إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشروط في البيع تنقسم إلى قسمين: شروط صحيحة وهي شروط يقتضيها العقد، ومنها شروط في المنفعة، وشروط في الصفة، وشروط في المصلحة، وإلى شروط فاسدة مفسدة وذلك إذا رجع الشرط إلى ركن البيع أو شرطه بالإفساد والإبطال، وفاسدة غير مفسدة إذا لم يرجع إلى ركنه أو شرطه، و

    1.   

    بيع السلعة بثمن حاضر ثم شراؤها بأكثر منه نسيئة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الشروط في البيع: منها صحيح كالرهن المعين وتأجيل ثمنه، وكون العبد كاتباً أو خصياً أو مسلماً، والأمة بكراً، ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار شهراً، وحملان البعير إلى موضع معين، أو شرط المشتري على البائع كحمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله، وإن جمع بين شرطين بطل البيع.

    ومنها فاسد يبطل العقد كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر، كسلف وقرض وبيع وإجارة وصرف. وإن شرط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو لا يبيع ولا يهبه ولا يعتقه. أو إن اعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق، وبعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، وإلا فلا بيع بيننا صح، وبعتك إن جئتني بكذا، أو رضي زيد، أو يقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك، وإلا فالرهن لك، لا يصح البيع].

    تقدم لنا في الدرس السابق: ما يتعلق ببعض البيوع المنهي عنها، ومن ذلك: أن يبيع على بيع أخيه، أو أن يشتري على شرائه، وذكرنا أن البيع على بيع أخيه تحته صورتان: إما في الكمية أو في الكيفية، وتقدم لنا أيضاً متى يحرم البيع على بيع أخيه أو الشراء على شرائه، وأن ذلك يحرم في زمن الخيارين؛ لأنه في زمن الخيارين يتمكن من فسخ العقد بخلاف ما إذا لزم العقد بحيث لم يكن في زمن الخيارين، فإنه لا يتمكن من الفسخ.

    كذلك أيضاً، تقدم لنا حكم العقد في البيع على بيع أخيه، وفي الشراء على شرائه، وسبق لنا أيضاً ما يتعلق بحكم السوم على سوم أخيه، وأن السوم على سوم أخيه له صورتان، وكذلك أيضاً تقدم لنا مسألة العِينة، وذكرنا أن العينة: هي أن يشتري سلعةً بثمنٍ مؤجل، ثم يبيعها على بائعها الأول بأقل من ثمنها نقداً.

    وأن العينة تنقسم إلى قسمين: إما أن تكون باتفاق ومواطأة، وإما أن تكون بلا اتفاق ولا مواطأة، وذكر المؤلف رحمه الله ما يتعلق بمحترزات صورة العينة، وكذلك أيضاً تقدم لنا ما يتعلق بالتورق، وحكم مسألة التورق، وأن العلماء رحمهم الله تعالى لهم في التورق ثلاثة آراء: الرأي الأول: الجواز مطلقاً، والرأي الثاني: التحريم مطلقاً، والرأي الثالث: التفصيل في هذه المسألة. وكذلك أيضاً تقدم لنا ما يتعلق بالتسعير، وأن التسعير ينقسم إلى قسمين.

    وبقي عندنا -قبل أن ندخل في الشروط في البيع- مسألتان:

    المسألة الأولى: عكس مسألة العينة، وهي أن يبيعه سلعةً بثمنٍ حاضر ثم يشتريها بأكثر من ثمنها نسيئة، ومثال ذلك: زيدٌ باع السيارة على عمروٍ بعشرة آلاف وقبضها، ثم ذهب واشتراها ممن باع عليه بأكثر من ثمنها نسيئةً، أي: اشتراها بخمسة عشر مؤجلة، فهذه عكس مسألة العينة.

    فما حكم هذه المسألة؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن هذه المسألة جائزة، إذا لم تكن حيلة على الربا، وهذه الرواية نقلها أبو داود عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهي المذهب: أنها محرمة ولا تجوز.

    إذاً الرأي الأول: الجواز إذا لم يكن حيلة.

    والرأي الثاني: التحريم وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والأقرب في هذه المسألة: هو الرأي الأول، وأن عكس مسألة العينة جائزة إذا لم يكن هناك حيلة على الربا.

    نقول: الصواب أنها جائزة؛ لأنه باعه بثمن النقد وانتهى العقد الأول ثم عقد، فربما أنه اشتراها لغرض، يعني ما اشتراها لكي يتحيل على مبادلة المال بمال بزيادة، وإنما اشتراها لغرضٍ من الأغراض بأكثر من ثمنها نسيئةً، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    الاحتكار

    بقي عندنا المسألة الثانية، وهي: ما يتعلق بالاحتكار.

    تعريف الاحتكار وحكمه

    ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من احتكر فهو خاطئ )، والاحتكار في اللغة: الحبس، وأما في الاصطلاح فهو: أن يحتكر السلع حتى تقلَّ فيرتفع سعرها.

    والاحتكار حكمه محرم ولا يجوز؛ لما فيه من ظلم الناس، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من احتكر فهو خاطئ ).

    الأمور التي يكون فيها الاحتكار

    لكن اختلف العلماء رحمهم الله في أي شيءٍ يكون الاحتكار؟

    فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الاحتكار خاصٌ بأقوات الآدميين، مثل البُر، ومثل التمر، ومثل الذرة إلى آخر ما يقتاته الآدميون.

    وعند أبي حنيفة رحمه الله: أن الاحتكار شاملٌ لقوت الآدمي وقوت البهائم.

    وعند الإمام مالك رحمه الله وقول الظاهرية: أن الاحتكار شاملٌ لكل السلع، فكل احتكارٍ يدخل الضرر على الناس في أي سلعةٍ من السلع، فإن هذا محرم ولا يجوز.

    صور الاحتكار

    ولابد أن نفهم ما هو الاحتكار، فبعض الناس يشتري السلع حتى يأتي الوقت التي تقل فيه هذه السلع، ثم بعد ذلك يبيعها بزيادة، فهل هذا داخل في الاحتكار أو نقول بأن هذا ليس داخلاً في الاحتكار؟ نقول: بأن هذا ليس داخلاً في الاحتكار، فالاحتكار له صور:

    الصور الأولى: أن يشتري السلع، أن يشتري ما في السوق من السلع حتى تنفد أو تقارب على النفاد بقصد رفع أسعارها، ثم بعد ذلك يقوم بالبيع.

    الصورة الثانية من صور الاحتكار: أن يتفق التجار على عدم البيع إلا بسعر كذا وكذا.

    الصورة الثالثة من صور الاحتكار: أن يشتري السلع ويخزنها، فإذا ارتفع السعر قام وباعها، فهذه ليست داخلة في الاحتكار، يعني كونه يشتري سلعةً ثم بعد ذلك يحبس هذه السلع، -مع أن السلعة تكون موجودة في السوق، لكنه اشترى هذه السلع وحبسها حتى يرتفع السعر- ثم بعد ذلك يقوم ببيعها، فنقول بأن هذا ليس داخلاً في الاحتكار.

    الصورة الرابعة: أن يشتري السلع لا لقصد البيع، يعني يشتري سلعةً لا لقصد ارتفاع السلع، وإنما لحاجته إلى هذه السلع، كأن ينفقها على أهله ونحو ذلك، فإن هذا جائز ولا بأس به، ولا يدخل في الاحتكار المنهي عنه.

    الصورة الخامسة من صور الاحتكار: أن يتفق التجار على عدم بيع هذه السلع حتى يرتفع السعر، أو تتفق المصانع ألا تبيع هذه السلع حتى يرتفع السعر، نقول: بأن هذا داخل في الاحتكار، فهذه صورٌ خمس، منها أربع صور داخلة في الاحتكار، وصورة ليست داخلة في الاحتكار.

    1.   

    بيع الحاضر للباد

    بقي أيضاً من البيوع المنهي عنها: أن يبيع حاضر لباد، (والنبي صلى الله عليه وسلم، نهى أن يبيع حاضر لباد)، وبين ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيفية ذلك، وهو أن يكون له سمساراً، فلا يجوز أن يبيع حاضر لباد.

    وبيع الحاضر، يعني الحضري، للبادي لصاحب البادية، سواءٌ كان صاحب البادية أو صاحب المزرعة، أما قوله: (حاضر لباد)، فهذا مبني على التغليب، وإلا قد يكون صاحب مزرعة، أو قد يكون صاحب مصنع، وقد يكون صاحب بادية.

    صور بيع الحاضر للباد

    وبيع الحاضر للباد له صور:

    الصورة الأولى: أن يقصد الحاضر البادي أو البدوي لكي يبيع له، فنقول بأن هذا لا يجوز.

    الصورة الثانية: عكس هذه الصورة، أن يقصد البادي -الذي جاء من البادية أو نحو ذلك- الحاضر لكي يبيع له، فهذه يقول الفقهاء رحمهم الله: هذا جائز ولا بأس به.

    الصورة الثالثة: أن يكون البادي عالماً بالسعر، فإذا كان عالماً السعر فإنه لا بأس أن يبيع له الحاضر، وإن كان جاهلاً فإنه لا يجوز للحاضر أن يبيع له.

    الصورة الرابعة: أن يقصد الحاضر بيعها بسعر يومها، فإنه لا يجوز للحاضر أن يبيع له، أما إذا ضرب سعراً، أو حدد البادي سعراً لكي يبيع له الحاضر، فإنه لا بأس أن يبيع له الحاضر.

    الصورة الأخيرة: أن تكون هذه السلعة مما يحتاج إليه الناس، فإن كانت هذه السلعة مما لا يحتاج إليه الناس، فإن هذا جائز ولا بأس به، وظاهر الحديث العموم.

    1.   

    الشروط في البيع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الشروط في البيع).

    المراد بالشروط في البيع: ما يشترطه أحد المتعاقدين مما له به منفعةٌ ومصلحة.

    الفرق بين شرط البيع والشرط في البيع

    وفرقٌ بين شرط البيع والشرط في البيع، فالذي تقدم لنا هي شروط البيع -شروط العقد- وهنا الشرط في عقد البيع، ففرقٌ بين شرط البيع والشرط في البيع، والفرق الأول: أن شروط البيع من وضع الشارع، فالشارع هو الذي اشترط أن يكون المالك جائز التصرف، واشترط الرضا، واشترط أن يكون الثمن معلوماً وأن يكون المثمن معلوماً.

    وأما الشرط في البيع فهو من وضع العاقد، العاقد هو الذي يشترط، يقول: أنا أشتري السيارة بشرط أن تصلح فيها كذا، أو أن تغسلها، أو أن تعمل فيها كذا وكذا.

    الفرق الثاني: أن شرط البيع يكون قبل العقد، وأما الشرط في البيع فإنه يكون قبل العقد ويكون أيضاً في صلب العقد، ويكون أيضاً في زمن الخيارين، فمثلاً شرط الرضا يكون قبل العقد، لكن الشرط في عقد البيع يكون قبل العقد، مثلا يقول: أنا أشتري منك السيارة لكن بشرط أن تصلح الإطارات، هذا قبل العقد، أو يقول: اشتريت السيارة بشرط أن تصلح فيها كذا وكذا، أو يكون في زمن الخيارين، مثلاً اشترى منه سيارة في زمن خيار المجلس، أو في زمن خيار الشرط، فهو اشترى السيارة وشرط يومين، بعد أن مضى يومٌ قال: أشترط أنك تعمل كذا وكذا، فالشرط في العقد يصح أن يكون قبل العقد وفي صلب العقد وفي زمن الخيارين؛ لأنه في زمن الخيارين يملك ما هو أكبر من الشرط وهو فسخ العقد.

    الفرق الثالث: أن الإخلال بشرط البيع يترتب عليه الفساد، وأما الإخلال بالشرط في البيع فإنه لا يترتب عليه الفساد، وإنما يترتب عليه عدم الإلزام بالمعاملة.

    أدلة مشروعية الشروط في البيع

    والأصل في الشروط في البيع: الحل والصحة، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه: الشرط فيه، وأيضاً حديث عقبة بن عامر في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحق الشروط أن توفوا بما استحللتم به الفروج )، فدلّ على أن الشروط يجب أن يوفى بها، لكن أشدها توفيةً هي الشروط في عقد النكاح، وحديث أبي هريرة معلقاً في البخاري : ( المسلمون على شروطهم ).

    1.   

    الشروط الصحيحة في البيع

    قال المؤلف رحمه الله: (منها صحيحٌ).

    فالشروط في البيع تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: شروطٌ صحيحة، والشروط الصحيحة أربعة أنوع.

    الشروط التي يقتضيها العقد

    النوع الأول: الشروط التي يقتضيها العقد؛ فهذه شروط صحيحة بالاتفاق، فمثلاً العقد يقتضي تسليم الثمن للبائع وتسليم السلعة للمشتري حالاً، فإذا تم العقد فالأصل أن الثمن يسلم للبائع، فمثلاً: لو أنه اشترى سيارة بعشرة آلاف ريال، ثم بعد ذلك قال المشتري للبائع: ما شرطت أن يكون الثمن حالاً، الثمن يأتي بعد شهر فهنا ليس هناك حاجة للشرط؛ لأن هذا شرطٌ يقتضيه العقد، فالعقد يقتضي أن يكون الثمن حالّا وأيضاً تسليم السلعة، ولهذا يأتينا إن شاء الله أنه إذا لم يسلم الثمن فله حق الفسخ، فلو باعه الأرض، فقال: والله ما عندي مائة ألف، فيُمهل فترة يسيرة، فإذا لم يسلم فالبائع له حق الفسخ؛ لأنه حصل له ضرر في ذلك.

    ومثل ذلك أيضاً: أن المشتري له أن يتصرف في السلعة، بأن يبيع أو أن يهب أو أن يوقف، فهذه كلها شروط يقتضيها العقد، ولا توجد حاجة أن يقول: أنا اشتريت منك السيارة بشرط أن أبيعها، أو بشرط أن أوقفها، أو أن أوصي بها؛ لأن هذه كلها شروط يقتضيها العقد.

    ومثله أيضاً: أكل الطعام ولبس الثوب، فهذه كلها شروط يقتضيها العقد.

    فهذه الشروط التي يقتضيها العقد من نقل الملكية والتصرف والانتفاع والتسليم متفق عليها بين العلماء رحمهم الله، كما ذكرت أن أصحاب المتون لا يذكرونها للعلم بها، فهذا شيءٌ معلوم به، وإن كانوا يذكرونها في الشروح.

    شرط المصلحة

    النوع الثاني من الشروط الصحيحة: أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: (كالرهن المعين وتأجيل ثمنه) يعني شرط مصلحةٍ، تعود هذه المصلحة على العقد أو العاقد، ومثال ذلك: شرط الرهن، لو أن البائع اشترط أن يكون الثمن مؤجلاً، واشترط البائع رهناً بهذا الثمن المؤجل، نقول: هذا جائز، أو اشترط المشتري أن يكون الثمن مؤجلاً، فالبائع له أن يشترط كفيلاً أو ضميناً فهذه كلها شروط مصلحة.

    شرط الصفة

    النوع الثالث: شرط الصفة، وأشار إليه بقوله: (وكون العبد كاتباً أو خصياً أو مسلماً، والأمة بكراً)، وهذا جائزٌ باتفاق الأئمة، ولو اشترط مائة صفة، قال: أنا أشتري السيارة لكن بشرط أن تكون السيارة، إطاراتها نوعها كذا، ولونها نوعه كذا، وسرعتها تصل إلى كذا، وقوة المحرك يصل إلى كذا، والمراتب تصل إلى كذا. أو مثلاً اشترى البيت، وقال: أشترط أن تكون أسلاك الكهرباء صفتها كذا وكذا، ومواسير المياه تكون كذا، وما استخدم في الأساسات كذا، والأبواب كذا، فلك أن تشترط ما شئت من الصفات، فهذه ثلاثة أنواع، كلها يتفق عليها الأئمة.

    شرط المنفعة

    والذي يختلف فيه الأئمة رحمهم الله هو النوع الرابع: وهو شرط المنفعة، قال: (ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار شهراً وحملان البعير إلى موضعٍ معين، أو شرط المشتري على البائع كحمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله، وإن جمع بين شرطين بطل البيع).

    هذا النوع الرابع: وهو شرط المنفعة، وهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، ولهم في ذلك آراء:

    الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يجوز أن يُشترط منفعة واحدة فقط، ولابد أيضاً أن تكون هذه المنفعة إما في البائع أو في المبيع، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية وهم أضيق الناس في هذه المسألة: أنه لا يجوز أن يشترط ولا منفعة واحدة.

    والرأي الثالث: رأي المالكية رحمهم الله تعالى، قالوا: يصح شرط المنفعة، إذا كانت المدة يسيرة والنفع يسيراً، فإذا كانت المدة يسيرة والنفع يسيراً فإن هذا جائز ولا بأس به.

    والرأي الرابع: ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى، وكثير من المحققين: أن لك أن تشترط ما شئت من المنافع، وأن هذا لا حجر فيه.

    قال: (ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار)، فهذه منفعة في المبيع، وهم يقولون: منفعة واحدة ولابد أن تكون هذه الواحدة في المبيع أو في البائع، وقوله: (أن يشترط البائع سكنى الدار شهراً)، هذه في المبيع، أنا بعت عليك البيت لكن بشرط أن أسكنه لمدة شهر، أو بعت عليك السيارة بشرط أن أستعملها لمدة يوم أو يومين، فهذا جائز.

    وقوله: (وحملان البعير إلى موضعٍ معين)، يعني: بعت عليك السيارة بشرط أني أحمل عليها كذا أو أستخدمها إلى كذا، المهم منفعة واحدة في المبيع.

    قال: (أو شرط المشتري على البائع كحمل الحطب)، قلنا: المنفعة إما أن تكون في المبيع أو في البائع، قال: اشتريت منه الحطب بشرط أن تحمل الحطب، أو اشتريت منه السيارة بشرط أن يغسل السيارة، أو اشتريت منه السيارة وفيها خلل في المحرك بشرط أن يصلح السيارة، أو يصلح مواسير المياه في البيت، فهذا جائز، لكن لو شرط عليك فقال: بشرط أنك تصلح المواسير وتصلح الأسلاك، فلا يجوز؛ لأنه جمع شرطين.

    اشتراط منفعة ليست في البائع والمبيع

    لو شرط منفعةً ليست في البائع ولا في المبيع، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز على المذهب، مثلاً: أنا بعت عليك سيارتي بعشرة آلاف ريال بشرط أنني أستخدم سيارتك، هنا اشترط منفعة لكنها ليست في المبيع ولا في البائع، فهذا ليس جائزاً، فهم يقولون: لابد من منفعة واحدة في المبيع أو في البائع، ولهذا قال: (كحمل الحطب أو تكسيره)، فلو قال: تحمل الحطب وتكسره، فالحكم لا يصح.

    ثم قال: (أو خياطة الثوب أو تفصيله).

    فلو جمع بينهما لا يصح؛ لأنه شرط منفعتين، ولهذا قال: (وإن جمع بين شرطين بطل البيع)، لو قال: تصلح إطارات السيارة وتصلح عداد السيارة، بطل البيع؛ لأنه شرط منفعتين، وقلنا: إن مذهب الشافعية أضيق من هذا، فهم يغلقون الباب كله، والمالكية يقولون: لابد أن يكون النفع يسيراً والمدة يسيرة، وابن القيم رحمه الله في كتاب تهذيب السنن، وعليه كثير من المحققين: أنه يجوز أنك تشترط منفعتين أو ثلاثاً أو أربعاً، لما ذكرنا أن الأصل في الشروط في البيع الحل والصحة، فلك أن تشترط ما شئت من المنافع، وهذا القول هو الصواب.

    ودليل الحنابلة على أنه يجوز منفعة واحدة، (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترى جمل جابر استثنى حملانه إلى المدينة)، فيقولون بأنه يجوز لهذا الحديث.

    ودليل أنه لا يجوز أن يجمع منفعتين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل سلفٌ وبيع ولا شرطان في بيع ).

    اجتماع شرطين في البيع

    وقوله: (وإن جمع بين شرطين بطل البيع)، المراد هنا النوع الأخير، يعني ذكرنا أن الأنواع أربعة: شرط يقتضيه العقد، وشرط مصلحة، وشرط صفة، وشرط منفعة، فقوله: (وإن جمع بين شرطين بطل البيع)، المراد بذلك شرط المنفعة، أما ما عدا ذلك فهذا جائز، فشرط المصلحة لو كان شرطاً أو شرطين فهو جائز، وشرط الصفة جائز حتى لو شرط مائة صفة يقتضيها العقد، وأما شرط المنفعة فالصواب أنه جائز.

    وعلى هذا نجيب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو : ( لا يحل سلفٌ وبيع ولا شرطان في بيع )، أن المراد بالشرطين هو موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، فالرأي الأول لبعض العلماء: أن المراد بالشرطين: الحلول والأجل، كأن يقول: بعتك الكتاب بعشرة نقداً وإلا بأحد عشر مؤجلاً، أو بعتك السيارة بعشرة حالاً وإلا خمسة عشر بعد شهر أو بعد شهرين، فقالوا: إن المراد بالشرطين هو الحلول والأجل.

    والرأي الثاني: أن الشرطين المراد بهما الأجلان، كأن يقول: بعتك السيارة مؤجلة لمدة شهر بعشرة ولمدة شهرين باثني عشر.

    والرأي الثالث: أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا شرطان في بيع ) أن تجمع أي شرطين، فلو جمعت شرط مصلحة وشرط صفة فهذا لا يجوز.

    والرأي الرابع: ما مشى عليه الحنابلة أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا شرطان في بيع )، أي: في شرط المنفعة.

    والرأي الخامس: ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن المراد بالشرطين: هما بيع العينة؛ لأن بيع العينة اشتمل على الشرطين، يقول فـابن القيم رحمه الله يقول بأن السنة يفسر بعضها بعضاً، فبيع العينة هو بيعتان في بيعة، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشتمل على الشرطين. وعلى كل حال، فالأصل في ذلك الجواز، والسنة يفسر بعضها بعضاً كما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى.

    والخلاصة في ذلك: أن الشروط الصحيحة أربعة أنواع، ثلاثةٌ بالاتفاق ولا حد لها، والنوع الرابع هو موضع الخلاف بين العلماء رحمهم الله، وذكرنا أن الصواب في ذلك: الحل والصحة، حتى لو شرط منفعةً خارج المبيع والبائع، فنقول: بأن هذا صحيح، فلو قال: بعتك السيارة بعشرة آلاف ريال بشرط أنني أسكن بيتك لمدة شهر، فهذا صحيح، (والمسلمون على شروطهم)، ما دام أنه لا يتضمن محظوراً شرعياً.

    1.   

    الشروط الفاسدة في البيع

    أولاً: الشروط الفاسدة المفسدة للعقد

    قال رحمه الله: (ومنها فاسدٌ يبطل العقد، كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر كسلفٍ، وقرضٍ، وبيعٍ، وإجارة، وصرف).

    هذا القسم الثاني من أقسام الشروط في البيع: الشروط الفاسدة.

    والشروط الفاسدة تنقسم إلى قسمين: شروطٌ فاسدةٌ مفسدة للعقد، وشروطٌ فاسدة لا تفسد العقد.

    ضابط الشروط الفاسدة في البيع

    فالشروط الفاسدة المفسدة اختلف العلماء رحمهم الله في ضبطها، والذي يظهر والله أعلم في ضبط الشروط الفاسدة المفسدة: أنها كل شرطٍ يعود إلى ركن البيع أو شرطه بالإفساد أو بالإبطال، فكل ما يعود إلى ركن البيع أو شرط البيع -شرط صحته- بالإبطال فهو شرطٌ فاسدٌ مفسد.

    أما الفاسد الذي لا يفسد: فهو الشرط الذي يخالف الشرط، لكنه لا يعود إلى الركن أو الشرط بالإبطال .

    اشتراط عقد على عقد

    فذكر المؤلف رحمه الله الشروط الفاسدة المفسدة فقال: (كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر كسلفٍ وقرضٍ وبيع وإجارة وصرف).

    إذا شرط شرطاً آخر، قال مثلاً: بعتك السيارة بشرط أن تبيعني سيارتك، أو بعتك السيارة بشرط أن تؤجرني بيتك، أو بعتك السيارة بشرط أن تقرضني ألف ريال أو شركة، أو سلف، فالمهم إذا شرط عقداً آخر فإن هذا فاسدٌ مفسد، وهذا المشهور من المذهب.

    والدليل على ذلك: قالوا بأن هذا هو بيعتان في بيعة، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يفسرون بيعتين في بيعة بأن تشترط عقداً في عقد، وهذا المشهور من المذهب.

    واشتراط عقد في عقد -كما هو قول الحنابلة- هو قول الجمهور: أن هذا الشرط فاسد مفسد، ورأي المالكية: أن هذا شرطٌ صحيح ولا غبار عليه ولا يتضمن محظوراً، فإذا قال: بعتك السيارة، قال: اشتريت، قال: نعم أبيعك لكن بشرط أن تبيعني سيارتك، أو بشرط أن تؤجرني بيتك، أو بشرط أن تقرضني كذا وكذا، أو بشرط أن تعقد معي عقد شركة، فكل هذا لا محظور فيه، والمسلمون على شروطهم.

    والصواب في ذلك أن اشتراط عقد في عقد ليس فاسداً مفسداً؛ لأنه لا يعود إلى الركن والشرط بالإبطال، لكن إذا تضمن محظوراً شرعياً فنقول بأنه غير صحيح، وهذا الشرط فاسد مفسد، فلو قال: أقرضتك بشرط أن تبيعني، فالحكم غير صحيح، فلو قال: أقرضتك ألف ريال بشرط أن تبيعني سيارتك، نقول: هذا شرط منفعة في القرض، وشرط المنفعة في القرض لا يصح، كما يأتينا ما يتعلق بشرط المنافع في القروض، أو مثلاً قال: زوجتك بشرط أن تزوجني، نقول: هذا نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فهنا الآن تضمن محظوراً شرعياً؛ لأن (النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار)، والنهي يقتضي الفساد، فنقول هنا: ما دام أنه يتضمن محظوراً شرعياً، كما لو قال: أقرضتك، أو قال: زوجتك على أن تبيعني أو على أن تزوجني، فنقول: بأن هذا فاسد مفسد.

    وسبق أن نبهنا على مسألة وهي: أن شرط العقد في العقد هو الذي يرون أنه فاسد مفسد، أما لو جمع عقدين صفقةً واحدة، فإن هذا جائز ولا بأس به، فلو قال: بعتك وأجرتك بمائة ألف، فالحكم صحيح، حتى على المذهب يرون أنه صحيح، فإذا جمع بين عقدين صفقةً واحدة فإنه صحيح، وقالوا: ويقسط العوض عليهما، وتقدم لنا كيفية تقسيط العوض.

    تعليق العقد في البيع

    الصورة الثانية من صور الشرط الفاسد المفسد: تعليق عقد البيع، فهل يصح تعليق العقود أو لا يصح تعليق العقود؟

    الرأي الأول: جمهور العلماء يقولون بأن تعليق العقود لا يصح؛ لأن الأصل في العقود هو التنجيز والفورية.

    والرأي الثاني: وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم: أنه يجوز تعليق العقود، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أميركم زيد، فإن أصيب فـجعفر، فإن أصيب فـعبد الله بن رواحة )، فهنا علق النبي صلى الله عليه وسلم عقد إمارة هذه السرية، فدل ذلك على أنه يصح تعليق العقود، والمؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه لا يصح كما ذكرنا رأي الجمهور.

    قال رحمه الله: (وبعتك إن جئتني بكذا أو رضي زيدٌ أو يقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك، وإلا فالرهن لك، لا يصح البيع).

    هذا كله من تعليق العقد، يقول: بعتك السيارة بشرط رضا أبي أو بشرط أن ترضى أمي، أو إن رضي أبي فقد بعتك، أو إذا دخل رمضان فقد بعتك، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى بأن هذا التعليق لا يصح معه البيع، وكما أسلفنا أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أن هذا التعليق جائز ولا بأس به، وعلى هذا نقول: بأنه يصح معه البيع.

    والجمهور يقولون: تعليق العقود على الشروط المستقبلة لا يصح معها البيع، ويستثنون ما إذا علقه على مشيئة الله، ويستثنون أيضاً بيع العربون، فلو قال قائل: هذه ألف ريال فإن رضيت بالسيارة أتممت الباقي وإلا فالألف لك، يقولون بأن هذا صحيح، والصواب في ذلك: أن تعليق العقود صحيح ولا بأس به.

    ثانياً: الشروط الفاسدة غير المفسدة للعقد

    قال رحمه الله: (وإن شرط أن لا خسارة عليه).

    هذا القسم الثاني: شروط فاسدة لا تفسد العقد، قال: (وإن شرط أن لا خسارة عليه)، يعني أنا أشتري السيارة لكن بشرط أني ما أخسر فيها، يقول المؤلف رحمه الله بأن هذا شرطٌ فاسد لكنه لا يفسد العقد؛ لأنه لا يعود إلى الركن ولا إلى الشرط.

    ويدل له حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، -وإن كان الحديث فيه ضعف لكن معناه صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الخراج بالضمان )، ومعنى ذلك كما أن لك خراج الشيء فأيضاً عليك ضمانه، وهذا مقتضى العدل، فمثلاً: هذه الشاة لك خراجها من اللبن والولد والصوف، وأيضاً عليك ضمانها، فلو حصل عليها عيب أو تلف، فيكون من ضمان المالك، فالمالك له الخراج، وأيضاً عليه الضمان، فإذا شرط بألا خسارة عليه، نقول: بأن هذا شرط فاسد. وفي البيع كذلك. وكما لو ربحت السلعة، كان لك هذا الربح، وأيضاً إذا خسرت فعليك، وهذا مقتضى العدل، فكونك تشترط ألا تخسر في السلعة هذا خلاف العدل، والقاعدة: الغُنم بالغُرم.

    قال رحمه الله: (أو متى نفق المبيع وإلا رده).

    يعني متى راج المبيع واشتراه الناس وإلا رددته عليك، هذا أيضاً نقول بأنه شرطٌ فاسد؛ لأنه كما أنه لك الخراج أيضاً عليك الضمان، كما أنه إذا راج وربحت لك الربح، أيضاً إذا فسد ولم يربح فعليك، وهذا العدل.

    قال رحمه الله: (ولا يهبه ولا يعتقه).

    فلو شرط عليك قال: أنا أبيع عليك السيارة لكن بشرط أنك لا تهبها أو أنك لا توقفها أو أنك لا تبيع السيارة أو لا تبيع البيت، أو اشترط عليك في الرقيق هذا أنك لا تعتقه، فيقول المؤلف رحمه الله بأن هذا شرطٌ فاسد؛ لأن المشتري لما ملك هذه السلعة ملك عليها سائر التصرفات، فله أن ينقل الملك، وله أن يستوفي المنافع بنفسه، وله أن يستوفيها بغيره.

    واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن مثل هذه الشروط تجوز عند المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة فلا بأس، فلو كان الإنسان يعرف أن هذا الشخص لا يحسن التصرف في ماله، ولو باعه البيت ذهب وباعه، فأنا أبيعك البيت لكن بشرط أنك لا تبيعه، أو بشرط أنك تسكن فيه؛ لكي يبره بذلك، فنقول بأن هذا شرطٌ صحيح، كذلك لو قال: أنا أبيعك البيت بشرط أنك لا توقف البيت؛ لأنه يعرف أنه لا يحسن التصرف في ماله، فما دام أن هذا فيه مصلحة فإن هذا جائز ولا بأس به، وهذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.