إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد شرع الله الصيام فرضاً ونفلاً، وحث عباده عليه؛ لما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ومما يندب المسلم إلى صيامه من الأيام: الست من شوال، وثلاثة أيام من كل شهر، وعرفة، وعاشوراء، والشهر المحرم، ليبقى العبد متصلاً بربه بشعيرة الصيام، غير مقتصر على الصيا

    1.   

    صوم التطوع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صوم التطوع.

    يسن صيام أيام البيض والإثنين والخميس وست من شوال، وشهر المحرم، وآكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة ويوم عرفة لغير حاج بها، وأفضله صوم يوم وفطر يوم].

    1.   

    الحكمة من مشروعيته

    قال رحمه الله: (باب صوم التطوع).

    التطوع: من الطوع، وهو نقيض الكره، وأما في الاصطلاح فهو فعل عبادة غير واجبة.

    وعلى هذا نقول: بأن صوم التطوع هو: الصوم غير الواجب، ومن رحمة الله عز وجل أن شرع مثل هذه التطوعات، فهذه الأركان العظيمة والأصول الكبيرة -أركان الإسلام- شرع لها ما يماثلها من جنسها، تطوعات تسد الخلل الذي يحصل فيها؛ لأن هذه الأركان مثل: الصلاة والصيام والزكاة... إلخ، يعروها كثير من الخلل والنقص، فشرعت مثل هذه التطوعات؛ لكي تسد الخلل والنقص الحاصل في هذه الأصول، ففائدة هذه التطوعات:

    أولاً: أنها تسد الخلل والنقص الحاصل في تلكم الواجبات.

    ثانياً: أن المسلم يستفيد بها الثواب العظيم عند الله عز وجل، ويتدرج في درجات الجنة بسبب هذه التطوعات.

    ثالثاً: ما يحصل من بركات هذه التطوعات، ويكفي أن الإنسان بهذه التطوعات يكون مرتبطاً مع الله عز وجل، ويكون قلبه معلقاً بالله سبحانه وتعالى، فالعبادة لها بركات عظيمة، وهي سبب سعادة الإنسان وفلاحه في هذه الحياة، فمن بركاتها ما سبق، ومن بركاتها: أنها تكفر ذنب صاحبها وترفع درجته عند الله عز وجل، وهي سبب لمحبة الله عز وجل للعبد، (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)... إلخ.

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صوم التطوع

    إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بصيام التطوع ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: تطوع رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، فمثلاً ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام شهر الله المحرم، بل المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه، ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان).

    ومن ذلك أيضاً صوم يوم وإفطار يوم، وأن هذا أفضل الصيام، وأنه صيام نبي الله داود كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ولم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.

    ومن ذلك صوم يوم الإثنين كما سيأتينا في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الإثنين؟ فقال: ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه، أو أنزل عليّ فيه)، وما حفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على صيام يوم الإثنين، بل المحفوظ أنه كان لا يواظب على ذلك، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (وكان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم).

    إذاً القسم الأول: صيام رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وبين فضله لكن لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حافظ عليه .

    وبهذا نفهم أيضاً أن من العبادات ما بينها النبي صلى الله عليه وسلم، وبيّن فضلها، ومع ذلك لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حافظ عليها، أو أنه فعلها عليه الصلاة والسلام كما في صيام شهر المحرم.

    القسم الثاني: صيام حافظ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها، (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ولم يكن يبالي من أي شهر يصوم)، رواه مسلم ، فهذه الثلاثة الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها، ولهذا جعلها بعض أهل العلم من السنة الراتبة للصيام، فكما أن الصلاة لها سنة راتبة، فكذلك أيضاً الصيام له سنة راتبة.

    القسم الثالث: صيام أكثر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شهر شعبان، تقول عائشة رضي الله عنها: (وما رأيته أكثر منه صياماً في شعبان).

    القسم الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم تارة يسرد الصوم، وتارة يسرد الفطر، حسب ما يتهيأ للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد يتهيأ له الفراغ فيسرد النبي صلى الله عليه وسلم له الصيام، وقد لا يتهيأ له الفراغ، فينشغل بأعباء الرسالة والدعوة والتعليم والإرشاد، فلا يتمكن من الصيام، تقول عائشة رضي الله عنها: (وكان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم).

    1.   

    الأيام التي يستحب صيامها

    هذا الباب يشتمل على صيام التطوع، وكذلك أيضاً يشتمل على الصيام المنهي عنه، وعلى ليلة القدر وفضلها، وهذا من باب التعبير بالبعض عن الكل، وهذا سائغ ولا مشاحة في الاصطلاح، فلا بأس بأن يبوب المؤلف ويترجم عن الباب ببعض مسائله، فالمؤلف رحمه الله قال: (باب صوم التطوع)، مع أن هذا الباب مشتمل على صيام المأمور به من التطوعات، وصيام المنهي عنه.

    وصيام التطوع ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الصيام المقيد: وهو ما جاء في الشرع تقييده بزمن من الأزمنة، كصيام يوم عرفة، وصيام يوم الجمعة، وصيام شهر الله المحرم، وصيام اليوم العاشر... إلخ.

    القسم الثاني: صيام مطلق وهو الذي لم يقيد بشيء، كما لو صام الإنسان يوم الثلاثاء تطوعاً لله عز وجل، أو صام يوم الأربعاء... إلخ.

    أيام البيض

    قال رحمه الله: (يسن صيام أيام البيض).

    بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بالصيام المقيد، فقال: (يسن صيام الأيام البيض)، ويا ليت المؤلف رحمه الله تعالى قال: يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون في الأيام البيض.

    وأيام البيض: هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وسميت هذه الأيام بأيام البيض؛ لابيضاض القمر في لياليها.

    والدليل على ذلك حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)، والحديث أخرجه الترمذي والنسائي والطيالسي وغيرهم، ومداره على يحيى بن سام ، ولم يتابعه عليه أحد في الرواية عن موسى بن طلحة ، وهذا الحديث له شواهده لا تخلو من مقال، فلم يثبت في صيام أيام البيض شيء مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح: أنه كان يصوم أيام البيض: اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وعمر رضي الله تعالى عنه له سنة متبعة كما جاء في الحديث: (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا).

    وحديث: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر )، فعمر رضي الله تعالى عنه له سنة متبعة، ولهذا حكى النووي رحمه الله الإجماع على مشروعية صيام أيام البيض.

    وعلى هذا نقول: بأن صيام أيام البيض سنة، وهو من التطوع المقيد، لكن لو أن المؤلف رحمه الله تعالى قال: يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن يجعلها في أيام البيض، لكان أحسن.

    وعلى هذا نقول: السنة كما تقدم لنا من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، والأفضل أن يجعلها في الأيام البيض كما ورد ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، وكما حكى النووي رضي الله تعالى الإجماع على ذلك.

    وجاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله)، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر، فكأنه صام الشهر، وإذا صام الشهر صام السنة، وإذا صام السنة صام الدهر، فنقول: يعدل صوم الدهر.

    وبعض أهل العلم يرى أنه هو السنة الراتبة، وكما أسلفنا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواء صامها في أول الشهر أو في آخره أو في وسطه، وسواء تابعها أو فرقها، فلو أنه صام يوماً في أول الشهر، ويوماً في وسطه، ويوماً في آخره، فهذا كله مجزئ -ولله الحمد- ويحصل له الثواب.

    يوما الإثنين والخميس

    قال رحمه الله: (والإثنين والخميس).

    هذا النوع الثاني من الصيام المقيد، وهو صوم يومي الإثنين والخميس، ودليل ذلك حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام الإثنين والخميس: (هما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي والإمام أحمد وغيرهم، وهذا الحديث ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والذي ثبت في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه، أو أنزل عليّ فيه)، هذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل أشار مسلم رحمه الله في صحيحه أنه أعرض عما يتعلق بصيام يوم الخميس، وهذا يدل على تضعيف مسلم رحمه الله لحديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه.

    وعلى هذا نقول: الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للصيام المقيد هو صيام يوم الإثنين، أما يوم الخميس فلم يثبت فيه شيء، مرفوع للنبي عليه الصلاة والسلام.

    وعلى هذا نقول: بأن صيام يوم الإثنين من التطوع المقيد، أما صيام يوم الخميس فيكون من التطوع المطلق.

    الست من شوال

    قال رحمه الله: (وست من شوال).

    هذا هو النوع الثالث من الصيام المقيد، صيام ستة أيام من شوال، ودليل ذلك حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر)، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وجمهور العلماء على استحباب صيام ست من شوال.

    أما أبو حنيفة ومالك فلا يريان مشروعية صيام ست من شوال، بل يكره عندهما ذلك، ولهما دليلان على ذلك:

    أما الدليل الأول: فقالوا: لا تصام ستة أيام من شوال؛ لئلا يظن الوجوب، وهذا تعليل عليل جداً؛ لأنه إذا قلنا: بأن صيام ست أيام من شوال بعد رمضان لا تصام؛ لئلا يظن أن هذا واجب، فإنه يترتب على ذلك أن نقول: إن السنن الرواتب أيضاً لا تستحب ولا تشرع؛ لأننا إذا صلينا هذه السنن الرواتب يترتب على ذلك أنها واجبة، يعني يظن أنها واجبة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الدليل الثاني: بأن عمل أهل المدينة ليس على ذلك، حيث نقل الإمام مالك بأنه لم يجد الناس في بلده يصومون ستة أيام من شوال، وهذا الاستدلال أيضاً فيه نظر ومردود؛ لأن ترك الناس العمل بالسنة لا يكون دليلاً على رد السنة، ورأي الإمام مالك رحمه الله حسب علمه، وإلا لا يظن بأن الناس في عهد الإمام مالك رحمه الله أنهم تركوا هذه السنة، وسيأتينا أن الإمام مالك رحمه الله تعالى لا يرى الاعتكاف؛ لأنه لم يعرف عنده، ومع ذلك في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف واعتكف أزواجه من بعده).

    إذاً: نقول: ما ذكره الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه لم ير أحداً من أهل المدينة يصومها، نقول: إذا سلم ذلك، فالجواب عليه من وجهين:

    الوجه الأول: أن ترك الناس العمل بالسنة لا يكون دليلاً على رد السنة، بل المردود هو تركهم بالعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الوجه الثاني: أن هذا محمول على علم الإمام مالك رحمه الله، وخصوصاً الصيام، فإن الصيام من العبادات التي تكون بين الإنسان وبين ربه، فربما أن الناس صاموا، لكن الإمام مالك رحمه الله تعالى لم يعلم بذلك، وهذا هو الأظهر والله أعلم.

    فالصواب في هذه المسألة ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله، وأن صيام ست من شوال مشروع.

    كذلك أيضاً يستحب أن يتابعها المسلم، وأن تكون عقب العيد؛ لما في ذلك من المسارعة إلى الخير، وبعض أهل العلم استحب أن لا تكون عقب العيد، وعلتهم في ذلك لئلا يتوهم وصلها برمضان، وأنها زيادة في الفريضة، لكن هذا فيه نظر؛ لأن هناك فاصلاً بين الفريضة وبين النافلة، وهو ما يتعلق بإفطار يوم العيد كما سيأتينا إن شاء الله عز وجل، فالأفضل ما ذهب إليه الحنابلة أن السنة أن تتابع، وأن تكون عقب العيد مباشرة، والعلة في ذلك أن هذا أسرع إلى الخير.

    بقينا في مسألة أخرى، وهي: إذا كان عليه قضاء شيء من رمضان، فهل له أن يصومها أو نقول: لا بد أن يقضي أولاً؟

    الصواب في هذه المسألة أنه لا بد أن يقضي أولاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)، قال: (صام رمضان)، ومن عليه شيء من رمضان ولم يقضه، فإنه لا يصدق عليه أنه صام رمضان، فلا بد أن يصوم رمضان أداء وقضاء؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان)، يشمل صيام رمضان أداء وقضاء، ولذلك نقول: لا بد أن يصوم رمضان أداء وقضاء، ثم بعد ذلك يصوم ستة أيام من شوال.

    وليست هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى، وهي أن بعض أهل العلم يقول: يجوز لك أن تطوع بالصيام قبل القضاء، نقول: لا، هذه المسألة ليست مبنية على تلك المسألة، صحيح أنه يجوز لك أن تطوع بالصيام قبل القضاء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها بأنها كانت لا تقضي إلا في شعبان، لكن بالنسبة للست من شوال هذه فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)؛ أي: أنه لا بد أن يصوم رمضان كاملاً.

    وإذا كان الإنسان معذوراً، ولم يتمكن من الصيام قضاء وصيام الست إلا بعد خروج شهر شوال، فإننا نقول: يكتب له الأجر كاملاً، ولنفرض أن الإنسان كان مريضاً ولم يتمكن من أن يقضي ويصوم إلا بعد أن خرج شوال، أو خرج كثير من شوال، بحيث لا يتمكن من صيام هذه الست إلا في ذي القعدة، نقول: يكتب له الأجر كاملاً ما دام أنه معذور، ونظير ذلك بالنسبة للصلاة عندما يكون الإنسان معذوراً، ومع ذلك يؤدي الصلاة خارج الوقت ويكتب له الأجر، فقد يعذر بنوم، وقد يعذر بنسيان، ويؤدي الصلاة خارج وقتها، وحينئذ نقول: بأنه يكتب له الأجر كاملاً عند الله عز وجل.

    شهر المحرم ومنه يوم عاشوراء

    قال رحمه الله: (وشهر المحرم).

    فشهر الله المحرم يستحب صيامه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)، فشهر الله المحرم يستحب أن يصام.

    قال رحمه الله: (وآكده العاشر).

    يعني: يوم عاشوراء هو آكد أيام شهر الله المحرم صياماً، فإذا لم يصم شهر الله المحرم فلا يغلبن أن يصوم اليوم العاشر.

    ثم قال رحمه الله: (ثم التاسع)، فاليوم العاشر واليوم التاسع من الصيام المقيد، مع أن شهر الله المحرم كله من الصيام المقيد؛ لأن هذا الصيام قيد بزمن كما سلف لنا.

    وصيام اليوم العاشر تحته مسائل:

    المسألة الأولى: أن صيام اليوم العاشر سنة مؤكدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها)، فهو سبب لتكفير ذنوب سنة كاملة من الصغائر.

    المسألة الثانية: ما المراد باليوم العاشر؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك قولان:

    القول الأول: أن اليوم العاشر هو اليوم العاشر، بمعنى أنك تعد بعد دخول شهر الله المحرم، فإذا جاء اليوم العاشر فهو اليوم العاشر الذي يستحب صيامه، ويدل لذلك الاشتقاق والتسمية.

    القول الثاني: أن اليوم العاشر هو اليوم التاسع، بمعنى أنك تعد مع دخول شهر الله المحرم، فإذا كان في اليوم التاسع فإنك تصوم اليوم التاسع، ففي صحيح مسلم أن ابن عباس رضي الله عنهما سأله الحكم الأعرج عن اليوم العاشر؟ فأمره أن يعد، فإذا جاء اليوم التاسع أصبح صائماً.

    والجواب عن هذا سهل، فيقال: بأن مراد ابن عباس رضي الله عنهما توجيه الحكم إلى ما هو الأفضل، والأفضل أنك تصوم التاسع مع العاشر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، يعني مع العاشر.

    وكان يوم عاشوراء -كما تقدم- في أول الإسلام واجباً، ثم نسخ وجوبه برمضان، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود تصومه، فسألهم عن ذلك؟ فقالوا: إن هذا يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه، فنحن نصومه شكراً لله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه).

    المسألة الثالثة: يستحب أن يصام مع اليوم العاشر اليوم التاسع؛ مخالفة لليهود، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره يحب موافقة أهل الكتاب، ثم بعد ذلك أحب مخالفة أهل الكتاب.

    لكن لو أفرد اليوم العاشر، واقتصر على صيام اليوم العاشر فقط، فهل يكره ذلك أو لا يكره؟ نقول: لا يكره ذلك، فإذا أفرد اليوم العاشر فإن هذا لا بأس به.

    فإن قيل: هل فيه موافقة لليهود؟ نقول: نعم فيه موافقة لليهود، لكن متى تكون الموافقة المنهي عنها؟ نقول: موافقة أهل الكتاب تكون منهياً عنها إذا لم يكن ذلك مشروعاً في دينهم، أما إذا كان الشيء مشروعاً في دينهم فإن موافقتهم ليست مكروهة، وصيام يوم عاشوراء مشروع في دين اليهود، فإذا أفردته حتى وإن وافقتهم فلا نقول: بأن هذا فيه موافقة لليهود، وأن هذا منهي عنه؛ لأن هذه العبادة مشروعة في دينهم.

    إذاً: تكون الموافقة منهياً عنها إذا لم تكن هذه العبادة مشروعة في دينهم، أما إن كانت مشروعة في دينهم فإنه لا تكون منهياً عنها.

    المسألة الأخيرة المتعلقة بصيام يوم عاشوراء: جاء في حديث أبي هريرة الأمر أن يصام يوماً قبله ويوماً بعده، فهل يستحب صيام ثلاثة أيام؟

    ذكر ابن القيم رحمه الله مراتب صيام عاشوراء، وقال: بأن أعلى المراتب أن تصوم ثلاثة أيام، يوماً قبله ويوماً بعده، والمرتبة الثانية: أن تصوم يومين، اليوم التاسع واليوم العاشر، والمرتبة الثالثة: أن تفرده، لكن المرتبة الأولى ليس عليها دليل، والحديث الوارد في ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه ضعيف، فقد رواه الإمام أحمد وهو ضعيف لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: نقول: بأن هذه المرتبة ليست ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا صامه يعتقد هذه المراتب، وأن هذه المراتب لها أفضلية، نقول: بأن هذا غير صحيح، لكن لو صامه وصام يوماً قبله ويوماً بعده، يعني: هو له عادة أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    تسع ذي الحجة

    قال رحمه الله: (وتسع ذي الحجة).

    هذا الصيام من التطوع المقيد، وهذا هو النوع الخامس: أن يصوم تسعة أيام من ذي الحجة، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).

    فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر) يدخل في ذلك الصيام، فنقول: من الأعمال الصالحة في أيام عشر ذي الحجة الصيام، فإن قيل: ورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط) كيف الجواب عن ذلك؟ نقول: الجواب عن ذلك من وجهين:

    الوجه الأول: نقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون كل أيامه عند عائشة رضي الله تعالى عنها، وربما أن عائشة رضي الله عنها لم تعلم وخفي عليها.

    الوجه الثاني: قلنا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام: إن النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في الشيء ولا يفعله، وإذا فرضنا قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم، فنحن نقول: بأن هذا داخل كما ذكرنا في بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام، ومن أقسام صيام التطوع: صيام رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يحفظ عنه عليه الصلاة والسلام فعله.

    وقد جاء عن حفصة رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد رحمه الله قالت: (أربع لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة)، ولكن هذا الحديث ضعيف لم يثبت عن حفصة رضي الله عنها.

    يوم عرفة

    قال رحمه الله: (ويوم عرفة لغير حاج بها). أي: من الصيام المقيد صيام يوم عرفة، لكن قال المؤلف رحمه الله: (لغير حاج بها)، فاشترط المؤلف شرطين:

    الشرط الأول: أن يكون غير حاج، أما إن كان حاجاً فإنه لا يشرع له أن يصوم.

    الشرط الثاني: (بها)، يعني: في عرفة، فإذا كان يوم عرفة مشروع صيامه، لكن يشترط ألا يكون حاجاً، وفي عرفة، فإذا كان حاجاً وهو في عرفة، فهل يشرع أن يصوم أو لا يشرع أن يصوم؟ نقول: لا يشرع له أن يصوم، والسنة أن يفطر كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل لذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أم الفضل رضي الله تعالى عنها، أنها بعثت للنبي صلى الله عليه وسلم لبناً فشربه يوم عرفة، وقد جاء في الحديث وإن كان ضعيفاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة)، وعلى هذا فغير الحاج نقول: بأنه يشرع له أن يصوم.

    كذلك لو كان حاجاً لكنه خارج عرفة، يصوم أو لا يصوم؟ نقول: يصوم؛ لأنه قال: (لغير حاج بها)، فلو كان حاجاً وهو في مكة، على كلام المؤلف رحمه الله يصوم؛ لأنه ربما أنه لا يقف إلا بعد غروب الشمس؛ لأن وقت الوقوف بعرفة يمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر.

    ودليل ذلك حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صيام يوم عرفة :(أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)، رواه مسلم .

    صوم يوم وفطر يوم

    قال رحمه الله: (وأفضله صوم يوم وفطر يوم).

    يعني: أفضل صيام التطوع صوم يوم وفطر يوم، وهذا أيضاً من الصيام المقيد، ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك لما كان يسرد الصوم، وأخبره أن صيام يوم وإفطار يوم هو صيام نبي الله داود، وأنه أفضل الصيام.

    واشترط العلماء رحمهم الله لصيام يوم وإفطار يوم: ألا يضعف البدن، فإن أضعف البدن، وأصبح عاجزاً على ألا يقوم بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، فتركه هو الأفضل.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تخصيص يوم الخميس بالصيام

    السؤال: هل تخصيص يوم الخميس بالصيام من البدعة؛ لأنه لا دليل على التخصيص؟

    الجواب: نقول: إن اعتقد أفضليته فنقول: بأن تخصيصه من البدعة، أما إذا صامه على أنه يوم ليس له أجر معين، كصيام يوم الثلاثاء وصيام يوم الأربعاء كما سيأتينا إن شاء الله في صيام هذه الأيام.

    سنقسم أيام الأسبوع إن شاء الله إلى أيام يستحب صيامها، وأيام يكره إفرادها بالصيام، وأيام يباح صيامها، فإذا صامها على أنها من الأيام المباحة، فإن ذلك جائز ولا بأس به، وإن اعتقد أن لها فضلاً وأجراً، وهو لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: بأن هذا من البدع.