إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج عبادة محصورة في أيام وأماكن وعبادات محدودة، فمن العبادة الخاصة بالحج طواف الإفاضة والأفضل أن يكون ضحى يوم النحر، ثم السعي بين الصفا والمروة؛ سعي للقارن والمفرد، وسعيان للمتمتع، ويستحب لمن طاف طواف الإفاضة أن يشرب من ماء زمزم، وفي ذلك اقتداء بالنبي صل

    1.   

    خلاصة ما سبق من أحكام الحج

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في حكم طواف الإفاضة والسعي وأيام منى والوداع وغير ذلك:

    ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة، وأول وقته بعد نصف ليلة النحر، ويسن في يومه وله تأخيره، ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو غيره، ولم يكن سعى مع طواف القدوم ثم قد حل له كل شيء، ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه، ويدعو بما ورد، ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال مستقبلاً القبلة مرتباً، فإن رماه كله في الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم، ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع].

    تقدم لنا من أحكام الحج ما يتعلق بقطع التلبية بالنسبة للحج، ومتى يشرع له أن يقطع التلبية؟ وذكرنا أن جمهور أهل العلم أنه يقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة، خلافاً لما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله من أنه يقطع التلبية إذا فرغ من الرمي، وأن الصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لحديث الفضل : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة).

    كذلك أيضاً مما سلف من الأحكام: ما يتعلق بالتحللين: التحلل الأول، والتحلل الثاني، ومتى يحصل التحلل الأول؟ وذكرنا أن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب الشافعية: أنه إذا فعل اثنين من ثلاثة فإنه يحل التحلل الأول، والثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والطواف مع السعي، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة فإنه يحل التحلل الأول، وذكرنا أن مذهب مالك رحمه الله أنه يحل التحلل الأول إذا رمى جمرة العقبة، وعند أبي حنيفة رحمه الله: أنه إذا حلق أو قصر.

    وكذلك أيضاً تكلمنا عن التحلل الثاني، وأن التحلل الثاني يحصل بالطواف مع السعي؛ لأنه كما سلف وذكرنا أن ظاهر السنة أن التحلل الأول يحصل باثنين معينين هما: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وسبق أن بينا أن أنساك يوم النحر -وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، والسعي- على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب الشافعي : أنها تبدأ من بعد نصف ليلة العاشر، وكذلك أيضاً ما يتعلق بالدفع من مزدلفة إلى منى، يبدأ من بعد نصف ليلة العاشر ليلة النحر، وتكلمنا على هذه المسائل.

    1.   

    طواف الإفاضة

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة).

    قول المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يفيض إلى مكة). هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أحكام طواف الإفاضة والسعي، وما يتعلق بأحكام أيام منى، والتعجل وطواف الوداع.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ثم يفيض إلى مكة).

    مأخوذ من حديث جابر رضي الله تعالى عنهما الطويل، فقد جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: (ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى الظهر بمكة)، رواه مسلم في صحيحه.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة).

    لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بطواف القدوم لمن قدم مكة أول مرة، فلو أن الحاج ذهب إلى عرفات مباشرةً ولم يأت البيت، وبعد أن انتهى من عرفات ورمى وحلق... إلى آخره، أتى إلى البيت لطواف الإفاضة، وهو أول مرة يقدم البيت، فهل يشرع له طواف القدوم قبل طواف الإفاضة؟ أو نقول: بأن طواف القدوم لا يشرع له؟

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن طواف القدوم غير مشروع؛ لأنه لم يذكره، وهذا اختيار ابن قدامة رحمه الله، وكذلك أيضاً اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فلا طواف للقدوم بعد الوقوف بعرفة، بل طواف القدوم قبل الوقوف بعرفة.

    والرأي الثاني: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه إذا كان وروده للبيت أول مرة فإنه يبدأ أولاً بطواف القدوم ثم إذا انتهى من طواف القدوم فإنه يطوف للإفاضة.

    والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الموفق رحمه الله تعالى، وهو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه إذا كان قدومه للبيت بعد أن وقف بعرفة فإنه لا طواف للقدوم، وحينئذ هذا الطواف الذي يطوفه إنما هو طواف الإفاضة، فلا يشرع له أن يرمل فيه لما سبق أن الرمل والاضطباع إنما هما سنتان في طواف القدوم.

    كذلك أيضاً ذكر المؤلف رحمه الله أنه يستحب له أن يتطيب، فيستحب له إذا رمى وحلق أن يتطيب؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، فإذا أراد طواف الإفاضة فإنه يشرع له أن يتطيب قبل طواف الإفاضة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (بنية الفريضة طواف الزيارة).

    هل تشترط هذه النية الخاصة، أو نقول: بأن هذه النية الخاصة ليست شرطاً؟ وسبق أن ذكرنا كلام أهل العلم حول هذه المسألة، وأن الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى قال: بأن النية الخاصة ليست شرطاً، يعني: هل يشترط أن ينوي أنه يطوف طواف الإفاضة أو أنه يطوف طواف الفريضة؟ هذا ليس شرطاً، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أن النية العامة كافية بشرط أن ينوي أن يطوف، أما لو نوى عدم الطواف كما لو نوى أن يدور مع شخص، أو أن يلحق غريماً أو نحو ذلك فإنه لا يجزئ، لكن لو نوى الطواف وغاب عن ذهنه أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة، أو هو طواف الفريضة فإنه يجزئه.

    وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج بالإجماع، وقد حكى ابن المنذر رحمه الله تعالى الإجماع على ذلك، وكذلك أيضاً حكاه ابن قدامة وابن هبيرة رحمهم الله، وسيأتينا إن شاء الله في تعداد أركان الحج.

    وقت طواف الإفاضة

    قال المؤلف رحمه الله: (وأول وقته بعد نصف ليلة النحر، ويسن في يومه).

    طواف الإفاضة له وقتان: الوقت الأول: وقت استحباب. والوقت الثاني: وقت جواز. ومن العلماء من يضيف وقت وجوب كالحنفية والمالكية.

    أما بالنسبة لوقت الاستحباب فنقول: بأن وقت الاستحباب ضحى يوم النحر، كما دل لذلك حديث جابر وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر.

    وأما بالنسبة لوقت الجواز: فإنه يبدأ -كما قال المؤلف- من بعد نصف ليلة النحر، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، وقلنا: بأن هذه الأنساك الأربعة تبدأ من بعد دخول وقت الدفع إلى منى، والمشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب الشافعي : أن وقت الدفع من مزدلفة إلى منى يكون بعد منتصف ليلة النحر، وسبق أن ذكرنا أن الحنفية والمالكية يقولون: بأن وقت الدفع يبدأ من بعد طلوع الفجر بلحظة؛ لأنهم يرون أن المبيت الواجب إنما يكون بعد طلوع الفجر ولو قدر لحظة.

    والصواب في هذه المسألة كما سلف: أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من بعد دخول وقت الدفع من مزدلفة إلى منى على حسب ما سبق تقريره.

    وأما المالكية مع أنهم قالوا: بأن وقت الدفع من مزدلفة إلى منى بعد قدر حط الرحل، سواء كان ذلك من أول الليل أو من وسطه أو من آخره، إلا أنهم يرون أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من بعد طلوع الفجر.

    وعلى كل حال فالخلاصة في ذلك: أن وقت طواف الإفاضة يبدأ من بعد دخول وقت الدفع من مزدلفة إلى منى.

    وأما بالنسبة لنهايته فإنه لا حد له، والعلماء رحمهم الله تعالى يقولون: بأن وقته العمر، وما دام أنه لم يطف طواف الإفاضة فإنه لم يتحلل التحلل الثاني، وطواف الإفاضة والسعي والحلق أو التقصير هذه الأنساك الثلاثة لا حد لوقتها، لكن عند المالكية يقولون: إذا أخرت عن شهر ذي الحجة فإنه يلزم فيها دم، وعند الحنفية يقولون: إذا أخرت عن أيام التشريق فإنه يلزم فيها دم، خلافاً للشافعية والحنابلة رحمهم الله.

    فتلخص لنا بالنسبة لوقت طواف الإفاضة أنه يبدأ من بعد دخول وقت الدفع من مزدلفة إلى منى، وأما نهايته فلا حد له.

    وأما بالنسبة لوقت الاستحباب: فذكرنا أن وقت الاستحباب ضحى يوم النحر.

    يقول المؤلف رحمه الله: (ويسن في يومه)؛ لما تقدم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، ولقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر).

    قال: (وله تأخيره).

    يقول المؤلف رحمه الله: له أن يؤخره عن أيام منى، كذلك أيضاً له أن يؤخره عن شهر ذي الحجة؛ لأنهم يرون أنه لا حد لآخر وقته، وأن وقته العمر.

    1.   

    أحوال الحاج في السعي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً، أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم).

    الحاج لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون مفرداً

    الحالة الأولى: أن يكون مفرداً، فإذا كان مفرداً فإنه لا يلزمه إلا سعي واحد فقط، وعلى هذا إذا سعى بعد طواف القدوم فإنه لا يلزمه أن يسعى مرةً أخرى.

    الحالة الثانية: أن يكون قارناً

    الحالة الثانية: أن يكون قارناً، فالقارن هل يكفيه سعي واحد، أو لا بد من سعيين؟

    الرأي الأول: جمهور العلماء: أن القارن يكفيه سعي واحد.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية: أن القارن لا بد أن يسعى سعيين، ودليل الجمهور حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وكانت قارنة: يجزئ عنك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة بحجك وعمرتك)، وعائشة رضي الله تعالى عنها كانت قارنة، رواه مسلم في صحيحه.

    واستدل الحنفية بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (فإن ابن عمر جمع بين الحج والعمرة وطاف طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع)، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعلى هذا نقول: بأن الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، وأن القارن يكفيه طواف واحد فقط بين الصفا والمروة، ويدل لذلك أيضاً حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك بين أصابعه)، وبهذا نفهم أن أعمال المفرد كأعمال القارن تماماً، إلا أن الفرق بينهما أن القارن يأتي بنسكين، والمفرد يأتي بنسك واحد، وأن القارن يجب عليه هدي، وأما المفرد فإنه لا يجب عليه هدي.

    الحالة الثالثة: أن يكون متمتعاً

    الحالة الثالثة: أن يكون متمتعاً، وفيه رأيان:

    الرأي الأول: رأي جمهور العلماء: أن المتمتع يجب عليه أن يسعى سعيين، واستدلوا على ذلك بما في البخاري معلقاً من حديث ابن عباس ، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أهل المهاجرون والأنصار... إلى أن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة، إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرنا عشية التروية بالحج)، فقال: (فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة)، هذا للعمرة، ثم بعد ذلك قال: (ثم أمرنا عشية التروية بالحج، فلما فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبين الصفا والمروة)، وهذا الحديث صريح بأن المتمتع يجب عليه سعيان، وقد جاء أيضاً من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيح، لكنه ليس صريحاً.

    وقالوا أيضاً: بأن المتمتع يأتي بنسكين، ويحل بينهما حلاً تاماً، وإذا كان كذلك فإنه يأتي بالسعي الذي هو ركن العمرة، ويأتي بالسعي الذي هو ركن الحج؛ لأنه تحلل بينهما حلاً تاماً.

    الرأي الثاني: وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن المتمتع كالقارن لا يلزمه إلا سعي واحد فقط، واستدلوا على ذلك بحديث جابر ، وفيه قال: (لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً)، رواه مسلم في صحيحه.

    وقوله: (وأصحابه). مع أن كثيراً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يكن معه هدي يتحلل بل كان متمتعاً، (أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم كل من لم يسق الهدي)، كثير من الصحابة لم يسق الهدي، ومع ذلك يقول جابر : (لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً).

    وحديث ابن عباس الذي علقه البخاري ضعف هذا الحديث، وأنه لا يثبت.

    وعلى هذا -والله أعلم- فالقول بما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوي، لكن عند تكافؤ الأدلة يأتي الاحتياط، فنقول: المسلم يحتاط لدينه، وخصوصاً أن السعي يتعلق به التحلل، فنقول: يحتاط لدينه، ويسعى سعيين، وله أصل في ذلك وهو قول جماهير العلماء رحمهم الله.

    لكن لو أن الإنسان أتى بما يخل السعي، أو أنه نسي السعي أو نحو ذلك، ثم غادر مكة، فإنه لا يقال له: بأنه يجب عليك، أو أنك ما تحللت، وهذه المسألة نبه عليها الشيخ السعدي رحمه الله، ففي مقام الفتوى وخصوصاً عند تكافؤ الأدلة يفرق بين الفتوى قبل الوقوع وبين الفتوى بعد الوقوع، وخصوصاً فيما يتعلق بمناسك الحج، فقبل الوقوع نقول للمسلم: احتط لدينك واسع سعيين، كما قلنا في الطهارة في الطواف، فالمسلم يحتاط ويطوف، لكن لو أنه نسي أو سبقه الحدث ونحو ذلك كما يوجد في حال الزحام ونحو ذلك، فإن القول: بأن الطواف باطل أو نحو ذلك مع قوة الأدلة في المسألة فيه شيء، لكن مع السعة يحتاط المسلم.

    قال المؤلف رحمه الله: (ثم قد حل له كل شيء).

    1.   

    ما يستحب نحو ماء زمزم

    قال المؤلف رحمه الله: (ثم يشرب من ماء زمزم).

    يستحب إذا طاف طواف الإفاضة أن يشرب من ماء زمزم، ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنهما، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فناولوه فشرب)، رواه مسلم .

    قال رحمه الله: (لما أحب).

    كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (ماء زمزم لما شرب له)، وهذا الحديث رواه الدارقطني والحاكم ، وصححه الحاكم .

    قال رحمه الله: (ويتضلع منه).

    يعني: يملأ ضلوعه من ماء زمزم؛ لأنه ماء مبارك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في صحيح مسلم : (طعام طعم)، وفي غير مسلم : (وشفاء سقم)، فيقول المؤلف رحمه الله: (يتضلع منه). يعني: يملأ ضلوعه من ماء زمزم، ويدل لذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: ( إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم ). رواه ابن ماجه ، وصححه البوصيري في زوائده.

    قال رحمه الله: (ويدعو بما ورد).

    لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك، لكن الذي جاء في حديث ابن عباس : (ماء زمزم لما شرب له)، إن شربته للاستشفاء يشفيك الله عز وجل، وإن شربته لطلب العلم يرزقك الله علماً، وإن شربته للزرق رزقك الله مالاً... إلى آخره، بمعنى أنه سبب من الأسباب، كما أن الدعاء سبب، فالإنسان يدعو وقد يستجيب الله عز وجل لهذه الدعوة ويحققها له، وقد لا يستجيبها، فنقول: المسلم مأمور أن يفعل الأسباب، لكن قد يتخلف المسبب لحكمة أرادها الله عز وجل وقد تكون المصلحة أن تدخر لك في الآخرة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ويدعو بما ورد). وكما قلنا: لم يرد شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يقول: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.

    وكذلك أيضاً ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يستقبل القبلة، وأنه يشرب ثلاثاً، وأنه يسمي.

    أما التسمية فهي ثابتة في السنة عند الشراب، سواء كان زمزم أو غيره، وكذلك أيضاً التنفس ثلاثاً فهو وارد في السنة من حديث أنس ، وأما استقبال القبلة فورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في سنن ابن ماجه .

    1.   

    المبيت بمنى وأقوال العلماء فيه والفرق بينه وبين المبيت بمزدلفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال).

    يعني بعد أن يطوف طواف الإفاضة ويسعى سعي الحج، يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة)، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمنى)، وكلا الحديثين صحيح، فحديث ابن عمر في الصحيحين، وحديث جابر في مسلم ، واختلف العلماء رحمهم الله كثيراً في الجمع بينهما، وأقرب الأقوال في الجمع بين الحديثين: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة ثم خرج إلى منى فوجد أصحابه لم يصلوا فصلى بهم، وحينئذ يؤخذ من هذا شرعية إعادة الجماعة مرةً أخرى، إذا وجد السبب.

    قوله: (فيبيت بمنى). البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق من واجبات الحج، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله خلافاً للحنفية، فالحنفية رحمهم الله يرون أن البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق سنة وليست واجبةً، والجمهور استدلوا على الوجوب بأدلة، من هذه الأدلة ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس في ترك البيتوتة من سقايته)، والترخيص يقابله العزيمة، وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك البيتوتة، وأيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح أنه قال: لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة.

    وأما الحنفية رحمهم الله تعالى فيقولون: بأن البيتوتة شرعت من أجل الرمي، فلو أنه بات خارج منى فإنه لا شيء عليه، إنما شرعت من أجل الرمي، وهذا الاستدلال فيه نظر، والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، لكن البيتوتة بمنى أخف من البيتوتة بمزدلفة، ولهذا أصحاب الأعذار ينقسمون إلى قسمين:

    القسم الأول: أعذار تتعلق بالحجاج، فهؤلاء يرخص لهم، ودل لهذا ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة والسقاة، وكذلك من يشتغلون بأمور الحجاج من رجال الأمن، أو رجال المرور، أو رجال الصحة، أو حتى الموظفين الذين يشتغلون بأمور الحجاج إذا احتاجوا إلى أن يخرجوا من منى لما يتعلق بأمور الحجاج، فنقول: بأنه يرخص لهم.

    القسم الثاني: أصحاب الأعذار الخاصة، مثل المريض، ومثل من فقد شيئاً وذهب يبحث عنه.. وغير ذلك، فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: بأنه يرخص له، وقد ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح.

    وفرق آخر بين البيتوتة بمنى والبيتوتة بمزدلفة: أن قدر البيتوتة بمزدلفة لحظة واحدة، على المشهور من المذهب، فلو أنك جئت بعد نصف الليل بلحظة واحدة فلك أن تدفع، أما إن جئت قبل نصف الليل فإنك تمكث إلى ما بعد نصف الليل ولو بلحظة واحدة، ثم بعد ذلك تدفع، وتقدم أن ذكرنا أن الحنفية يقولون: البيتوتة بعد طلوع الفجر بلحظة واحدة.

    وأما المالكية فيقولون: بقدر حط الرحل.

    أما بالنسبة للبيتوتة بمنى، فالعلماء رحمهم الله يقولون: بأنها معظم الليل، سواء كان من أوله أو من أخره أو من وسطه، وعلى هذا فإذا أتى إلى منى مع غروب الشمس ومكث فيها إلى نصف الليل بلحظة واحدة فقد أتى بمعظم الليل وله أن يخرج، أو أتى قبل نصف الليل بلحظة ومكث إلى طلوع الفجر الثاني فقد أتى بالواجب.

    وكذلك أيضاً البيتوتة بمنى إذا ترك ليلةً فلا يلزمه دم، إنما يلزمه دم إذا ترك الليالي كلها، لكن يلزمه أن يطعم مسكيناً، فإن ترك ليلتين أطعم مسكينين، فإن ترك الليالي كلها وجب عليه الدم.

    1.   

    رمي الجمرات

    كيفية رمي الجمرات

    قال المؤلف رحمه الله: (فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره).

    قول المؤلف رحمه الله: (يرمي الجمرة الأولى...) إلى آخره، ولم يذكر المؤلف رحمه الله متى يرمي هذه الجمرة، لكنه سيذكره بعد ذلك.

    وقول المؤلف رحمه الله: (بسبع حصيات ويجعلها عن يساره).

    كيفية الرمي: المشهور من المذهب أن تكون مستقبل القبلة، وتجعل الجمرة على يسارك وترمي وتقول: الله أكبر الله أكبر.

    وبالنسبة للجمرة الوسطى فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: ويجعلها عن يمينه، فالجمرة الوسطى تجعلها عن يمينك وتستقبل القبلة وترمي، هذا المشهور من المذهب، وهذه الكيفية التي يذكرها الحنابلة جاءت في سنن الترمذي لكن الحديث الوارد في هذا ضعيف.

    والصحيح في ذلك أنك تستقبل الجمرة فتجعلها بين يديك، ولم يرد شيء إلا ما يتعلق برمي جمرة العقبة، وأيضاً لا تستقبل القبلة في رمي جمرة العقبة، والسنة أن تجعل مكة عن يسارك، ومنى عن يمينك، وتجعل الجمرة بين يديك وترميها، فاستقبال القبلة، أو تقصد استقبال القبلة -كما يذكر الفقهاء رحمهم الله- فيه نظر، ولم يرد في السنة الصحيحة إلا ما يتعلق بجمرة العقبة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويتأخر قليلاً، ويدعو طويلاً)، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أنه كان يتقدم فيقوم مستقبل القبلة طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يقول: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله).

    وثبت عن ابن عمر بإسناد صحيح: (أنه كان يقوم بمقدار سورة يوسف)، فالذي ورد في السنة أنه يقوم طويلاً، يعني: يطيل القيام.

    وعلى هذا نقول: بأنه إذا رمى فإنه يتأخر عن الجمرة ويستقبل القبلة ويرفع يديه -وهذا كله ثابت في السنة- ويدعو دعاءً طويلاً بمقدار سورة يوسف.

    قال رحمه الله: (ثم الوسطى مثلها).

    فإذا رمى الوسطى فإنه يتقدم ويقوم مستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو دعاءً طويلاً.

    قال رحمه الله: (ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي ولا يقف عندها).

    جمرة العقبة -كما تقدم- يقول المؤلف رحمه الله: (يجعلها عن يمينه)، لكن الذي ثبت في السنة في رمي النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر أنه جعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه.

    وأما القول: بأنه يجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة، هذا فيه نظر.

    قال: (ولا يقف عندها). سبق الكلام على هذه المسألة.

    وقت رمي الجمرات

    قال المؤلف رحمه الله: (يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال مستقبل القبلة مرتباً).

    من شروط صحة الرمي: أن يكون الرمي في وقته المحدد شرعاً، والرمي أيام التشريق له وقتان: وقت جواز، ووقت استحباب، أما وقت الجواز فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: (بعد الزوال) وهذا ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله تعالى.

    وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه في اليوم الأول بعد الزوال، وأما في اليوم الثاني ففيه تفصيل: إن أراد التعجل فله أن يرمي قبل الزوال، وإن لم يرد التعجل فإنه لا يرمي إلا بعد الزوال، وأما اليوم الثالث فله أن يرمي قبل الزوال مطلقاً، فالأيام عند الحنفية هكذا، اليوم الأول بعد الزوال، واليوم الثالث قبل الزوال يجوز، واليوم الثاني فيه تفصيل، إن أراد التعجل فله أن يرمي قبل الزوال، وإن لم يرد التعجل فإنه لا يرمي إلا بعد الزوال.

    والجمهور استدلوا على ذلك بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس)، وحديث ابن عمر قال: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا)، رواه البخاري .

    وأيضاً ورد عنه أنه قال: (لا ترم حتى يميل النهار).

    وأما الحنفية فاستدلوا بأثر وارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في البيهقي ، وهو ضعيف لا يثبت.

    وورد عن عطاء رحمه الله وطاوس أنه يجوز الرمي قبل الزوال مطلقاً في كل الأيام، واستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى قال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، والأيام المعدودات: هي أيام التشريق، ومن ذكره فيها الرمي قبل الزوال وبعد الزوال، فاليوم شامل لما قبل الزوال وبعد الزوال.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى من أن الرمي في أيام التشريق يكون بعد الزوال.

    وأما بالنسبة لنهايته فقلنا: أن الحنابلة يرون أن الرمي ينتهي بغروب شمس ذلك اليوم، وأنه لا رمي في الليل، وذكرنا الرأي الثاني رأي الحنفية والشافعية: أن الرمي يستمر إلى غروب شمس يوم الثالث عشر، وعلى هذا فرمي اليوم الحادي عشر يستمر إلى طلوع الفجر الثاني من اليوم الثاني عشر، ورمي اليوم الثاني عشر يستمر إلى طلوع الفجر الثاني من اليوم الثالث عشر، ورمي اليوم الثالث عشر يستمر إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس في اليوم الثالث عشر انتهت أيام التشريق ولا رمي بعد ذلك.

    وذكرنا الأدلة فيما تقدم كما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح أنه رخص لزوجته أن ترمي وقد قدمت ليلاً.

    قال المؤلف رحمه الله: (مرتباً).

    يعني: يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله خلافاً للحنفية، فالحنفية يقولون: بأن الرمي مرتباً سنة، فلو أنه بدأ بالعقبة أو الوسطى فإن هذا جائز، لكن الأحوط للمسلم أن يرمي مرتباً كما يقول المؤلف رحمه الله، فإن الجمهور يجعلونه شرطاً لصحة الرمي، وكما ذكرنا أن المسلم في حال السعة يحتاط لدينه، أما لو أن الإنسان بعد فوات الرمي ونحو ذلك ذكر بأنه أخل بالترتيب فلا يشدد عليه في ذلك.

    جمع الرمي في يوم واحد

    قال رحمه الله: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم).

    هل يجوز جمع الرمي في آخر يوم أو لا يجوز؟ أوسع الناس في ذلك الحنابلة والشافعية، فالحنابلة والشافعية يقولون: يجوز أن تجمع الرمي كله في آخر يوم، لكن قال المؤلف: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه ويرتبه بنيته).

    يعني: ينوي أنه يبدأ بيوم النحر ويرمي العقبة، ثم يرجع وينوي اليوم الحادي عشر فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم الثاني عشر ثم الثالث عشر، هذا ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر، فقالوا: كون النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أنهم يرمون الغد من بعد الغد ليومين أي: يجمعون رمي يومين في يوم واحد، أن هذا جائز ولا بأس به.

    الرأي الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنه لا يجوز الجمع، بل لا بد أن ترمي كل يوم بيومه، واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: (خذوا عني مناسككم)، والذي يظهر والله أعلم أن يقال: بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة، لأنهم يشتغلون بأعمال الحجاج، فالذي يشتغل بأعمال الحجاج ويحتاج إلى أن يجمع فنقول: لا بأس، مثل الأطباء ورجال الأمن والذين يقومون بخدمة الحجاج، قد لا يتمكن أنه يذهب ويرجع والناس يحتاجونه، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    ومثله أيضاً لو أن الإنسان كان ضعيفاً أو كبيراً ونحو ذلك يشق عليه أنه يذهب ويرجع، فنقول: هذا من أهل الأعذار، وداخل في الأعذار، والنبي صلى الله عليه وسلم قد رخص فيه إذا كان له عذر عام أو عذر خاص، كالكبير أو المريض أو المرأة التي قد لا تتمكن أن ترمي كل يوم، فنقول: لا بأس أن تجمع، وهذا خير لها من أن توكل، أي: كونها تباشر العبادة بنفسها خير لها من أن توكل.

    تأخير الرمي عن وقته

    وقوله: (ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه). يعني: عن أيام التشريق، (أو لم يبت بها)، يعني: لم يبت بمنى جميع الليالي، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فعليه دم)؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج.

    ولو أن الإنسان حصل له عذر ولم يتمكن من الرمي حتى طلع عليه الفجر، هل يجوز أن يرمي قبل الزوال أو لا يجوز؟

    الشافعية رحمهم الله تعالى يقولون: بأنه يجوز أن يرمي قبل الزوال وكذلك المالكية، فلو أنه حصل له عذر، ولنفرض أنه ممن يقوم بخدمة الحجاج، أو حصل له عذر خاص لم يتمكن من الرمي حتى طلع عليه الفجر الثاني من اليوم الثاني، فهل له أن يرمي قبل الزوال أو لا؟

    الشافعي يقول: بأن له ذلك، وهو قول المالكية؛ لأنهم يرون أن هذا على سبيل القضاء، وإذا كان على سبيل القضاء فإنه لا وقت له، وهذا القول هو الصواب، وحينئذ نقول: لا بأس أن ترمي قبل الزوال إذا كان قضاءً عن يوم سابق.

    1.   

    ما يلزم المتعجل في أيام التشريق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب). وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى خلافاً للحنفية، فإن الحنفية يرون أن من أراد التعجل فإنه يخرج ولو بعد الغروب إلى طلوع الفجر الثاني، فيرون أن مدة التعجل تمتد إلى طلوع الفجر الثاني، هذا المشهور عند الحنفية رحمهم الله تعالى، والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203]، والتعجل في يومين يكون قبل غروب الشمس، أما إذا غربت الشمس فإنه لم يتعجل في يومين.

    وكذلك أيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد. وهذا ثابت عن عمر رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح.

    وورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح: أن من غربت عليه الشمس وهو بمنى من أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد.

    ذكره الإمام مالك في الموطأ بإسناد صحيح.

    قوله: (وإلا لزمه المبيت). كما جاء في الآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، (والرمي من الغد).

    لكن لو أدركه الغروب وهو في طريقه للخروج من منى فله أن يتعجل، وكذلك أيضاً لو أدركه الغروب وهو يشد رحله، فنقول: بأن له أن يتعجل، وكذلك أيضاً لو أدركه الغروب وقد شرع في الرمي فيظهر والله أعلم أن له أن يتعجل؛ لأنه أخذ في أسباب التعجل، لكن لو أدركه الغروب قبل أن يشرع في الرمي، فيظهر والله أعلم أنه ليس له أن يتعجل، وإذا تعجل وأراد أن يرجع إلى منى لحاجة أو نحوها أو ليبيت أو نحو ذلك، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، المهم أنه يخرج من منى قبل غروب الشمس بنية التعجل، فإذا خرج من منى بنية التعجل، ثم بعد ذلك بدا له أن يرجع إلى منى؛ لكي يبيت أو لحاجة أو نحو ذلك، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    وأيضاً الذي يقيم خارج منى بحيث أنه لم يجد مكاناً في منى، فهذا يرمي قبل الغروب بنية التعجل ويكفيه ذلك، ولو رجع إلى محله؛ لأن محله خارج منى.

    1.   

    طواف الوداع

    قال رحمه الله: (فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع).

    طواف الوداع واجب من واجبات الحج كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي ، وعند الحنفية والمالكية أنه سنة، والصواب في ذلك: أنه واجب، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض)، فقوله: (أمر)، الأمر هنا يقتضي الوجوب، وأيضاً قوله: (خفف عن الحائض)، أيضاً يدل على الوجوب، وأنه لم يخفف إلا عن الحائض.

    ومتى يكون طواف الوداع؟ جمهور العلماء: أن طواف الوداع يكون بعد الفراغ من أعمال الحج، فلا بد أن يفرغ تماماً من أعمال الحج، أما إذا كان عليه شيء من أعمال الحج فإنه لا يصح طواف الوداع.

    وعند الحنفية: أن طواف الوداع يكون بعد الفراغ من طواف الإفاضة.

    والصواب في ذلك: ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام طاف بالبيت ثم صلى الصبح ثم خرج إلى المدينة، مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل طواف الوداع بعد نهاية أعمال الحج.

    وأيضاً ما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    ومن المسائل المتعلقة بطواف الوداع سقوطه فيسقط عن الحائض كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى.

    كذلك أهل مكة لا وداع عليهم، والعلماء رحمهم الله يستثنون من ذلك ما إذا أراد المكي أن يخرج مباشرة بعد النسك، فيقولون: بأنه يطوف للوداع، وسيأتي إن شاء الله.