إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [26]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل العلم في حكم القصر للمسافر، والصواب استحبابه وكراهة تركه، وقد بيّن أهل العلم شروط القصر والتي منها: إباحة السفر، ومجاوزة العمران، وأن يكون سفراً طويلاً، أما الجمع بين الصلاتين فلا يخلو من كونه في السفر أو في الحضر، وأكثر ما وقع الخلاف في صور الج

    1.   

    تابع قصر الصلاة في السفر وشروطه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل أحكام قصر الصلاة:

    من سافر سفراً مباحاً أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه، وإن أحرم حضراً ثم سافر أو سفراً ثم أقام أو ذكر صلاة حضر في سفر أو عكسها أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها أو لم ينو القصر عند إحرامها أو شك في نيته أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو كان ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم، وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر، وإن حبس ولم ينو إقامة أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة قصر أبداً.

    فصل في الجمع: يجوز الجمع بين الظهرين، وبين العشائين في وقت إحداهما في سفر قصر، ولمريض يلحقه بتركه مشقة، وبين العشائين لمطر يبل الثياب ووحل وريح شديدة باردة، ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط، والأفضل فعل الأرفق به من تأخير وتقديم ].

    تقدم لنا ما يتعلق بصلاة أهل الأعذار, وذكرنا بأن أهل الأعذار هم: المريض، والمسافر، والخائف.

    وتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن كيفية صلاة المريض, وأن لها أحوالاً:

    الحالة الأولى: أن يقدر على القيام, فهذا يجب عليه أن يقوم ولو كان معتمداً أو مستنداً على شيء؛ لحديث عمران رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب ).

    ثم بعد ذلك الحالة الثانية: وهي القعود, وذكرنا كيفية القعود.

    ثم بعد ذلك الحالة الثالثة: الصلاة على جنب.

    وهل إذا صلى مستلقياً على ظهره ورجلاه إلى القبلة هل هذه مرتبة واحدة مع المرتبة التي قبلها, أو أنهما مرتبتان؟ وهل يصلي بعينه؟ وتكلمنا على هذه المسألة، وقلنا: إن الحديث الوارد في ذلك ضعيف لا يثبت.

    وذكرنا أن آخر المراحل أن يصلي بقلبه, وأن الصلاة بالقلب صحيحة كما هو قول جمهور أهل العلم, خلافاً لـأبي حنيفة رحمه الله.

    ثم بعد ذلك شرعنا في القسم الثاني, وهو صلاة المسافر.

    وتقدم أن القصر يشرع بشروط, وذكرنا هذه الشروط, منها: أن يكون مسافراً, وأن يكون السفر مباحاً, وأن يكون أربعة برد, وكذلك أن لا يترخص حتى يفارق عامر قريته.

    حكم قصر الصلاة في السفر

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من سافر سفراً مباحاً أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين).

    صريح كلام المؤلف أن القصر ليس واجباً, وإنما هو سنة. هذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وعند أبي حنيفة أن القصر واجب.

    وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين القولين, فقال: إن القصر ليس واجباً, لكن الإتمام مكروه, يعني: يكره أن يتم المسافر صلاته. وهذا وسط -أي: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- بين القولين.

    فالجمهور يرون أن القصر سنة, وأنه لو أتم فإن صلاته صحيحة وجائزة, واستدلوا على ذلك بأدلة, من أدلتهم: أن الله عز وجل قال: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]. فنفي الجناح يدل على عدم الوجوب.

    ومن الأدلة على ذلك: أن عثمان رضي الله تعالى عنه أتم في السفر.

    ومن الأدلة على ذلك: أن المسافر إذا ائتم بمقيم فإنه يجب عليه أن يتم الصلاة.

    فهذا مما يدل على أن القصر ليس واجباً.

    وأما الذين قالوا: إن القصر واجب كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فاستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( فرضت الصلاة ركعتين, فأتمت في الحضر, وأقرت في السفر ). وهذا الحديث في الصحيحين. فدل ذلك على أن الأصل في صلاة المسافر أنها ركعتان, وأن الزيادة على ذلك زيادة على الأصل.

    ولا شك أن هذا القول قوي, لكن ما ذكره جمهور أهل العلم رحمهم الله من الأدلة تصرف هذا الوجوب إلى السنية المتأكدة.

    وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه يكره الائتمام فقائم؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم القصر, ولم يحفظ عنه أنه أتم صلاة سفر, وإنما كما قال أنس رضي الله تعالى عنه: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع ).

    بداية الترخص في السفر

    قال رحمه الله: (إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه).

    قوله: (إذا فارق), يعني: يبدأ بالترخص إذا فارق البنيان, ولا يترخص داخل البلد.

    وليس بشرط أن يقطع المسافة, فمثلاً إذا كان سيسافر مائتي كيلو -قلنا: إن مسافة القصر هي أربعة برد- ليس بشرط أن يقطع أربعة برد, بل إذا خرج وفارق عامر قريته -يعني: انتهى البنيان من القرية- فله أن يترخص.

    ويدل لهذا: حديث أنس في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج مسافة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين ).

    ولو أن المسلم سافر، فلما خرج من المدينة وفارق عامر قريته قصر الصلاة ثم بدا له أن يرجع وألا يستمر في سفره فإن صلاته صحيحة, ولا يجب عليه أن يعيد الصلاة.

    وكذلك لو أنه يريد السفر وجمع بعد أن فارق عامر قريته - صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين- ثم بدا له ألا يستمر في سفره فنقول: إن صلاته صحيحة, ولا يلزمه أن يعيدها. ومثل ذلك إذا رجع من السفر فإن له أن يترخص ولو بقي على بلده مسافة قليلة, لو بقي متر واحد أو متران ويدخل البلد فله أن يترخص, لو فرض أن وقت الظهر دخل عليه وقد بقي على البلد شيء يسير فله أن يصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين مع أنه سيدرك العصر في وقتها؛ لأنه لا يزال مسافراً, ومأذوناً له في الترخص.

    1.   

    حالات وجوب إتمام الصلاة

    من أحرم بالصلاة حضراً ثم سافر والعكس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أحرم حضراً ثم سافر، أو سفراً ثم أقام).

    قوله: (وإن أحرم حضراً).

    يعني: كبر تكبيرة الإحرام وهو في الحضر, ثم بعد ذلك سافر, ولنفترض أنه كبر للإحرام وهو في السفينة, والسفينة لم تزل باقية, لم تفارق عامر المدينة, ثم بعد ذلك سافرت, فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: إنه يتم صلاة مقيم, أي: أربع ركعات, أو كبر وهو في الطائرة, والمطار داخل البلد, ثم بعد ذلك أقلعت الطائرة, فإنه يتم أربع ركعات؛ لأنه اجتمع حاظر ومبيح, أي: أدى جزءاً منها في الحضر, وأدى جزءاً منها في الحضر, فيغلب جانب الحضر. ولو قيل: إنه إذا صلى ركعة في الحضر يصلي أربعاً؛ لأنه أدرك صلاة الحضر, وإن لم يصل ركعة ثم سافر -أي: صلى أقل من ركعة ثم سافر - فإنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الحضر لكان هذا له وجه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ). فإن صلى ركعة نقول: أدرك صلاة الحضر, فيتمها أربعاً, وإن صلى أقل من ركعة ثم سافر فإنه يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدرك صلاة الحضر, وإنما أدرك صلاة السفر.

    وقوله رحمه الله: (أو سفراً ثم أقام).

    يعني: إذا كان مسافراً, ولنفترض أنه كبر في السفينة وهو مسافر ثم وصلت السفينة إلى البلد فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه يتم.

    والدليل على هذا ما تقدم: أن هذه العبادة اجتمع فيها الحضر والإباحة, فيغلب جانب الحظر.

    وكما قلنا في المسألة السابقة: لو قيل: إنه إن صلى ركعة في السفر ثم أقام فإنه يضيف إليها ركعة واحدة؛ لأنه حينئذ أدرك صلاة السفر, لحديث أبي هريرة : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ). وأما إذا وصل قبل أن يصلي ركعة فإنه يصلي صلاة حضر؛ لأنه لم يدرك صلاة السفر.

    تذكر صلاة حظر في سفر والعكس

    قال رحمه الله: (أو ذكر صلاة حضر في سفر).

    يعني: لنفترض أن رجلاً لما سافر إلى مكة تذكر أنه صلى الظهر وهو محدث, أو أنه لم يصل الظهر, فذكر الآن صلاة حضر في سفر, فيجب عليه أن يصليها أربعاً؛ لأن القضاء يحكي الأداء. وقد حكي الإجماع على هذه المسألة, وأنه يجب عليه أن يصلي أربعاً.

    قال رحمه الله: (أو عكسها).

    يعني: ذكر صلاة السفر في الحضر, كأن قدم إلى بلده فتذكر أنه ما صلى الظهر بالأمس وهو مسافر إلى مكة, فإنه يصلي أربع ركعات. هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, وهو مذهب الشافعي .

    والرأي الثاني: أنه يصلي ركعتين, والدليل على ذلك ما تقدم؛ لأنه لا فرق بين السفر والحضر, فالقضاء يحكي الأداء, فكما أنه يجب أن تؤدى ركعتين كذلك تقضى ركعتين.

    وهذا القول هو الصواب, وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ، ومالك .

    وأما الحنابلة فيقولون: هذه الصلاة اجتمع فيها حاظر ومبيح, فيغلب جانب الحظر, لكن كما قالوا في المسألة السابقة: إن القضاء يحكي الأداء فنقول في هذه المسألة أيضاً: القضاء يحكي الأداء.

    ائتمام المسافر بالمقيم

    قال رحمه الله: (أو ائتم بمقيم).

    يعني: أن المسافر إذا ائتم بمقيم فإنه يصلي أربع ركعات. وهذا ما عليه جماهير العلماء. ودليل ذلك: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أنه سئل عن المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين, وإذا صلى مع الإمام صلى أربع ركعات, فقال: تلك السنة ).

    ويؤيد ذلك: حديث عائشة وحديث أبي هريرة : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ).

    فالمسافر إذا صلى خلف مقيم فإنه يصلي خلفه أربع ركعات, وهذا في الصلاة الرباعية, أما في الصلاة الثنائية والثلاثية فتختلف. وعلى هذا نقول: المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يصلي رباعية خلف رباعية فهذا يصلي أربعاً, كالمسافر يصلي الظهر والمقيم يصلي الظهر, أو المسافر يصلي العصر ويريد أن يجمع، والمقيم يصلي الظهر.

    القسم الثاني: أن يصلي رباعية خلف ثنائية, فنقول: يصلي ركعتين, مثال ذلك: المسافر ما صلى العشاء الآخرة ودخل المسجد والإمام يصلي التراويح, فالإمام يصلي ركعتين, فنقول: يصلي المسافر ركعتين, ومثل ذلك أيضاً: لو صلى المسافر العشاء أو الظهر خلف من يصلي الفجر فنقول: إنه يصلي ركعتين.

    القسم الثالث: أن يصلي رباعية خلف ثلاثية, كأن يصلي المسافر المغرب وأراد أن يجمع معها العشاء, فصلى العشاء خلف من يصلي المغرب, فجمهور العلماء على كونه يصلي أربعاً, وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس أن يقصر؛ لأن الثلاثية بين الرباعية والثنائية, فيكون مخيراً إن شاء قصر وإن شاء أتم. لكن الأحوط في هذه المسألة أن يتم, وأن يصلي أربع ركعات.

    فتلخص لنا: أنه إذا ائتم مسافر بمقيم أن له ثلاث حالات كما سلف. وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله, خلافاً لـداود رحمه الله تعالى في هذه المسألة.

    وأيضاً ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أن المسافر يصلي خلف المقيم أربعاً إذا أدرك صلاته, أي إذا أدرك ركعة، وعلى هذا إذا أدركت أقل من ركعة فإنه لا يجب عليك أن تصلي أربعاً, وإنما تصلي ركعتين. وهذا الذي ورد عن الإمام أحمد رحمه الله قوي؛ لما ذكرنا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ). وعلى هذا لو أن المسافر جاء والإمام يصلي العشاء الآخرة وهو في التشهد الأخير ثم جاء المسافر وأحرم معه هنا فما أدرك صلاته, وعليه يصلي ركعتين, لكن لو أدرك ركعة فأكثر فإنه يتمها أربعاً.

    صلاة المسافر خلف من يشك في كونه مقيماً أو مسافراً

    قال رحمه الله: (أو بمن يشك فيه).

    يعني: لو أن مسافراً صلى خلف شخص يشك ولا يدري هل هو مسافر أو مقيم؟ لأنه إذا كان مسافراً فإنه سيقصر, وإن كان مقيماً فإنه سيتم, مثال ذلك: رجل دخل المسجد وإذا رجل يصلي العشاء الآخرة وهو في الركعة الأخيرة, فإن قلنا: إنه مقيم فسيصلي أربعاً, وإن قلنا: إنه مسافر فسيصلي ركعتين, فهو الذي يشك, فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: إنه يصلي صلاة مقيم؛ لأن هذا هو الأحوط. وإن كان هناك قرائن رجع إليها, أي: إذا كانت هناك قرائن تؤيد أنه مسافر أو أنه مقيم عمل بهذه القرائن. وهذا يختلف, فمثلاً المساجد التي على الطرق يعرف المسافر من غير المسافر, والغالب أن الناس الذين في المساجد التي على الطرق أنهم مسافرون، بخلاف المساجد التي في داخل المدن فالغالب أن الناس مقيمون, وأنهم ليسو مسافرين. فإن وجدت قرائن كمتاع الشخص، أو حالته، أو نحو ذلك، فإنه يعمل بالقرائن.

    إعادة المسافر صلاته لحصول مفسد بعد الإحرام بها خلف مقيم

    قال رحمه الله تعالى: (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها).

    يعني: يجب عليه أن يتمها، وصورة المسألة: مسافر صلى خلف مقيم رباعية خلف رباعية، فيلزم المسافر لما صلى رباعية خلف مقيم أن يتم أربع ركعات, لكن انتقضت صلاته عليه، كسبق الحدث ففسدت صلاته، فأراد أن يعيد الصلاة مرة أخرى، هل يعيدها ركعتين أو يعيدها أربعاً؟ يقول المؤلف رحمه الله: يعيدها أربع ركعات؛ لأنه أحرم بصلاة يلزمه إتمامها. وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم.

    وعند أبي حنيفة أنه لا يجب عليه أن يعيدها أربعاً، وإنما يعيدها ركعتين؛ لأن صلاة المسافر ركعتان. وهذا القول هو الصواب، وإنما لزمه أن يتمها أولاً متابعة للإمام، فلما انفصل عن الإمام انتهت متابعته له.

    فالصواب في هذه المسألة: أنه إذا فسدت صلاته فإنه لا يجب عليه أن يتمها، وإنما له أن يصليها ركعتين.

    صلاة المسافر بلا نية قصر

    قال رحمه الله: (أو لم ينو القصر عند إحرامها).

    يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن نية القصر واجبة. وهذا هو المذهب، وهو مذهب الشافعية أيضاً.

    والرأي الثاني: أن نية القصر ليست واجبة؛ لأن القصر هو الأصل. وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك . وهذا هو الصواب. وعلى هذا لو أن المسافر كبر لصلاة العشاء ونسي أن ينوي القصر يلزمه على المذهب أن يصلي أربع ركعات؛ لأنه لا بد عند تكبيرة الإحرام من نية القصر على المشهور من المذهب ومذهب الشافعية، فلو نسي ولم ينو القصر صلى أربعاً.

    وأما أبو حنيفة ومالك فقالوا: إن نية القصر ليست شرطاً، وليست واجبة؛ لأن القصر هو الأصل، كما تقدم في حديث عائشة : ( أن الصلاة أول ما فرضت فرضت ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر ). فالصواب: أنه ما تجب النية.

    قوله: رحمه الله: (أو شك في نيته).

    كرجل كبر لصلاة العصر وهو مسافر فشك هل نوى القصر أو لم ينو القصر؟ فنقول له: صل أربعاً.

    والصحيح كما ذكرنا رأي أبي حنيفة ومالك أنه يصلي ركعتين؛ لأن النية ليست شرطاً.

    الإقامة أكثر من أربعة أيام

    قال رحمه الله: (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام).

    هذه المسألة موضع كلام كثير بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، وألفت فيها مؤلفات مستقلة، ولا تزال هذه المسألة موضع اجتهاد وتنازع بين العلماء رحمهم الله تعالى.

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام لزمه أن يتم، مثال ذلك: أردت أن تسافر إلى مكة وأن تمكث فيها مدة خمسة أيام، بمجرد وصولك إلى مكة زال عنك حكم السفر، أما إذا أردت أن تقيم يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة فترخص، أما خمسة فبمجرد أنك تصل إلى البلد فإنه ليس لك الحق في الترخص، بل يزول عنك حكم السفر. هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    وعند مالك والشافعي يقولون: إن المدة أربعة أيام, لكنهم يقولون: لا نحسب يومي الدخول والخروج، فتكون الأيام عندهم ستة.

    وعند الحنفية: خمسة عشر يوماً.

    ولكل منهم دليله، سنذكر شيئاً من أدلتهم.

    وليعلم أن المسافر له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن ينوي الإقامة المطلقة التي لا تقيد بزمن، وهذا مثل موظفي السفارات وموظفي القنصليات، ومثل التجار الذين يذهبون يتاجرون ويبيعون, فينوي أحدهم أن يقيم إقامة مطلقة, يبيع ويشتري في هذا البلد، ويمكث فيه، أو يعمل ليس مقيداً بزمن. فهذا حكمه حكم المقيم، ليس له الحق في الترخص مادام أنه ينوي الإقامة المطلقة التي لا تقيد بزمن.

    الحالة الثانية: أن ينوي الإقامة في هذا البلد لغرض، ومتى انتهى غرضه انتهى، بعد يوم، أو يومين، أو عشرة أيام، ثم يرجع من هذا البلد، مثال ذلك: رجل ذهب إلى بلد ما كأن سافر إلى الرياض لإنهاء معاملة في إحدى الدوائر الحكومية، قد يجلس يوماً، أو يومين، أو ثلاثة، أو عشرة, أو ذهب بتجارة لكي يبيع هذه التجارة ثم يرجع، فهذا له حق الترخص ما دام أنه سافر لغرض، ومتى انتهى غرضه فإنه سيرجع، أي: أن بقاءه في هذه البلد مقيد بهذا الغرض، فنقول: هذا له أن يترخص، بل حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر لا.

    والمذهب يفصلون في هذه المسألة، ويقولون: إن ظن أن حاجته لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام فليس له أن يترخص مع نية الإقامة، وإن ظن أن حاجته تطول ولا تنقضي إلا بعد أربعة أيام لكنه ما نوى الإقامة، بل هو مزمع على السفر متى انتهت, فيقولون: له أن يترخص، وهذا التفريق فيه شيء.

    والصواب في ذلك: أن له أن يترخص مادام أنه سافر لهذه الحاجة وأمره معلق بهذه الحاجة، وهذه الحاجة ليست مقيدة بزمن، وإنما إقامته في هذا البلد مرتبط بهذه الحاجة، متى انتهت فإنه سيرجع، فهذا له الحق في الترخص.

    الحالة الثالثة: أن يسافر لغرض، لكنه مقيد بزمن، مثل: سافر للدراسة، سيمكث سنتين، أو ثلاث سنوات, أو سافر للحج، أو سافر للعمرة, فهذا موضع خلاف، فالمشهور من المذهب أنهم يحدونه بأربعة أيام، فإن أراد أن يقيم يوماً، أو يومين، أو ثلاثة، أو أربعة فله أن يترخص، وإذا كانت حاجته أكثر من أربعة أيام فبمجرد وصوله إلى البلد فإنه ليس له أن يترخص.

    وكما ذكرنا أن رأي مالك والشافعي أنهما لا يحسبون يومي الدخول الخروج.

    ورأي أبي حنيفة أنه يقول: إذا كان أكثر من خمسة عشر يوماً ليس له أن يترخص، وإلا له أن يترخص.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن له أن يترخص مطلقاً.

    فالحنابلة الذين يقيدونه بأربعة أيام وهو رأي الجمهور لكن مالكاً والشافعي يقولون: ما نحسب يومي الدخول والخروج، يستدلون بفعل النبي عليه الصلاة والسلام, فالنبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قدم مكة في اليوم الرابع، وجلس فيها الرابع والخامس والسادس والسابع، ثم خرج في الثامن، فهذه الأيام التي كان مقيماً في مكة كان يترخص فيها. وقالوا: هذا دليل على أنه إذا أراد أن يقيم أربعة أيام فأقل يترخص، ماعدا ذلك فإنه ليس له أن يترخص.

    لكن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله قصداً، ولنفرض لو أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم في اليوم الثاني. فهذا حصل منه صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق, وليس على سبيل القصد، وما كان على سبيل الاتفاق فليس شرعاً. هكذا يستدلون.

    وأما الحنفية فيستدلون بورود ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    وأما من قال: إنه يترخص مطلقاً فاستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس : ( خرج إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع إلى المدينة ). ففي الصحيحين, أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في حجة الوداع إلى مكة ولم يزل يصلى ركعتين ركعتين حتى رجع.

    وكذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كما في حديث جابر : ( أقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ). كما في سنن أبي داود .

    وكذلك ورد هذا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم, فـابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول.

    وكذلك ابن عباس لما قيل له: إنا نطيل المقام في خراسان، فكيف ترى؟ قال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين.

    وكذلك أنس أقام بالشام سنتين يقصر الصلاة.

    فالذي يظهر والله أعلم أن يقال: أما التحديد بمدة فهذا ليس عليه دليل ظاهر, والقول بالإطلاق أن الإنسان يترخص مطلقاً هذا أيضاً فيه نظر، أي: كونه يقيم سنة، أو سنتين ويترخص هذا فيه نظر. والمتأمل لآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرى أنهم لم يزمعوا الإقامة, كما في أثر ابن عمر حين حال الثلج بينه وبين الدخول.

    فالذي يظهر والله أعلم أن يقال: إذا قام لحاجة وهي مقيدة بزمن -حتى لا نقيدها بأربعة أيام أو خمسة- فنقول: الأصل أنه مسافر، وأنه يترخص، لكن إذا تشبه بالمقيمين فاستقر واستأجر البيت فإنه يأخذ حكمهم.

    صلاة الملاح الذي معه أهله ولا ينوي الإقامة ببلد

    قال رحمه الله: (أو ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم).

    يقول: الملاح -وهو قائد السفينة- إذا كان معه أهله يجب عليه أن يتم.

    ويفهم من كلامه أنه إذا لم يكن معه أهله فله أن يترخص.

    وعند جمهور العلماء أن الملاح له أن يترخص. وهذا هو الصواب؛ لأن العمومات تشمل الملاح وغيره.

    1.   

    حالات يقصر فيها المسافر

    السفر في أبعد الطريقين

    قال رحمه الله: (وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما).

    إذا كان إلى مكة له طريقان، أحدهما قريب دون المسافة، والآخر بعيد يقول المؤلف رحمه الله: يقصر؛ لأنه يصدق عليه أنه ضرب في الأرض, وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [النساء:101]. فهو ضرب في الأرض, وقطع الآن مسافة.

    تذكر صلاة سفر في سفر آخر

    قال رحمه الله: (أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر).

    ظاهر هذا أنه سافر هذا الأسبوع إلى مكة ونسي أن يصلي الظهر، ثم سافر في الأسبوع الثاني إلى مكة وتذكر أنه في السفر الأول لم يصل الظهر، أو صلى وهو محدث، نقول: يصلي ركعتين.

    من حبس ولم ينو الإقامة

    قال رحمه الله: (وإن حبس ولم ينو إقامة فإنه يقصر).

    أي: حبس في هذا البلد ظلماً، أو حبسه ثلج، أو مطر، أو حروب، فتعطلت الملاحة وتعطل الطيران كما يحصل الآن، فيقول المؤلف رحمه الله: مادام أنه ما نوى أن يقيم في هذا البلد، ومتى ما حصل فرجه فإنه سيخرج فله أن يترخص، ويدل لذلك: ما تقدم من فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حينما حال الثلج بينه وبين الدخول.

    الإقامة لقضاء حاجة بلا نية إقامة

    قال رحمه الله: (أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة قصر أبداً).

    هذه تكلمنا عليها قريباً، وذكرنا أن المسافر له ثلاث حالات, وأن من الحالات: إذا سافر لحاجة من الحاجات، وأقام في البلد لكن لم يقيد ذلك بزمن، لكن متى انتهت حاجته سيرجع، فنقول هنا: له أن يترخص.

    1.   

    الجمع بين الصلاتين للمسافر

    قال رحمه الله: (فصل: يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين في وقت إحداهما في سفر قصر).

    الجمع هو الرخصة الثانية من رخص صلاة المسافر. فلما تقدم كلام المؤلف رحمه الله عن القصر تكلم عن الجمع. وأوسع المذاهب في الجمع مذهب الحنابلة، ولهذا يجوزون الجمع لكل عذر يجوز ترك الجمعة والجماعة، فهم يتوسعون في الجمع، وأضيق المذاهب في هذه المسألة هو مذهب الحنفية، فالحنفية يمنعون الجمع، ويغلقون بابه، إلا في عرفة ومزدلفة مع الإمام الأعظم, فلا جمع عندهم إلا في عرفة وفي مزدلفة, ومع الإمام الأعظم. فهم يشددون في الجمع. وهذا فيه نظر، أي: التوسع والإغلاق.

    قال المؤلف رحمه الله: يجوز الجمع بين الظهرين، وبين العشائين في وقت إحداهما في سفر قصر. وسفر القصر تقدم أن ذكرنا شروطه, وهي: أن يكون سفراً, وأن يكون سفراً مباحاً, وأن تكون المسافة أربعة برد, وأن يفارق عامر قريته... إلخ كما تقدم في الشروط.

    وقوله: يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين في وقت إحداهما هذا رأي جمهور العلماء، أنه يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين في وقت إحداهما سواء كان نازلاً، أو سائراً، أو كان جمع تقديم، أو جمع تأخير.

    ويدل لذلك أدلة كثيرة، منها: حديث أبي جحيفة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع وهو نازل بالأبطح, صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين في الهاجرة ), يعني: في الظهر. وهو في الصحيحين.

    فحديث أبي جحيفة فيه دليل على الجمع لمن كان نازلاً، وفيه أيضاً دليل لجمع التقديم.

    وأيضاً من أدلته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه في جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، وهو مقيم، يعنى: ليس سائراً، صلى الظهر ركعتين، وصلى أيضاً العصر ركعتين.

    والرأي الثاني: قال به الإمام مالك رحمه الله: أنه لا يجوز إلا إن جد به السير. وهذا يميل إليه ابن القيم رحمه الله، أي: إن كان سائراً، أما إذا كان واقفاً فلا، كرجل سافر إلى مكة ثم وقف يطبخ غذاءه وجاء وقت الظهر فلا يجمع, بل لا بد أن يكون جاداً به السير. هذا ما قال به الإمام مالك رحمه الله.

    واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر قال: ( رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء ).

    والرأي الثالث رأي الحنفية: وهو أنهم لا يرون إلا الجمع الصوري، ولا يرون الجمع الحقيقي, كما ذكرنا أنهم لا يجوزون الجمع إلا جمع يوم عرفة ومزدلفة مع الإمام الأعظم. ويحملون جمعه صلى الله عليه وسلم على أنه جمع صوري, يصلي الظهر في آخر الوقت والعصر في أول وقتها، والمغرب في آخر وقتها والعشاء في أول وقتها.

    ويستدلون على ذلك بما جاء في مسند أحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء ).

    وهذا الحديث ليس صريحاً في الجمع الصوري، فربما أن هذا العمل في وسط الوقت، يؤخر الظهر ويعجل العصر في وسط الوقت، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء في وسط الوقت.

    كما أن الجمع الصوري ليس فيه رخصة؛ لأنه يحتاج إلى ملاحظة دخول العشاء وخروج المغرب، وهذا فيه شيء من التشديد، بخلاف الجمع الحقيقي.

    فالصواب في هذا: ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، أنه يجوز الجمع مطلقاً، سواء كان سائراً أو نازلاً, جمع تقديم أو جمع تأخير، لكن إذا كان في داخل البلد فالأصل وجوب الجماعة، فيصلي مع الناس المغرب الأولى، وإن أراد أن يجمع العشاء فيجمعها؛ لأنه مرخص له في ذلك، ويصلي مع الناس الظهر الأولى, وإذا أراد أن يجمع العصر جمعها.

    1.   

    الجمع بين الصلاتين في الحضر

    لما تكلم المؤلف على الجمع أخبر أن له حالتين إما أن يكون في السفر، وإما أن يكون في الحضر، فإن كان في السفر فالسفر هو علة الجمع حتى ولو لم يكن هناك مشقة، ولهذا ما قيد المؤلف رحمه الله الجمع بالمشقة في السفر، وقيد الجمع للمريض بالمشقة في الحضر، فنقول: الجمع لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون في السفر, فيجمع مطلقاً سواء كان هناك مشقة أو لم يكن هناك مشقة؛ لأن السفر هو العلة.

    الحالة الثانية: أن يكون الجمع في الحضر. والجمع في الحضر اختلف فيه العلماء رحمهم الله، وهل العذر في الجمع في الحضر كونه معدوداً أو محدوداً؟ فبعض العلماء قال: إنه معدود، أي: يعدد بعض الأعذار، فيجمع للمرض، وللمطر، ولكذا، ولكذا. وهذا هو الذي ذكره المؤلف، وكذلك المالكية والشافعية يعددون.

    الرأي الثاني: أن الجمع في الحضر مضبوط بضابط، وليس معدوداً، لكن ما هو هذا الضابط؟

    للعلماء رأيان:

    الرأي الأول مذهب الحنابلة: يقولون: الضابط أن كل عذر يرخص فيه ترك الجمعة والجماعة فهو يبيح الجمع.

    والرأي الثاني: قالوا: إنه إذا ترتب على ترك الجمع حرج ومشقة فيجوز الجمع، كما ورد عن طوائف من السلف كـابن سيرين وغيره.

    وهذا القول هو الصواب. غير أن أحاديث المواقيت أحاديث كالجبال كحديث عبد الله بن عمرو ، وأبي هريرة ، وأبي برزة . لكن قد يوجد حرج ومشقة، فنقول: إذا كان هناك حرج ومشقة فهذا مما يسوغ الجمع.

    ومن الأمثلة على ذلك: في بعض البلاد في أوربا لا يدخل وقت العشاء ولا يغيب الشفق الأحمر إلا في الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وبعده بساعات قليلة يدخل وقت الفجر، فلو قلنا: إنه لا يجمع هؤلاء فيلزم عليه حرج ومشقة. فلذلك إذا كان هناك حرج ومشقة فيسوغ الجمع.

    ويدل لذلك: حديث ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر )، وفي رواية: ( من غير خوف ولا مطر. فسئل ابن عباس فقال: أراد ألا يحرج أمته ). فهذا الفهم من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صحيح، مما يدل على أنه متى حصل حرج ومشقة فإن هذا مما يسوغ الجمع.

    الجمع في الحضر بسبب المرض

    قال المؤلف: (لمريض يلحقه بتركه مشقة).

    ذكرنا كما تقدم ضوابط المرض الذي يبيح الجمع بحيث إنه يجد في نفسه حرجاً ومشقة أن يصلي كل صلاة في وقتها، فهو يريد أن يتخلص من هذه الصلاة, ويبرئ ذمته.

    وقوله: لمريض، هذا يشمل الجمع بين الظهرين وبين العشائين.

    الجمع في الحضر بسبب المطر والوحل والريح

    قال رحمه الله: (وبين العشائين لمطر يبل الثياب).

    خص المطر بين العشائين فقط، والضابط: يبل الثياب. هذا الضابط.

    قال رحمه الله: (ووحل وريح شديدة باردة).

    هذه الأشياء من الوحل والريح الشديدة والمطر الذي يبل الثياب خصها بين العشائين؛ لأن الأثر إنما جاء بين العشائين.

    وعند الشافعية: أنه لا يخص؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما السابق.

    والصواب: أنه لا يخص؛ لحديث ابن عباس ، وأنه متى ترتب على ذلك حرج ومشقة ظاهرة فله أن يجمع.

    قال رحمه الله: (ولو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط).

    يقول: يجمع حتى لو صلى في بيته، فلو حصلت أمطار بعد المغرب والإنسان في بيته يقول المؤلف رحمه الله: له أن يجمع مع أهله وزوجته. وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والصحيح: أنه ليس له أن يجمع؛ لأن الجمع شرع لتحصيل الجماعة، كما قال المجد . ويترتب على ذلك: الجمع للخادم الذي في المسجد، أو المعتكف الذي في المسجد؛ فإنه يجمع مع الناس مع أنه مقيم في المسجد وفي حجرته, وليس عنده مطر، لكن لكي تحصل الجماعة، أما الذي في بيته فلا يجمع، بل يصلي كل صلاة في وقتها. ولذلك ما يفعله بعض الناس حينما يكونون في استراحة، أو في نزهة في قرية ثم يأتيهم المطر فيجمعون هذا خطأ؛ لأنهم الآن مقيمون، مجتمعون في هذا المكان, وهم لن يخرجوا إلى المسجد، فلا يسوغ لهم الجمع، لكن الذي يسوغ هو الجمع لتحصيل الجماعة حينما يصلي المغرب وتجمع العشاء معها لذلك؛ لأنه إذا خرج قد لا يرجع مرة أخرى في المطر، فالجمع لتحصيل الجماعة. ولهذا قال المؤلف: (أو في مسجد طريقه تحت ساباط).

    فيجمع المصلي مع الناس ولو كان لا يصيبه المطر لكي تحصل الجماعة.

    فعل الأرفق من تقديم وتأخير

    قال رحمه الله: (الأفضل فعل الأرفق به من تقديم وتأخير).

    بما أن الجمع شرع للرخصة وللرفق، فعلى هذا يفعل الرفق به، فإن كان الأرفق جمع التقديم جمع جمع تقديم، وإن كان الأرفق جمع التأخير جمع جمع تأخير، وكلا الأمرين جائز.

    لكن نستثني من ذلك الجمع بعرفة، فالأفضل جمع التقديم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع جمع تقديم؛ ولأن الحكمة منه التفرغ للدعاء والذكر والعبادة.