إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الجنائز [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة على الغائب مشروعة إذا لم يصل عليه كما دل على ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، وأما الصلاة على الغال وقاتل نفسه ونحوهما فيشرع للإمام أن لا يصلي عليهما ظاهراً ويدعو لهما باطناً، كما أنه يسن الإسراع بالجنازة والصلاة عليهما في مصلى الجنائ

    1.   

    الصلاة على الميت الغائب والغال وقاتل نفسه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلى غائب بالنية إلى شهر، ولا يصلي الإمام على الغال، ولا على قاتل نفسه، ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد.

    فصل: يسن التربيع في حمله، ويباح بين العمودين، ويسن الإسراع بها، وكون المشاة أمامها والركبان خلفها ويكره جلوس تابعها حتى توضع، ويسجى قبر امرأة فقط، واللحد أفضل من الشق، ويقول مدخله: بسم الله وعلى ملة رسول الله، ويضعه في لحده على شقه الأيمن، مستقبل القبلة، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً، ويكره تجصيصه والبناء والكتابة والجلوس والوطء عليه والاتكاء إليه].

    تقدم لنا الصلاة على القبر، وذكرنا بأن الصلاة على القبر مشروعة باتفاق الأئمة، لكن هل الصلاة على القبر لها حد أو ليس لها حد؟ وأن المؤلف رحمه الله ذهب إلى أن الصلاة على القبر لها حدٌ إلى شهر، وأما بعد ذلك فإنها لا تشرع.

    وقلنا: بأن بعض العلماء حدد ذلك بالكيفية ولم يحدده بالزمن, وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك فقالوا: يصلى عليه ما لم يغلب على الظن فناء الجسد، وإن غلب على ظنه فناء الجسد فإنه لا يصلى عليه.

    وقلنا: بأن الشافعية -رحمهم الله- لهم رأيان في هذه المسألة، وأن أقرب الأقوال هو ما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله.

    الصلاة على الميت الغائب

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (وعلى غائب بالنية إلى شهر).

    يقول المؤلف رحمه الله: يصلى على الغائب، فإذا مات شخص وهو غائب عن البلد فلك أن تصلي عليه إلى شهر، وإذا تجاوز الشهر فإنك لا تصلي عليه.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنك تصلي على هذا الغائب مطلقاً، يعني: سواء صلي عليه أو لم يصل عليه.

    وعلى هذا لو مات شخص في مكة وأنت في المدينة فلك أن تصلي عليه، والعكس بالعكس، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ واستدلوا على ذلك ما ثبت في الصحيحين: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي ) حديث جابر رضي الله تعالى عنه، والنجاشي في الحبشة، والنبي عليه الصلاة والسلام في المدينة.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ومالك : أن الغائب لا تشرع الصلاة عليه مطلقاً.

    والرأي الثالث في المسألة: أن الصلاة على الغائب تشرع إذا لم يصل عليه، فإن صلي عليه فإنها لا تشرع الصلاة عليه، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، فالمسألة فيها رأيان. ورأي يتوسط بين الرأيين.

    أما الذين قالوا: بأن الصلاة على الغائب تشرع فتقدم أنهم يستدلون بفعل النبي عليه الصلاة والسلام بصلاته على النجاشي، وأما الذين قالوا: بأنها لا تشرع فقالوا: لأنه مات كثير من الصحابة في المدينة والنبي عليه الصلاة والسلام خارج المدينة, ولم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى عليهم، وكذلك أيضاً العكس فمات أناس خارج المدينة والنبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، ولم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى عليهم.

    وأما بالنسبة للرأي الثالث: أنه إن صلي عليه فإنه لا يصلى عليه، وإن لم يصل عليه فإنه يصلى عليه، هذا جمع بين الرأيين، فقالوا: بأنه إن صلي عليه لا يصلى عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على من مات في المدينة وهو خارج المدينة أو بالعكس.

    وأما إن لم يصل عليه فإنه يصلى عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي، والنجاشي في بلد ليست ببلد إسلام، فصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام.

    وبعض أهل العلم قال: بأنه يصلى على ذوي الفضل إذا كانوا غائبين.

    والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه إن صلي عليه فإنه لا يصلى عليه، وإن لم يصل عليه فإنه يصلى عليه؛ لما في ذلك من الجمع بين الأدلة.

    الصلاة على الغال وقاتل نفسه

    قال رحمه الله: (ولا يصلي الإمام على الغال، ولا على قاتل نفسه).

    قول المؤلف رحمه الله: الإمام لا يصلي على الغال، والغال: هو الذي يسرق من الغنيمة قبل أن تقسم، وكذلك أيضاً قاتل نفسه هذا أمره ظاهر.

    مذهب أهل السنة والجماعة: أن فاعل الكبيرة إذا مات ولم يتب أنه مسلم بإسلامه أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفعله للكبيرة هذا لا يخرجه عن الإسلام، خلافاً لما ذهب إليه الخوارج.

    وعلى هذا؛ فإن من قتل نفسه، أو مات على كبيرة من كبائر الذنوب باتفاق الأئمة، وهو قول أهل السنة والجماعة: أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.. إلى آخره.

    لكن قال المؤلف رحمه الله: لا يصلي الإمام على الغال، ولا على قاتل نفسه؛ لورود الدليل في ذلك، ففي حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جيء برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه )، والمشاقص جمع مشقص وهو نصل عريض، أو سهم فيه نصل عريض.

    كذلك أيضاً حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه في الذي غل من الغنيمة لم يصل عليه النبي عليه الصلاة والسلام عليه وقال: ( صلوا على صاحبكم ).

    فيستثنى من ذلك الإمام، فإنه لا يصلي عليه، هذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله.

    وقال بعض العلماء كـأبي حنيفة والشافعي : بأن الإمام يصلي على من قتل نفسه، أو على من غل من الغنيمة، وقال مالك : من قتل نفسه أو قتل في الحد فإن الإمام لا يصلي عليه.

    وعند أحمد يقول: لا يصلي عليهما الإمام.

    عند الشافعي وأبي حنيفة: أن الإمام يصلي عليهما.

    وأما مالك قال: بأن من قتل نفسه أو قتل بحق في حد لا يصلي عليه الإمام.

    وقد تقدم أن أشرنا إلى كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأن ذوي الفضل لو امتنعوا من الصلاة عليهم لكان أحسن، فيمتنعون من الصلاة في الظاهر, ويدعون لهم في الباطن، فيجمعون بين المصلحتين، يعني: من مات على شيء من الكبائر فإن ذوي الفضل يمتنعون من الصلاة عليهم، ويدعون لهم في الباطن، فيمتنعون من الصلاة عليهم لمصلحة الحي؛ لما في ذلك من الردع والزجر عن فعل مثل هذه الأفعال، ويدعون في الباطن لمصلحة الميت.

    وكما أشرنا فيما سبق أن الصلاة على الميت هي صلاة دعاء وشفاعة، وقد تحقق ذلك للميت، فيدعون للأموات في الباطن بأن الله عز وجل يعفو عنهم, ولا يصلون عليهم في الظاهر، وهذا أقرب قول دلت له السنة.

    يعني: كون النبي عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة على من قتل نفسه لما في ذلك من الزجر والردع لغيره من أن يفعل هذا الفعل، وإذا دعا له في الباطن فقد أدى ما يقصد بالصلاة؛ لأن الصلاة شفاعة.

    فالقاعدة في ذلك: كل من كان مظهراً للفسق والفجور أو للبدعة ونحو ذلك ولم يخرجه ذلك عن الإسلام فإن ذوي الفضل يتركون الصلاة عليهم جمعاً بين المصلحتين.

    1.   

    الصلاة على الميت في المسجد

    قال رحمه الله: (ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد).

    الصلاة على الميت في المسجد هذه جائزة بالاتفاق، لكن هل يكره ذلك أو لا يكره ذلك؟

    فيه رأيان لأهل العلم رحمهم الله، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه لا بأس أن يصلى عليه في المسجد، ولا كراهة في ذلك، وهذا قال به الشافعي رحمه الله.

    وقال أبو حنيفة ومالك : إنه يكره الصلاة على الميت في المسجد.

    أما الذين قالوا بعدم الكراهة فاستدلوا بحديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهل بن بيضاء في المسجد ). هذا رواه مسلم ، وكذلك أيضاً صلي على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في المسجد.

    والذين قالوا بالكراهة استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه)، هذا الحديث أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة:

    الجواب الأول: جواب الإمام أحمد رحمه الله: أن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الجواب الثاني: أن هذا الحديث ورد بلفظ: ( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له ).

    الجواب الثالث: أن هذا الحديث منسوخ، وهذا سلكه الطحاوي رحمه الله، والطحاوي كثيراً ما يسلك مسلك النسخ، وهذا فيه نظر؛ لأن النسخ إبطال لأحد الدليلين، ولا يصار إلى الإبطال مع إمكان إقامة الدليل، إذا كان الدليل ثابتاً وأمكن إقامة الدليل للجمع فإنه لا يصار إلى إبطال الدليل.

    والجواب الرابع: قالوا: بأن المراد نقصان الأجر، وعدم تمام الأجر، يعني: ( فلا شيء له ) المراد بذلك نقصان الأجر.

    ووجه نقصان الأجر أن من صلى عليه في المسجد فإن الغالب أنه لا يتابع الجنازة وإنما ينصرف إلى بيته فينقص أجره، بخلاف ما إذا صلى عليها في مصلى الجنائز، فإن الإنسان إذا ذهب وصلى عليها في مصلى الجنائز الغالب أنه يتم له أجره؛ لكونه يتابع الجنازة حتى تدفن، فهذه أربعة أجوبة:

    الجواب الأول: الضعف.

    والجواب الثاني: أنه ورد بلفظ: ( ولا شيء عليه ).

    والجواب الثالث: النسخ.

    والجواب الرابع: أن هذا محمول على نقصان الأجر.

    واعلم -كما ذكر ابن القيم رحمه الله- أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الراتب هو الصلاة على الميت في مصلى الجنائز، فقد كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام مصلى يسمى بمصلى الجنائز، كما أن هناك مصلى يسمى بمصلى العيد، ولم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الراتب أنه يصلي على الجنائز في المسجد، لكن ربما صلى النبي عليه الصلاة والسلام على الجنازة في المسجد, كما تقدم لنا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    وعلى هذا نقول: ما دام أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على الجنازة في المسجد، فمن صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء عليه، وأجر الصلاة تام عند الله عز وجل، وتكون صلاته على الجنازة في المسجد للعذر خصوصاً في وقتنا هذا، فالآن ليس هناك مصليات للجنائز، فالإنسان يكون معذوراً.

    1.   

    الوصية بمذاكرة العلم

    بقي علينا في صلاة الجنازة فصلان: فصل فيما يتعلق بحمل الميت ودفنه إلى آخره، ونحث الإخوة على المراجعة، فقد أخذنا شيئاً كثيراً من الأبواب، فلا بد لطالب العلم أن يراجع وأن يستذكر.

    فكان الأئمة -رحمهم الله- كالإمام أحمد وابن معين ومحمد بن مسلم وأبي حاتم وغيرهم يجتمعون ويلتقون للمذاكرة، يتذاكرون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي حفظوها، وهم أئمة وأعلام وحفاظ، فينبغي للطالب أن يكون له دروس مذاكرة مع زملائه وجلسات يتذاكر مع زملائه ما أخذ، فمن أخذ مثلاً أربعة أبواب أو خمسة أبواب، أو أنهى متناً أو كتاباً أو كتابين، فعليه الاجتماع بإخوانه ليتذاكروا، ويسأل عما أشكل عليه ويسترجع ما حفظ.

    وبهذا يثبت العلم ويرسخ بإذن الله عز وجل، ويكون الإنسان مقتدياً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف رحمهم الله.

    وأما كون الإنسان لا يرجع إلى محفوظاته وإلى دروسه حتى تعود الدروس، فهذا يؤدي به إلى نسيان ما أخذ، كذلك أيضاً يؤدي به إلى الضعف في الطلب وفي التحصيل، والله عز وجل قال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] .

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ).

    1.   

    الحث على تعليم الناس في موسم الحج

    كذلك أيضاً بمناسبة الحج نقول: على طالب العلم أن يهيئ نفسه لإفادة الناس وإرشادهم وتوجيههم، وأن يقرأ حول الحج، وأن يسأل عما أشكل عليه؛ لكي يفيد الناس، وخصوصاً إذا خرج حاجاً فينبغي ألا يكون سلبياً، بل عليه أن يتفهم، وأن يدرس، وأن يفيد الناس، وأن يوجههم؛ لأن كثيراً من الحجاج يجهلون كثيراً من أحكام المناسك، وتغيب عنهم، ويقعون في كثير من الإشكالات.

    لكن إذا وجد من يوجههم ويذكرهم، وخرج طالب العلم معهم فإنه يزول عنهم كثير من اللبس والجهل ويأخذون بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تحملوا المكابد والمشاق، وصرفوا كثيراً من أموالهم.

    فعلينا أيها الأحبة أن نحرص على توجيههم، وتبصيرهم بدين الله عز وجل.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هداةً مهتدين، وأن يرنا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا، اللهم صل وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    حمل الجنازة واتباعها

    حكم حمل الجنازة واتباعها ودفنها

    حمل الميت فرض كفاية؛ لأن الحمل وسيلة للدفن، والدفن فرض، والوسائل لها أحكام المقاصد.

    ونقول: بأن حمل الميت على الكفاية وليس على التعيين؛ لأننا سبق أن أشرنا إلى قاعدة وهي الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، أن ما لوحظ فيه العمل فهو فرض على الكفاية، وما لوحظ فيه العامل فهو فرض على التعيين.

    وحمل الجنازة الملاحظ فيه العمل وليس العامل، فإن المطلوب تحصيل هذا الحمل سواء كان من فلان أو فلان, المطلوب هو التحصيل، فإذا حصل هذا الحمل من فلان أو فلان إلى آخره أجزأ ذلك, بخلاف فرض العين فإنه مطلوب من كل أحد بعينه.

    وأيضاً دفنه فرض كفاية، والدليل على هذا الإجماع، فالمسلمون مجمعون على أن دفن الميت فرض كفاية، وأيضاً دلل له القرآن والسنة مع الإجماع.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26].

    وأيضاً قول الله عز وجل: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أكرمه بدفنه.

    وأيضاً من السنة: هدي النبي صلى الله عليه وسلم المتواتر في دفن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكذلك أيضاً يدل لذلك حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين من صناديد قريش فقذفوا في بئر أو طوي من أطوائها. ) كما في الصحيحين.

    وكذلك أيضاً يدل لذلك ( أن أبا طالب لما توفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يواريه ) ، وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .

    والدفن كما سبق فرض على الكفاية وليس فرض عين؛ لما تقدم أن أشرنا إليه أنه لوحظ فيه العمل وليس العامل، وكذلك أيضاً ما يتعلق باتباع الجنائز، هل هو سنة أو فرض على الكفاية؟ المشهور من المذهب أن اتباع الجنازة سنة.

    والرأي الثاني: أنه فرض على الكفاية، وهذا ذكره بعض الحنابلة كـابن حمدان رحمه الله تعالى، وهذا القول هو الأقرب: أن اتباع الجنائز فرض على الكفاية.

    ويدل لهذا حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم باتباع الجنائز ) ، وهذا في الصحيحين.

    وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( حق المسلم على المسلم خمس -في رواية: ست، وذكرها منها-: وإذا مات فاتبعه )، فنقول: الصواب: أن اتباع الجنائز فرض على الكفاية.

    صفة حمل الميت

    قال رحمه الله: (يسن التربيع في حمله، ويباح بين العمودين).

    حمل الميت ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: صفة مستحبة.

    والقسم الثاني: صفة مباحة مجزئة.

    أما الصفة المستحبة فأشار إليها المؤلف رحمه الله بقوله: (يسن التربيع في حمله)، هذه الصفة المستحبة، ويدل لها ما ورد عن أبي الدرداء أنه قال: ( من تمام أجر الجنازة: أن تشيعها من أهلها، وأن تحمل بأركانها الأربع، وأن تحثو في القبر )، وهذا رواه ابن أبي شيبة.

    وكذلك أيضاً ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في مصنف ابن أبي شيبة . وكذلك أيضاً ورد حديث ابن مسعود : ( من اتبع الجنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة )، لكن هذا الحديث ضعيف، فعندنا ما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وأيضاً ما ذكره أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، هذه الصفة الأولى وهي صفة التربيع، وصفة التربيع أن تأتي إلى القائمة اليسرى التي في المقدمة وتضعها على عاتقك الأيمن، ثم تتأخر وتأخذ بقائمة السرير اليسرى التي في المؤخرة وتضعها على عاتقك الأيمن، ثم بعد ذلك تتقدم إلى قائمة السرير اليمنى في المقدمة وتضعها على عاتقك الأيسر، ثم تتأخر إلى قائمة السرير اليمنى في المؤخرة وتضعها على عاتقك الأيسر.

    وهذه الصفة التي تتعلق بالتربيع المشهور من مذهب الإمام أحمد كما ذهب إليه المؤلف وقال به أبو حنيفة والشافعي خلافاً للإمام مالك فإنه يقول: لا توقيف في الحمل.

    الصفة الثانية: الصفة المجزئة: وهي أن يحمل كيف شاء بشرط ألا يزري بالميت، فكيفما حمل سواء حملناه بالتربيع أو بغير ذلك نقول: بأن هذا كله جائز بشرط ألا يحصل إزراء للميت.

    مشروعية حمل الجنازة من بين العمودين

    قال رحمه الله: (ويباح بين العمودين).

    يعني: يباح أن تحمل بين العمودين، وذلك بأن تجعل عمودي السرير أو النعش على كتفيك، وهذا كان في الزمن الأول، فقد كان يوجد نعش في الزمن الأول تنحني بالنسبة للقوائم، فإذا انحنت القوائم تمكن الإنسان من أن يضع القائمتين المقدمتين على عاتقيه، فإذا وضع الإنسان هاتين القائمتين على عاتقيه، فإن هذا لا بأس به، وكما أشرنا أن الصفة المجزئة أن الإنسان كيفما حمل الميت بشرط ألا يكون هناك إزراء للميت.

    وقول المؤلف رحمه الله: (ويباح بين العمودين).

    ورد هذا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعثمان بن عفان وأبي هريرة ، وابن عمر ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن الزبير.

    الإسراع بالجنازة.. حكمه وشروطه

    قال رحمه الله: (ويسن الإسراع بها).

    يسن الإسراع بالجنازة إذا حملت؛ ويدل لهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحةً فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم )، فيستحب الإسراع بها، لكن الإسراع هذا مقيد بقيدين:

    القيد الأول: ألا يكون هناك ضرر على التابعين؛ كما أشار إلى ذلك الشافعي رحمه الله.

    القيد الثاني: ألا يكون هناك ضرر على الميت، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله، فإذا كان يخشى على الميت من الإسراع تغيره، أو خروج أشياء منه.. إلى آخره فإنه لا يسرع بقدر ما يمنع هذه المفسدة، كما أشار إلى ذلك النووي .

    مكان المشاة والركبان من الجنازة عند اتباعها

    قال رحمه الله: (وكون المشاة أمامها، والركبان خلفها).

    يستحب أن يكون المشاة أمامها والركبان خلفها، فهاتان مسألتان.

    المسألة الأولى: المشاة، أين يكونون؟ ذهب المؤلف رحمه الله إلى أن المشاة يتقدمون على الجنازة، وهذا قول أكثر أهل العلم، يعني: هذا مذهب الإمام أحمد ومالك والشافعي أن السنة بالنسبة للمشاة أن يتقدموا على الجنازة، والشافعية يرون التقدم بالنسبة للمشاة والركبان.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة : أن السنة لهم أن يتأخروا، فهذان قولان.

    والمشهور من المذهب وهو قول أكثر أهل العلم -كما قلنا- مذهب مالك والشافعي : أن السنة أن يتقدموا. وعند أبي حنيفة : أن السنة أن يتأخروا.

    فمن قال بالتقدم قال: بأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر كما قال ابن المنذر رحمه الله: ( ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة ).

    أما بالنسبة للحنفية فقالوا: بأنه ورد عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها.

    والأقرب في ذلك أن يقال: بأن الأمر واسع سواء مشوا أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن يسارها، المهم أن يكون الإنسان قريباً من الميت؛ لأنه في هذه الحالة يحقق اتباع الجنازة.

    ويدل لهذا حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها ) خلفها وأمامها وعن يمينها وعن شمالها، وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الترمذي .

    تقدم حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها )، لكن اليوم بالنسبة للسيارات هذا قد يكون فيه صعوبة أن تكون مثل هذه المراكب خلف الجنازة، وأن تتقدم الجنازة على مثل هذه المراكب، فمثل هذه لو تقدمت فلا بأس، يعني ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة : ( الراكب يسير خلف الجنازة ) هذا في مثل الدواب، أما مثل المركوبات الآن فهو صعب أن تكون خلف الجنازة، وعلى هذا لو تقدمت فلا بأس بذلك للعذر.

    القيام للجنازة عند مرورها والجلوس قبل وضعها

    قال رحمه الله: (ويكره جلوس تابعها حتى توضع).

    يكره أن يجلس من تبعها حتى يوضع بالأرض، يعني حتى يوضع الميت بالأرض، وعلى هذا من تبع الجنازة فإنه يظل قائماً إلى أن توضع في الأرض.

    ويدل لهذا في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تبع جنازةً فلا يجلس حتى توضع )، لكن استثنى العلماء -رحمهم الله- ما إذا كان يترتب على ذلك مشقة، فقالوا: لا بأس للإنسان أن يجلس كما لو كانت الجنازة بعيدة ونحو ذلك.

    أيضاً هل يشرع القيام إذا مرت الجنازة أو جاءت الجنازة أو لا يشرع القيام؟

    للعلماء -رحمهم الله- في ذلك كلام كثير، لكن الأئمة يرون أن القيام للجنازة منسوخ، وعلى هذا ليس مشروعاً، بل المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يكره القيام للجنازة.

    فهم يقولون: بأن القيام للجنازة منسوخ؛ لحديث علي رضي الله تعالى عنه قال: ( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم للجنازة فقمنا، وجلس فجلسنا )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن القيام للجنازة مستحب، وأنه مشروع، وهذا أيضاً قال به الإمام أحمد رحمه الله، وابن القيم والنووي وغيرهم.

    ودليل ذلك حديث عامر بن ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم أو توضع )، وهذا أمر، والحديث في الصحيحين.

    وأيضاً حديث سهل بن حنيف : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام مرت به جنازة يهودي فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: أليست نفساً؟ )، وهذا التعبير من النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن ينسخ، يعني: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أليست نفساً؟ ) هذا لا يمكن أن ينسخ؛ لأن الجنازة لا تصير يوماً نفساً ويوماً لا تكون نفساً.

    وأيضاً ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام في سنن ابن ماجه قال: ( إن للموت فزعاً ) وهذا أيضاً التعليل لا يمكن أن ينسخ، لا يمكن أن يحتمل النسخ.

    وعلى هذا الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو روي عن الإمام أحمد وقال به ابن القيم وغيره من أهل العلم: أن القيام للجنازة أنه مستحب ومشروع، هذا هو الصواب في هذه المسألة، وعلى هذا إذا مرت الجنازة فإن السنة للإنسان أن يقوم حتى توضع.

    مثلاً: إذا جيء بها لكي يصلى عليها فإن السنة للإنسان أن يقوم حتى توضع أو تخلفه, يعني: تذهب وتتركه، فإذا ذهبت وتركته فله أن يجلس.

    1.   

    دفن الميت

    تغطية قبر المرأة عند دفنها

    قال رحمه الله: (ويسجى قبر امرأة فقط).

    (يسجى) يعني: يغطى قبرها، يعني: إذا أردنا أن نقبر المرأة فإننا نسجي قبرها، يعني: نغطي قبرها.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله (فقط): أن الرجل لا يغطى قبره، يعني: عند دفن الرجل لا نغطي قبره، وإنما نغطي قبر المرأة، بل يصرحون بالكراهة، فيقولون: يكره أن يغطى قبر الرجل، أما بالنسبة لقبر المرأة فإنه يغطى.

    وهذا ورد عن علي رضي الله تعالى عنه, لكن هذا الأثر ضعيف عن علي رضي الله تعالى عنه، إلا أن ابن قدامة رحمه الله في المغني قال: لا نعلم في استحباب تغطية قبر المرأة خلافاً؛ ولأن المرأة قد يظهر منها شيء، وهي عورة بالنسبة للأجانب، فاستحب أن يغطى قبرها.

    استحباب اللحد

    قال رحمه الله: (واللحد أفضل من الشق).

    يفهم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن هناك صفتين للدفن: الصفة الأولى: اللحد، والصفة الثانية: الشق.

    ويفهم أيضاً من كلام المؤلف -رحمه الله- أن كلاً من الصفتين جائز، لكن ما هو الأفضل؟

    فأفاد المؤلف -رحمه الله- أن اللحد أفضل من الشق، وهذا باتفاق الأئمة.

    واللحد: هو أن يحفر في جانب القبر، يعني: إذا بلغنا منتهى القبر نحفر في جانب القبر مما يلي القبلة، ما يسع الميت.

    وأما بالنسبة للشق: فإنه يحفر في وسط القبر شقاً يسع الميت، كمجرى الماء.

    فيقول المؤلف رحمه الله بأن اللحد أفضل من الشق، ويدل لهذا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لحد له ) ، وإنما يختار الله عز وجل لنبيه ما هو الأفضل.

    وأيضاً: قال سعد كما في صحيح مسلم : ( الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    فمن السنة اللحد، والشق جائز، لكن الأفضل والسنة أن يلحد، ولكن بعض الأراضي قد لا يتمكن الإنسان من اللحد فيها، فحينئذ يصار إلى الشق، أما إذا تمكن من اللحد فيها فإن السنة أن يلحد.

    إدخال الميت القبر

    قال رحمه الله: (ويقول مدخله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله).

    يعني: أن يقول من يتولى إدخال الميت القبر أثناء الإدخال: باسم الله، وعلى ملة رسول الله.

    ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في مسند الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، ولم يبين المؤلف رحمه الله من أي جهة يدخل الميت القبر.

    فنقول: السنة أن يدخل الميت من جهة رجلي القبر؛ ويدل لهذا حديث عبد الله بن يزيد رضي الله تعالى عنه.

    وكيفية ذلك أن يؤتى بالميت ويكون رأسه إلى جهة القبلة، ورجلاه إلى الجهة الجنوبية، فيؤتى بالميت ويسل من جهة رجلي القبر، فندخل أولاً الرأس من جهة الرجلين إلى أن نصل إلى مكان الرأس، هذا هو السنة لإدخال الميت القبر.

    وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله. وعند الحنفية: أنه يدخل من جانب القبر، لكن الصواب ما دلت له السنة.

    صفة وضع الميت في لحده

    قال رحمه الله: (ويضعه في لحده على شقه الأيمن).

    العلماء ذكروا ثلاث صفات لكيفية وضع الميت:

    الصفة الأولى: أن يكون على شقه الأيمن، ووجهه اتجاه القبلة، وهذا كما ورد في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه في النائم، فإذا كان هذا في النائم فكذلك أيضاً في الميت؛ لأن النوم نوع من الوفاة.

    وأيضاً ذكره ابن حزم رحمه الله في المحلى؛ لأن هذا ما عليه عمل المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون على جنبه الأيمن.

    الصفة الثانية: أن يكون على جنبه الأيسر ووجهه تجاه القبلة، قالوا: أيضاً هذه جائزة.

    والصفة الثالثة: أن يكون مستلقياً على ظهره، فهذه ثلاث صفات، لكن الأفضل من هذه الصفات والسنة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.

    وذكرنا أن السنة أن يدخل من جهة رجلي القبلة، وهذا دليله حديث عبد الله بن يزيد ، وله شاهد وحديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    وأما قوله: (مستقبل القبلة).

    فهذا استدلوا له بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكعبة: ( قبلتكم أحياءً وأمواتاً )، ولكن هذا الحديث ضعيف، ونستدل على هذا -كما ذكر ابن حزم رحمه الله- بأن على هذا عمل المسلمين.

    رفع القبر عن الأرض وتسنيمه

    قال رحمه الله: (ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً).

    ويستدل على ذلك بحديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره على الأرض قدر شبر )، وهذا الحديث أخرجه ابن حبان والبيهقي وهو ضعيف.

    وذكر الشافعي رحمه الله: بأن الميت إذا دفن فإنه يرد عليه التراب الذي أخذ من قبره، فإذا رد فيه التراب الذي أخذ منه يكون ارتفاعه ما يقرب من شبر.

    وأيضاً لا يتجاوز الشبر؛ يدل له حديث أبي الهياج : أن علياً رضي الله تعالى عنه قال له: ( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع صورةً إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )، وهذا في مسلم ، فإذا رفع أكثر من شبر فإن القبر حينئذ يكون مشرفاً.

    وقوله رحمه الله: (مسنماً).

    والتسنيم خلاف التصفيح لا يكون مصفحاً، وإنما يكون أعلاه كهيئة السنام، ويدل لذلك ما رواه في البخاري سفيان التمار : ( أنه رأى قبر النبي عليه الصلاة والسلام مسنماً ) .

    فنقول: السنة أن يكون مسنماً، كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم خلافاً للشافعي ؛ لأن الشافعي يرى أنه مسطح، يعني: يرفع ثم يكون السطح مستو.

    والصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم لما ذكرنا أن الدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام قبره مسنم.

    تجصيص القبور والبناء عليها

    قال رحمه الله: (ويكره تجصيصه والبناء عليه).

    تجصيصه: تبييضه بالجص، يقول المؤلف رحمه الله: بأنه مكروه.

    قوله رحمه الله: (والبناء عليه).

    وكونه مقتصراً على الكراهة فيما يتعلق بتجصيص القبر أو تلوينه أو البناء عليه هذا فيه نظر لأمرين:

    الأمر الأول: حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم.

    وأيضاً الأمر الثاني: أنه مثل هذه الأشياء تكون وسيلة لتعظيم القبور والافتتان بها، وصرف شيء من أنواع العبادة لها.

    والصواب أن مثل هذه الأشياء محرمة ولا تجوز، وانظر إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد نهى عن أمرين في حديث جابر : ( نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه )، الأمر الأول: ما يتعلق بإهانة القبر أن يقعد عليه.

    والأمر الثاني: ما يتعلق بتعظيم القبر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الإنسان عدلاً فيما يتعلق بالقبور وسطاً، لا يهينها ولا يعظمها، وإنما يؤتيها حقها فقط، ( فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر ) , هذا من باب التعظيم، و( نهى أيضاً عن القعود عليه ), هذا من باب إهانته، والبناء هذا من باب التعظيم.

    فيراد من الإنسان أن يكون عدلاً، وهذا هو السنة خلافاً لما عليه أهل الخرافة والصوفية والرافضة الذين يغلون في القبور, ويبنون عليها الأضرحة والمشاهد وغير ذلك.

    الكتابة على القبور

    قال رحمه الله: (والكتابة).

    الكتابة مكروهة؛ ويدل لذلك أيضاً حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن توطأ ).

    أما بالنسبة للتجصيص فتقدم لكن بالنسبة للكتابة فيقول المؤلف رحمه الله: بأنها تكره، وهذا أيضاً فيه نظر، فالصواب أن الصواب في النهي التحريم.

    وأيضاً سبق أن أشرنا إلى أن هذا يكون وسيلةً إلى فتنة القبور في تعظيمها، ولا شك أن الشارع جاء لحماية جناب التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك.

    وذكر بعض العلماء -رحمهم الله- أن الكتابة على القبور تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الكتابة التي تكون علامة بحيث يضع الإنسان خطاً أو خطين، يتعرف بها هذا القبر، فإن هذا لا بأس به، والأصل في ذلك ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حجراً عند قبر عثمان بن أبي العاص ، فقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي ).

    القسم الثاني: ما عدا ذلك من كتابة الاسم، أو كتابة العمل، أو السنة والمدينة, وما كان يفعله أهل الجاهلية، أو يفعله أهل القبور أو أهل الخرافة والصوفية وغير ذلك، فنقول: بأن هذا كله محرم ولا يجوز؛ لأنه كما أثبتنا أنه سبب للافتتان بالقبور.

    الجلوس على القبر ووطئه والاتكاء عليه

    قال رحمه الله: (والجلوس والوطء عليه والاتكاء إليه).

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه مكروه، والصواب في ذلك أنه محرم ولا يجوز.

    وأيضاً قوله رحمه الله: (والاتكاء) الصواب أن هذه كلها محرمة, ولا يجوز لما ذكرنا من الدليل على ذلك، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    الصلاة على الجنازة في المقبرة

    السؤال: هل يجوز صلاة الجنازة في المقبرة؟

    الجواب: والصلاة على الجنازة في المقبرة هذه جائزة أيضاً على الصحيح من أقوال أهل العلم إذا كانت مستقلة عن المقبرة.

    التوفيق بين جواز صلاة الجنازة في المقبرة وعموم النهي عن الصلاة فيها

    السؤال: كيف تصلى صلاة الجنازة في المقبرة مع النهي الوارد عن الصلاة فيها؟

    الجواب: الصلاة على الجنازة في المقبرة مستثناة من النهي عن الصلاة في المقبرة؛ أولاً: لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم لنا في حديث أبي هريرة وجابر صلى على القبر.

    وثانياً: أن صلاة الجنازة هي ليست كسائر الصلوات, وإنما هي شفاعة ودعاء للميت، ولهذا ليس فيها ركوع ولا سجود ولا جلوس ولا استفتاح، وإنما هي صلاة مبنية في حق على التخفيف، ففعلها في المقبرة لا بأس به.

    الغسل في حق من غسل ميتاً

    السؤال: هل من غسل الميت يشرع له أن يتوضأ؟

    الجواب: نعم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ )، المغسل يستحب له أن يغتسل، والذي يحمله يستحب له أن يتوضأ، وهذا ليس على سبيل الوجوب, وإنما على سبيل الاستحباب؛ لأن النهي صارف؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( اغسلوه بماء وسدر ) ولم يأمر بالغسل، وكذلك أيضاً في اللاتي غسلن ابنته قال: ( اغسلنها ثلاثاً وخمساً وسبعاً ) ولم يأمر بالغسل.

    وقد ورد عند الدارقطني من حديث ابن عباس : ( ليس عليكم في غسل ميتكم غسل، إن ميتكم ليس بنجس )، وهذا صريح.

    التأكيد على عرض طلبة العلم أنفسهم على حملات الحج لتعليم الناس المناسك

    السؤال: لو يوجه الإخوة لعرض أنفسهم على حملات الحج ليذهبوا معهم لتعليم الناس بدلاً من أن يذهب هؤلاء بغير من يعلمهم أو يأخذ من ليس أهل للإشراف والدعوة.

    الجواب: مثل هذا جيد كون الإنسان يحرص أن يخرج مع حملة، والحملات الآن كثيرة جداً، وكثير من الحملات أيضاً تطلب طلاب العلم، وترغب أن يكون معها أناس من أهل العلم لتوجيه الناس وإرشادهم، وإقامة الدروس والكلمات، وكون -أيضاً- طالب العلم يخرج مع الحملة فهذا جيد، أحسن من كونه يخرج مع مجموعة ولا يخرج مع هذه الحملة، فكونه يخرج اثنان أو ثلاثة مع حملة يتعاونون فيما بينهم في إرشاد الناس وتوجيههم، هذا لا إشكال أنه طيب.

    الصلاة على القبر وقت النهي

    السؤال: ما حكم الصلاة على القبر وقت النهي؟

    الجواب: الصلاة على القبر وقت النهي لا تجوز، لكن الصلاة على الجنائز قبل الدفن جائز ولا بأس؛ لأن السبب لا يزال موجوداً، وهذه يغلط فيها كثير من الناس, تجد أنهم يصلون على القبر بعد دفنه بعد العصر وهذا خطأ، صحيح أنك تصلي عليه قبل الدفن فهذا لا بأس؛ لأن السبب موجود الآن، أما الصلاة عليه بعد الدفن فلا تصلي عليه حتى تغرب الشمس؛ لأن السبب قد زال.

    أخذ الأجرة على تغسيل الميت

    السؤال: ما حكم أخذ الأجرة على تغسيل الميت؟

    الجواب: هذا سيأتينا إن شاء الله في باب الإجارة، فأخذ الأجرة على التغسيل هذا لا بأس به، فأخذ الأجرة على التغسيل وعلى الحمل والدفن هذا كله جائز ولا بأس به.

    أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرقية به

    السؤال: ما رأيكم في أخذ أجرة على تعليم القرآن والرقية به؟

    الجواب: ليس كل القرب يمنع من أخذ الأجرة عليها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سهل : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )، وتعليم كتاب الله عز وجل قربة من القرب، والرقية قربة من القرب.

    مكان مصلى الجنائز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: أين كان يصلى على الجنائز زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: يعني: مخصص مثلما تصلى العيد الآن عندنا، والذي يظهر أن مصلى الجنائز في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قريب من البقيع.

    استعمال ما يقوم مقام السدر في تغسيل الميت

    السؤال: هل استعمال السدر في غسل الميت تعبدي؟

    الجواب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماء وسدر)، هل هو أمر تعبدي أم يجوز استخدام ما يحل محله؟ على كل هذا ليس أمراً تعبدياً, بل المقصود من ذلك النظافة؛ تنظيف الميت، فهذا هو المقصود.