إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أراد الاعتكاف فإنه لا بد أن يعتكف في مسجد جامع إلا المرأة فلها الاعتكاف في أي مسجد، ومن نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة لزمه، ويجوز له أن يتنفل فيها من المفضول إلى الأفضل، ويبطل الاعتكاف بالجماع والخروج لغير حاجة، ويكثر المعتكف من العبادة المحضة والمتع

    1.   

    شرط كون الاعتكاف في المسجد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه، وعكسه بعكسه. ومن نذر زمناً معيناً دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره، ولا يخرج المعتكف إلا لما لابد له منه، ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه، وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه، ويستحب اشتغاله بالقرب، واجتناب ما لا يعنيه].

    تقدم لنا ما يتعلق بالصيام المستحب، وما يكره من الصيام وما يحرم، وكذلك أيضاً تقدم لنا ما يتعلق بحكم قطع الفرض، وكذا ما يتعلق بقطع النفل، وهل يلزم النفل بالشروع فيه؟ وهل يجب قضاؤه إذا قطع؟ وشرعنا في أحكام الاعتكاف، فذكرنا تعريف الاعتكاف في اللغة والاصطلاح، وأن حكمته هو جمع القلب على الله عز وجل، والانقطاع عن الخلق إلى الخالق.

    وتقدم لنا من شروط الاعتكاف الصوم؛ هل يشترط الصوم لصحة الاعتكاف أو نقول: بأن الصوم ليس شرطاً للاعتكاف؟ وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وأن الصواب أن الصوم ليس شرطاً في الاعتكاف كما مشى عليه المؤلف رحمه الله، وذكرنا دليل ذلك من قول الله عز وجل: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وأيضاً أن عمر رضي الله عنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، والليل ليس محلاً للصيام، وكذا ما يتعلق بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم للصوم في العشر الأول من شوال، ويدخل في هذه العشر يوم العيد، والعيد ليس محلاً للصيام.

    قال رحمه الله: (ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه).

    هذا الشرط الثاني الذي ذكره المؤلف رحمه الله من شروط صحة الاعتكاف: أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجماعة، والمعتكف لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون رجلاً، والحالة الثانية: أن يكون امرأة.

    صفة المسجد الذي يصح فيه اعتكاف الرجل

    أما الحالة الأولى -وهي إذا ما كان المعتكف رجلاً- فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه؛ يعني: تقام فيه الجماعة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وأيضاً سنة النبي صلى الله عليه وسلم تدل لذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في مسجده، وأيضاً لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة للزم لذلك أحد أمرين:

    الأمر الأول: أن يترك الجماعة، وصلاة الجماعة واجبة، فيكون فعل سنة وترك واجباً.

    والأمر الثاني: أن يكثر الخروج من معتكفه إلى صلاة الجماعة، ولا شك أن ركن الاعتكاف هو اللبث في المسجد، فهو سيخل بركن الاعتكاف، ولهذا ذهب المؤلف رحمه الله إلى أنه يشترط أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجماعة، وهذا ما ذهب إليه الحنفية. وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أنه لا يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة، وهذا قول المالكية والشافعية؛ يعني يقولون: يصح في كل مسجد، ولا يشترط أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة، لكن قالوا: إن تخلل اعتكافه جمعة فإنه يجب أن يكون في الجامع، ويستدلون بعموم الآية: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وهذا يشمل كل مسجد.

    الرأي الثالث في هذه المسألة: أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وما عدا ذلك فإن الاعتكاف لا يصح في بقية المساجد، ودليلهم على ذلك حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، وهذا الحديث رواه البيهقي، والطحاوي في مشكل الآثار، والذهبي في سير أعلام النبلاء، لكنه لا يثبت مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه موقوفاً على حذيفة ليس مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الرزاق أوثق من غيره ممن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كـمحمد بن آدم، فقد اضطرب في متنه، وكذلك أيضاً هشام بن عمار ومحمد بن فرج ، فـعبد الرزاق أوثق من هؤلاء وقد أوقفه على حذيفة ، ولو فرض أنه صحيح وأنه ثابت فإنه يحمل على الكمال؛ يعني: لا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة؛ لأن الاعتكاف توفرت فيه شروطه وأركانه.

    والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وهو قول وسط، وأن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه الجماعة.

    صفة المسجد الذي يصح فيه اعتكاف المرأة

    قال رحمه الله: (إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها).

    هذه هي الحالة الثانية، يقول المؤلف رحمه الله: يصح أن تعتكف المرأة في كل مسجد إلا مسجد بيتها، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وخالف في ذلك الحنفية؛ فيرون أن المرأة يصح أن تعتكف في مسجد بيتها.

    والصواب ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن المرأة لابد أن تعتكف في المسجد العام، وأنه لا يصح أن تعتكف في مسجد بيتها، ويدل لذلك اعتكاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، ولو صح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه إلى ذلك، ولهذا لما ضربن أخبيتهن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (آلبر أردن؟)، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهن.

    فالصواب في هذه المسألة ما عليه جمهور أهل العلم، وأن المرأة تعتكف في كل مسجد إلا مسجد بيتها.

    إذاً: ما هو الفرق بين الرجل والمرأة؟

    الفرق أن الرجل يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة، أما المرأة فلا يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة؛ لأن المرأة ليست من أهل الجمع والجماعات، فلو فرض أن عندنا مسجداً هجره الناس لا يصلون فيه، فالرجل لا يصح أن يعتكف فيه، لكن بالنسبة للمرأة يصح أن تعتكف فيه.

    1.   

    نذر الاعتكاف

    نذر الاعتكاف أو الصلاة في غير المساجد الثلاثة

    قال رحمه الله: (ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى).

    قوله: (ومن نذره) يعني: نذر الاعتكاف، فالضمير يعود إلى الاعتكاف، (أو الصلاة) نذر الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة، أو نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة، فيقول المؤلف رحمه الله: (وأفضلها الحرام، فمسجد المدينة، فالأقصى، لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه، وعكسه بعكسه)، إذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، هذه المسألة لها حالتان:

    الحالة الأولى: أن ينذر الاعتكاف أو الصلاة في غير المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، يقول المؤلف رحمه الله: لا يلزمه، فمثلاً لو قال: لله عليَّ أن أصلي في الجامع الفلاني، في البلد الفلاني، لا يجب عليه أن يوفي به، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف في المسجد الفلاني، في البلد الفلاني، يقول المؤلف رحمه الله: لم يلزمه، لا يجب عليه أن يوفي بنذره فيما يتعلق بالمكان، وأما العبادة فإنه يجب عليه أن يوفي بها، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    وما دليلهم على ذلك؟ قالوا: يلزم من القول بوجوب الوفاء في المسجد الذي عينه أن يشد الرحل إلى ذلك المسجد، والرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، هذه البقع الثلاث، وليس هناك بقع يشد إليها الرحال إلا هذه الثلاث البقاع فقط: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.

    إذاً قالوا: لا يلزم؛ لأنه يترتب على ذلك لو قلنا باللزوم شد الرحل إلى غير هذه المساجد الثلاثة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شد الرحال إلا إليها، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني الذي ذهب إليه ابن قدامة رحمه الله تعالى: أنه يلزمه إذا كان له ميزة شرعية، ولم يترتب على ذلك شد الرحل، وقال شيخ الإسلام: يلزمه لو كان له ميزة شرعية، ولنفرض أن هذا المسجد له ميزة شرعية؛ مثلاً كونه تصلى فيه الجمع، أو كونه جامعاً، أو كونه قديماً عتيقاً، أو كونه بعيداً ونحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يوفي به ما دام أنه لا يترتب عليه شد الرحل، وابن قدامة كما ذكرنا قال: يجب عليه أن يوفي به، ما لم يترتب على ذلك شد الرحل، وهذا القول هو الصواب؛ لأن المحظور الذي من أجله قال الجمهور: لا يلزم الوفاء بالنذر في غير المساجد الثلاثة انتفى، إذا قلنا: بشرط ألا يترتب على ذلك محظور شرعي من شد الرحل، هذه الحالة هي الأولى، وهي أن يكون النذر أو الصلاة في غير المساجد الثلاثة.

    نذر الاعتكاف أو الصلاة في المساجد الثلاثة

    الحالة الثانية: أن يكون النذر أو الصلاة في المساجد الثلاثة، فإنه يجب عليه أن يوفي بما نذره، لكن إذا نذره في المسجد الأقصى يجوز له أن يوفي في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإذا نذر في المسجد النبوي يجوز أن يوفي في المسجد الحرام، وإذا نذره في المسجد الحرام فإنه لا ينتقل إلى المسجدين، فإذا نذره في الأفضل لا ينتقل إلى المفضول، وإذا نذره في المفضول له أن ينتقل إلى الأفضل.

    ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في المسجد الأقصى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صل ها هنا، فسأله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صل ها هنا، فسأله، فقال: شأنك إذاً)، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن الجارود وغيرهم وصححه الحاكم وابن دقيق ، وهذا يدل على أنه إذا نذر في المفضول فله أن ينتقل إلى الأفضل.

    قال رحمه الله: (وأفضلها الحرام).

    يعني: أفضل المساجد المسجد الحرام، ثم بعد ذلك مسجد المدينة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، مما يدل على أن مسجد المدينة يأتي في المرتبة الثانية بعد المسجد الحرام، ثم بعد ذلك المسجد النبوي، ثم بعد ذلك المسجد الأقصى يأتي في المرتبة الثالثة؛ لأن المسجد الأقصى ليس حرماً، بخلاف المسجد النبوي والمسجد الحرام، وكذلك أيضاً بالنسبة لتضعيف الصلاة في المسجد الأقصى جاء فيه حديث ابن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب، وبعض أهل العلم يعل الحديث.

    الخلاصة في ذلك: أن الترخيص في شد الرحل إلى المسجد الأقصى يدل على أفضليته، والخلاصة في ذلك أن أفضل المساجد هو المسجد الحرام، ثم بعد ذلك المسجد النبوي، ثم بعد ذلك المسجد الأقصى.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه).

    يعني: إذا عين الأفضل المسجد الحرام فإنه لا يجوز في المسجدين الباقيين، ولا يجوز في بقية المساجد من باب أولى.

    قال رحمه الله: (وعكسه بعكسه).

    يعني: إذا عين المفضول فإنه يجوز في الأفضل، فإذا عين الأقصى جاز في المسجد النبوي والمسجد الحرام، وإذا عين المسجد النبوي جاز في المسجد الحرام. كما ذكرنا في الحديث السابق في قصة الرجل من حديث عبد الله بن عمرو وحديث جابر رضي الله عنهما.

    من نذر أن يعتكف زمناً معيناً

    قال رحمه الله: (ومن نذر زمناً معيناً دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره).

    إذا نذر زمناً من الأزمنة، هذا الزمن قد يكون معيناً، وقد يكون غير معين، فإذا كان معيناً فإنه يشترط فيه التتابع؛ لأن التعيين يقتضي التتابع، وإن كان غير معين فإنه لا يشترط التتابع، وعلى هذا نقول: من نذر زمناً من الأزمنة أن يعتكف في هذا الزمن، نقول: بأن هذا لا يخلو من أقسام:

    القسم الأول: أن ينذر اعتكاف يوم من الأيام، فإنه يدخل قبل طلوع الفجر الثاني ويخرج بعد غروب الشمس؛ لأن هذا هو اليوم الشرعي، قال الله عز وجل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، والليل بدؤه لغة من غروب الشمس.

    القسم الثاني: أن ينذر اعتكاف ليلة من الليالي، فإنه يدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر؛ لأن هذا هو الليل.

    القسم الثالث: أن ينذر اعتكاف أسبوع، فإذا نذر اعتكاف أسبوع فإنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يعين يقول: لله علي نذر أن أعتكف الأسبوع الأول من العشر الأواخر من شهر رمضان.

    فإذا عين فإنه يجب عليه التتابع؛ لأن التعيين يقتضي التتابع.

    الأمر الثاني: ألا يعين، وإنما يقول: أسبوع من العشر الأواخر، أو أسبوع من شهر رمضان، فإذا لم يعين فإنه لا يجب عليه أن يتابع، وإنما يعتكف سبعة أيام من شهر رمضان، أو من العشر الأواخر، ولا يجب عليه أن تكون متتابعة إلا إذا شرط ذلك أو نواه، فإنه يجب عليه أن يتابع.

    القسم الرابع: إذا نذر اعتكاف شهر، والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة السابقة، نقول: إن عين، كأن يقول: لله علي أن أعتكف شهر رمضان، فإنه يجب عليه أن يتابع، أما إذا لم يعين وقال: لله علي أن أعتكف شهراً، نقول: ما يجب عليك التتابع، تعتكف ثلاثين يوماً حتى ولو كانت متفرقة، إلا إذا شرط ذلك أو نواه، فإذا شرط ذلك أو نواه فإنه يجب عليه أن يتابع، ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال في كفارة الظهار: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء:92]، فلو كان إطلاق الشهر يقتضي التتابع ما قيده الله عز وجل بقوله: (مُتَتَابِعَيْنِ)، فدل ذلك على أن إطلاق الشهر لا يقتضي التتابع، وحينئذٍ نقول: إذا نذر أن يعتكف شهراً ولم يعين هذا الشهر أنه شهر رمضان أو شعبان إلى آخره، فنقول: لا يلزمه أن يتابع، لكن يجب عليه أن يعتكف ثلاثين يوماً إذا كانت متفرقة، إلا إذا نوى ذلك أو شرطه، فإنه يجب عليه أن يتابع، وإذا لم يجب عليه التتابع فإنه يعتكف ثلاثين يوماً، وإن اعتكف وتابع الحمد لله، فإن اعتكف بالهلال فإنه من الهلال إلى الهلال، وإن اعتكف من وسط الشهر إلى الهلال، ثم بعد ذلك من دخول الشهر الثاني إلى منتصف الشهر.

    القسم الخامس: إذا نذر أن يعتكف أياماً، والكلام في هذه المسألة كما سلف، كأنه قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام، أو أن أعتكف أربعة أيام أو نحو ذلك، نقول: إن عينها فإنه يجب عليه أن يتابع، كما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام من أول العشر، أو من آخر العشر، فهنا يجب عليه أن يتابع، وإن لم يعين فإنه لا يجب عليه أن يتابع إلا إذا شرط ذلك أو نواه، فيجب عليه أن يتابع.

    1.   

    مبطلات الاعتكاف

    المبطل الأول: الخروج من المعتكف

    قال رحمه الله: (ولا يخرج المعتكف إلا لما لابد منه).

    كما أشرنا أن ركن الاعتكاف هو اللبث في المسجد؛ لأن الاعتكاف: هو لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل، ولهذا جعل المؤلف رحمه الله الخروج من المعتكف مبطلاً للاعتكاف.

    وهل الخروج يبطل دائماً أو مطلقاً أو نقول: لا يبطل مطلقاً؟

    نقول: الخروج من المعتكف ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: إخراج بعض البدن، فإذا أخرج المعتكف بعض بدنه، مثلاً لو أخرج يده من النافذة لكي يأخذ شيئاً أو نحو ذلك، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها، (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها رأسه وهو معتكف فترجله وهي في حجرتها)، فهنا خروج لبعض البدن، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    القسم الثاني: أن يخرج لأمر لابد منه طبعاً، فنقول أيضاً: هذا لا يضر بالاعتكاف، كما لو خرج لقضاء الحاجة، أو خرج للأكل إذا كان لا يتمكن من أن يأكل في المسجد؛ أو يحتشم أن يأكل في المسجد، يعني ليس هناك خباء يستتر فيه ويحتشم أن يأكل أمام الناس ونحو ذلك، فهذا أمر لا بد منه طبعاً، فنقول: بأنه لا يضر الاعتكاف، وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج لحاجة الإنسان).

    القسم الثالث: أن يخرج لأمر لا بد له منه شرعاً، فهذا أيضاً لا يضر الاعتكاف، كما لو خرج للوضوء، أو خرج لصلاة الجمعة ونحو ذلك، فإن هذا لا يضر اعتكافه.

    القسم الرابع: أن يخرج لقربة من القرب؛ يعني لعبادة من العبادات، كما لو خرج لطلب العلم، أو لسماع محاضرة، أو لعيادة مريض، أو لتشييع جنازة، أو لصلة رحم أو غير ذلك، فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، هل يجوز أن يخرج بالشرط؟ نقول: إذا لم يشترط اعتكافه يبطل عليه، لكن إذا اشترط في بدء الاعتكاف، فهل الشرط هذا صحيح أو ليس صحيح؟ للعلماء رحمهم الله رأيان:

    الرأي الأول: رأي جمهور العلماء أنه صحيح، وعلى هذا في بداية الاعتكاف يشترط فيقول: إن حصل لي موت قريب فأنا أخرج، أو سأخرج لحضور الدرس الفلاني، أو لصلة الرحم، أو لزيارة فلان ونحوه، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله، ويستدلون على ذلك بحديث ضباعة بنت الزبير ، وأنها اشترطت: فمحلي حيث حبستني، في إحرام الحج، والحج يتميز عن بقية العبادات أنه نافلة، كما تقدم لنا أن النفل إذا شرع فيه يجب أن يتمه، ولا يجوز له أن يخرج منه، ومع ذلك جاز له أن يشترط الخروج، مع قوة نفوذ الإحرام في الحج.

    والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله، وهو أنه لا يصح الشرط؛ لأن العبادات توقيفية.

    القسم الخامس: الخروج من المعتكف لأمر ينافي الاعتكاف، فهذا لا يصح مطلقاً، ويبطل الاعتكاف، سواء كان بالشرط أو بغير الشرط؛ كإنسان خرج لكي يبيع، أو لكي يشتري، أو خرج لكي يجامع أهله، أو يستمتع بزوجته ونحو ذلك، فنقول: بأن هذا مما يبطل عليه الاعتكاف.

    القسم السادس: إذا خرج سهواً أو مكرهاً ونحو ذلك، هذا لا يضر؛ لأنه كما سلف لنا في القاعدة أن سائر المحظورات في الشريعة لابد لكي يترتب عليها أثرها من الذكر والاختيار والعلم.

    القسم السابع والأخير: الخروج لضرورة من الضرورات؛ كحصول ضرر، مثلاً احترق المسجد، أو حصل خوف في المسجد ونحو ذلك، فحصل ضرورة للخروج، فنقول: بأن الخروج هنا جائز ولا بأس به، ولا يقطع عليه الاعتكاف؛ لأنه اضطر إلى الخروج، وإذا انتهت ضرورته فإنه يرجع.

    قال: (ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط).

    هذا تكلمنا عليه، وذكرنا فيما يتعلق بالخروج أنه إذا خرج لقربة من القرب إن اشترط ذلك فالجمهور أنه صحيح، وعند الإمام مالك رحمه الله أنه لا يصح ولو بالشرط.

    المبطل الثاني: الجماع

    قال رحمه الله: (وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه).

    هذا المبطل الثاني من مبطلات الاعتكاف، كما ذكرنا أن مبطلات الاعتكاف اثنين: الأول: الخروج من المسجد، والثاني: الجماع، وهذا مبطل من مبطلات الاعتكاف، فمثلاً لو فرض أنه خرج إلى بيته من أجل قضاء الحاجة، أو لم يكن في المسجد وضوء، أو فيه ويحتشم لا يتمكن من الوضوء، وخرج إلى بيته، ثم وطئ زوجته، فنقول: بأن اعتكافه يبطل عليه، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، وهذا باتفاق الأئمة.

    المبطل الثالث: مباشرة الزوجة

    المبطل الثالث: مباشرة الزوجة، لو أنه باشر زوجته؛ ما جامعها لكن نظر إليها بشهوة أو مسها بشهوة ونحو ذلك، فهل يفسد اعتكافه أو لا يفسد اعتكافه؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنه لا يفسد اعتكافه، وقالوا: بأن الأصل هو صحة الاعتكاف، والمباشرة أقل من الجماع.

    والرأي الثاني: أنه يفسد اعتكافه؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، فهذه المباشرة تشمل الجماع وما دون الجماع.

    والصحيح في هذه المسألة أن اعتكافه لا يفسد عليه، وقول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]، المقصود بالمباشرة هنا الجماع كما ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد صحيح، فالصحيح أن المباشرة والمس ونحو ذلك، هذه الأشياء الواردة في القرآن، كما قال ابن عباس: المقصود بها الجماع، لكن الله عز وجل يكني.

    المبطل الرابع: السكر والإغماء

    المبطل الرابع: السكر، فإذا سكر وهو معتكف فإن اعتكافه يبطل عليه؛ لأن السكر هذا ينافي الاعتكاف.

    لكن لو أغمي عليه هل يبطل اعتكافه أو لا يبطل اعتكافه؟ نقول: بأن الإغماء لا يبطل عليه الاعتكاف، بل إذا أفاق فهو على اعتكافه.

    المبطل الخامس: إنزال المني

    المبطل الخامس: إذا أنزل منيه، هل يبطل اعتكافه أو لا يبطل اعتكافه؟

    نقول: بأن إنزال المني ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: إنزال المني بالاحتلام، كما لو نام ثم احتلم، هذا لا يبطل بالاتفاق؛ لأن النائم غير مؤاخذ.

    القسم الثاني: أن ينزل بالتفكير؛ فكر في جماع زوجته حتى أنزل، أيضاً نقول: بأنه لا يبطل عليه اعتكافه؛ لأن الله سبحانه وتعالى تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل.

    القسم الثالث: أن ينزل بالاستمناء، فنقول: يبطل عليه اعتكافه.

    القسم الرابع: أن ينزل بالمباشرة، فإذا باشر زوجته حتى أنزل، نقول: يبطل اعتكافه كالصيام.

    القسم الخامس: إذا أنزل بالنظر، فإن كرر النظر حتى أنزل فسد عليه الاعتكاف، وأما إذا لم يكرر النظر، وإنما نظر ثم بعد ذلك أنزل فإنه لا يبطل؛ لأن الله سبحانه وتعالى تجاوز عن الأولى، قال: (لك الأولى وليست لك الآخرة).

    1.   

    ما يستحب فعله أثناء الاعتكاف

    قال رحمه الله: (ويستحب اشتغاله بالقرب، واجتناب ما لا يعنيه).

    يقول المؤلف في آخر هذه الجملة في باب الاعتكاف: يستحب أن يشتغل المعتكف بالقرب، وهم يقولون: يستحب للمعتكف أن يشتغل بالعبادات المحضة؛ كقراءة القرآن والدعاء والصلاة والذكر ونحو ذلك؛ لأن الحكمة من الاعتكاف هو جمع القلب على الله سبحانه وتعالى، والانقطاع عن الخلق إلى الخالق. وأما القرب غير المحضة؛ القرب المتعدية كتعليم العلم وإقراء القرآن والدعوة إلى الله عز وجل، ونحو ذلك، فيقول الفقهاء: لا يشتغل به المعتكف، والصحيح في ذلك أنه يشتغل بالجميع، يشتغل بتعلم العلم وتعليمه وتدريسه وإقراء القرآن، ويشتغل أيضاً بالعبادات المحضة، وكل هذه العبادات سواء كانت محضة أو كان نفعها متعدي، هذه كلها طريق لصلاح القلب وتعلقه بالله سبحانه وتعالى.

    ثم قال: (واجتناب ما لا يعنيه).

    يعني أن المعتكف يجتنب ما لا يعنيه، (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) يعني أن المقصود من المعتكف أن يتخفف من فضول الكلام، ومن فضول الأكل، ومن فضول النوم، حتى ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه ينام وهو جالس؛ لكي يحافظ على الوقت، فليس المقصود من المعتكف أن يجعل مكان الاعتكاف مكاناً لكثرة الكلام، والتحدث مع بقية المعتكفين ونحو ذلك، وإنما المقصود هو صلاح القلب، ومن أعظم أسباب صلاح القلب هو التخفف من هذا الفضول؛ من فضول الخلطة، ومن فضول الكلام، وفضول الأكل، وفضول النوم إلى آخره، وأن ينقطع إلى الله عز وجل، ولا بأس للإنسان أن يتحدث، ولا بأس أن يتكلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم زارته زوجاته وتحدث مع زوجاته فلا بأس أن يزار، وأن يتحدث إليه، لكن المقصود أن الإنسان يكون همه هو كثرة العبادة من قراءة ونحو ذلك.

    1.   

    مسائل في الصيام والاعتكاف

    قدر الاعتكاف

    بقي عندنا مسألتان في الصيام، ومسألتان في الاعتكاف، قبل أن نشرع في أحكام المناسك.

    المسألة الأولى في الاعتكاف: ما هو قدر الاعتكاف؟ وما أقله؟

    الرأي الأول: أكثر أهل العلم يقولون: بأن أقل الاعتكاف لحظة واحدة، والحنفية والحنابلة والشافعية ينصون على ذلك، لكن الشافعية يقولون: يشترط اللبث في المسجد.

    والرأي الثاني: أن أقل الاعتكاف يوم وليلة، وهذا رأي المالكية، ويقولون: يستحب ألا ينقص ذلك عن عشرة أيام, وأقرب شيء والله أعلم في الاعتكاف بالنسبة لأقله: يوم أو ليلة، هذا أقل ما ورد، كما في حديث عمر في الصحيحين أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بندرك)، فهذا يدل على أن أقل الاعتكاف وأقل ما ورد هو يوم أو ليلة.

    أما القول بأنه لحظة هذا فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى المسجد، والصحابة كانوا يأتون إلى المسجد، ولو كان الاعتكاف مشروعاً لنووا الاعتكاف عند دخولهم المسجد، وكان ابن العربي رحمه الله -صاحب أحكام القرآن- إذا أراد أن يدخل المسجد قال لطلابه: انووا الاعتكاف تنالوا فضله. لكن هذا فيه نظر؛ لأن أقل ما ورد -والله أعلم- يوم وليلة؛ ولأن الحكمة من الاعتكاف هي أن يجمع المسلم قلبه على الله عز وجل.

    1.   

    وقت دخول المعتكف لمن أراد الاعتكاف في العشر الأواخر

    المسألة الثانية في الاعتكاف: ما هو وقت دخول المعتكف لمن أراد أن يعتكف العشر الأواخر؟

    فقول: إذا أراد المسلم أن يعتكف يوماً فإن وقت دخول المعتكف يكون قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإن أراد أن يعتكف ليلة دخل معتكفه قبل غروب الشمس إلى طلوع الفجر، لكن إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر كلها فجمهور أهل العلم أنه يدخل قبل غروب الشمس من اليوم العشرين؛ بمعنى أنه يكون في معتكفه ليلة إحدى وعشرين.

    ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأواسط، ثم اعتكف العشر الأواخر، كل ذلك يتطلب ليلة القدر، ولما أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم أنها في العشر الأواخر استقر اعتكافه في العشر الأواخر، وليلة إحدى وعشرين مما يرجى فيها ليلة القدر، بل جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري في المنام أنه يسجد صبيحة إحدى وعشرين في ماء وطين، يقول أبو سعيد : فمطرت تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر وأثر الماء والطين على جبهته) مما يدل على أن ليلة القدر في ذلك العام كانت ليلة إحدى وعشرين. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني ذهب إليه بعض السلف: أنه يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه)، رواه مسلم ، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن المراد من قول عائشة رضي الله عنها: (إذا صلى الصبح دخل معتكفه) المراد بذلك الاعتكاف الخاص، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في جملة المسجد، فإذا صلى الصبح دخل النبي صلى الله عليه وسلم المعتكف الخاص، كخباء يضرب له ونحو ذلك، بحيث يستتر عن أعين الناس.

    حكم صيام الدهر

    المسألة الأولى في الصيام: ما يتعلق بصوم الدهر: هل صوم الدهر مستحب أو مكروه؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن صوم الدهر مكروه، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه كان يسرد الصوم، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صمت ولا أفطرت)، وأيضاً (النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم الأبد). وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني رأي جمهور أهل العلم: أن صوم الدهر مستحب، واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه، وأنه كان يسرد الصوم، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

    والرأي الثالث رأي ابن حزم رحمه الله: وهو أن صوم الدهر محرم ولا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، والنهي يقتضي التحريم.

    وأقرب الأقوال في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، وهو أن صوم الدهر أو سرد الصيام مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن ذلك، إلا إذا أدى هذا الصيام إلى ترك واجب من الواجبات؛ كحق من حقوق الله، أو حق من حقوق الآدميين، فإنه يكون محرماً كما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله.

    حكم الوصال في الصيام

    المسألة الثانية: ما يتعلق بالوصال، والوصال: هو أن يقرن صيام يومين أو أكثر دون أن يفطر بينهما أو بينها، هذا أيضاً موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه مكروه. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه محرم ولا يجوز.

    ومن قال بالكراهة أو قال بالتحريم، كلهم يستدلون بنهي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم عن الوصال، فقالوا: (يا رسول الله! إنك تواصل، فقال عليه الصلاة والسلام: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، قال ابن القيم رحمه الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم يحصل له من لذة المناجاة والسرور بحصول الوحي له ما يقوم مقام الطعام والشراب، يعني: يفرح بحصول الوحي ويتلذذ به، وكذلك أيضاً تحصل له حلاوة مناجاة الله سبحانه وتعالى ما يقوم مقام الطعام والشراب، وهذا مجرب، فقد يكون الإنسان جائعاً، ويحضره الطعام، ثم بعد ذلك يسمع خبراً يسر به، يغنيه ذلك عن الطعام والشراب، وتجد أنه لفرحه بهذا الخبر لا يأكل ويترك طعامه وشرابه، فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).

    وأقرب الأقوال في مسألة هل هو مكروه كما يقول الحنابلة أو محرم كما يذهب إليه الكثير من أهل العلم؟ الأقرب في ذلك أن الوصال جائز إلى السحر، يعني: يجوز للإنسان أن يواصل إلى السحر فقط، وما عدا ذلك فالأصل في ذلك التحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي سعيد : (أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم بالوصال إلى السحر.