إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من فاته وقت الذبح فعليه قضاء الواجب كالأضحية المعينة، والتعيين يحصل بالقول والفعل كالإشعار، والأضحية سنة، وأوجبها أبو حنيفة على القادر، ويستحب أن تقسم أثلاثاً: يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث.

    1.   

    تابع وقت ذبح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكره في ليلتيهما فإن فات قضى واجبه.

    فصل في أحكام التعيين وما يتعلق بذلك:

    ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية لا بالنية، وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها، ويجز صوفها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق به، ولا يعطي جازرها أجرته منها، ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها بل ينتفع به، وإن تعيبت ذبحها وأجزأته، إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين، والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز وإلا ضمنها. ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً.

    فصل في أحكام العقيقة:

    تسن العقيقة عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، تذبح يوم سابعه].

    تقدم لنا من شروط صحة الأضحية والهدي والعقيقة أن تكون البهيمة سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء، وذكرنا أن العيوب المانعة من الإجزاء أربعة عيوب اتفق عليها الأئمة رحمهم الله تعالى، ويلحق بها ما يماثلها، وهذه العيوب جاءت في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: (العوراء البين عورها، والعرجاء البين ضلعها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي).

    وكذلك أيضاً ذكرنا أن من العيوب التي تمنع من الإجزاء ما يتعلق ببتر إلية الضأن إذا كان البتر أكثر من النصف.

    وأما ما يتعلق بعيوب الأذن والقرن ونحو ذلك فالسلامة من هذه الأشياء أولى، لكنها لا تمنع الإجزاء.

    كذلك أيضاً تقدم لنا أن من شروط صحة الهدي والأضحية والعقيقة أن تكون في وقتها المحدد شرعاً، وتكلم المؤلف رحمه الله عن وقت الأضحية والهدي، ومتى يبدأ وقت الذبح، وأن وقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله، وعند الشافعي رحمه الله أن وقت الذبح يبدأ من بعد مضي قدر صلاة العيد، وعند مالك أنه يبدأ من بعد ذبح الإمام، وذكرنا دليل كل منهم وأن الأقرب في هذه المسألة هو ما دل عليه حديث البراء وغيره من الأحاديث أن وقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد، وهل المعتبر صلاة المسجد الكبير، أو صلاة من في الجبانة، أو المعتبر أي صلاة سبقت؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الوقت يدخل بأي صلاة سبقت، والرأي الثاني: أنه لا بد من صلاة من في الجبانة.

    وأما بالنسبة لآخر وقت الذبح فذكرنا أن هناك خلافاً بين الجمهور وبين الشافعية، وأن الشافعية يرون أن الذبح يمتد إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، خلافاً لجمهور العلماء فإنهم يرون أن الذبح يمتد إلى اليوم الثاني من أيام التشريق، وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الشافعية رحمه الله تعالى، ويدل لذلك حديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل).

    وقت كراهة ذبح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: (ويكره في ليلتيهما).

    يعني: يكره الذبح في ليلتي اليومين اللذين بعد يوم العيد، لأن أيام الذبح على ما ذهب إليه المؤلف ثلاثة: يوم العيد، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، فيقول المؤلف رحمه الله: يكره الذبح في ليلة الحادي عشر وفي ليلة الثاني عشر، وقد جاء في ذلك حديث عطاء بن يسار، وهو مرسل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن الذبح بالليل)، وكذلك جاء حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ضعيف: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبح ليلاً) رواه الطبراني في معجمه الكبير لكنه ضعيف. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا يكره الذبح ليلاً، وهذا ظاهر كلام ابن حزم رحمه الله تعالى، والكراهة كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى هي قول جمهور أهل العلم، لكن عند ظاهر كلام ابن حزم رحمه الله تعالى أنه لا يكره الذبح ليلاً، وهذا القول هو الصواب؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى الدليل الشرعي. فالصواب في هذه المسألة أن الذبح ليلاً غير مكروه.

    فوات وقت ذبح الأضحية والهدي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن فات قضى واجبه).

    يعني: إذا انتهت أيام الذبح بأن غربت شمس اليوم الثاني من أيام التشريق وهو لم يذبح الأضحية أو الهدي، أو على كلام الشافعية، غربت شمس اليوم الثالث من أيام التشريق وهو لم يذبح، فيقول المؤلف رحمه الله: (قضى واجبه)، يعني: أن ما يذبح ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون تطوعاً، فهذا يذهب وقت الذبح بغروب شمس آخر يوم من أيام التشريق كما هو قول الشافعية، أو شمس اليوم الثاني من أيام التشريق كما هو قول الجمهور، وسواء كان ترك الذبح لعذر أو لغير عذر.

    القسم الثاني: أن يكون ما سيذبحه واجباً، مثل الأضحية إذا عينها، وقال: هذه هدي أو أضحية، فحينئذ أصبحت واجبة الذبح، ومثل الأضحية الموصى بها، يعني: لو أن شخصاً أوصى أن يضحى عنه، ومثال الواجب أيضاً: الأضحية المنذورة، بأن قال مثلاً: لله عليَّ أن أضحي في هذا العام.

    إذاً: عندنا أضحية معينة، أو هدي معين، أو هدي منذور، أو هدي موصى به، فهذه الذبائح واجبة، فإذا انتهت أيام التشريق وهو لم يذبح هذا الواجب، فما الحكم؟

    يقول المؤلف رحمه الله: يقضيه بمعنى أنه يذبحه حتى ولو خرجت أيام التشريق، حتى ولو انتهت أيام الذبح، وعلى هذا إذا كان عندنا أضحية قد عينت أو أوصي بها أو منذورة، ولم يضح حتى انتهت أيام الذبح، فإنه يذبح هذا الواجب بعد أيام الذبح. هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    وسبق أن ذكرنا أن تأخير العبادة عن وقتها عمداً لا يقدر عليه الشخص، وعلى هذا نقول: إذا أخر هذا الواجب فإنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون لعذر، كما لو نسي، أو وكل شخصاً ليذبح هذه الذبيحة الواجبة لكنه لم يفعل وحصل له عذر يمنعه من الذبح في وقت الذبح، فنقول بأنه يقضي الواجب.

    الأمر الثاني: أن يكون ذلك عمداً، يعني: لم يذبح هذه الذبيحة الواجبة متعمداً، فنقول بأنه لا يقدر على ذلك، وإنما يجب عليه أن يذبحها في العام القادم؛ لأن تأخير العبادة عن وقتها بلا عذر متعمداً لا يقدر عليه؛ لأنه عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا نقول: إن كان لعذر فإنه يقضيه، مثلاً: هدي التمتع، أو هدي القران، وكّل شخصاً لكي يذبح عنه لكنه نسي ولم يذبح فإنه يذبح حتى بعد ذهاب أيام الذبح، لكن لو أخر الذبح متعمداً فإنه لا يقدر على ذلك ونقول: يجب عليك أن تقضي في العام القادم.

    ومثله أيضاً إذا كان عنده أضحية قد عينها فنقول: إن كان لعذر فإنه يذبح، أما إذا كان متعمداً وذهبت أيام الذبح فإنه يذبح في العام القادم، ومثلها أيضاً: الأضحية الموصى بها.

    1.   

    تعيين الهدي والأضحية

    ما يحصل به التعيين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية لا بالنية).

    يعني: هنا بين المؤلف رحمه الله بما يتعين الهدي وبما تتعين الأضحية؛ لأن البهيمة لا تكون أضحية أو هدياً بمجرد النية، ولذلك قال المؤلف: لا بالنية.

    فبم يحصل تعيين هذه البهيمة، من هدي أو أضحية؟

    نقول: التعيين إما أن يكون بالقول، وإما أن يكون بالفعل، وهل يكون بالنية أو لا يكون بالنية؟ هذا سيأتينا إن شاء الله.

    القسم الأول: القول: فالقول يحصل به تعيين الأضحية وتعيين الهدي، فإذا قال: هذه أضحية، أو هذه لله، أو هذا هدي، أو هذا لله عز وجل، فإنها تتعين هدياً أو أضحية، وهذا باتفاق الأئمة.

    القسم الثاني: التعيين بالفعل، والتعيين بالفعل له صور:

    الصورة الأولى: التقليد: وذلك بأن يقلد البهيمة ما يشعر أنها هدي، وكانوا في الزمن السالف يقلدونها النعال وقطع القيراط ونحو ذلك، والتقليد هذا ليس خاصاً بالإبل، بل يشمل الغنم والبقر والإبل، فإذا قلدت فهذا من صور التعيين بالفعل.

    الصورة الثانية من صور التعيين بالفعل: الإشعار، والإشعار هو أن يشق صفحة جانبها الأيمن، وأن يسلت عنها الدم، والإشعار هذا خاص بالإبل والبقر، وأما بالنسبة للغنم فإنها لا تشعر، لأن الغنم فيها كثرة الصوف أو الشعر، وكذلك أيضاً ليس لها سنام تشعر إياه، فكان الإشعار خاص بالإبل والبقر.

    الصورة الثالثة: الذبح: فإذا ذبحها بنية أنها هدي أو أنها أضحية فقد تعينت.

    الصورة الرابعة: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا بالنية)، يعني: الصورة الرابعة: الشراء بنية أنها أضحية، أو بنية أنها هدي، فهل تتعين بهذا أو لا تتعين، مثلاً ذهب إلى السوق واشترى شاةً ينوي أنها أضحية، أو ينوي أنها هدي، فهل تتعين بذلك أو لا تتعين؟ أو أنه ساق هدياً بنية أنه هدي، هل يتعين بالسوق أو يتعين بالشراء؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى أنها لا تتعين بالشراء مع النية، فلا بد كما سلف من القول أو من الفعل، لا بد من الصور السابقة التي ذكرنا في الفعل.

    واستدلوا على ذلك بالقياس على الصدقة، فقالوا: كما أنه لو أخرج ذراعاً لكي يتصدق بها فإنها لا تتعين صدقة، وله أن يرجع في ذلك، وكذلك أيضاً هنا قالوا: إذا اشتراها بنية أنها أضحية أو ساقها بنية أنها هدي، فإنها لا تتعين بذلك. هذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه إذا اشتراها بنية الأضحية أنها تكون أضحية، وهذا رأي أبي حنيفة رحمه الله واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى).

    ويظهر والله أعلم أن القول الأول والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه الأقرب، وأنها لا تتعين بمجرد الشراء، بل لا بد من صورة من صور التعيين السالفة.

    وهذا الكلام يترتب عليه مسائل كثيرة: إذا تعينت الأضحية أو تعين الهدي هذا يترتب عليه مسائل كثيرة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى.

    ما يترتب على التعيين

    قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها).

    فالمسألة الأولى من المسائل المترتبة على تعيين الأضحية أو الهدي أنه لا يجوز نقل الملك فيه؛ لأنها أصبحت لله عز وجل، ونظير ذلك: الوقف؛ إذا وقف بيتاً فإنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، مثله أيضاً: الأضحية، فهذه أخرجها لله عز وجل، فما دام أنه أخرجها لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيها، والعائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه.

    فيقول المؤلف رحمه الله: المسألة الأولى: مما يترتب على تعيين الأضحية أو الهدي أنه لا يصح نقل الملك فيها للبيع أو للهبة أو نحو ذلك، لكن المؤلف رحمه الله تعالى استثنى فقال: (إلا أن يبدلها بخير منها) أي أنه إذا أبدلها بخير منها فإن هذا جائز ولا بأس به، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا أبدلها بمثلها فإن هذا غير جائز؛ ويدل ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما كما سلف لنا في قصة الرجل الذي نذر إن فتح الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم مكة أن يصلي في بيت المقدس ركعتين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صلها هنا)، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والشاهد من هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نقله من المفضول إلى الفاضل، وكذلك هنا إذا غير الأضحية وأراد أن ينقلها إلى ما هو خير منها، يقول المؤلف رحمه الله بأن هذا جائز ولا بأس به.

    فلو أراد أن يبدل هذه الأضحية بما هو خير منها -وقد سبق لنا أن ذكرنا ما هو الأفضل من الأضاحي والهدايا- فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به، ودليل ذلك ما سلف.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويجز صوفها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق به).

    هذه المسألة الثانية من المسائل المترتبة على تعيين الأضحية أو الهدي، يقول المؤلف رحمه الله: (يجز صوفها) لكن اشترط المؤلف رحمه الله أن يكون ذلك أنفع لها، فإذا كان الصوف أنفع لها فإنه لا بأس أن يجزه، فإن لم يكن أنفع لها فلا يجوز له أن يجزه، وإذا جزه ما الذي يعمل به؟ قال المؤلف رحمه الله: (يتصدق به).

    وهل هذا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟

    فالعلماء رحمهم الله تعالى يقولون: بأن هذا على سبيل الاستحباب، ويقولون: عندنا شيئان لا يتعينان: الصوف واللبن؛ لأنهما يتكرران، فيقولون: يتصدق به على سبيل الاستحباب، وإن انتفع به فإن هذا جائز ولا بأس به، يعني: له أن ينتفع به.

    قال: (ويتصدق به) وكذلك أيضاً المسألة الثالثة: ما يتعلق باللبن؛ فله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها إن كان لها ولد، فالزائد على اللبن الفاضل على ولدها فله أن ينتفع به وأن يشربه، وإن تصدق به فهذا أحسن، وإن شربه فإن هذا جائز ولا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يعطي جازرها أجرته منها).

    المسألة الرابعة: أنه لا يعطي جازرها -من قام بذبحها- أجرته منها، يعني: من لحمها، فلو أنه عاقده على أن يذبح وأن يعطيه كذا وكذا من لحمها فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا من المعاوضة على اللحم، وكما تقدم لنا أنه لا يجوز نقل الملك فيها لبيع ولا هبة ولا أجرة ولا نحو ذلك، وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( وأن لا تعطي الجازر شيئاً منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا ). يعني: علي لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم في ذبح ما تبقى من الهدايا، فقال لـعلي: ( وأن لا تعطي الجازر شيئاً منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا ). خرجاه في الصحيحين.

    قال: (ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها بل ينتفع به).

    المسألة الخامسة: مما يترتب على تعيين الأضحية أو الهدي أنه لا يبيع جلدها ولا شيئاً منها، بل ينتفع به.

    الجلد له أن ينتفع به، ويقول المؤلف: لا يجوز أن يبيع شيئاً منها؛ لأنه لا يجوز نقل الملك فيها، فلا يجوز أن يبيع شيئاً من لحمها، ولا يجوز أن يبيع شيئاً من جلدها، لكن بالنسبة للجلد له أن ينتفع بالجلد.

    والجلد وسع فيه العلماء رحمهم الله تعالى فقالوا: له أن ينتفع بالجلد، بأن يدبغ الجلد وأن ينتفع به في متاع البيت، كأن يضعه قربة للماء، أو سقاءً باللبن، أو السمن ونحو ذلك، قالوا بأن هذا جائز ولا بأس به.

    هل له أن يبدل هذا الجلد بشيء آخر من متاع البيت أو ليس له ذلك؟ بمعنى أنه لو أعطى هذا الجلد لشخص على أن يعطيه شيئاً من أواني البيت، كأن يعطيه ماعوناً أو نحو ذلك من أواني البيت، فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟

    العلماء رحمهم الله يقولون بأن هذا جائز ولا بأس به، ما دام هذا الجلد له أن ينتفع به، له أن يدبغه وأن يستخدمه، وكذلك أيضاً له أن يبدله بشيء من ماعون البيت.

    وهل له أن يبيع الجلد، ويشتري له ماعوناً؟ يعني: لما أجزنا أن يبدل الجلد بشيء من ماعون البيت، لكن لو قال: أنا أبيع هذا الجلد بالدراهم وأشتري به ماعوناً، هل هذا جائز أو ليس بجائز؟ المؤلف رحمه الله تعالى ظاهر كلامه أن هذا لا يجوز، وهذا قول جمهور أهل العلم، يعني: قول الإمام مالك والشافعي والإمام أحمد أنه لا يجوز أن يبيع هذا الجلد وأن يشتري بثمنه الدراهم والدنانير شيئاً من آلة البيت.

    وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا جائز.

    والذي يظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا يجوز له أن يبيعه بالدراهم ويشتري به شيئاً من آنية البيت، لكن كما سلف له أن يبدله بشيء من آنية البيت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن تعيبت ذبحها وأجزأته، إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين).

    المسألة السادسة: مما يترتب على تعيين الأضحية أو الهدي إذا تعيبت عيباً يمنع من الإجزاء، وسبق لنا ذكر العيوب المانعة من الإجزاء، مثلاً: إن بهقت عينها، أو نتأت عينها، أو كسرت رجلها، وهذا يحصل كثيراً، تنكسر الرجل بعد أن يعينها أو أن تسقط من السيارة فتنكسر رجلها... إلخ. فهل تجزئ أو لا تجزئ؟

    نقول بأن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون ذلك بتعد أو تفريط منه؛ والتعدي هو فعل ما لا يجوز، والتفريط هو فرط ما يجب، فإذا كان ذلك بتعد أو تفريط منه فتعيبت، نقول: يجب عليه أن يبدلها بمثلها أو بما هو خير منها.

    مثال ذلك: ربطها وشد رباطها حتى أدى ذلك إلى كسر رجلها، هنا فعل شيئاً لا يجوز له، أو أركبها في السيارة، وتركها دون أن يربطها، فسقطت من السيارة وانكسرت، هنا ترك الواجب، فنقول: هنا يجب عليه أن يبدلها بمثلها أو بما هو خير منها.

    القسم الثاني: أن يكون ذلك بغير تعد ولا تفريط: هو حافظ عليها وربطها ربط المعتاد لكنها انفلتت وسقطت وانكسرت رجلها، أو انخنقت، أو انبخقت عينها.. إلخ. فنقول: إذا تعيبت بلا تعد ولا تفريط منه فإنه يذبحها وتكون مجزئة له.

    في الحالة الأولى: ذكرنا أنها إذا تعيبت بتعد أو تفريط منه يجب عليه أن يبدلها بسليمة، وبالنسبة للمعيبة هل المعيبة ترجع لملكه فله أن يبيعها ... إلخ، أو نقول: يجب عليه أن يذبح المعيبة وحينئذٍ يجب عليه أن يذبح الشاتين؟

    للعلماء في ذلك رأيان:

    المشهور من المذهب: أنه يجب عليه أن يذبح المعيبة وأن يذبح السليمة التي أصبحت بدلاً من المعيبة، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه لا يجب عليه أن يذبح المعيبة؛ لأنه أبرأ ذمته بالبدل، وهذا القول هو الصواب. فالحنابلة: يقولون: يجب أن تذبح المعيبة لأنها تعينت، لكن الصواب أن نقول: ما دام أنه أبدلها بخير منها فقد برأت ذمته منها. فالصحيح أنها تعود لملكه؛ فله أن يأكلها، وله أن يبيعها، وله أن يهبها.

    استثنى المؤلف رحمه الله تعالى قال: (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين).

    هذا الكلام يستثنى منه ما إذا كانت منذورة، يعني قوله: (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) فلا يأتينا هذا التفصيل، أي أنه إذا كانت هذه الأضحية منذورة أو كان هذا الهدي منذوراً فتعيبت فلا نقول: هل هو بتعد وتفريط منه أو ليس بتعد وتفريط منه، فإذا تعيب هذا المنذور فإنه يجب عليه أن يبدله بخير منه مطلقاً، سواء كان تعيبه بتعد وتفريط منه أو كان بغير تعد ولا تفريط منه؛ لأن المنذور كان واجباً في ذمته قبل التعيين، فهو قبل أن يعينه واجب في ذمته، والواجب في ذمته واجب سليماً أو معيباً؟ الواجب في ذمته شيء سليم، يعني: أضحية أو هدي سليمة.

    فنقول: إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين ثم بعد ذلك تعيبت، يعني: كانت منذورة، فيجب أن يبدلها بخير منها مطلقاً، سواء كان ذلك بتعد وتفريط منه أو كان بغير تعد ولا تفريط منه.

    هذه ست مسائل.

    المسألة السابعة: أنه لا يجوز له أن يتصرف فيها تصرفاً مطلقاً؛ بأن يستعملها في الحرث ونحوه، أو في إخراج الماء، أو أن يركبها بدون حاجة ولا مع ضرر، يعني: لا يجوز له أن يركبها مع وجود الضرر الذي يضرها، أو بدون حاجة، ولا أن يستعملها في الحرث، أو أن يستعملها في إخراج الماء ونحو ذلك، فهذا لا يجوز له؛ لأنها الآن أخرجت لله عز وجل.

    المسألة الثامنة: إذا ظلت هذه البهيمة وهربت أو ضاعت أو سرقت ونحو ذلك فيأتي هنا التفصيل الذي سبق أن ذكرنا فيما إذا تعيبت: هل هربت وظلت بتعد أو تفريط؟ فإن كان بتعد أو تفريط فإنه يجب عليه أن يبدله بمثلها أو بخير منه، وإن كان بغير تعد ولا تفريط لا يضمن إلا أنه استثنى من ذلك ما إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين؛ فإذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين فإنه يجب عليه البدل مطلقاً.

    1.   

    حكم الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها).

    يقول المؤلف رحمه الله الأضحية سنة، يعني: أنها ليست واجبة، وهذا رأي جمهور أهل العلم أنها ليست بواجبة.

    واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث هن عليَّ فرائض، وهن لكم تطوع، وذكر من ذلك: النحر، والوتر، وركعة الضحى).

    استدلوا أيضاً لما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عمن لا يضحي من أمته، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين، الأول: عن محمد وآل محمد، والثاني: عن أمة محمد.

    وكذلك أيضاً استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذن من شعره ولا من ظفره حتى يضحي)، فقال: وأراد، فهو علق الوجوب على الإرادة. وهذا الرأي الأول مع أدلته.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنها واجبة على القادر، فإذا كان قادراً فإنها واجبة عليه، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، فقالوا: إن الله عز وجل أمر بالنحر، والمراد بالنحر هنا: ذبح الأضحية، والمراد بالصلاة هنا: صلاة العيد.

    وكذلك أيضاً استدلوا بما جاء عن حديث أبي هريرة في مسند أحمد وكذلك أيضاً في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا)، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنن: (إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة).

    والذي يتأمل الأدلة -سواء أدلة من قال بالوجوب أو من قال بالسنية- يجد أنها لا تخلو من أمرين؛ إما تكون أدلة صريحة لكنها ضعيفة، وإما أن تكون صحيحة لكن ليست صريحة، فلا يبقى عندنا إلا الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو عدم الأضحية، يعني: هكذا جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم لم يضحوا، وصح ذلك عن أبي بكر وعمر وكذلك أيضاً ورد عن ابن مسعود، وكذلك أيضاً عن ابن عباس وابن عمر وبلال، يعني جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويكفي أنه صح عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقولهما حجة.

    فيبقى عندنا الفيصل في هذه المسألة آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وآثار الصحابة دلت لما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله وأن الأضحية ليست واجبة، ويؤيد ذلك البراءة الأصلية؛ لأن الأصل براءة الذمة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها).

    هذه المسألة سبق أن تعرضنا لها، فإذا تصدق بثمن الأضحية بل بأضعاف ثمن الأضحية فإنه لا يصل إلى أجر الذبح، وسبق أن بينا أن هذه عبادة ليس المقصود منها هو اللحم وإلا لقلنا التصدق بالدراهم ربما يكون ذلك أفضل للفقير، لكن المقصود هنا التقرب إلى الله عز وجل بإراقة الدم، والتقرب إلى الله عز وجل بإراقة الدم هذه عبادة مقصودة للشارع، ولهذا نقول بأنه لو تصدق بأضعاف الثمن فإنه لا يدرك هذا الفضل.

    1.   

    قسمة الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً).

    يعني: سنة بالنسبة للأضحية، يعني: ما يأكله وما يتصدق به من الأضاحي يقول المؤلف رحمه الله تعالى: هذا له حالتان: حالة استحباب، وحالة إجزاء وجواز.

    أما حالة الاستحباب: فالسنة أن يأكل ثلثاً، وأن يهدي ثلثاً لأقاربه وأصدقائه، وأن يتصدق على الفقراء والمساكين بثلث.

    يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أذهب إلى حديث عبد الله، ومراده بحديث عبد الله الأثر الوارد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق ثلثاً، وكذلك أيضاً هذا وارد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وهو أيضاً ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله.

    والقول الثاني للشافعي في القديم: أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف؛ لقول الله عز وجل: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28].

    وابن قدامة رحمه الله تعالى قال بأن الأمر في ذلك واسع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز وإلا ضمنها).

    ما تقدم هو الحالة الأولى: حالة الاستحباب.

    الحالة الثانية: حال الجواز والإجزاء، يعني: يجوز له أن يأكلها كلها، لكن إن أكلها كلها، يقول المؤلف رحمه الله: تصدق بقدر أوقية، والأوقية تساوي أربعين درهماً، يعني: وزن الأوقية يساوي أربعين درهماً من دراهم الفضة، ودرهم الفضة تساوي بالغرامات -كما سبق أن قدرنا- ما يقرب من جرامين، فاضرب أربعين درهما في اثنين يساوي ثمانين غراماً، يعني: يتصدق بثمانين غراماً.

    يقول المؤلف: لو أكلها كلها جاز هذا، لكن يتصدق بقدر ثمانين غراماً. وقال بعض العلماء: يتصدق بما يقع عليه اسم اللحم دون تقدير، يعني تقدير هذا يحتاج إلى توقيف، ولم يرد، فما يقع عليه اسم اللحم فإنه يتصدق به، وهذا هو الأقرب، ويدل هذا الكلام بما سلف أنه ليس المقصود بالأضحية هو اللحم، وإنما المقصود هو التعبد بإراقة الدم.

    1.   

    ما يحرم على المضحي

    قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً).

    هذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة، يعني: أن جمهور أهل العلم على أنه لا يحرم بل يكره، لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يحرم. واستدلوا على ذلك بحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً) وفي رواية: (ولا من بشره) يعني: من جلده. فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن هذا محرم ولا يجوز، وعند جمهور أهل العلم أنه ليس محرماً، وإنما هو على سبيل الكراهة، والأحوط للمسلم في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة أنه يمسك، يعني إذا دخل الشهر، وكما جاء في الحديث: (إذا هل هلال ذي الحجة -يعني: إذا غربت شمس آخر يوم من ذي القعدة- وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من ظفره حتى يضحي).

    ومتى يبدأ الإمساك؟ كما قلنا يبدأ الإمساك من دخول العشر، يعني: بغروب شمس آخر يوم من ذي القعدة، لكن لو نوى في أثناء العشر فإنه يمسك من حين النية.

    وهل يحرم الأخذ على المضحي، أو على المضحي ومن يضحي عنه؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه الأخذ يحرم على المضحي وكذلك أيضاً من يضحي عنه. هذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن التحريم إنما هو خاص على المضحي، وهذا القول هو الصواب؛ لأن النص إنما ورد في المضحي فقط، أما المضحى عنه فإنه يبقى على البراءة.

    ويستمر التحريم إلى الذبح، لكن لو كان عنده عدة أضاحي، فهل لا بد أن يذبح الجميع، أو أنه يكتفى بذبح واحدة؟ نقول: يكتفى بذبح واحدة، فإذا ذبح واحدة فإنه يجوز له أن يأخذ، ولو أنه خالف وأخذ من شعره أو من ظفره أو من بشرته شيئاً فإن أضحيته صحيحة ومجزئة لكنه يأثم؛ لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المنهي عنه وإنما يعود إلى أمر خارج، وعلى هذا نقول بأن أضحيته صحيحة ومجزئة لكن عليه أن يتوب إلى الله عز وجل.

    وهو قد يذبح الأضحية عن نفسه وأهل بيته، وقد يتبرع به ثواباً... إلخ. فنقول أيضاً: يحرم عليه، يعني: الذي اشترى الأضحية سواء اشتراها لنفسه وأهل بيته أو تبرع بها وأهدى ثوابها لأحد من أقاربه سواء كان حياً أو ميتاً، فنقول: لا يجوز له أن يأخذ.

    فلو وكل شخصاً في ذبحها، فهل يحرم على الوكيل أن يأخذ أو نقول بأن الأمر متعلق بالموكل؟ نقول: الأمر متعلق بالموكل، أي: الأمر متعلق بمن أخرج هذه الأضحية وتبرع بها، فهو الذي يحرم عليه أن يأخذ، أما غيره فإنه لا يحرم عليه أن يأخذ.

    والحكمة من هذا التحريم: أنه يحرم على من أراد أن يضحي أن يأخذ شيئاً من شعره أو من ظفره أو من بشرته حتى يضحي، قال العلماء رحمهم الله: الحكمة أنه لما كان المضحي مشاركاً للحاج أو المعتمر في بعض أعمال النسك وهو الذبح -أي تقرب إلى الله عز وجل بالذبح- أعطي بعض أحكامه، وهو أنه ليس له أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره؛ فكما أن المحرم بحج أو بعمرة ليس له أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يتحلل، فكذلك أيضاً من أراد أن يضحي لما كان مشاركاً للحاج فإنه مشارك له في بعض أعمال النسك وهو التقرب لله عز وجل بالذبح، فكان من الحكمة أن يعطى بعض أحكامه.

    1.   

    العقيقة

    تعريف العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: تسن العقيقة).

    هذه هي الذبيحة الثالثة من الذبائح المشروعة، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، يعني: هل الذبائح المشروعة محدودة أو معدودة؟

    قوله رحمه الله تعالى: (تسن العقيقة).

    العقيقة: في اللغة: قيل بأنها الشعر الذي يكون على رأس الصبي، وسمي بذلك لأنه يعق: يقطع، يستحب أن يقطع في اليوم السابع كما سيأتينا إن شاء الله.

    وقيل بأن العقيقة: هي الذبح نفسه، كما قال الإمام أحمد رحمه الله؛ لأن الذبح هو العق: القطع، أي: قطع الودجين مع الحلقوم والمري.

    وأما في الاصطلاح: فهي ما يذبح من الغنم تقرباً إلى الله عز وجل، أو نقول: ما يذبح من الغنم شكراً لله عز وجل على نعمة الولد.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (تسن العقيقة).

    هنا مسألتان:

    المسألة الأولى: حكم العقيقة: صريح كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن العقيقة سنة وأنها ليست واجبة، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى فهم يرون أن العقيقة سنة.

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية أن العقيقة واجبة.

    والرأي الثالث: أن العقيقة غير مشروعة بل هي مباحة وليست سنة.

    فالذين قالوا بأن العقيقة سنة -كما هو قول جمهور أهل العلم- استدلوا بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده، فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة)، فقال: من أحب، أي: علقه على الاستحباب.

    والذين قالوا بالوجوب استدلوا بحديث سمرة للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل غلام مرتهن بعقيقته)، والارتهان: الاحتباس الذي يحتاج إلى فك. وكذلك أيضاً حديث سلمان بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى) رواه البخاري. فهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.

    وأما بالنسبة للحنفية فاستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة، فقال: (لا أحب العقوق) لكن هذا الحديث إن ثبت فالمقصود بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كره هذا الاسم.

    والأقرب في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله وأن العقيقة سنة، وبهذا تجتمع أدلة المسألة.

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن هذا الذبيحة تسمى بالعقيقة، يعني: أنه لا بأس بأن تسمى بالعقيقة، فنقول بأن هذه الذبيحة ورد تسميتها بالعقيقة، وورد تسميتها بالنسيكة، والاسم الشرعي لها هو النسيك، هذا الاسم الشرعي لها، لكن لا بأس أن تسمى أحياناً بالعقيقة لورود ذلك كما في حديث سمرة وحديث سلمان بن عامر رضي الله تعالى عنه، لكن الأفضل أن يكون الغالب عليها اسم النسيك، هكذا جمع ابن القيم رحمه الله، يعني: الغالب تسمى بالنسيك، وأن لا يهجر هذا الاسم الشرعي، وإذا سميت بالعقيقة في بعض الأحيان فإن هذا لا بأس به، ونظيره كما تقدم لنا العشاء والعتمة، يعني: العشاء: السنة أن تسمى بالعشاء، لكن لو سميت في بعض الأحيان بالعتمة فإن هذا لا بأس به إن شاء الله.

    مقدار العقيقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة).

    هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي أن الغلام يذبح عنه شاتان، كما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما؛ عن الغلام شاتان، وأما الجارية فيذبح عنها شاة واحدة.

    وعند الحنفية والمالكية أنه يذبح عن الغلام شاة، وعن الجارية شاة، فلا فرق بين الغلام وبين الجارية، ويستدلون بحديث سلمان بن عامر رضي الله تعالى عنه، لكن الأقرب والله أعلم هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وأن الغلام يذبح عنه شاتان لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وكذلك أيضاً حديث أم كرز الكعبية أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة).