إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذهب الجمهور إلى وجوب المبيت بمزدلفة خلافاً للحنفية وبعض الشافعية، فإذا انتصف الليل دفع منها الضعفة ومن في حكمهم، واختلفوا في المراد بالمشعر الحرام فقيل: سائر مزدلفة، وقيل: جبل خاص فيه اسمه قزح، ويشترط لصحة رمي الجمار عدة شروط، وبعد الرمي ينحر الهدي ويحلق

    1.   

    تابع الدفع إلى مزدلفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وله الدفع بعد نصف الليل وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله، فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده، ويحمد الله ويكبره، ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة:198] الآيتين. ويدعو حتى يسفر، فإذا بلغ محسِّراً أسرع رمية حجر، وأخذ الحصى وعدده سبعون بين الحمص والبندق، فإذا وصل إلى منى، وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده حتى يرى بياض إبطيه، ويكبر مع كل حصاة ولا يجزئ الرمي بغيرها ولا بها ثانياً ولا يقف ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هدياً إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره وتقصر منه المرأة أنملة، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، والحلاقة والتقصير نسك لا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر].

    تقدم لنا ما يتعلق بالوقوف بعرفة، وذكرنا وقته ومدته، وما يستحب فيه، وأن وقته يبدأ من بعد طلوع الفجر الثاني من يوم عرفة على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وعند الحنفية والشافعية أنه يبدأ من بعد الزوال، وعند الإمام مالك رحمه الله أن وقت الوقوف الركن يبدأ من بعد غروب الشمس، بمعنى أن من دفع قبل أن تغرب الشمس ولم يرجع حتى طلع الفجر الثاني من يوم النحر فقد فاته الحج، وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ من بعد الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما زالت الشمس انتقل من نمرة إلى بطن عرنة، وبطن عرنة ليس من عرفات، كما جاء في الحديث وكما ثبت ذلك أيضاً عن الصحابة بأسانيد صحيحة، أن بطن عرنة (الوادي) ليس من عرفات.

    وذكرنا أيضاً خلاف أهل العلم رحمهم الله تعالى في نمرة، هل هي من عرفات أو ليست من عرفات، وأن جمهور أهل العلم أنها ليست من عرفات، وأن الإمام مالك رحمه الله يرى أنها من عرفات، وذكرنا أن الصواب أنها ليست من عرفات؛ لأنها بعد بطن عُرنة، وبطن عُرنة كما أسلفنا ليس من عرفات.

    كذلك آخر وقت الوقوف هو طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وهذا بالإجماع، كما دل على ذلك حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله تعالى عنه.

    كذلك أيضاً ما يتعلق بالجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر .. إلخ. تكلمنا على هذه المسألة، وما هي علة الجمع، وما هي علة القصر، وهل يجمع أهل مكة ويقصرون، أو أنهم لا يجمعون ولا يقصرون، سبق الكلام على هذه المسائل.

    وكذلك أيضاً ذكرنا أن مدة الوقوف بعرفة ولو لحظة واحدة، ويشترط أن يكون محرماً، حتى ولو كان جاهلاً أنها عرفة، كما دل على ذلك حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه. إذا وقف فيها وهو نائم، أو وقف فيها وهو مغمى عليه، هل يصح وقوفه أو لا يصح، تقدم الكلام على هذه المسائل.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويبيت بها).

    الضمير يرجع إلى مزدلفة، والبيتوتة بمزدلفة واجبة من واجبات الحج، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، خلافاً للحنفية، فإن الحنفية يرون أن البيتوتة بمزدلفة سنة بالنسبة للضعفاء، وواجبة على الأقوياء.

    والرأي الثالث في هذه المسألة: أن البيتوتة في مزدلفة سنة، وهذا قال به بعض الشافعية.

    وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أن البيتوتة بمزدلفة واجبة من واجبات الحج. ويدل لذلك قول الله سبحانه وتعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]، هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب، ومن ذكره البيتوتة، كما بات النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأدلة على الوجوب: حديث عروة بن المضرس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه)، يدل على أنه لا بد من هذه الصلاة والوقوف بمزدلفة، فدل ذلك على وجوب البيتوتة بمزدلفة.

    أما بالنسبة للحنفية الذين قالوا: بأن البيتوتة بمزدلفة سنة للضعفاء، فكما سيأتينا أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للضعفاء، كما في حديث ابن عمر وحديث ابن عباس. فكون النبي صلى الله عليه وسلم رخص له في الدفع فيدل ذلك على أنها سنة، وهذا الاستدلال فيه نظر، بل ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم بالدفع يدل على الوجوب؛ لأن مقابل الرخصة عزم، فهذا يدل على الوجوب، فالصحيح في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    هذا وذهب الحسن البصري والنخعي والشعبي وكذلك أيضاً علقمة والأسود إلى القول بالركنية؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]. لكن الصواب في ذلك أن ما ذهب إليه الجمهور وهو وسط بين الركنية والقول بالسنية، وأما قول الله عز وجل: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]. فإجماع العلماء على أنه لو لم يذكر الله في المشعر الحرام فإن حجه تام.

    قال رحمه الله: (قبله فيه دم) الشافعية والحنابلة يرون أن بدء الأنساك بيوم النحر؛ لأن يوم النحر يشرع فيه رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة والسعي والحلق والدفع من مزدلفة إلى منى، فهذه خمسة أنساك: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة، والسعي، والدفع من مزدلفة إلى منى، والحلق أو التقصير. وهذه الأنساك الخمسة كلها تبدأ من بعد نصف الليل.

    هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب الشافعي، والصواب أن هذه الأنساك، تبدأ من بعد دخول وقت الدفع من مزدلفة إلى منى، وسيأتينا إن شاء الله بيان ذلك بإذن الله عز وجل.

    الدفع من مزدلفة للضعفة ومن في حكمهم

    المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (وله الدفع بعد نصف الليل).

    يعني: إذا انتصف الليل فله أن يدفع، سواء كان قوياً أو ضعيفاً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو قول الشافعية.

    المالكية يرون أن له أن يدفع إذا جلس بمزدلفة قدر حط الرحال، فإذا جلس في مزدلفة قدر حط الرحال فله أن يدفع، سواء كان ذلك في أول الليل أو في وسطه، أو في آخره.

    الحنفية يقولون: لا بد أن يقف بمزدلفة بعد طلوع الفجر ولو لحظة واحدة.

    والذي يظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه ابن القيم وغيره، وهو أن يقال: أما بالنسبة للضعفاء فالمستحب لهم أن يمكثوا إلى غروب القمر، كما ورد عن أسماء رضي الله تعالى عنها أنها كانت تصلي بالمزدلفة وتسأل عن غروب القمر، فإذا أخبرت بغروبه دفعت.

    وأما بالنسبة للأقوياء فنقول: السنة في حقهم أن يمكثوا بمزدلفة إلى طلوع الفجر، وأن يذكروا الله عز وجل بعد طلوع الفجر؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والأقوياء الذين يكونون تابعين للضعفاء يأخذون حكم الضعفاء، فلهم أن يتعجلوا، فبما أن السنة في حق الضعفاء أن يتعجلوا فنقول: بالنسبة للأقوياء الذين يقومون بشؤون الضعفاء، مثل: قائدي السيارات، والخدم، والموظفين الذين يعنون بشؤونهم .. إلخ. هؤلاء حكمهم حكم الضعفاء يدفعون بعد غروب القمر.

    قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وقبله فيه دم).

    يعني: لو دفع قبل نصف الليل فعليه دم، لأنه يجب عليه أن يمكث إلى نصف الليل كما تقدم.

    خلافاً للمالكية؛ فإن المالكية كما سلف لنا إذا مكث بمزدلفة قدر حط الرحل فله أن يدفع ولو كان ذلك في أول الليل.

    أقل المبيت بمزدلفة

    قال المؤلف: (كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله).

    إذا وصل بعد طلوع الفجر، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: يلزمه دم؛ لأنه انتهى وقت الليل، فليلة المزدلفة ينتهي وقتها بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر انتهى وقت الليل. فيقول المؤلف رحمه الله: إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فات وقت البيتوتة بمزدلفة، ويلزمه دم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج. هذا عند الشافعية والحنابلة.

    وعند الحنفية كما سلف لنا، لا يلزمه شيء؛ لأن البيتوتة الواجبة قدر لحظة بعد طلوع الفجر.

    وعند المالكية أيضاً يلزمه دم؛ لأنهم يقولون: البيتوتة الواجبة قدر حط الرحل سواء كان ذلك في أول الليل أو في وسطه أو في آخره.

    والذي يظهر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عروة بن المضرس أنه إذا جاء بعد طلوع الفجر، في وقت صلاة الفجر فإنه لا شيء عليه، وأنه قد أدرك؛ لأن عروة رضي الله تعالى عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المزدلفة في صلاة الفجر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه).

    ويظهر والله أعلم، أنه إذا جاء بعد طلوع الفجر، وصلى مع الناس، أن حجه تام وأنه لا يلزمه شيء.

    وهذه المسألة يقع فيها كثير من الناس اليوم، خصوصاً بسبب زحام السيارات، فتجد أنه لا يأتي إلا بعد طلوع الفجر، فنقول: إذا جاء في وقت الصلاة وصلى مع الناس فهذا حاله كحال عروة رضي الله تعالى عنه.

    صلاة الصبح بمزدلفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فرقاه أو يقف عنده، ويحمد الله ويكبره، ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة:198]).

    يقول المؤلف رحمه الله: السنة أن يصلي الصبح بغلس، وهل يوتر في تلك الليلة أو لا يوتر، أو هل يقوم في تلك الليلة، أو نقول: بأنه لا يقوم الليل؟

    جابر رضي الله تعالى عنه ذكر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم الطويل الذي أخرجه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى طلع الفجر. فظاهر حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحيي تلك الليلة بالقيام؛ لأن الحاج سيستقبل يوم الحج الأكبر، وفيه الرمي والحلق والطواف والسعي والتقصير .. إلخ، سيستقبل هذه الأنساك العظيمة، فلا بد أن يستريح في تلك الليلة، ولكن يبقى الوتر، فهدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحافظ على الوتر في السفر والحضر، فنقول: لا يمنع ذلك أن يوتر، ثم بعد ذلك ينام.

    وكذلك أيضاً دل حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس، يعني: صلاها في أول الوقت.

    الوقوف عند المشعر الحرام

    وقال المؤلف رحمه الله: (فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام)، المشعر الحرام هذا اختلف فيه على قولين:

    القول الأول: أن المراد بالمشعر الحرام كما في قول الله عز وجل: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198]. أن المراد بذلك هو سائر مزدلفة.

    والرأي الثاني: أن المراد بالمشعر الحرام هو جبل في مزدلفة يقال له: قزح، والآن المسجد المبني بمزدلفة، هو المشعر الحرام الخاص، ومزدلفة هي مشعر حرام على سبيل العموم، لكن على سبيل الخصوص، هناك مشعر خاص، وهو ما يسمى بجبل قزح، لكن هذا الجبل الآن هو الذي بني عليه مسجد مزدلفة الآن.

    على كل حال: السنة إذا طلع الفجر أن يصلي صلاة الفجر بغلس، وأن يستقبل القبلة، وأن يحمد الله ويكبره ويهلله، إلى أن يسفر جداً.

    قول المؤلف: (ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة:198] الآيتين. ويدعو حتى يسفر).

    قراءة هاتين الآيتين: هذا لا دليل عليه، فالذي جاء في حديث جابر : حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا وكبر، وهلل ووحد، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل طلوع الشمس، أما قراءة هاتين الآيتين فهذا لم يرد فيه شيء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضاً ما وقفت على شيء من آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قراءة هاتين الآيتين.

    وقت الدفع من مزدلفة لعامة الناس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويدعو حتى يسفر، فإذا بلغ محسِّراً أسرع رمية حجر).

    يدعو حتى يسفر، قال محمد بن الحسن من الحنفية، يظل واقفاً إلى أن يبقى على طلوع الشمس قدر ركعتين، فإذا بقي على طلوع الشمس قدر ركعتين، فإنه يدفع من مزدلفة إلى منى.

    وهذا التحديد بركعتين اجتهاد منه رحمه الله تعالى وإلا فالذي جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل وافقاً حتى أسفر جداً.

    والدفع قبل طلوع الشمس، هذا فيه مخالفة لأهل الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كي لا نغير. فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع قبل طلوع الشمس.

    قوله رحمه الله: (فإذا بلغ محسراً).

    ومحسر هو واد: بين مزدلفة ومنى.

    يقول المؤلف رحمه الله: (أسرع رمية حجر) يعني: قدر رمية حجر، وقد ذكر الأزرقي رحمه الله أن قدر محسر هذا خمسمائة وخمسة وأربعون ذراعاً.

    وقول المؤلف رحمه الله: (قدر رمية حجر) هذا ثابت عن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه يسرع قدر رمية بإسناد صحيح.

    واختلف العلماء رحمهم الله ما الحكمة من الإسراع، فقيل: لأنه محل هلاك أصحاب الفيل. وهذا ضعيف؛ لأن أصحاب الفيل أهلكوا في مكان يقال له: المغمس، قبل الحرم، يعني: قبل أن يدخلوا الحرم.

    وقيل: إن هذا المكان مكان تفقه النصارى.

    وقيل: إن أهل الجاهلية يقفون في هذا المكان، ويذكرون أحسابهم وأنسابهم ويتفاخرون.. إلخ. وهذا القول هو أقرب الأقوال، أنه مكان تقف فيه أهل الجاهلية، والقرآن أشار إلى هذا: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]. فالذي يظهر والله أعلم: أنه مكان تقف فيه الجاهلية يفتخرون بأحسابهم وأنسابهم .. إلخ.

    أخذ الحصى من مزدلفة

    قال رحمه الله: (وأخذ الحصى).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: يأخذ الحصى من حيث شاء، أخذها من الحل أو من الحرم، هذا كله جائز، لكن ورد عن بعض السلف كـابن عمر رضي الله تعالى عنه وسعيد بن جبير أنهم كانوا يتزودون من مزدلفة؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع من مزدلفة إلى منى أخذ الطريق الوسطى التي تخرج على جمرة العقبة، ولم ينزل النبي صلى الله عليه وسلم عن راحلته، ولم يعرج على رحله بمنى حتى رمى جمرة العقبة؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى، ولهذا ذكر بعض أهل العلم أنه يستحب أن تؤخذ الحصى من مزدلفة لما ذكرنا لئلا يشتغل بأخذ الحصى في منى، ولأن هذا أيضاً وارد عن بعض السلف كـابن عمر وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما.

    والذي يظهر من حديث ابن عباس -إن ثبت الحديث-: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحصيات من عند الجمرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث قال له غداة العقبة وهو على ناقته: القط لي حصى، قال: فلقطت له سبع حصيات كحصى الخذف، فيظهر والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من عند الجمرة.

    لكن هذا الحديث وإن صححه الحاكم إلا أن فيه مقالاً، وعلى كل حال من أي مكان أخذها أجزأ.

    1.   

    شروط صحة رمي الجمار

    قال: (وعدده سبعون بين الحمص والبندق).

    يقول المؤلف رحمه الله: عدد الحصى الذي يرمى به في سائر الأيام سبعون حصاة، والذي يظهر من السنة أن لقط الحصيات كل يوم بيومه.

    وقول المؤلف رحمه الله: (بين الحمص والبندق).

    رمي الجمار له شروط: أشار المؤلف رحمه الله إلى شيء من هذه الشروط:

    الشرط الأول: العدد، فلا بد من العدد، أن يرمي بسبع حصيات كما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فرماها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، رواه مسلم في صحيحه. فنقول: الشرط الأول: العدد. وسهل بعض العلماء في الحصاة الواحدة، لحديث سعد: أنهم كانوا ينصرفون ومنهم من يقول: رمينا بسبع، ومنهم من يقول: رمينا بست. فبعض أهل العلم سهل لهذا الأثر رضي الله تعالى عنهم، لكن هذا الأثر ضعيف، وعلى هذا نقول: الأصل أن المسلم يرمي كما جاء في السنة الصحيحة بسبع حصيات.

    قال رحمه الله: (مثل حصى الخذف).

    الشرط الثاني: أن يكون الحجر مثل حصى الخذف، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر ، وحصى الخذف يعني: الحصاة التي يخذف بها، يعني: يرمى بها، تكون بين الأصبعين ويرمى بها. وحدها بعض الشافعية قال: مثل الأنملة من الأصبع، إلا أنها أقل بشيء يسير، طولاً وعرضاً.

    الشرط الثالث: أن يرمي بحصى، وعلى هذا إذا رمى بغير الحصى فإنه لا يجزئ، كما لو رمى بالطين، خلافاً لـأبي حنيفة، فإن أبا حنيفة يرى أنه يصح الرمي بكل ما كان من جنس الأرض، ولكن الصواب في هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإذا وصل إلى منى، وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات متعاقبات).

    هذا الشرط الرابع: أن تكون الحصيات متعاقبات، يعني: واحدة بعد الأخرى، وعلى هذا لو رماها دفعة واحدة فلا يحسب إلا حصاة واحدة. بل قال الإمام مالك رحمه الله بأن من فعل ذلك يؤدب.

    الشرط الخامس: التوالي بين الحصيات، لما ذكرنا من القاعدة: أن كل عبادة مركبة من أجزاء لا بد فيها من الترتيب والتوالي بين أجزائها.

    الشرط السادس: أن يرمي رمياً، وعلى هذا لو وضعها وضعاً فإن ذلك لا يجزئ.

    الشرط السابع: ألا تكون هذه الحصاة قد رمي بها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وعللوا ذلك فقالوا: بأن هذه الحصاة استعملت في عبادة فلا تستعمل في عبادة أخرى.

    والرأي الثاني: الرمي بها، ولو رمي بها من قبل، لأن الشرع إنما جاء في الرمي بالحصى، وهذه حصاة من الحصيات.

    وقال رحمه الله: (يرفع يده حتى يرى بياض إبطيه، ويكبر مع كل حصاة).

    قول المؤلف رحمه الله: يرفع يده اليمنى هي على سبيل الاستحباب، المهم أن يرمي رمياً، أما إذا وضعها وضعاً فإنه لا يجزئه.

    الشرط الثامن: أن يكون الرمي في وقته المحدد شرعاً، ووقت رمي جمرة العقبة متى يبدأ؟ يبدأ من بعد دخول وقت الدفع من مزدلفة، كما سلف لنا أن الشافعية والحنابلة يقولون: بأن وقت الدفع من مزدلفة يبدأ من بعد نصف الليل، وعلى هذا عندهم رمي جمرة العقبة يبدأ من بعد نصف الليل.

    الحنفية يقولون: من بعد طلوع الفجر بلحظة. وعلى هذا وقت الرمي يبدأ عندهم من بعد طلوع الفجر بلحظة.

    المهم أن وقت رمي جمرة العقبة يبدأ من بعد دخول وقت الدفع من مزدلفة إلى منى، وذكرنا ما يتعلق بالضعفاء وما يتعلق بالأقوياء، ويستمر وقت الرمي إلى غروب الشمس، وهل يصح الرمي ليلاً، أو نقول: بأن الرمي لا يصح ليلاً؟ سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى أيضاً بقية.

    قال المؤلف: (ويكبر مع كل حصاة).

    يعني: يكبر (الله أكبر) كما جاء ذلك في حديث جابر قال: يكبر مع كل حصاة.

    قال: (ولا يقف).

    لا يقف عند جمرة العقبة بالدعاء، بخلاف الرمي في أيام التشريق، فإنه يقف عند الأولى، وما هي العلة أنه لا يقف عند رمي جمرة العقبة؟ قال بعض العلماء: لضيق المكان، وهذا كان في الزمن السابق، كانت جمرة العقبة في صلب جبل، تحتها وادي، وكان المكان ضيقاً، فقالوا: لضيق المكان لا يقف عندها.

    والرأي الثاني: أنه ليست العلة ضيق المكان، وإنما العلة أن العبادة انتهت، وما ورد دعاء معلق بدبر العبادة، فإن كان دعاءً فإنه يكون في صلبها، وإن كان ذكراً وليس دعاءً فإنه يكون بعدها. والدعاء إذا جاء مقيداً في دبر العبادة، أو بالعبادة فإنه يكون في صلبها، والآن عبادة الرمي انتهت، ونظير ذلك: التكبير عند استلام الحجر الأسود، يكبر عند استلام الحجر الأسود فإذا انتهى من الشوط السابع، فهل يشرع له أن يكبر، أو نقول: بأنه لا يكبر؟

    نقول: بأن العبادة انتهت، بمجرد أن وصل إلى الحجر الأسود وحينئذٍ لا يشرع له أن يكبر. مثله أيضاً في السعي إذا انتهى الشوط السابع، فهل يشرع له أن يستقبل القبلة وأن يرفع يديه، وأن يكبر وأن يهلل.. إلخ. عند المروة في آخر الشوط السابع، أو نقول: بأن هذا ليس مشروعاً؟ الذي يظهر أنه ليس مشروعاً؛ لأن العبادة قد انتهت.

    1.   

    وقت قطع التلبية بالحج

    قال: (ويقطع التلبية قبلها).

    يقطع التلبية قبل أن يبدأ برمي جمرة العقبة، ويدل لذلك حديث الفضل بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم (لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة). خرجاه في الصحيحين. وفي الصحيحين أيضاً: (لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة). وعند ابن حزم رحمه الله: أنه يستمر بالتلبية حتى ينتهي من الرمي، أخذاً بظاهر الحديث: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. لكن نقول: بأن قوله: حتى رمى جمرة العقبة أن المراد بلغ الجمرة، كما جاء في اللفظ الآخر، وهذا هو الذي يغيره المعنى، لكن مشكلة الظاهرية أنهم لا ينظرون إلى المعاني، وإنما ينظرون إلى ظواهر الألفاظ، وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لها، وهي: النظر إلى معاني ومقاصد الشارع، فلا يتعلق طالب العلم بظاهر اللفظ، بل عليه أن ينظر إلى الأصول الشرعية الكبيرة الأخرى، ولا ينظر إلى مجرد الألفاظ، فهناك أصول شرعية قد يخالفها ظاهر اللفظ، لكن الفقيه والعالم ينظر إلى أصول الشريعة وإلى مقاصدها .. إلخ. يعني: كيف تلبي، وأنت الآن شرعت في أسباب التحلل، لأنه كما سيأتينا إن شاء الله أنه ورد عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة، وهذا وارد بأسانيد صحيحة، فكيف نقول: بأنه يلبي والتلبية هي إجابة للداعي، وهو الآن شرع في أسباب التحلل، تخلص من الإحرام وإنهاء النسك، كيف نقول: يلبي، هذا يخالف المعنى، فالصحيح في ذلك أنه لما بلغ الجمرة قطع النبي صلى الله عليه وسلم التلبية.

    1.   

    وقت رمي الجمار

    قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس).

    الوقت المستحب أنه يرمي بعد طلوع الشمس، ويدل لذلك حديث جابر رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس )، وعلى هذا نفهم أن رمي جمرة العقبة له وقتان: وقت جواز، ووقت استحباب، وقت الاستحباب الضحى، كما جاء في حديث جابر.. وأما وقت الجواز فيبدأ من حين دخول وقت الدفع من مزدلفة إلى طلوع الفجر الثاني من اليوم الحادي عشر على الصحيح كما سيأتينا إن شاء الله.

    قال المؤلف: (ويجزئ بعد نصف الليل).

    هذا بدء وقت رمي جمرة العقبة، تكلمنا على هذه المسألة.

    ذكرنا أن المستحب أن يرمي ضحى، وإذا لم يرم ضحى فإنه يرمي بعد الزوال إلى غروب الشمس، فإن غربت عليه الشمس فهل له أن يرمي بعد ذلك، أو ليس له أن يرمي؟

    المشهور من المذهب: أن الليل ليس محل الرمي، وعلى هذا يرمي من الغد على وجه القضاء. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: مذهب الحنفية والشافعية، أنه لا بأس أن يرمي ليلاً، وهذا ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بإسناد صحيح: أن زوجته حبست على بنت أخٍ لها، فلم تأتِ إلا بعد غروب الشمس، فرمت ليلاً، فأذن لها ابن عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك. وأيضاً ما جاء في الحديث: رميت بعد ما أمسيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (افعل ولا حرج). والمساء كما أنه يطلق على ما بعد الزوال كذلك أيضاً يطلق على ما بعد غروب الشمس، ولأن الشارع لم يحد آخر وقت الرمي. وهذا يظهر والله أعلم أنه الأقرب في هذه المسألة.

    1.   

    نحر الهدي

    قال المؤلف: (ثم ينحر هدياً إن كان معه).

    إن كان معه هدي نحره، وإن لم يكن معه هدي فإنه يشتريه، وتقدم أن المتمتع والقارن يجب عليهما نحر الهدي، أما المفرد فإنه يستحب له أن يتطوع به، كذلك المتمتع والقارن يستحب لهما أن يتطوعا بالهدي. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، منها ما هو واجب، ومنها ما هو تطوع.

    وبالنسبة للهدي وما يتعلق به هذا سيأتينا إن شاء الله في باب الهدي والأضحية.

    1.   

    الحلق أو التقصير

    قال رحمه الله: (ويحلق أو يقصر من جميع شعره).

    قوله: (يحلق) والسنة أن يبدأ بجانبه الأيمن، وأما استقبال القبلة أثناء الحلق فهذا لا دليل عليه.

    وقول المؤلف رحمه الله: (يحلق أو يقصر من جميع شعره)، هذا تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا بد أن يقصر من جميع شعره، وأنه لا تشترط كل شعرة بعينها، ولكن لا بد أن يعمم شعره بالتقصير وبالحلق، وهذا رأي مالك أيضاً.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية، قالوا: يكفي ثلاث شعرات.

    والحنفية قالوا بأنه يكفي بعض الرأس، سبق أن ذكرنا الأدلة على ذلك وأن الصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة والمالكية.

    قال: (وتقصر منه المرأة قدر أنملة).

    الأنملة: يعني: طول أنملة، وعلى هذا المرأة تأخذ من شعرها طول هذه الأنملة، وأما ما تفعله بعض النساء أنها تعقد الظفيرة على أنملتها ثم تقصر فهذا غير صحيح، ولو قصرت أقل من ذلك أجزأ، يعني: لو أخذت أطراف الشعر يجزئ هذا. لكن يقول المؤلف: يستحب أن تقصر طول هذه الأنملة، ولو أخذت أقل من نصف الأنملة أو ربع الأنملة فإنه مجزئ، ولا بأس به؛ لأن المقصود هو التقصير.

    وابن المنذر رحمه الله تعالى حكى الإجماع على أنه ليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير، وهذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير).

    فإن كان شعرها درجات، فهل يكفي أن تأخذ من الدرجة الأخيرة، أو أنه لا بد أن تأخذ من كل درجة، نقول: الصحيح أنه لا بد أن تأخذ من كل درجة؛ يعني: تقصر من كل درجة، فتأخذ من أطراف الشعر.

    1.   

    التحلل الأول

    قال: (ثم حل له كل شيء إلا النساء، والحلاق والتقصير نسك).

    بم يحصل التحلل الأول، الحج له تحللان: تحلل أول وتحلل ثان، بم يحصل التحلل الأول؟

    هذا موضع خلاف، المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي أن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة، والثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، الحلق أو التقصير، الطواف مع السعي. فإذا فعل اثنين منها، فإنه قد حل التحلل الأول وأبيح له كل شيء إلا النساء.

    وعند الإمام مالك رحمه الله: أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة. ولكل منهم دليل.

    أما الحنابلة والشافعية فيستدلون بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رميتم وحلقتم فقد أحل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء) وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره، وهو من رواية الحجاج بن أرطأة والحجاج بن أرطأة هذا ضعيف ومدلس، فالحديث هذا ليس ثابتاً.

    والمالكية استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (إذا رميتم الجمرة فقد أحل لكم كل شيء إلا النساء). هذا رواه أحمد وابن ماجه وهو منقطع.

    لكن الوارد عن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة، وارد عن ابن الزبير وابن عمر وعائشة وعمر بأسانيد صحيحة، لكن عمر رضي الله تعالى عنه أضاف الطيب، يعني: يباح له كل شيء إذا رمى جمرة العقبة إلا النساء والطيب. وكذلك أيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه في رواية أخرى بإسناد صحيح: (إذا رمى وحلق أحل له كل شيء إلا النساء والطيب).

    أما بالنسبة للحنفية الذين يقولون: التحلل يحصل بالحلق، قالوا: بأن التحلل من العبادة هو الخروج منها، والخروج منها هو بفعل شيء ينافيها، ونظير قولهم هذا في الصلاة: يقولون السلام ليس ركناً، فإذا أتى بالمجزئ من التشهد، ثم تكلم أو أكل أو أحدث خرج من الصلاة؛ لأنه أتى بما ينافي الصلاة، فهم يقولون: التحلل من العبادة هو الخروج منها، والخروج منها يكون بفعل شيء ينافيها. لكن هذا ضعيف.

    ونحن إذا رأينا إلى آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم نجد أن فيها شيئاً من الاختلاف، كما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه، أيضاً التحلل يكون بالرمي والحلق.

    وظاهر السنة والله أعلم أن التحلل الأول يحصل باثنين معينين، خلافاً لما يقوله الحنابلة والشافعية: أن التحلل الأول يحصل باثنين غير معينين، لكن الذي يظهر والله أعلم أنه يحصل باثنين معينين هما: الرمي والحلق. وهذا ظاهر السنة لحديث عائشة كما في صحيح البخاري وغيره: قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف.

    قولها: طيبت النبي صلى الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف، يعني طيبته لكي يطوف متطيباً، وبما أن الأنساك: حلق، ورمي، وطواف.. وهذا ما يحصل به التحلل الأول، فيفهم من حديث عائشة أن الطيب وقع قبل الطواف، وهذا يؤيد المعنى، لكي يذهب النبي صلى الله عليه وسلم متطيباً إلى المسجد الحرام، فيطوف متطيباً، فيسن إذا أراد أن يطوف طواف الإفاضة أن يتطيب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فيظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له التحلل الأول، ويؤيده ما ورد عن عمر بإسناد صحيح: أنه قال: (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء).

    ويظهر أن عمر رضي الله تعالى عنه استثنى الطيب، لأن الطيب هو داعية الجماع، وسبب إثارة الشهوة.

    قال رحمه الله: (والحلاقة والتقصير نسك).

    هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الحلق والتقصير نسك من أنساك الحج، ويدل لذلك قول الله عز وجل: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمقصرين مرة واحدة، وللمحلقين ثلاثاً.

    أشار المؤلف رحمه الله إلى هذا لأن بعض أهل العلم قالوا: بأن الحلق أو التقصير ليس نسكاً، كما هو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد قالوا: بأنه إطلاق من محظور؛ لأن هذا الحلق كان محرماً عليه ثم أبيح له، كاللباس والطيب، والصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    وأيضاً نفهم أن ضابط الحلق ألا يبقى شيء من الشعر، سواء كان بالموسى أو بالمكينة .. إلخ. فإذا لم يبق شيء من الشعر، فهذا هو الحلق، وأما التقصير فإنه يبقى شيء من الشعر، وهذا ضابط الحلق والتقصير.

    قال رحمه الله: (ولا يلزم بتأخيره دم).

    الحلق أو التقصير المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي أن وقته العمر، فليس له حد.

    عندنا ثلاثة أنساك وقتها ليس له حد: الحلق أو التقصير، الطواف، السعي، هذا المشهور عند الحنابلة والشافعية، وهذا هو الصحيح.

    الحنفية يقولون: بأنها تفعل في أيام التشريق، فإذا أخرت عن أيام التشريق فعليه دم ويفعلها، فيجعلونها وقت وجوب ووقت جواز، واجب في أيام التشريق، وما عدا ذلك وقت جواز.

    والمالكية: وقت واجب وجواز، الوجوب في شهر ذي الحجة، بعد ذلك يجوز مع الدم.

    والشافعية والحنابلة يقولون: لا حد لوقتها، وأنها تفعل في أي وقت، لعدم وجود دليل.

    قال رحمه الله: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر).

    يعني: الأنساك يوم النحر: رمي جمرة العقبة، ذبح الهدي، الحلق أو التقصير، الطواف والسعي هذه الخمسة الأنساك. هل يجب عليه أن يرتبها، أو لا يجب؟

    أكثر أهل العلم والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يجب أن يرتبها، فإن فعلها مرتبة فقد أحسن، وإن ترك الترتيب فهذا جائز، ولا بأس به.

    خلافاً للحنيفة الذين يقولون: يجب عليه أن يرتبها، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية أنه لا يجب عليه أن يرتبها لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج).

    وهنا مسألة يسأل عنها كثير من الناس اليوم، قلنا: السعي لو قدمه على طواف الإفاضة جاز، فبعض الناس يقول: أنا سأسعى يوم النحر، وأؤخر طواف الإفاضة إلى الخروج، فيكفي عن طواف الوداع، يجزئ أو لا يجزئ؟ نقول: يجزئ، تقديم السعي على الطواف هذا جائز إذا كان في يوم النحر وما بعد ذلك.

    بقينا في مسألة أخيرة، وهي بالنسبة للتحلل الثاني، بم يحصل التحلل الثاني؟ نقول: يحصل التحلل الثاني بما بقي، وهو الطواف مع السعي، فإذا طاف وسعى أحل له كل شيء حتى النساء ولو بقيت أعمال الحج.