إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صيام رمضان هو رابع أركان الإسلام، فهو مما علم من الدين بالضرورة، لما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، ودخول شهر رمضان وخروجه يعرف بعلامة شرعية هي رؤية الهلال أو إتمام شعبان ثلاثين، وقد اشترط في دخول الشهر رؤية العدل، أما خروجه فلا بد فيه من شهادة عدلين على رؤ

    1.   

    مناسبة كتاب الصيام لما قبله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الصيام.

    يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم يُرَ مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، وإن رؤي نهاراً فهو لليلة المقبلة، وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم.

    ويصام برؤية عدل ولو أنثى].

    قوله رحمه الله: (كتاب الصيام).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الزكاة أتبع الزكاة بأحكام الصيام، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (بني الإسلام على خمس)، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصيام بعد الزكاة، لأن حاجة الناس إلى الصيام أكثر من حاجتهم إلى الحج؛ لأن الصيام حولي، وأما الحج فإنه عمري.

    1.   

    تعريف الصيام

    والصيام في اللغة: مجرد الإمساك، وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

    1.   

    حكم صيام رمضان والحكمة منه

    صيام رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وفرضيته معلومة من الدين بالضرورة، وقد دل على ذلك القرآن والسنة والإجماع كما سيأتي.

    صيام رمضان له حكم كثيرة، منها الاستجابة لأمر الله، والاستجابة لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها تأدية ركن من أركان الإسلام، ومنها إتمام أنواع العبادة؛ لأن العبادات إما بذل وإما بانكفاف، فالصيام فيه انكفاف عن المطاعم والمشارب والمنافع، والزكاة فيها بذل للمحبوب، والصيام فيه انكفاف عن المحبوب.

    ومنها تكفير السيئات ورفعة الدرجات وزيادة الحسنات، ومنها التخلق بأخلاق الصبر، والإيمان بقضاء الله وقدره مما يحصل للصائم من ألم الجوع والعطش، ومنها أن الصائم يتذكر إخوانه الفقراء فيسارع في مواساتهم، ففيه تكافل اجتماعي، وقيام بحق الأخوة الإسلامية، ومنها ما يستفيده الجسم من إخراج الرطوبات والفضلات ونحو ذلك.

    وشرعية الصيام جاءت على ثلاث مراحل:

    المرحلة الأولى: وجوب صيام يوم عاشوراء.

    ثم بعد ذلك نسخ هذا الوجوب إلى التخيير في صيام رمضان بين الصيام وبين الإطعام، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].

    ثم بعد ذلك المرحلة الثالثة والأخيرة التي استقر عليها التشريع هي تعين صيام رمضان، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، حيث فرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة كما ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى، وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات.

    1.   

    رؤية الهلال

    وجوب الصيام برؤية الهلال

    قال رحمه الله: (يجب صوم رمضان برؤية هلاله).

    هنا مسألة: متى يجب صوم رمضان؟

    يجب صوم رمضان لواحد من أمور ثلاثة يذكرها العلماء رحمهم الله، وأما الرابع فهو ملغى شرعاً.

    أما الأمر الأول فقال: (برؤية هلاله)، فإذا رؤي هلال رمضان وجب الصيام، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، من حديث ابن عمر في الصحيحين، وهذا بالإجماع؛ أنه إذا رؤي هلال رمضان وجب الصيام.

    وجوب الصيام بإكمال عدة شعبان عند الحيلولة دون رؤية الهلال

    قال رحمه الله: (فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين، أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر، فظاهر المذهب يجب صومه).

    ليلة الثلاثين من رمضان لا تخلو من حالين:

    الحال الأولى: أن تكون السماء صحواً فلا يجب الصيام، بل كما ذكر المؤلف رحمه الله: (أصبحوا مفطرين)، وهذا بالإجماع، إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحواً فإنه لا يجب الصيام، ولهذا قال: (فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين). يعني من شعبان، فإنهم يصبحون مفطرين، بل (النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه).

    الحال الثانية: أن تكون السماء غير صحو ليلة الثلاثين من شعبان كما ذكر المؤلف رحمه الله: (فيها غيم أو قتر)، والقتر: هو الغبار يمنع من رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: (فظاهر المذهب يجب صومه)، هذا هو المذهب، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (فإن غم عليكم فاقدروا له). قالوا بأن قوله: (فاقدروا له) من القدر: وهو التضييق، وذلك بأن نضيق شعبان فنجعله تسعة وعشرين يوماً، وقالوا: ويدل لهذا فعل ابن عمر ، فإن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يحسب، أي: يعد، فإذا عد تسعة وعشرين يوماً، فإن رؤي الهلال صام، وإذا لم ير الهلال وحال دون منظر الهلال غيم أو سحاب أو قتر فإنه يصوم أيضاً، وإذا لم ير الهلال ولم يحل دونه غيم أو سحاب أو قتر فإنه يفطر، هذا فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وهو الذي روى الحديث، وقد كان يبعث من ينظر الهلال إذا مضى تسع وعشرون يوماً، فإن رؤي صام، وإن حال دونه سحاب أو قتر صام، وإن كانت صحواً فإنه يصبح مفطراً.

    إذاً الحال الثانية التي يجب فيها الصيام، إذا حال دون مطلع الهلال ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، فالمشهور من المذهب أنه يجب الصيام، وهذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة.

    والجمهور على خلاف ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى. فالجمهور يرون أنه إذا ما حال دون مطلع الهلال ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، فإنه لا يجب الصيام، واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، يعني النبي صلى الله عليه وسلم علق الصيام بالرؤية، وهو الآن لم يُرَ، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين). هذا في صحيح البخاري ، وفي حديث ابن عمر : (فإن غمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين).

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا يجب الصيام إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو مطر ليلة الثلاثين من شعبان.

    والجواب عن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن غم عليكم فاقدروا له)، بأن قوله: (فاقدروا له) ليس من القدر الذي هو التضييق، بل هو من التقدير، وذلك بأن نقدر شعبان ثلاثين يوماً، ويدل على ذلك ما تقدم من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر : (فإن غمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)، وحديث (فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، فهو من التقدير وليس من القدر.

    وأما فعل ابن عمر فأجاب ابن القيم رحمه الله عن فعله بأجوبة كثيرة، منها:

    أولاً: أن ابن عمر فعله على سبيل الاحتياط، ولهذا لم يأمر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما به أحداً من أهله أو من الصحابة.

    وثانياً: أنه خالفه غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وثالثاً: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يأخذ بتشديدات لا يوافقه عليها أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لذلك كان الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وأيضاً الحنابلة يقولون: يصام احتياطاً للعبادة، يعني يصوم إذا حال دون مطلع الهلال غيم من أوقات الثلاثين، وفي تلك الليلة نصلي التراويح احتياطاً للعبادة، ونصوم من الغد احتياطاً للعبادة، لكن بقية الأحكام ما تثبت، فلو أن رجلاً قال لزوجته: إذا دخل رمضان فأنت طالق ما تطلق، مع أنه يصوم على أنه من رمضان، ولو قال لرقيقه: إذا دخل رمضان فأنت حر فإنه لا يعتق، ولو أن هناك ديناً علق حلوله بدخول رمضان فإنه لا يحل في ذلك اليوم، وإنما يقولون: يجب الصيام وتصلى التراويح؛ احتياطاً للعبادة.

    إذاً يتلخص لنا: أن رمضان يجب صومه أولاً برؤية هلاله.

    ثانياً: إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، فهل يجب صومه أو لا يجب؟ المذهب أنه يجب، وذكرنا الصواب أنه لا يجب.

    ثالثاً: إذا لم نر الهلال فإننا نكمل عدة شعبان ثلاثين.

    هذه ثلاثة أمور، اثنان يثبت بها دخول الشهر، وواحد موضع خلاف، والصواب أنه لا يثبت به دخول الشهر.

    الأمر الرابع متعلق بالحساب الفلكي، هل يدخل الشهر بالحساب الفلكي أو لا يدخل؟

    جمهور العلماء أن الحساب الفلكي لا عبرة به في إثبات الأهلة، ويدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، أو هكذا وهكذا وهكذا )، أي: عقد إبهامه في الثالث، فالشهر إما ثلاثون يوماً، وإما تسعة وعشرون يوماً.

    وهناك خلاف لبعض العلماء كـالسبكي وغيره.

    إذاً: الصواب هو رأي جمهور أهل العلم في هذه المسألة؛ أنه لا عبرة للحساب الفلكي في حساب الأهلة، والعبرة إما بالرؤية أو بإكمال العدة كما جاء في حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة وغير ذلك من الأحاديث.

    مدى اعتبار رؤية الهلال في النهار

    قال رحمه الله: (وإن رؤي نهاراً فهو من ليلة مقبلة).

    إذا رؤي الهلال نهاراً فإن ذلك لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يرى في نهار اليوم التاسع والعشرين، فهذا لا عبرة به اتفاقاً؛ لأننا إذا قلنا: بأنه معتبر لزم من ذلك أن يكون الشهر ثمانية وعشرين، والشهر الهلالي لا يمكن أن ينقص عن تسعة وعشرين يوماً، فلو قلنا: بأنه معتبر، بمعنى أنه يثبت به صيام أو يحل به فطر، ترتب على ذلك أن يكون الشهر الهلالي ثمانية وعشرين يوماً، فمثلاً إذا رأينا الهلال بعد الظهر في اليوم التاسع والعشرين، وقلنا: بأنه معتبر، قلنا: نصوم، وترتب على ذلك أن يكون الشهر شهر رمضان ثمانية وعشرين يوماً.

    الأمر الثاني: أن يرى الهلال في نهار الثلاثين، وجمهور العلماء أن هذه الرؤية لا عبرة بها، وعلى هذا إذا رأيناه في اليوم الثلاثين من شعبان لا يجب أن نصوم بل ننتظر، وإن رأيناه في اليوم الثلاثين من رمضان، هل يجوز أن نفطر أم لا يجوز؟ نقول: أنه لا يجوز أن نفطر، ولا عبرة برؤيته، وهذا أيضاً رأي الجمهور.

    فتلخص رأي الجمهور أن رؤيته نهاراً ليست معتبرة، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، يعني حتى عاد كشمراخ التمر المعوج، وهذا إنما يكون إذا رؤي ليلاً، ولأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ورد ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، حيث قال: حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس عشياً، وكذلك أيضاً ورد عن عثمان وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

    وعلى هذا نقول: وقت الرؤية المعتبر يكون بعد غروب الشمس لليوم التاسع والعشرين، إن رؤي ثبت الشهر، وإن لم ير نكمل العدة.

    وذهب ابن حزم رحمه الله إلى أن رؤية الهلال إذا كانت في اليوم الثلاثين تعتبر إذا كانت قبل الزوال، لكن هذا يخالف ما تقدم من آثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    اختلاف رؤية الهلال في شتى بلدان العالم

    قال رحمه الله: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم).

    فلا عبرة بكلام المؤلف فيما يسمى باختلاف المطالع، فإذا رأيناه في هذه البلدة وجب الصوم على جميع المسلمين في كل أقطار الدنيا، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله.

    والرأي الثاني هو رأي الشافعية، أن المعتبر في ذلك هو اتفاق المطالع واختلافها، فإذا رأيناه في هذه البلدة يجب الصوم على كل من يوافق أهل هذه البلدة في مطلع الهلال، بحيث يظن أنه سيظهر في هذه البلاد لتوافق المطالع، وهذا يعرف بخطوط الطول والعرض.

    وأما البلاد التي تخالف بلد الرؤية في مطلع الهلال فإنه لا يجب عليهم الصوم، فالعبرة باتفاق المطالع واختلافها، والشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله عنده رسالة في هذا اسمها: تبيان الأدلة في إثبات الأهلة، وانتصر فيها لمذهب الشافعية، وأن العبرة باتفاق المطالع واختلافها، وضرب أمثلة على ذلك، وأخذ من كلام أهل الفلك، وقال: في البلد الفلاني إذا ولد الهلال يتوقع وروده في البلد الفلاني الآخر الذي يوافقه في المطلع، فالبلد الفلاني يتوافق مع البلد الفلاني.

    إذاً: الرأي الثاني أن المعتبر هو اتفاق مطالع الأهلة، وهو رأي الشافعية.

    والرأي الثالث في هذه المسألة: أن المعتبر هو رؤيته عند الإمام الأعظم، فإن ثبت عند الإمام الأعظم لزم كل من تحتوي ولايته، وهذا قول بعض المالكية كـابن الماجشون .

    والرأي الرابع: أن المعتبر هو رؤية أهل مكة. هذه أشهر الأقوال.

    الذين قالوا بالرأي الأول -وقد ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو رأي الجمهور- يستدلون بقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وقوله عليه السلام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذا خطاب لجميع الناس.

    وأما الشافعية الذين قالوا بأن المعتبر هو اتفاق المطالع واختلاف المطالع، فاستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وذلك أن كريباً مولى ابن عباس بعثته أم الفضل إلى الشام، فقدم على معاوية ، وكان كذلك في آخر شعبان، فرؤي الهلال في الشام ليلة الجمعة وصام معاوية ، فقدم كريب المدينة وسأله ابن عباس : متى رأيتم الهلال؟ فأخبره كريب بأن الهلال رؤي ليلة الجمعة وصام وأمر معاوية الناس بالصيام، فقال ابن عباس: (لكنا رأيناه ليلة السبت، فقال كريب : ألا تقتدي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم )، رواه مسلم في صحيحه.

    والأقوى في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الشافعية، فكما أن البلاد تختلف في مواقيت الصلاة، كذلك أيضاً تختلف في مواقيت الصيام، لكن عمل الناس اليوم هو رؤية الهلال على الرأي الثالث؛ أن المعتبر هو رؤية الإمام الأعظم، فإذا ثبت رؤية الهلال عند الإمام الأعظم وجب الصوم على كل ما تحت يده.

    شروط الرؤية المعتبرة في إثبات دخول رمضان

    قال رحمه الله: (ويصام برؤية عدل).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان الرؤية المعتبرة، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يشترط التعدد، وأنه يكتفى برؤية واحد؛ لقوله: (رؤية عدل) وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، أننا نكتفي برؤية واحد ولا يشترط التعدد.

    وعند الحنفية يكتفى برؤية واحد إذا كان في السماء علة، من غيم أو قتر، وإلا ما يكتفى برؤية واحد، بل لا بد من جمع يغلب على الظن صدقه.

    وعند المالكية يكتفى برؤية واحد إذا كان في موضع لا يعتنى فيه بالهلال، وإن كان في موضع يعتنى فيه بالهلال فلا بد من اثنين.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وأنه يكتفى برؤية واحد، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (تراءى الناس الهلال فرأيته وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام)، وأيضاً حديث ابن عباس في قصة الأعرابي الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه رأى الهلال، فصام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر بلالاً أن ينادي في الناس بالصيام.

    وقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (تراءى الناس الهلال) فيه استحباب تراءي الهلال، بل تراءي الهلال كمعرفة أوقات الصلاة على سبيل فرض الكفاية، لكنه في حق الجميع مستحب، لأن هذا ميقات عبادة لا بد أن يعرفه المسلمون.

    ثم قال رحمه الله: (ولو أنثى)، يعني لا يشترط أن يكون الرائي ذكراً، بل يكتفى برؤية الأنثى؛ لأن هذا من قبيل الأخبار الدينية، فلا تشترط فيها الذكورة، وليس من قبيل الولايات، والشافعية يقولون: يشترط أن يكون ذكراً، والصواب أنه لا يشترط.

    كذلك أيضاً لا يشترط أن يكون حراً، أي: حتى ولو كان رقيقاً؛ لأن هذا من قبيل الأخبار الدينية خلافاً للشافعية رحمهم الله.

    وقوله: (عدل) يعني الفاسق لا تقبل رؤيته، لكن يشترط كما قال الله عز وجل: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، لا بد أن يكون الرائي قوياً، وعنده معرفة بأماكن الرؤية، وأن يكون أميناً أيضاً، أما إذا كان ليس بثقة، وليس عنده قوة وأمانة كما لو كان صغيراً أو معروفاً بالكذب أو بالتسرع أو ضعف البصر ونحو ذلك فإن هذا لا تعتبر رؤيته.