رجع لزيد، فهل لعمرو أن يُشفع على زيد ويأخذ كل النصيب أو نقول: ليس له أن يُشفع؟ نقول: مادام أنها فسخ وليست بيعاً فإنه لا يملك أن يُشفع؛ لأن الشفعة إنما تثبت في البيع ونحوه كما في انتقال النصيب، وسيأتينا إن شاء الله، ولكن هذا على القول بأنها فسخ وليست بيعاً نقول: لا تثبت الشفعة.

    الإقالة بعد نداء الجمعة وبعد اليمين

    أيضاً من المسائل المترتبة على هذا الخلاف هل الإقالة فسخ أو بيع؟ أنها هل تصح بعد نداء الجمعة الثاني أو لا تصح؟

    فإذا قلنا: بأنها بيع فإنها لا تصح بعد نداء الجمعة الثاني، وإذا قلنا: أنها فسخ فإنها تصح بعد نداء الجمعة الثاني.

    وأيضاً من المسائل المترتبة على هذا الخلاف لو حلف ألا يبيع، ثم عمل إقالة هل يحنث أو لا يحنث؟

    فإذا قلنا بأنها بيع فإنه يحنث، وإذا قلنا بأنها فسخ فإنه لا يحنث.

    1.   

    الربا

    ثم قال رحمه الله: (باب الربا والصرف).

    المؤلف رحمه الله تعالى سيتكلم هنا في قوله: باب الربا والصرف عن أحد نوعي الربا وهو ربا البيوع؛ لأنه لما تكلم عن البيع وأحكامه تكلم عن ربا البيوع، وأن الربا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ربا الدين.

    والقسم الثاني: ربا البيوع.

    وربا الدين أخطر من ربا البيوع، والآن المصارف والبنوك التقليدية التجارية تعمل على ربا الديون، وربا الديون هذا منعقد الإجماع على تحريمه وهو ربا أهل الجاهلية، ولهذا تجد أن بعض الناس يقول: المصارف هذه أو البنوك التجارية ما فيها ربا، لماذا؟ لأن الخلاف في الذهب والفضة، فإذا قلنا إن الوزن هو العلة في الذهب والفضة كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة فهذه لا يجري فيها الربا.

    أو مثلاً: على رأي الشافعية أن العلة هي جوهر الثمنية، فيكون الربا محصوراً في الذهب والفضة، لكن عند شيخ الإسلام وما عليه الآن المتأخرون والمجامع الفقهية أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، ويجري الربا في العملة، ولكن افرض لو قلنا: بأن الربا لا يجري في العملات، ولكنه يجري في الديون والذي تعمل عليه هذه البنوك الآن هو ماذا؟ هو ربا الديون، فهي تشتغل على ربا الديون، فربا الديون محكي الإجماع على تحريمه، فصحيح أن الظاهرية يخالفون فيما يتعلق بربا البيوع، ولكن بالنسبة لربا الدين فهو الذي أنكره القرآن وهو ربا أهل الجاهلية.

    وما يوجد في بعض الصحف ونحو ذلك من أن الربا لا يوجد في هذه المصارف فهذا فعل بعض المتعالمين الذين يجهلون مثل هذه الأشياء.

    والمؤلف رحمه الله تعالى ذكر هنا ما يتعلق بربا البيوع، فالربا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ربا الدين، وربا الدين له صورتان:

    صور ربا الدين

    الصورة الأولى: الزيادة في الدين إذا كانت مشروطة في العقد، فمثلاً: يشترط عليه أنه إذا لم يوفِ في وقت كذا وكذا فإن الدين يتضاعف ويزيد عليه.

    الصورة الثانية: ألا تكون الزيادة مشروطة، فالزيادة ليست مشروطة لكن إذا حل أجل الدين فإنه يطالبه بأن يسدد أو يربيه كما يفعل أهل الجاهلية، فإما أن تسدد وإما أن تربي، وهذا الآن يوجد له صور في البنوك وهو ما يسمى بقلب الدين، ولعلنا إن شاء الله نذكر شيئا من الصور المتعلقة بهذا.

    إذاً ربا الدين له صورتان:

    الصورة الأولى: أن تكون الزيادة مشروطة في أول العقد.

    الصورة الثانية: ألا تكون مشروطة لكن عند الحلول نطالبه إما أن يسدد وإما أن يزيد، وهذا الإجماع محكي على تحريمه.

    ويدل له قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، وأيضا قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] أي: لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.

    معنى الربا

    فالمؤلف رحمه الله سيتكلم عمَّا يتعلق بربا البيوع.

    الربا في اللغة: الزيادة.

    وأما في الاصطلاح: فهو زيادة في أشياء ونسأ في أشياء ومختص بأشياء.

    وقول المؤلف رحمه الله: (الصرف)، الصرف في اللغة: يطلق على معانٍ منها التصويت وهو مأخوذ من صريف النقدين، أي: تصويتهما في الميزان، وأما في الاصطلاح: فهو بيع نقد بنقد، وسيأتينا إن شاء الله.

    1.   

    أقسام ربا البيوع

    ربا البيوع ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ربا الفضل

    القسم الأول: قال رحمه الله: (يحرم ربا الفضل).

    الفضل في اللغة: الزيادة. وأما في الاصطلاح: فهو الزيادة في أحد الربويين اللذين اتحدا في الجنس.

    فمثلاً: ذهب بذهب، وكما سيأتينا في الضوابط لابد أن يكون يداً بيد مثلاً بمثل، ريالات بريالات، والريالات ربوية فعندما تبادل ريالات سعودية بريالات سعودية لابد أن يكون مثلاً بمثل يداً بيد، فإذا بادلت ريالاً بريالين، أو غراماً من الذهب بغرامين وقعت في ربا الفضل، وربا الفضل هو: الزيادة في أحد الربويين اللذين اتحدا في الجنس، وأما إذا اختلفا في الجنس فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد )، فعندما تبادل ذهباً بفضة، أو ريالات سعودية بدينارات كويتية فيجوز التفاضل، فمثلاً: تبادل مائة ريال بخمسين جنيهاً، نقول: هذا جائز ولا بأس به، لكن لابد أن يكون يداً بيد.

    فقولنا: اللذين اتحدا في الجنس يُخرج ما إذا اختلفا في الجنس، فإنه يجوز التفاضل، وإذا اتحدا فإنه لابد من التساوي، ولابد أيضاً من التقابض.

    وقول المؤلف رحمه الله: (يحرم ربا الفضل)، هذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى أن ربا الفضل محرم ولا يجوز، والأدلة على ذلك كثيرة، ومن ذلك قول الله عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، وأيضاً حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواءً بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ) أي وقع في الربا.

    ويدل لذلك أيضاً حديث أبي هريرة في تمر خيبر قال: (كنا نأخذ الصاع من التمر الجنب -أي: الجيد- بالصاعين من التمر، من الجمع -أي: التمر الرديء- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوه عين الربا )؛ لأنه حصلت الآن الزيادة، فتمر بتمر مع وجود الزيادة. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا يجري الربا إلا في النسيئة، وأما ربا الفضل فإنه لا يجري فيه الربا، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأسامة بن زيد ، وزيد بن أرقم والبراء .

    ودليلهم على ذلك حديث أسامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ربا إلا في النسيئة )، وفي لفظ: ( إنما الربا في النسيئة )، والجواب عن هذا سهل، فيقال: بأن المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ربا إلا في النسيئة )، و( إنما الربا في النسيئة ) المقصود بذلك: الربا الأغلظ والأشد.

    وأجاب بعض العلماء عن ذلك: أن المسلمين أجمعوا على ترك ظاهر هذا الحديث كما ذكر النووي رحمه الله تعالى.

    فالصحيح في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الإجماع منعقد على ذلك.

    القسم الثاني: ربا النسيئة

    القسم الثاني: ربا النسيئة.

    النسيئة في اللغة: التأخير، وأما في الاصطلاح: فهو تأخير القبض في أحد الربويين اللذين اتفقا في علة ربا الفضل.

    فمثلاً: عندما تبادل ذهباً بفضة، والعلة في الذهب والفضة ما هي؟ الثمنية على الصحيح، أي أنهما اختلفا في الجنس واتفقا في العلة، فإذا اختلفا في الجنس واتفقا في العلة فإنه يجب التقابض، وإذا لم يمكن التقابض فهذا هو ربا النسيئة، وسيأتي المؤلف رحمه الله ويعقد له فصلاً.

    1.   

    ما يجري فيه ربا الفضل

    قال رحمه الله: (في مكيل وموزون بيع بجنسه).

    هنا بين المؤلف رحمه الله العلة فقال: (يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه)، أي: لابد أن نفهم ما هو المال الذي يجري فيه الربا؟ وما هو المال الذي لا يجري فيه الربا؟

    فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة وحديث أبي سعيد عدد ستة أشياء، وفي حديث معمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لفظاً عاماً، وأيضاً في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زاد على ذلك ما يتعلق بالعنب.

    إذاً النبي صلى الله عليه وسلم عدد ستة أشياء: الذهب والفضة والبُر والشعير والتمر والملح، فهذه ستة أشياء، فهل الربا خاص بهذه الأصناف الستة، أو أنه شامل لهذه الأصناف ولغيرها؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك اتجاهان:

    الاتجاه الأول: اتجاه العد وأن الأموال التي يجري فيها الربا معدودة وليست محدودة، وهذا هو المشهور عن الظاهرية وكذلك أيضاً قال به ابن عقيل من الحنابلة، ونُسب أيضاً إلى طاوس وقتادة في أن الربا يجري في هذه الأصناف الستة فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عدد هذه الأصناف.

    الاتجاه الثاني: وهو رأي جمهور أهل العلم، وهو اتجاه الحد والضبط، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة في اتجاه الحد والضبط، وأن الربا يجري في هذه الأصناف الستة وفي غيرها.

    العلة في الذهب والفضة

    واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تلمس العلة، فعندنا الذهب والفضة، وعندنا الأصناف الأربعة الباقية، أما الذهب والفضة فالمشهور من مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة أن العلة هي الوزن، وعلى هذا يجري الربا في كل الموزونات، سواء كانت مطعومة أو غير مطعومة. وهذا الرأي الأول.

    فمثلاً يجري الربا عندهم في الحديد وفي الصفر وفي النحاس وفي الرصاص وأيضاً في اللحم وفي الشحم وفي الشعر وفي الوبر وفي الصوف وفي الحرير وفي القطن، فهذه الأشياء كلها موزونة. وسيأتينا إن شاء الله ضابط الموزون وضابط المكيل.

    إذاً يقولون: العلة هي الوزن، وعلى هذا يجري الربا عندهم في كل موزون، فعندما تبادل صوفاً بصوف فلابد من شرطين:

    الشرط الأول: التقابض.

    والشرط الثاني: التساوي بالوزن، أي: قطن بقطن وهكذا.

    والرأي الثاني: أن العلة في الذهب والفضة هي جوهر الثمنية، بمعنى أن الربا خاص بالذهب والفضة، وهذا هو مذهب الشافعية في هذه المسألة، وكذلك أيضاً المالكية بمعنى أن الربا لا يتعدى الذهب والفضة.

    والرأي الثالث: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره، وعليه الآن أكثر المتأخرين والمجامع الفقهية والهيئات الشرعية أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، أو نقول: علة الذهب والفضة غلبة الثمنية، وعلى هذا يجري الربا في كل ما اتخذه الناس ثمناً للأشياء.

    ومثل هذه الأوراق النقدية، فهذه ليست ذهباً ولا فضة، وليست مكيلة ولا موزونة، وقد تعارف الناس على أنها ثمن للأشياء، وعلى هذا يجري الربا في سائر الأوراق النقدية، فعندما تبادل هذه الأوراق بعضها ببعض فإن اتحد الجنس فلابد من شرطين: الحلول والتقابض والتساوي، وإن اختلف الجنس لابد من شرط واحد فقط وهو الحلول والتقابض. وهذا القول هو الصواب.

    وأما القول: أن العلة هي جوهر الثمنية فهذا يرجع إلى قول الظاهرية، وهو مردود لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وأيضاً نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معمر ذكر لفظاً عاماً فقال: ( الطعام بالطعام مثلاً بمثل )، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة)، وهي بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً، والنبي صلى الله عليه وسلم ما نص على العنب والزبيب في حديث عبادة وأبي سعيد .

    وأما القول: أن العلة هي الوزن فهذا رده ابن القيم في إعلام الموقعين وقال: هذه العلة ضعيفة، ويلزم من هذا التعليل سد باب السلم في الموزونات.

    وأيضاً هذا يصطدم مع حديث ابن عباس في الصحيحين الذي فيه جواز السلم في الموزونات، فالنبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجدهم يسلفون الثمار السنة والسنتين، فقال عليه الصلاة والسلام: ( من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ).

    فلو قلنا: بأن العلة هي الوزن، هل يصح أن تعطيه ذهباً وتأخذ منه حديداً بعد شهر أو بعد شهرين؟ لا يصح؛ لأن الحديد موزون والذهب موزون فلابد أن يكون يداً بيد، فهنا ينسد باب السلم في الموزونات، ولو قلنا: العلة هي الوزن لتبين أن التعليل بالوزن علة مطرحة، وأنها غير صحيحة.

    فالصواب في هذه المسألة: أن العلة هي الثمنية، وعلى هذا يجري الربا في الذهب والفضة، ويجري في كل ما اتخذه الناس ثمناً، وأما الحديد والنحاس، والرصاص، والشعر، والصوف، والوبر، فهذه الأشياء كلها لا يجري فيها الربا، ويبقى الربا محصوراً في الذهب والفضة وما تعارف الناس على أنه ثمن، فتعارف الناس على أن هذه الأوراق النقدية أصبحت أثماناً تقوم بها الأشياء، وبها تكون أروش الجنايات، وقيم المتلفات، وأصبح لها قيمة عرفية، والآن الدول تحمي مثل هذه الأوراق فهي معتبرة عند الناس اليوم، فدل ذلك على أنها تقوم مقام الذهب والفضة.

    وأما الحديد، والرصاص، والنحاس، والشعر فهذه الأشياء كلها لا يجري فيها الربا.

    العلة في الأصناف الأربعة

    بقينا في الأصناف الأربعة الباقية: البُر، والشعير، والتمر، والملح، فالمشهور من مذهب أحمد وأبي حنيفة أن العلة هي الكيل، وعلى هذا يجري الربا في كل مكيل سواء كان مطعوماً أو غير مطعوم، فيجري الربا في الرز، وفي الدُخن، وفي العدس، وفي الفول، وفي الذرة... إلخ.

    وكذلك أيضاً لو كان غير مطعوم فإنه يجري فيه الربا، مثل: الأشنان والجص، فهذه أشياء مكيلة يجري فيها الربا هذا المشهور من مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي الإمام مالك أن العلة هي الادخار والاقتيات، أي: أن هذه الأصناف الأربعة نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها قوت يقوت الناس وتدخر، والملح يُصلح به القوت، فالعلة هي الاقتيات والادخار وما يصلح به القوت.

    والرأي الثالث: وهو رأي الشافعية وهو أوسع المذاهب، والشافعية رحمهم الله هم أضعف الناس فيما يتعلق بعلة الربا، وكما سلف أن الشافعية رحمهم الله من أضعف الناس فيما يتعلق بالمعاملات.

    فالشافعية يقولون: العلة هي الطعم لحديث معمر في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الطعام بالطعام مثلاً بمثل )، فالعلة هي الطعم، وعلى هذا كل ما كان مطعوماً فإنه يجري فيه الربا سواء كان قوتاً أو غير قوت، يُدخر أو لا يُدخر، مكيلاً أو غير مكيل، وأيضاً يجري الربا في البُر والشعير والبرتقال والتفاح والموز، وكل ما كان مطعوماً فإنه يجري فيه الربا.

    والرأي الرابع: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة أن العلة هي: الطعم مع الكيل، أو الطعم مع الوزن؛ لأن هذه الأصناف الأربعة هي مطعومة مكيلة، فالطعم مع الوزن؛ لكي يدخل في ذلك ما يتعلق باللحم والشحم، وأيضاً هذه الأشياء ربما أنها تكون مقتاتة عند الناس، فالعلة هي الطعم مع الكيل، أو الطعم مع الوزن.

    والذي يظهر والله أعلم: أن أقوى الأقوال في هذه المسألة: هو إما مذهب المالكية وهو الاقتيات والادخار، أو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    وبعد أن عرفنا العلة في الذهب والفضة، والعلة في الأصناف الأربعة يتبين لنا ما هو المال الذي يكون ربوياً؟ وما هو المال الذي لا يكون ربوياً؟

    فمثلاً: عندما تبادل بُر ببُر نقول: هذا ربوي بربوي، فلابد عند اتحاد الجنس من التساوي والتقابض، وبُر بشعير نشترط التقابض فقط؛ لأنهما يتفقان في العلة، وكذلك إذا بادلت برتقالة ببرتقالتين هل يجري فيها الربا أو لا يجري؟ ففي مذهب أبي حنيفة لا يجري فيها الربا؛ لأن العلة عندهم إما الوزن وإما الكيل، والحنابلة كالحنفية لا يجري فيها الربا؛ لأن العلة عندهم إما الوزن أو الكيل.

    وعند الشافعية برتقالة ببرتقالتين يجري فيها الربا؛ لأن العلة عندهم الطعم.

    وعند المالكية لا يجري؛ لأنها ليست قوتاً، وليست مدخرة.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هل يجري فيها الربا أو لا يجري؟ لا يجري؛ لأن العلة عنده الطعم مع الكيل، أو الطعم مع الوزن، والبرتقالة هذه ليست مكيلة وليست موزونة وإنما هي معدودة أي داخلة في العد، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بضوابط المكيلات والموزونات.

    وكذلك كتاب بكتابين، فكتاب بكتابين لا يجري فيه الربا بالاتفاق، فعند الحنفية والحنابلة لا يجري فيه الربا؛ لأنها ليست مكيلة ولا موزونة.

    وعند الشافعية لا يجري فيه الربا، وعند المالكية لا يجري فيه الربا؛ لأن المالكية كما تقدم في الذهب والفضة يقولون: جوهر الثمنية، وأما في الأصناف الأربعة الباقية فيقولون: الاقتيات والادخار.

    وعلى هذا فقس، ثوب بثوبين لا يجري فيه الربا، فالثياب والسيارات، وسائر الأمتعة، والأقلام، وسائر الآلات وسائر الألبسة هذه لا يجري فيها الربا.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (في مكيل وموزون بيع بجنسه) هنا نعرف ما هو الربوي، فإذا قالوا: ربوي عند أهل المذهب، وذلك إذا باع ربوياً أو عند مبادلة ربوي، فيقصدون بالربوي عند الحنابلة المكيلات والموزونات، فالمصطلح عندهم في الربوي هي المكيلات والموزونات.

    1.   

    شروط مبادلة الربوي بجنسه

    قال رحمه الله: (ويجب فيه الحلول والقبض).

    هذا هو الضابط، والضوابط سبق أن ذكرناها في باب الربا، وقلنا: الضابط الأول: عند مبادلة ربوي بجنسه فإننا نشترط شرطين:

    الشرط الأول: التساوي.

    والشرط الثاني: الحلول والتقابض.

    لكن هل هناك فرق بين الحلول والتقابض، أو ليس هناك فرق؟ يعني: قول المؤلف: (الحلول والقبض) هل هذا من قبيل المترادف، أو أنه من قبيل المتباين؟

    نقول: هذا من قبيل المتباين؛ لأنه قد يكون حالاً لكنه غير مقبوض، وقد يكون مقبوضاً لكنه ليس حالاً، فلابد من أمرين: من القبض ومن الحلول، مثلاً يقول: اقبض الذهب فتقبضه ولكن يكون وديعة عندك، وتستوفيه غداً، نقول: هذا لا يجوز بل لابد أن يكون حالاً ولا يكون مؤجلاً فيقبضه مع الحلول، فيكون حالاً، وقد يكون حالاً لكن ما يقبض، كأن يقول: تأتي غداً وتقبضه مني، فنقول: لابد من الحلول وأيضاً لابد من التقابض.

    قال رحمه الله: (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً، ولا موزون بجنسه إلا وزناً).

    هذا الضابط الثاني: عند اتحاد الجنس يشترط التساوي، والتساوي لابد أن يكون بالمعيار الشرعي كيلاً في المكيلات ووزناً في الموزونات، ولا يتم التساوي إلا إذا كان الضابط بالمعيار الشرعي كيلاً في المكيلات ووزناً في الموزونات.

    وعلى هذا؛ إذا بعت صاع ذهب بصاع ذهب ما هو الحكم؟ ربا، مع أنه يقول: صاع ذهب بصاع ذهب، نقول: ربا؛ لأنك ما ضبطه بالمعيار الشرعي، فلابد أن تضبطه بالمعيار الشرعي، والذهب لا يوزن بالكيل بل يضبط بالوزن، فلابد أن يكون غراماً بغرام، أو كيلو بكيلو، وأما أن تضبطه بغير معياره فإنه ربا.

    ولو قلنا: عشرة كيلو بُر بعشرة كيلو بُر، فهل يجوز أو لا يجوز؟ نقول: لا يجوز، فعشرة كيلو بُر بعشرة كيلو بُر ربا، لماذا؟ لأنك ما ضبطه بمعياره الشرعي، والبر لا يضبط بالوزن بل يضبط بالكيل، أو يضبط بالصاع، أو بالمُد، وأما أن تضبطه بالوزن نقول: لا يصح.

    إذاً الشرط الثاني: لابد من أن نشترط التساوي عند اتحاد الجنس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شدد في ذلك وقال: ( الذهب بالذهب مثلاً بمثل سواء بسواء )، وقال: ( الذهب بالذهب وزناً بوزن )، فعندما تباع هذه الأصناف ويتحد الجنس الربوي فهذا الشارع شدد فيه، فلابد أن يكون بالمعيار الشرعي، قال المؤلف: (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا).

    نعم لا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً، ولا موزون بجنسه إلا وزناً، ولكن لو اختلف الجنس فإنه يجوز بمعياره الشرعي وبغير معياره الشرعي؛ لأنه لا يشترط التساوي، فنحن نحتاج إلى المعيار لكي يضبط التساوي، فإذا اختلف الجنس فلا نحتاج إلى التساوي، ولهذا لا نحتاج إلى المعيار الشرعي ولا يشترط التساوي.

    وقوله: (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلاً)، يُفهم منه أنك إذا بعته بغير جنسه فاضبطه بما شئت، حتى ولو تبيعه جزافاً بدون معيار شرعي فلا بأس؛ لأنه لا يشترط التساوي.

    فمثلاً: إذا بادلت ذهباً بفضة فضبطه بالصاع ليس فيه مشكلة؛ لأن التفاضل هنا جائز، فنحن نحتاج المعيار الشرعي لأجل التساوي، فإن اختلف الجنس الربوي فليس فيه حاجة للمعيار، فلو بعت هذه الكومة من الذهب بهذه الكومة من الفضة، نقول: أن هذا جائز ولا بأس به؛ لأننا نحتاج للمعيار الشرعي عند اتحاد الجنس الربوي، وأما إذا اختلف الجنس الربوي فإنك تضبطه بما شئت.

    وبهذا نأخذ الضابط الثالث: أنه إذا اختلف الجنس الربوي فإنه لا يشترط المعيار الشرعي.

    قال رحمه الله: (ولا بعضه ببعض جزافاً).

    أي: لا تبيع ذهباً بذهب بغير معيار شرعي جزافاً، كما تفعله بعض النساء، تعطيها الخواتم التي معها وتأخذ خواتم أخرى، أو تعطيها الإسوارة وتأخذ إسوارتها، فهل يجوز هذا أو لا يجوز؟ نقول: لا يجوز، فلابد من المعيار الشرعي ولا تبيع جزافاً.

    اختلاف الجنس عند المبادلة الربوية

    قال رحمه الله: (فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة).

    إذا اختلف الجنس جازت الثلاثة فمثلاً: ذهب بفضة فيجوز الكيل، ويجوز الوزن، ويجوز الجزاف؛ لأننا لا نشترط التساوي، فبع ذهب بفضة جزافاً بلا معيار شرعي، وإسوارة ذهب بإسوارة فضة ليس فيه مشكلة، فيجوز الكيل في صاع ذهب بصاعين فضة، ويجوز الوزن صاع ذهب بصاعين فضة، وكيلو ذهب بكيلوين فضة.