إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأضحية هدي نبوي شريف، لها شروط وأحكام، فمن شروطها: أن تبلغ السن المعتبر شرعاً، وهو: ستة أشهر في الضأن، وسنة في المعز، وسنتان في البقر، وخمس سنوات في الإبل، ومن شروطها كذلك: سلامتها من العيوب؛ كالعرج، والعور، والمرض وغير ذلك، كما أنه لا بد أن تكون الأضحية

    1.   

    عن كم يجزئ الهدي والأضحية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة، ولا تجزئ العوراء والعجفاء والعرجاء والهتماء والجداء والمريضة والعضباء، بل البتراء خلقة، والجماء، والخصي غير المجبوب، وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف، والسنة نحر الإبل قائمة معقولةً يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويذبح غيرها ويجوز عكسها، ويقول: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلماً ويشهدها، ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره ويومين بعده].

    تكلمنا فيما سبق عن باب الإحصار والفوات، وذكرنا أن هذا الباب يشتمل على مسألتين:

    المسألة الأولى: ما يتعلق بفوات الحج.

    والمسألة الثانية: ما يتعلق بالمنع عن إتمام نسك الحج أو العمرة.

    وذكرنا أن فوات الحج يحصل بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، فإذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر ولم يقف بعرفة فاته الحج، وهذا الفوات يترتب عليه مسائل:

    المسألة الأولى: ما يتعلق بالتحلل بعمرة.

    والمسألة الثانية: ما يتعلق بوجوب القضاء، هل يجب القضاء أو لا يجب؟

    والمسألة الثالثة:الهدي, هل يجب عليه هدي أو لا يجب؟

    وكذلك أيضاً ما يتعلق بالاشتراط إذا اشترط، هل ينفعه أو لا؟ وما الذي يستفيده من اشتراطه؟ كذلك أيضاً ما يتعلق بالإحصار، وذكرنا أن الإحصار أنواع:

    النوع الأول: الإحصار عن البيت.

    والنوع الثاني: الإحصار عن عرفة.

    والنوع الثالث: الإحصار عن طواف الإفاضة أو السعي.

    والنوع الرابع: الإحصار عن واجبٍ من واجبات الحج.

    ثم بعد ذلك تكلمنا عن شيء من أحكام الأضحية، وذكرنا تعريف الأضحية، وبدأنا بالشرط الأول من شروط صحتها، وهذا في قول المؤلف رحمه الله: (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأنٍ وثني سواه).

    فالشرط الأول من شروط صحة الأضحية أو الهدي أو العقيقة: أن تبلغ الذبيحة السن المعتبر شرعاً، وذكرنا أن الأئمة يتفقون على أن السن المعتبر شرعاً هو جذع ضأن وثني ما سواه، وإن كانوا يختلفون في تحديد الجذع والثني، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الجذع ما بلغ ستة أشهر، وأن الثني من المعز ما بلغ سنةً، والثني من البقر ما بلغ سنتين، والثني من الإبل ما بلغ خمس سنوات.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فالإبل خمس، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن نصفها، قال: وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة).

    يقول المؤلف رحمه الله: (تجزئ الشاة عن واحد) أي: تكفي الشاة الواحدة عن الشخص وعن أهل بيته، ويدل لذلك حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: (كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون).

    وهل الأفضل أن يعدد، أو نقول: إن الأفضل أن يقتصر على شاةٍ واحدة؟ يعني: لو قال صاحب البيت: أنا أريد أن أذبح شاتين أو ثلاث شياة ونحو ذلك، هل يشرع له ذلك، أو نقول: هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الهدي الاقتصار على شاةٍ واحدة ولا يعدد، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما عدد في الهدي، وأما بالنسبة للأضحية فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (ذبح كبشين: كبشاً عن محمد وآل محمد، والكبش الثاني ذبحه عن من لم يضح من أمة محمد).

    فنقول: الأفضل أن يقتصر على شاةٍ واحدة، اللهم إلا إذا كان هناك وصايا فالأمر في هذا واسع، ولكن لو زاد على ذلك فهذا جائز ولا بأس به، ويحصل به الأجر عند الله عز وجل؛ لأن الأضحية في أصلها مشهورة، وهي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويدل لهذا أيضاً زيادة النبي صلى الله عليه وسلم في ذبح الهدايا.

    فالمهم لو ذبح أضحيتين أو ثلاثاً فإن هذا جائز، ولكن من حيث السنية والأفضلية نقول: السنة أن يقتصر على شاةٍ واحدة؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الاشتراك في الأضحية

    تأتي هنا مسألة الاشتراك في الأضحية، قال المؤلف رحمه الله: تجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته.

    وأما بالنسبة للبدنة والبقرة فسبع البدنة وسبع البقرة يجزئان، وعلى هذا لو أن سبعة رجال ضحوا عن أبياتهم بإبل أو بقر، فنقول: بأن هذا مجزئ؛ لأن سبع البدنة يقوم مقام الشاة الواحدة، فصاحب البيت سواء ذبح شاةً أو ذبح سبع بدنة كلاهما مجزئ، ودليل إجزاء هذا الاشتراك حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل واحد في سبعة منهما)، رواه مسلم في صحيحه.

    هنا مسألة أخرى وهي: ما حكم الاشتراك في الشاة الواحدة أو الاشتراك في سبع البدنة أو سبع البقرة؟

    نقول: إن هذا الاشتراك ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الاشتراك في الثواب، بأن أشرك غيره في ثواب هذه الأضحية؛ سواء كان هذا الغير ثلاثة أم أربعة أم مائة، وهذا حكمه الجواز ولا بأس به، وعلى هذا لو أن رجلين أو ثلاثة من الأبناء اشتركوا في شراء أضحية لكي يهدوا ثوابها لأبيهم لكان هذا جائزاً ولا بأس به، ومثله أيضاً لو أن شخصاً ذبح أضحيةً وشرك فيها أمه وأباه وإخوته، فإن هذا جائز.

    فعندنا الاشتراك في الثواب له صور، منها أن يذبح شاةً أو سبع بدنة أو سبع بقرة، ويشرك فيه الخلق الكثير، كمن اشترى شاة وقال: هذه ثوابها لأبي وأمي وجدي وجدتي وإخواني وأعمامي، فهذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح كبشاً عمن لم يضح من أمته، وهذا داخل في الاشتراك في الثواب.

    أيضاً من صور الاشتراك في الثواب: لو أن شخصين أو ثلاثة أو أربعة اشتركوا في شراء أضحيةً لكي يذبحوها ويهدوا ثوابها لأبيهم أو لأمهم فإن هذا جائز ولا بأس به.

    أيضاً من صوره: لو أن مجموعةً اشتركوا في أضحية وأهدوها لأبيهم لكي يضحي بها، أو لجارهم لكي يضحي بها، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    هذا فيما يتعلق بالقسم الأول وهو الاشتراك في الثواب، وهذه المسائل تحدث الآن كثيراً.

    القسم الثاني: الاشتراك في الملك، والاشتراك في الملك له صورتان:

    الصورة الأولى: أن يشترك رجلان في ملك شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة لكي يضحيا بها عن بيتيهما أو عن بيوتهم، فمثلاً: زيد له بيت وعمرو له بيت، فاشتركا في شراء أضحية لكي يقوما بذبح هذه الأضحية عن بيتيهما، فهذا اشتراك في الملك، وهذه الأضحية غير مجزئة؛ لأن كل واحد منهما ما ذبح شاةً وإنما أخرج لحماً، فهذا أخرج نصف شاة، وهذا أخرج نصف شاة، والسنة أن يذبح كل بيت شاة.

    الصورة الثانية من صور التشريك في الملك: أهل البيت يشتركون في شراء شاةٍ، ولنفرض أن زيداً وعمراً ساكنان في بيت واحد، فهل يصح أن يدفع هذا مائة ريال وهذا مائة ريال ويشتريا شاةً ليضحيا بها؟

    العلماء رحمهم الله لهم في ذلك قولان، وفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة، ففي الصورة السابقة البيوت مختلفة، أما هنا البيت واحد، فالرأي الأول أن هذا الاشتراك لا يصح، وهذا قال به بعض الحنابلة وبعض الشافعية، وهو وجه عندهم، واختاره الشيخ محمد العثيمين رحمه الله، وقال: إن النص إنما ورد في الاشتراك في الثواب، وأما الاشتراك في الملك فإنه لم يرد، والعبادات توقيفية.

    والرأي الثاني: أن هذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك ما في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث أبي الأسد عن أبيه عن جده قال: (كنت سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نجمع لكل واحد منا درهماً فاشترينا أضحيةً بسبعة دراهم.. إلى أن قال: فأمر رسول الله فأخذ رجل برجل ورجل برجل، ورجل بيد ورجل بيد، ورجل بقرن، ثم ذبح السابع)، فهذا الحديث ظاهره الاشتراك، وابن القيم رحمه الله حمل هذا الحديث على أنهم كانوا أهل بيت، وأنهم اشتركوا في أضحية واحدة، وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:

    الجواب الأول: أن في إسناده مقالاً، يعني: عدم ثبوت الحديث.

    الجواب الثاني: أنه لو فرض أن هذا الحديث ثابت، فإن هذا محمول على ما يجوز الاشتراك فيه وهو البدنة، ويدل لهذا أنه قال: هذا أخذ برجل وهذا أخذ برجل، وهذا أخذ بيد وهذا أخذ بيد، وهذا أخذ بقرن.. إلى آخره، فهذا يدل على أن هذه بقرة.

    ولكن أنت إذا تأملت أن البيت واحد، وأنه قد يشق عليهم أن ينفرد كل واحد منهم بأضحية؛ إما لقلة ذات اليد، أو للشح في المال أو نحو ذلك، تجد أن الأمر فيه واسع، ولكن كما ذكرت بأن الشيخ محمد العثيمين رحمه الله يرى أن هذا غير مجزئ، وأنه لا يصح حتى ولو كان البيت واحداً.

    1.   

    عيوب الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تجزئ العوراء).

    هذا الشرط الثاني من شروط صحة الأضحية والهدي والعقيقة، وهو أن تكون سالمةً من العيوب المانعة من الإجزاء، والعيوب المانعة من الإجزاء أربعة عيوب يتفق عليها الأئمة، ويلحق بها ما في معناها، وهناك أيضاً عيب خامس يأتينا إن شاء الله، وهي ما إذا كانت البهيمة مقطوعة الذنب وتسمى البتراء.

    وهذه العيوب الأربعة دل لها حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، يقول البراء : (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي، والمريضة البين مرضها)، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي ، وكذلك أيضاً ابن ماجه والإمام أحمد رحمه الله، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم ، وغيرهم من أهل العلم.

    وعلى كل حال هذه العيوب كما أنها وردت في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه فهي التي تمنع الإجزاء، وهي التي يتفق عليها الأئمة، وما عدا هذه العيوب الأربعة نقول: السلامة منها أولى، ولكنها لا تمنع الإجزاء؛ لأن الأحاديث الواردة فيها موضع خلاف ولا تخلو من ضعف.

    العوراء

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تجزئ العوراء).

    هذا العيب الأول وهو العور وتحته صور:

    الصورة الأولى من صور العوراء: التي فقئت عينها فانخسفت فهذه لا تجزئ؛ لأنها عوراء بين عورها.

    الصورة الثانية: العوراء التي نتأت -خرجت- عينها، وهذه أيضاً لا تجزئ.

    الصورة الثالثة: العمياء، وهذه أيضاً لا تجزئ.

    الصورة الرابعة: العشواء، والعشواء -كما ذكر الشافعية رحمهم الله- أنها التي تبصر في النهار ولا تبصر بالليل، وقالوا: بأنها تجزئ، العشواء؛ لأن العور فيها ليس بيناً.

    الصورة الخامسة: التي على عينها بياض، يعني عينها قائمة ما انفقعت ولا نتأت فهذه مجزئة؛ لأن عورها ليس بيناً.

    الصورة السادسة: إذا كانت تبصر بعين، والعين الأخرى قائمة لكنها لا تبصر بها، المذهب أنها تجزئ؛ لأن العور هنا ليس بيناً، وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنها لا تجزئ؛ لأنها بمنزلة البخقاء التي انبخقت عينها، والرأي الثاني: أنها تجزئ؛ لأن عورها ليس بيناً.

    العجفاء

    قال المؤلف رحمه الله: (والعجفاء).

    العجفاء لها ثلاث صور:

    الصورة الأولى: أن تكون هزيلة وعظمها ليس فيه مخ، أي ليس فيه ودك، فإذا كسرت العظم وجدته أحمر ليس في ودك، وهذه لا تجزئ.

    الصورة الثانية: أن تكون سمينة وعظمها ليس فيه مخ، وذلك بأن يأتي الربيع وتأكل وتسمن، لكن حتى الآن العظم ما حمل هذا الودك، فهذه الصحيح أنها تجزئ.

    والصورة الثالثة عكس هذه الصورة: عظمها فيه مخ وهي هزيلة ليست سمينة، فهذه أيضاً غير مجزئة.

    العرجاء

    قال المؤلف رحمه الله: (والعرجاء البين ضلعها).

    العرجاء، هذا العيب الثالث، والعرجاء لها صور:

    الصورة الأولى: أن يكون عرجها بيناً بحيث لا تطيق المشي مع الصحيحة، فهذه عرجها بين.

    الصورة الثانية: أن تكون عرجاء لكنها تطيق المشي وتلحق الغنم، وهذه تجزئ؛ لأن العرج هنا ليس بيناً.

    الصورة الثالثة: مقطوعة اليد أو مقطوعة الرجل، فهذه لا تجزئ؛ لأن عرجها بين.

    الصورة الرابعة: مكسورة اليد أو مكسورة الرجل، وهذه لا تجزئ.

    الهتماء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والهتماء).

    والهتماء هي التي ذهبت ثناياها من أصلها، يقول المؤلف رحمه الله بأنها لا تجزئ، وهذا هو المذهب.

    والرأي الثاني مذهب الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنها تجزئ، وكما ذكرنا أن ما عدا العيوب الأربعة التي يتفق عليها الأئمة نقول بأنها مجزئة؛ لأن ذهاب شيء من الأسنان ليس كذهاب عضو من الأعضاء ونحو ذلك، ولكن السلامة من هذه الأشياء أولى، ولكن من حيث الإجزاء نقول: الصواب في ذلك ما ذهب إليه الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنها مجزئة، ولهذا ينص كثير من العلماء على أنها مكروهة قياساً على عضباء القرن.

    الجداء والمريضة

    قال المؤلف رحمه الله: (والجداء).

    الجداء هي التي شاب ونشف ضرعها، فالمؤلف رحمه الله يقول: بأنها لا تجزئ، والصواب في ذلك أنها مجزئة.

    قال: (والمريضة).

    هذا العيب الرابع، والمريضة البين مرضها تحتها صور:

    الصورة الأولى: أن يكون المرض بيناً، كالتي أصابتها الحمى وأقعدها المرض عن الذهاب إلى المرعى، واللحاق بالغنم ونحو ذلك، فهذه نقول: بأنها مريضة بين مرضها.

    الصورة الثانية: أن تكون مريضة لكن المرض ليس بيناً، فلا يقعدها عن الذهاب إلى المرعى، والمشي مع الغنم، فهذه مجزئة.

    الصورة الثالثة: المبشومة حتى تثلط، والمبشومة هي التي أكلت حتى انتفخ بطنها، فهذه أخذها شيء من أسباب الموت، فالعلماء يقولون: بأنها لا تجزئ حتى تثلط ما في بطنها.

    الصورة الرابعة: من أخذها الطلق حتى تلد أو حتى تنجو؛ لأنه يحتمل أن تهلك بسبب الولادة، فهذه لا تجزئ.

    الصورة الخامسة: من أخذها سبب الموت، المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، فهذه لا تجزئ حتى تسلم.

    الصورة السادسة: التي عليها جرب ظاهر، فهذه لا تجزئ.

    وهناك الآن وجد بعض الأمراض الموجودة في الماشية، مثل: الطِلْع فبعض المواشي تجد أن فيها طلعاً، فهل تجزئ هذه أو لا تجزئ؟ هذا موضع خلاف، فبعض أهل العلم من المتأخرين، قالوا: بأن هذا الطِلع إن كان حياً فإنها لا تجزئ، وإن كان ميتاً، يعني: نشف فإنها تجزئ.

    والصواب في مثل هذا أن يقال: إن كان هذا الطِلع يؤثر في اللحم، يعني: يفسد اللحم أو يضر أو نحو ذلك، فلا تجزئ، وإن كان لا يؤثر في اللحم فهو مجزئ والذي يظهر والله أعلم أن مثل هذه الطلوع بسبب أكل بعض الأعلاف كالشعير ونحو ذلك، ومثل هذه الأشياء ليست مؤثرة في اللحم، وعليه يقال بأنها مجزئة.

    العضباء والبتراء

    قال المؤلف رحمه الله: (والعضباء).

    العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها؛ لحديث علي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحى بأعضب الأذن والقرن )، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.

    وعند الشافعية أنها تجزئ ما لم يؤثر ذلك في اللحم، وذكر ابن مفلح صاحب الفروع أنه يحتمل الإجزاء، وهذا القول هو الصواب، وهو الذي رجحه المرداوي صاحب الإنصاف.

    قال: (بل البتراء خلقةً).

    يعني: البتراء التي قطع ذنبها وليس لها ذنب خلقة تجزئ.

    وقطع الذنب في البهائم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون خلقةً مقطوعاً، بأن ولد هكذا، فنقول: بأنها مجزئة.

    القسم الثاني: أن لا يكون خلقة وإنما قطعه الآدمي، فهذا إن كان ذيلاً كما في الإبل والبقر والغنم فإنها مجزئة، وإن كان فيه منفعة وجمال للبهيمة، لكنه ليس عضواً مقصوداً.

    والقسم الثالث: أن يكون إليةً كما في الضأن، فينظر: إن كان القطع في أكثر الإلية فإنه لا يجزئ، أما إن كان القطع للنصف فأقل فإنه مجزئ.

    فتلخص لنا أن بتر الذنب: إن كان خلقةً فلا يضر، ولهذا الأسترالي الذي ليس له ذنب خلقة، نقول: بأنه مجزئ.

    وأما ما كان مقطوعاً من الآدمي وليس خلقةً فهذا إن كان ذيلاً كما في الإبل والبقر والغنم فنقول بأنه مجزئ؛ لأن الذيل ليس مقصوداً، وإن كان إليةً كالضأن فهذا فيه تفصيل: إن كان الأكثر فإنه لا يجزئ، وإن كان النصف فأقل أجزأ.

    الجماء والخصي ومقطوعة القرن والأذن

    قال المؤلف رحمه الله: (والجماء).

    الجماء التي لم يخلق لها قرن، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنها مجزئة، وهذا باتفاق الأئمة.

    قال رحمه الله: (والخصي غير المجبوب).

    الجب هو قطع الذكر، فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله بأن الخصي وهو الذي قطعت خصيتاه إن كان اجتمع مع الخصاء قطع الذكر فإنه لا يجزئ، وكما ذكرنا سابقاً أن الصواب في مثل هذه الأشياء أنها مجزئة؛ لأن الذكر والخصيتين ليست من الأعضاء المقصودة.

    قال رحمه الله: (وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف أو النصف فقط).

    وهذا تقدم الكلام عليه في العضباء، وأن العضب هو ذهاب أكثر القرن وأكثر الأذن، أما إذا ذهب النصف أو أقل من النصف فإن هذا مجزئ، وسبق أن ذكرنا أنه حتى لو ذهبت الأذن كلها أو ذهب القرن كله أن هذا كله لا يضر؛ لأن مثل هذه الأشياء ليست من الأعضاء المقصودة، وإن كان فيها جمال، ومثل ذلك أيضاً الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة، فهذه عيوب تتعلق بالأذن، وكلها مجزئة.

    فالخلاصة في ذلك كما أسلفنا أن ندور مع العيوب الأربعة التي وردت في حديث البراء بن عازب ، وهي التي يتفق عليها الأئمة رحمهم الله تعالى، مع الإضافة إلى ذلك ما يتعلق بقطع الإلية من الضأن.

    1.   

    ذبح الأضحية

    نحر الإبل

    قال المؤلف رحمه الله: (والسنة نحر الإبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى فيطعنها بالحرية).

    هذا الكلام مكانه في باب الذكاة، ولكن لا أدري ما مناسبة ذكر المؤلف له هنا؛ لأن الفقهاء هناك يتكلمون عن الذكاة وشروطها والكيفية المستحبة فيها، ولهذا لو أن المؤلف رحمه الله تعالى جعل هذا الكلام في أحكام الذكاة لكان أحسن، لكن المهم أن المؤلف رحمه الله أتى به هنا، قال: (والسنة نحر الإبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة).

    قوله: (بالحربة) على سبيل المثال، فسواء طعنها بالحربة أو طعنها بالسكين أو غير ذلك، وقوله: (نحر الإبل قائمة) هذا هو السنة، وهذا هو الأفضل، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]، يعني: قائمةً على ثلاث قوائم، فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [الحج:36]، فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36]، يعني: سقطت على جنبها، وهذا يشعر أنها كانت قائمة، وكذلك أيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما مر على رجل كان ينحر راحلته وقد أناخها فقال: ( ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم).

    قال: (فيطعنها بالحربة في الوهدة).

    يعني: في المنخفض الذي بين أصل العنق والصدر، والرقبة كلها موضع للنحر والذبح، لكن كلما قرب من الصدر كان أحسن؛ لأن القلب هو مجتمع العروق، فإذا قطعت الرقبة يكون أكثر لنزف الدم، وأسرع في إزهاق الروح، فقوله: (في الوهدة) يعني: المكان المطمئن في الرقبة.

    قوله رحمه الله: (ويذبح غيرها).

    أي: يذبح غير الإبل، يعني: أن السنة في البقر والغنم أن تذبح؛ لقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، وفعل النبي عليه الصلاة والسلام في ذبح الشاة.

    ذبح غير الإبل

    وتذبح الأضحية على جنبها الأيسر، ولكن إذا كان المذكي لا يعمل بيده اليمنى، وإنما يعمل بيده اليسرى، وإذا أضجعها على جنبها الأيمن يكون أيسر له فإنه يضجعها على جنبها الأيمن، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم ذبحها على جنبها الأيسر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجوز عكسها).

    لو عكس وذبح ما ينحر ونحر ما يذبح فهذا جائز، ولكنه خلاف السنة، ودليله حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل).

    أذكار الذبح

    قال رحمه الله: (ويقول: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك) سيأتينا إن شاء الله في أحكام الذكاة ما يتعلق بأحكام التسمية، وهل هي شرط أو واجبة أو سنة؟

    والتكبير مستحب؛ لحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين يسمي ويكبر)، في الصحيحين.

    قوله رحمه الله: (اللهم هذا منك ولك).

    يعني: يقول: اللهم هذا منك ولك، والأحسن أن يقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم تقبل من محمد وآل محمد).

    من يتولى الذبح

    قال المؤلف رحمه الله: (ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلماً ويشهدها).

    يعني: يتولى الذبح صاحبها، وهذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منها المدية وقال: اشحذيها، وتولى النبي صلى الله عليه وسلم الذبح بنفسه)، وذبح النبي عليه الصلاة والسلام بيده ثلاثاً وستين بدنة من الهدي، وأمر علياً رضي الله تعالى عنه أو وكل علياً أن يذبح الباقي، ولهذا نقول: يتولى الذبح بنفسه، وهذا فيه فوائد:

    الفائدة الأولى: أن فيه اتباعاً واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    والفائدة الثانية: حصول الأجر.

    والفائدة الثالثة: أنه يطمئن لتحقق شروط العبادة.

    أو يوكل مسلماً، وهذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل علياً رضي الله تعالى عنه في ذبح الهدي.

    قال رحمه الله: (ويشهدها) أي: يحضر ذبحها.

    ويفهم من قوله: (يوكل مسلماً) أنه لو وكل كتابياً أنه لا يجزئ، مع أن الكتابي من أهل الذكاة، وهذه المسألة موضع خلاف: هل يصح أن توكل الكتابي أو لا يصح؟ المذهب أنه يجزئ أن يوكل كتابياً، والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا يجزئ الكتابي.

    والذي يظهر والله أعلم أنه يجزئ؛ لأن الكتابي من أهل الذكاة، فلو وكل كتابياً في الذبح جاز ذلك.

    1.   

    وقت ذبح الأضحية

    قال المؤلف رحمه الله: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد، أو قدره إلى يومين بعده، ويكره في ليلتيهما).

    هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الأضحية والهدي، وهو أن يكون ذلك في وقته المعتبر شرعاً، وهذا الوقت له بداية وله نهاية، فهنا مسألتان:

    بداية وقت الذبح

    المسألة الأولى: متى يبدأ وقت الذبح؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك ثلاثة آراء:

    الرأي الأول وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وبه قال أبو حنيفة : أن وقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد.

    الرأي الثاني: أن وقت الذبح يبدأ من بعد ذهاب قدر صلاة العيد، فمثلاً: لو فرضنا أن الشمس تخرج الساعة السابعة، وصلاة العيد تحتاج إلى عشر دقائق، فنقول: إذا تمت الساعة السابعة وعشر دقائق بدأ وقت الذبح، حتى وإن لم يصل الإمام، فلو فرضنا أن الإمام ما صلى إلا الثامنة فإنه يبدأ وقت الذبح إذا ذهب قدر الصلاة، وهذا هو مذهب الشافعية.

    والرأي الثالث وهو رأي الإمام مالك رحمه الله: أن وقت الذبح يكون من بعد ذبح الإمام، ولكل منهم دليل.

    أما الحنابلة والحنفية فاستدلوا بأدلة، منها حديث: البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، من فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله)، وهذا في الصحيحين، ومثل ذلك حديث جندب وغير ذلك من الأحاديث.

    وأما الذين قالوا: إن العبرة بذهاب قدر وقت فعل الصلاة بعد دخول الوقت، وهم الشافعية فقالوا: إن البلدان التي ليست فيها صلاة المعتبر فيها القدر؛ فدل ذلك أنه المعتبر.

    الجواب عن هذا سهل، وهو أن هذا خاص بالنسبة للبلدان التي ليس فيها صلاة، مع أننا لا نسلم هذا، بل نقول: البلدان التي ليس فيها صلاة يقدرون بأقرب البلدان إليهم.

    وأما المالكية الذين قالوا: إنه يكون بعد ذبح الإمام فاستدلوا بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: (أن ناساً ذبحوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا)، رواه مسلم في صحيحه، والجواب عن هذا: أن المقصود بذلك الزجر؛ لئلا يتعجلوا بالذبح قبل الصلاة.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وأنه من بعد الصلاة، ولكن هل وقت الذبح يدخل بفعل أي صلاة في البلد، أو أن المعتبر هو صلاة من في الجبانة، يعني المسجد الكبير؟

    هذا موضع خلاف، فالحنابلة يقولون: أي صلاة تصلى في البلد يدخل بها وقت الذبح، والحنفية يقولون: العبرة بما في الجبانة، يعني: المسجد الكبير، أي: إننا ننتظر حتى يصلي المسجد الكبير، والصواب في ذلك مذهب الحنابلة.

    نهاية وقت الذبح

    المسألة الثانية: متى ينتهي وقت الذبح؟

    قال المؤلف رحمه الله: (أو قدره إلى يومين بعده).

    يعني: نهاية وقت الذبح موضع خلاف بين الجمهور والشافعية، فالشافعية يقولون: أيام الذبح أربعة أيام: يوم العيد وثلاثة أيام التشريق.

    والجمهور يقولون: أيام الذبح ثلاثة: يوم العيد ويومان بعده كما ذكر المؤلف رحمه الله.

    ولكل منهم دليل، وأنت إذا تأملت المسألة لا تجد فيها أدلة صريحة؛ والأدلة الصريحة غير صحيحة، ولكن على كل حال لكل منهم دليل، فالذين قالوا بأنه ثلاثة أيام فقط -كما ذهب إليه المؤلف وهو قول جمهور أهل العلم- استدلوا بقول الله عز وجل: فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [الحج:28]، قالوا: وأقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا يكون الذبح في ثلاثة أيام فقط.

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث سلمة في الصحيحين: (من ضحى منكم فلا يصبحن بعد الثالثة وفي بيته شيء)، هذا كان ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر عن ادخار اللحوم، ثم بعد ذلك أباحه وإنما حرمه من أجل الدافة، فقالوا: يلزم من ذلك أنه لو ذبح في اليوم الرابع -كما يقول الشافعية- للزم منه أن يكون عنده لحم ضاحي بعد اليوم الثالث.

    والجواب عن هذا سهل؛ لأنا نقول: لو ذبح في اليوم الثالث أيضاً فإنه سيبقى عنده لحم؛ لأنه رخص له أن يدخر لثلاثة أيام، فيلزم على ذلك أنه لا يذبح في اليوم الثالث.

    والشافعية يستدلون بحديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام التشريق أيام ذبح)، وهذا الحديث لا يثبت، ولكن الذي يدل لذلك حديث نبيشة الهذلي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل)، فأيام التشريق كلها تتفق أنها يحرم صيامها وأنها وقت للرمي، وأنه يشرع فيها البيتوتة في لياليها، فكذلك أيضاً الذبح.

    والذي يظهر والله أعلم أن اليوم الثالث من أيام التشريق من أيام الذبح كما يقول الشافعية، واختاره شيخ الإسلام، والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم اشتراك طلاب السكن في الأضحية

    السؤال: هذا سائل يقول: نحن مجموعة من الطلبة ندرس في بلاد غير إسلامية، ونسكن في سكن واحد، وفي عيد الأضحى يصعب علينا شراء الأضحية فنشترك في شراء شاة نذبحها؛ لأن الحكومة تمنع من الذبح؟

    الجواب: هذا تكلمنا عليه، وقلنا: بأن هذا من صور التشريك في الملك، وهو ما إذا كانوا في بيت واحد واشتركوا، فيظهر والله أعلم أن هذا جائز ولا بأس به، ولكن لا بد من الذبح أما شراء شاة مذبوحة فلا يجزئ.