إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [20]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأوقات التي تحرم الصلاة المطلقة فيها خمسة: الأول من طلوع الفجر الثاني حتى طلوع الشمس، والثاني من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر مترين، والثالث وقت الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء قبيل الظهر، والرابع من بعد فعل صلاة العصر حتى بدء الغروب، والخامس من بدء غر

    1.   

    تابع أوقات النهي عن الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [وأوقات النهي خمسة: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى غروبها، وإذا شرعت فيه حتى تتم، ويجوز قضاء الفرائض فيها، وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف، وإعادة جماعة، ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب.

    باب: صلاة الجماعة.

    تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرطاً، وله فعلها في بيته، ويستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد، والأفضل لغيرهم المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره، ثم ما كان أكثر جماعة، ثم المسجد العتيق، وأبعد أولى من أقرب].

    سبق أن بدأنا في بيان أحكام وقت النهي، وذكر المؤلف رحمه الله أن أوقات النهي خمسة أوقات، هذا بالبسط، وأما بالاختصار فإنها ثلاثة.

    وسبق أن ذكرنا الحكمة من النهي عن التطوع في هذه الأوقات، وبدأنا بهذه الأوقات، وأن المؤلف رحمه الله تعالى يرى أن الوقت الأول يبدأ من بعد طلوع الفجر الثاني، وقلنا بأن هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب أبي حنيفة .

    والرأي الثاني: أنه يبدأ من بعد صلاة الصبح، وذكرنا لكل دليلاً، وقلنا: مما يؤيد ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هاتان الركعتان، كما ذكرت حفصة وعائشة وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما أن مما يؤيد ما ذهب إليه الشافعية أنهم يستدلون بحديث أبي سعيد وهو أقوى مما يستدل به الحنفية والحنابلة، لكن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا طلع الفجر لم يكن يصلي إلا ركعتين.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح).

    الوقت الثاني من أوقات النهي: من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح، وقلنا بأن قدر الرمح ما يقرب من مترين، وهذا بمرأى العين، وإلا فإنها ارتفعت بالواقع أمتاراً كثيرة، ويقدر هذا الوقت بما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة، ودليل ذلك حديث عقبة بن عامر : ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع )، فهذا دليل على أن وقت النهي يبدأ من طلوع الشمس بازغة إلى أن ترتفع.

    وقت الزوال

    قال رحمه الله: (وعند قيامها حتى تزول).

    الوقت الثالث من أوقات النهي: وقت الاستواء، وذلك أن الشمس إذا طلعت من المشرق تسير إلى المغرب، فإذا كانت في كبد السماء قبل الزوال بما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة، يكون هذا هو قيام الشمس حتى تزول، أي: حتى تنتقل إلى جهة المغرب، يعني: إذا طلعت الشمس من المشرق فإن كل شخص يكون له ظل إلى جهة المغرب، فالشمس تسير من المشرق إلى المغرب، والظل يتناقص، فإذا انتهى نقصانه أصبحت الشمس في كبد السماء، وهذا هو قيام الشمس، وتظل الشمس هكذا ما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة، فإذا زاد الفيء أدنى زيادة فقد زالت الشمس ودخل وقت الظهر.

    وسبق أن بينا هذا في مواقيت الصلاة، وقلنا بأنه في حالة الاستواء إذا انتهى الظل الذي كان إلى جهة المغرب انتهى نقصانه، ويكون هناك فيء تحت كل شاخص، وهذا يسميه العلماء رحمهم الله بفيء الزوال.

    إذا انتهى تناقص الظل الذي إلى جهة المغرب، وهذا الفيء لم يزد، فإن هذا هو وقت الزوال وهو وقت النهي، وكما قلنا هذا الوقت يقدر بما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة، فإذا زاد أدنى زيادة فقد دخل وقت الظهر، وزالت الشمس، وانتهى وقت النهي.

    قوله: (وعند قيامها حتى تزول)، هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أنه من أوقات النهي هو المشهور من مذهب أحمد وأبي حنيفة ، وعند مالك رحمه الله تعالى أنه ليس من أوقات النهي، وعند الشافعي رحمه الله التفصيل في هذه المسألة أنه من أوقات النهي إلا يوم الجمعة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولكل منهم دليل.

    أما الذين قالوا بأنه وقت للنهي، فاستدلوا بأدلة, منها حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه الثابت في صحيح مسلم أنه قال: ( ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا )، وذكر من هذه الساعات قال: ( وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول ).

    وأما مالك رحمه الله تعالى فيستدل على ذلك بأنه عمل أهل المدينة، وعمل أهل المدينة من أصول المالكية رحمهم الله تعالى.

    وأما الشافعية الذين قالوا بأنه وقت للنهي إلا يوم الجمعة فاستدلوا بما يروى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة )، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، وضعفه الحافظ ابن حجر رحمه الله، لكن يستدل لهم بحديث سلمان الثابت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من اغتسل يوم الجمعة وتطهر ما استطاع من طهر، ومس من دهن بيته أو طيبه، ثم راح إلى الجمعة، فصلى ما بدا له، فإذا خرج الإمام ) قال: فصلى ما بدا له، ثم قال: فإذا خرج الإمام، وهذا يدل على أنه يصلي إلى حين خروج الإمام، وخروج الإمام إنما يكون بعد الزوال، فهذا يدل على أن وقت الزوال يوم الجمعة ليس من أوقات النهي.

    والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وأن نصف النهار أو كما ذكر المؤلف رحمه الله حين قيامها إلى آخره أنه وقت للنهي سواء كان يوم الجمعة أو غيره من الأيام.

    وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فصلى ما بدا له, فإذا خرج الإمام )، فهذا كما ذكر ابن قدامة رحمه الله أنه يصلي ما بدا له، لكن إذا ظن دخول وقت النهي فإنه يتوقف، والآن وقت النهي يعلم؛ لأن الزوال يوجد الآن عن طريق الحسابات بهذه الساعات الموجودة، فقبل الزوال بما يقرب من تسع عشرة دقيقة، أو خمس عشرة دقيقة يحتاطها المسلم يتوقف عن الصلاة.

    بعد صلاة العصر إلى الغروب

    قال رحمه الله تعالى: (ومن صلاة العصر إلى غروبها).

    ما بعد صلاة العصر إلى غروبها، هذا هو الوقت الرابع من أوقات النهي، وهنا وقت النهي معلق بفعل الصلاة، بخلاف الوقت الأول، وهو ما يتعلق بطلوع الفجر، أو صلاة الصبح، هذا موضع خلاف، هل النهي معلق بالوقت، أو أنه معلق بالفعل؟

    هنا معلق بفعل الصلاة، فوقت النهي يبدأ من بعد فعل الصلاة، وسواء فعلت صلاة العصر في وقتها، أو فعلت في وقت الظهر تقديماً، فلو أن مسافراً أو مريضاً صلى الظهر والعصر جمع تقديم فإن وقت النهي يدخل من بعد صلاة العصر.

    ودليل ذلك حديث أبي سعيد وابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس )، وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (إلى غروبها)، الوقت الرابع يستمر إلى متى؟ ومتى يبدأ الوقت الخامس؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الوقت الرابع يستمر إلى أن تشرع الشمس بالغروب، فإذا شرعت الشمس بالغروب خرج الوقت الرابع ودخل الوقت الخامس.

    والرأي الثاني رأي الشافعية: أن الوقت الرابع يستمر إلى اصفرار الشمس.

    والرأي الثالث: أن الوقت الرابع يستمر إلى أن يبقى على غروبها قيد رمح، كما أن الوقت الثاني ينتهي إذا ارتفعت الشمس قدر رمح، يعني: بقي ما يقرب من مترين حتى تسقط في الأفق، هنا الآن خرج الوقت الرابع، ودخل الخامس.

    وأقرب الأقوال في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأن الوقت الرابع يستمر إلى أن تشرع الشمس في الغروب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: ( إذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب ) قال: إذا غاب حاجب الشمس، مما يدل على أن الوقت يستمر إلى أن يغيب حاجب الشمس.

    أما بالنسبة للوقت الخامس فيبدأ من بعد نهاية الوقت الرابع، وسبق أن بينا نهاية الوقت الرابع، وأنه يستمر إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس خرج وقت النهي، هذا المشهور من مذهب أحمد والشافعي خلافاً لـأبي حنيفة ومالك , فإن الحنفية يرون أن وقت النهي يستمر إلى ما بعد صلاة المغرب، ولذلك تجد الذين هم على مذهب أبي حنيفة إذا دخلوا المسجد بعد غروب الشمس يجلسون ولا يصلون؛ لأنهم يرون أن وقت النهي لا يزال مستمراً.

    والصواب في ذلك ما ذهب إليه أحمد والشافعي : أن وقت النهي يستمر حتى مغيب الشمس، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب )، ومثل ذلك حديث أبي سعيد ، وأيضاً حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم، فالأحاديث كثيرة فإذا غابت الشمس خرج وقت النهي ودخل وقت الإباحة.

    قوله رحمه الله: (وإذا شرعت فيه حتى يتم).

    الوقت الخامس: إذا شرعت الشمس في الغروب حتى يتم الغروب.

    الصلاة الجائزة في أوقات النهي

    قال رحمه الله: (ويجوز قضاء الفرائض).

    لما ذكر المؤلف رحمه الله الأوقات التي ينهى عن الصلاة فيها, ذكر ما يشرع فعله من الصلوات في هذه الأوقات وما لا يشرع، فقال: ويجوز قضاء الفرائض فيها؛ ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) أخرجاه في الصحيحين، فهذا يدل على أنه يجوز أن تفعل الفرائض في أوقات النهي، وقوله: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) يعني: في أي وقت يذكرها حتى ولو كان في أوقات النهي.

    قال رحمه الله: (وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف).

    هذا الثاني مما يشرع فعله في هذه الأوقات، يقول: في الأوقات الثلاثة، ومن باب أولى في الوقتين الطويلين، والأوقات الثلاثة: هي الطلوع، والغروب، والاستواء، فلك أن تفعل ركعتي الطواف، ومن باب أولى أن تفعلهما في الوقتين الطويلين، ويدل لذلك حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة شاء من ليل أو نهار ) رواه الترمذي وغيره ، وصححه الترمذي .

    قال رحمه الله: (وإعادة جماعة).

    إعادة الجماعة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تعاد الجماعة في وقت النهي وهو في المسجد، يعني: إذا أعيدت وهو في المسجد فله أن يعيدها مع الناس، يعني: إذا أقيمت الجماعة وأنت في المسجد في وقت النهي فإنك تصلي مع الناس.

    مثال ذلك: صليت الفجر، ثم جئت إلى مسجد، وإذا أهل هذا المسجد لم يصلوا، ثم أقاموا الصلاة فإنه يجوز لك أن تعيد الصلاة معهم.

    القسم الثاني: أن تقام وأنت خارج المسجد فليس لك أن تصلي إذا كان وقت نهي، هذا هو المشهور من المذهب.

    والصواب أنه سواء أقيمت الجماعة وأنت داخل المسجد، أو وأنت خارج المسجد أن تعيد الصلاة معهم؛ لحديث يزيد بن الأسود في قصة الرجلين ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاة الصبح وإذا بهما لم يصليا مع الناس، فدعا بهما النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بهما وفرائصهما ترتعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم, فإنها لكما نافلة )، وأيضاً حديث أبي ذر عند مسلم : ( وإذا أقيمت وأنت في المسجد فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي ).

    ذكر المؤلف رحمه الله ثلاث صلوات تشرع في هذه الأوقات، والصلاة الرابعة على المذهب: فعل الصلاة المنذورة، يقولون: إنها تشرع في أوقات النهي، مثال ذلك: رجل قال: لله عليّ أن أصلي ركعتين، فله أن يصليهما بعد الفجر، وله أن يصليهما بعد العصر؛ لأنها صلاة واجبة فله أن يفعلها في أوقات النهي كالفرائض.

    الصلاة الخامسة: الصلاة على الجنازة بعد الفجر وبعد العصر، وهذا محل إجماع من العلماء رحمهم الله تعالى، فلك أن تصلي على الجنازة بعد الفجر وبعد العصر.

    الصلاة السادسة: سنة الظهر البعدية إذا جمع العصر والظهر جمع تقديم، مثال ذلك: رجل مريض صلى الظهر والعصر جمع تقديم، قلنا: النهي يدخل من بعد فعل صلاة العصر، ولو أدى هذه الصلاة في وقت الظهر جمع تقديم، لكن سنة الظهر البعدية له أن يفعلها بعد صلاة العصر مع أنه دخل وقت النهي.

    الصلاة السابعة: تحية المسجد، إذا دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فله أن يصلي تحية المسجد، وربما صلاها في وقت النهي في وقت الزوال؛ لأنه على المشهور وقت الجمعة كوقت صلاة العيد، يبدأ من طلوع الشمس ارتفاعاً قيد رمح، فلو أنه صلاها كالعيد أجزأ ذلك، ولو أنه صلاها ضحى أجزأ ذلك، ولو أنه صلاها قبل الزوال أجزأ ذلك.

    ولنفرض أن الزوال في الساعة الثانية عشرة والإمام دخل قبل الثانية عشرة بعشر دقائق، ثم جاء شخص والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد ولو كان في وقت الاستواء، فهذه سبع صلوات مستثناة -على المذهب- تفعل في أوقات النهي، فقيل فيها الصلوات ذوات الأسباب.

    فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب).

    يعني: الصلاة التي تشرع عند وجود سببها، وقبل ذلك ليست مشروعة، مثل ركعتي الوضوء سببها الوضوء، وتحية المسجد سببها المسجد، صلاة الكسوف سببها كسوف الشمس، ركعتي الطواف سببها الطواف، وعلى هذا فقس.

    هذه الصلوات التي تشرع عند وجود سببها، هل تشرع في أوقات النهي، أو لا تشرع؟

    المؤلف رحمه الله يقول: يحرم أن تفعل في أوقات النهي، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وهو قول أكثر أهل العلم أن ذوات الأسباب لا تشرع في أوقات النهي.

    والرأي الثاني: وهو رأي الشافعي واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن ذوات الأسباب تشرع في أوقات النهي، ولكل منهم دليل.

    أما الذين قالوا بأن ذوات الأسباب لا تشرع في أوقات النهي فاستدلوا بعمومات الأدلة، كحديث أبي سعيد ، وحديث ابن عباس ، وحديث عقبة بن عامر ، وحديث أبي هريرة ، التي دلت على النهي عن التطوع في هذه الأوقات.

    وأما الذين قالوا بأنها تشرع فاستدلوا بمثل حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، وهذا يشمل كل وقت، وما تقدم لنا من حديث جبير بن مطعم : ( يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة )، وهذا يشمل كل ساعة، أيضاً أحاديث الكسوف: ( فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا ) إلى آخره، هذا يشمل كل وقت.

    فهي عمومات في الأمر بفعل هذه الصلوات في هذه الأوقات، والعلماء الأصوليون يقولون: إذا تعارض عمومان فإنه ينظر إلى أقوى العمومين.

    فعندنا عموم النهي وعموم الأمر، وعموم الأمر أقوى من عموم النهي؛ لأن عموم الأمر محفوظ, وأما عموم النهي فليس محفوظاً، وعموم النهي دخله الاستثناء كما تقدم فقد استثنوا سبع صلوات، فدل ذلك على أن عموم الأمر أقوى من عموم النهي, فنقول بشرعية مثل هذه الصلوات، عندنا عموم النهي كما ذكرنا حديث أبي سعيد ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، وعقبة بن عامر، فهذا العموم ليس محفوظاً، دخله التخصيص في قضاء الفرائض، ودخله التخصيص بركعتي الطواف، وبتحية المسجد, وبالكسوف، فدل على أنه عموم غير محفوظ، فيكون أضعف من عمومات الأمر بفعل ذوات الأسباب في مثل هذه الأوقات.

    ويؤيد ما ذهب إليه الشافعية وشيخ الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تتحروا بصلاتكم )، والتحري إنما يكون في التطوع المطلق، أما التطوعات ذوات الأسباب فهو لم يتحر بها، وإنما فعلها من أجل وجود سببها، بخلاف التطوع المطلق، فهو الذي يتحراه فاعله.

    ضابط ذوات الأسباب

    والشافعية وشيخ الإسلام الذين يقولون بأن ذوات الأسباب تشرع في أوقات النهي اختلفوا في ضابط الصلاة ذات السبب التي تشرع في أوقات النهي، ما هو؟ فالشافعية يقسمون السبب إلى سبب متقدم، وسبب مقارن، وسبب متأخر.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: هي الصلاة التي تفوت إذا أخرت عن سببها، وهذا القول هو الصواب، أما إذا كانت لا تفوت إذا أخرت عن سببها فإنها لا تشرع في أوقات النهي، وأضرب لذلك مثالين:

    المثال الأول: صلاة الاستسقاء من ذوات الأسباب؛ لأن سببها الجدب والقحط، ولو أخرت عن سببها فإنها لا تفوت، فلو أننا لم نصلها بعد العصر وإنما صليناها بعد المغرب، صح ذلك، وعند الشافعية لا بأس أن تفعل في أوقات النهي، فلو أنه فعلها بعد العصر أو بعد الفجر فلا بأس؛ لأنها من ذوات الأسباب.

    لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: لا تفعل في أوقات النهي صلاة الاستسقاء لأنها لا تفوت، لكن لو أنك دخلت المسجد بعد العصر ولم تصل تحية المسجد، تكون قد فاتت، وصلاة الكسوف تفوت كذلك إذا تجلى الكسوف، فهذه الأشياء تفوت، لكن صلاة الاستسقاء لأنها لا تفوت، فلا تصلى في وقت النهي، بل ننتظر حتى ترتفع الشمس قدر رمح، ونصليها ضحى، أو نصليها بعد الظهر، أو نصليها بعد المغرب، فضابطها: هي الصلاة التي إذا أخرت عن سببها فاتت.

    المثال الثاني: صلاة الاستخارة، صلاة الاستخارة من ذوات الأسباب، هل تشرع في أوقات النهي، أو لا تشرع في أوقات النهي؟

    نقول: إذا كانت هذه الصلاة إذا أخرت فإنها تفوت نقول: هي مشروعة في أوقات النهي، وإذا كانت إذا أخرت لا تفوت فإنها لا تشرع في أوقات النهي.

    فمثلاً إنسان يريد أن يستخير الله عز وجل في شراء سيارة في وقت العصر، ولو أنه أخرها عن السبب وهو شراء السيارة فاتت، فلو انتظر إلى المغرب فاتت؛ لأن وقت بيعها بعد العصر، لكن لو كان سيشتري غداً، فنقول: لا تشرع.

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن صلاة التطوع في أوقات النهي محرمة، ولا تجوز، وهذا القول هو الصواب، وهو أحد القولين في هذه المسألة.

    الرأي الثاني: ليس محرماً، وإنما هو مكروه، والصواب في هذه المسألة أنه محرم، ولا يجوز كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لأن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم.

    ولو نسي فأحرم بالصلاة في أوقات النهي نسياناً، يعني: صلى تطوعاً يظن أنه في وقت الضحى، نقول: صلاته لا تنعقد، ولا يجوز له أن يستمر فيها.

    أما إذا دخل عليه وقت النهي وهو يصلي فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، والأقرب في ذلك والله أعلم أن يقال: إن كان صلى ركعة فله أن يتم ركعة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وإن لم يصل ركعة فنقول بأنه يقطعها.

    المسألة الأخيرة: هل هناك بلد لا نهي فيه، أو أن النهي شامل لجميع بلاد الدنيا؟

    جمهور العلماء رحمهم الله أنه ليس هناك بلد لا نهي فيه؛ ويستدلون على ذلك بالعمومات، وعند الشافعية رحمهم الله تعالى أن مكة لا نهي فيها، وعلى هذا لو تطوعت في الحرم المكي بعد العصر، أو تطوعت بعد الفجر ونحو ذلك فيقولون: هذا جائز ولا بأس به.

    ويستدلون على ذلك بحديث أبي ذر مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة ) وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن خزيمة والدارقطني وهو ضعيف لا يثبت.

    وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة أننا لا نستثني شيئاً، وأن النهي كما هو في المدينة النبوية، وكما هو في هذه البلاد هو أيضاً في مكة.

    1.   

    صلاة الجماعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة الجماعة).

    باب مضاف وصلاة مضاف إليه، وصلاة مضاف، والجماعة مضاف إليه، وهذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، يعني: الصلاة التي نوعها أنها تفعل جماعة.

    حكم صلاة الجماعة

    قال المؤلف رحمه الله: (وتلزم الرجال).

    تلزم يعني: تجب، فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن صلاة الجماعة واجبة، وهذا المشهور من مذهب أحمد وأبي حنيفة ، وعند الشافعية أنها فرض كفاية، وعند مالك رحمه الله أنها سنة، فالأقوال في هذه المسألة ثلاثة، وهناك قول ابن حزم رحمه الله أنها شرط لصحة الصلاة، وهذا أشد الأقوال، ونقل البعلي رحمه الله -الذي جمع اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- هذا القول عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    فالأقوال طرفان ووسط، إما أنها شرط كما يقول ابن حزم رحمه الله تعالى، وإما أنها سنة كما يقول مالك رحمه الله تعالى، والوسط في ذلك قول الحنفية والحنابلة أنها واجبة وليست شرطاً, بمعنى أنه يأثم إذا تركها بلا عذر، لكن الصلاة صحيحة.

    ولكل منهم دليل، أما الذين قالوا بأنها واجبة فالأدلة على ذلك كثيرة، منها قول الله عز وجل: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وأيضاً حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يحرق على المتخلفين بيوتهم بالنار ، وأيضاً حديث ابن أم مكتوم : لما استأذنه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصلي في بيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أجد لك رخصة )، وقول علي رضي الله تعالى عنه: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، إلى آخره.

    وذكر ابن القيم رحمه الله عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمنفرد خلف الصف ) قال: كيف بمن كان خلف الصف وخلف المسجد، إذا كان في المسجد وهو خلف الصف لا صلاة له، فكيف بمن تخلف عن الجماعة، لا صلاة له من باب أولى.

    وأما الذين قالوا بأنها سنة فاستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة )، وفي رواية: ( بخمس وعشرين درجة ).

    فقوله: تفضل... إلى آخره، هذا يدل على أن صلاة الفذ فيها فضل لوجود أفعل التفضيل، لكن صلاة الجماعة أفضل منها بسبع وعشرين أو بخمس وعشرين درجة.

    والجواب عن هذا سهل، فنقول: كون الشيء، أو ذكر فضل الشيء لا يدل على أنه ليس واجباً، الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10-11]،فكون الله سبحانه وتعالى ذكر فضل الإيمان، وفضل الجهاد لا يدل ذلك على أن هذه الأشياء ليست واجبة، وكون الله عز وجل ذكر فضل الجماعة، وأنها تفضل على صلاة الفذ فهذا لا يدل على أنها غير واجبة، بل هي واجبة، وهذا الحديث يدل على أن الجماعة ليست شرطاً كما يقول ابن حزم رحمه الله تعالى؛ لأنه أثبت صلاة الفذ، وأن لصلاته فضلاً، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون ناقصة لكونه ترك هذا الواجب.

    وأما الشافعية الذين قالوا بأنها فرض كفاية, قالوا: لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة.

    والأقرب في ذلك كما قلنا ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أنها واجبة، وأن الإنسان يأثم بتركها, وليست شرطاً؛ لأننا لا نقول بأنها واجبة في الصلاة، وإنما هي واجبة للصلاة، وما كان واجباً للصلاة فإن تركه لا يبطل العمل، بخلاف ما إذا كان واجباً في الصلاة فإن تركه مبطل للعمل.

    وقول المؤلف رحمه الله: (الرجال) يشمل الأحرار والأرقاء، وهذا هو الصواب خلافاً للمشهور من مذهب أحمد أنها واجبة على الأحرار، والقاعدة التي سبق أن أشرنا إليها أن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في الأحكام البدنية المحضة.

    وقوله: (الرجال) هذا يخرج الصبيان؛ لأن الصبيان ليسوا مكلفين، ويخرج النساء؛ لأن النساء لسن من أهل البروز والخروج، والأصل أن تقر في بيتها، فالنساء لسن من أهل الجمع والجماعات، وبيتها خير لها.

    قال: (للصلوات الخمس).

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن هذه الصلوات سواء كانت مؤداة أو كانت مقضيات, وهذا هو الصواب خلافاً للمشهور من المذهب أنهم يخصون الوجوب بالمؤداة.

    قال رحمه الله: (لا شرطاً).

    يعني: ليست شرطاً لصحة الصلاة؛ لما تقدم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ )، ولما ذكرنا من القاعدة أن الجماعة واجبة للصلاة, وليست واجبة في الصلاة.

    صلاة الجماعة في البيت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وله فعلها في بيته).

    قال بأن الجماعة واجبة، ومع ذلك قال: لا بأس أن تفعلها في البيت، يعني: يجوز لك أن تصليها في البيت، وعلى هذا لو أن الإنسان تخلف عن الجماعة وصلى مع أهله؛ لأن أقل الجماعة اثنان، حتى ولو كان أنثى، صلى هو وزوجته، أو صلى هو وولده يقول المؤلف رحمه الله: سقط عنه الوجوب، ويستدلون على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، هذا يشمل كل الأرض حتى البيت.

    والرأي الثاني في هذه المسألة: لا يجوز له أن يفعلها في بيته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يحرق على المتخلفين بيوتهم، وما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلهم أن يصلوها في البيوت، فهذا مما يدل على أنه لا بد أن تفعل في المسجد، وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، وفي حديث ابن عباس وأبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر )، هذا مما يؤكد أداءها في المسجد.

    وعلى هذا لو قلنا بأن الجماعة لك أن تفعلها في بيتك ذهبت الحكمة العظيمة، والمقصد السامي من شرعية الجماعة، مما يترتب عليها من المصالح العظيمة التي من أجلها شرعت الجماعة.

    صلاة الجماعة لأهل الثغور

    قال: (وتستحب صلاة أهل الثغر).

    الثغر يعني: موضع المخافة، وموضع المخافة هذا الذي يكون على حدود البلاد الإسلامية مع الكفار المحاربين، يقول: أهل الثغر موضع المخافة هؤلاء يستحب أن يصلوا في مسجد واحد، يعني: أن يتجمعوا ويصلوا في مكان واحد؛ لأنه أهيب وأوقع للرعب في العدو؛ كونه يرى المسلمين قد تجمعوا في مكان واحد، وهذا يمكن أن يقال في الزمن السابق.

    أما الآن في الزمن الحاضر إذا حصل التجمع فإنه يحصل بذلك مفسدة، حيث تغيرت آلات القتال، فربما يسهل أخذهم من قبل الأعداء إذا تجمعوا في مكان واحد، المهم مثل هذه المسألة تختلف باختلاف الزمان والمكان, فالحكم يدور مع المصلحة فإذا كان التجمع يترتب عليه مصلحة، نقول بأنهم يتجمعون، أما إذا كان لا يترتب عليه مصلحة وإنما يترتب عليه مفسدة، فنقول: لا يتجمعون.

    صلاة الجماعة مع تعدد المساجد

    قال: (والأفضل لغيرهم).

    كحالنا، يعني: ليسوا من أهل السفر.

    قال: (والأفضل لغيرهم المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره).

    يعني: لو كان هذا المسجد إذا جاء زيد من الناس أقيمت الجماعة، وإذا تخلف زيد عن الصلاة في هذا المسجد فإن الجماعة لا تقام فيه، فنقول: بالنسبة لزيد الأصل أن يصلي في هذا المسجد؛ لأنه يحصل بذلك عمارة المسجد واجتماع الناس، فإذا كانت الجماعة لا تقام إلا بحضور هذا الشخص كأن يكون مسؤولاً، أو له رتبة دينية، أو دنيوية، فإذا جاء حصلت عمارة هذا المسجد فنقول: الأصل أن يصلي في هذا المسجد لما يحصل به من عمارة المسجد واجتماع الناس، وتحصيل الجماعة.

    قال: (ثم ما كان أكثر جماعة، ثم المسجد العتيق).

    يقول المؤلف رحمه الله: إذا كان الشخص حضوره في هذا المسجد وعدم حضوره فيه سواء، يعني: الجماعة مقامة في هذا المسجد فأي المساجد أفضل؟

    أفضل المساجد ما كان أكثر جماعة، فأنت تتلمس الأكثر جماعة؛ ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل )، رواه ابن حبان وصححه، وكذلك أيضاً أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد وغيرهم، وصححه ابن حبان رحمه الله.

    وهذه المسألة خالف فيها الماتن المذهب، فأهل المذهب يفضلون المسجد العتيق القديم، يعني: إذا كان عندنا مسجدان، هذا أكثر جماعة, وهذا عتيق قديم، يقولون: الأفضل أن تصلي في العتيق؛ لوجود أثر الطاعة؛ لأن الطاعة فيه أسبق، وهذا هو المشهور من المذهب.

    والأقرب في ذلك أن يقال: إن المسلم يصلي بما حوله من المساجد، وقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإن كان فيه ضعف: ( ليصلِ أحدكم في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره )، فنقول: الأفضل أن تصلي فيما حولك من المساجد؛ لأنك إذا صليت فيما حولك من المساجد حصل بذلك تأليف الإمام على المسجد، وكذلك أيضاً لا يظن بالمسلم ظناً سيئاً أنه لا يشهد الجماعة ونحو ذلك، ويحصل بذلك تشجيع الجيران, وإزالة الوحشة، وإذا تساوت المساجد فالأفضل أن تصلي في المسجد الأكثر جماعة، ثم بعد ذلك المسجد العتيق.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأبعد أولى من أقرب).

    يعني: أبعد المسجدين أولى من أقربهما، وعلى هذا تبدأ بالأبعد وإن كان أقل جماعة، وإن كان جديداً ثم بعد ذلك الأكثر جماعة، ثم بعد ذلك العتيق، فالترتيب هكذا على كلام المؤلف وعلى المذهب تبدأ بالأبعد، ثم بعد ذلك العتيق، ثم بعد ذلك الأكثر جماعة.

    وقلنا الأفضل للمسلم أن يصلي فيما حوله من المساجد، ثم إذا صلى فيما حوله من المساجد تكون المرتبة الثانية الأكثر جماعة، ثم بعد ذلك العتيق، هذا الذي يظهر والله أعلم.

    وأما كون المسجد بعيداً فهذا ليس المقصود شرعاً أن تتكلف وتذهب إلى المسجد البعيد، صحيح أن البعيد فيه فضل عند الله عز وجل، ولكن ليس المقصود أنك تتكلف وتذهب إلى المسجد البعيد، لكن لو فرض أنه بعيد فنقول: هذا فيه فضل عند الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا خرج إلى المسجد لا يخطو خطوة إلا رفع بها درجة, وكتب له بها حسنة، ومحي عنه بها سيئة، وهذا فضل عظيم, وأجر كبير عند الله عز وجل.

    فالخلاصة في ذلك أن نقول: الأفضل أن تصلي فيما حولك من المساجد، ثم بعد ذلك الأكثر جماعة، ثم بعد ذلك العتيق، وأما البعد فكون الإنسان يتقصد البعيد لكي يصلي فيه دون أن يكون هناك مزية شرعية فهذا فيه نظر؛ لأن الفضل الوارد في البعيد إنما هو إذا كان الواقع يقتضي ذلك، أي: ليس عندك إلا هذا المسجد البعيد، فأنت إذا ذهبت إليه أنت على فضل عظيم، لكن إذا كان له مزية شرعية فهنا نأتي إلى المزية الشرعية.

    وقد ذكر بعض العلماء قاعدة: هي أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمانها أو مكانها، وعلى هذا إذا كان البعيد فيه فضل إما لحصول الخشوع فيه ونحو ذلك، فنقول: ذهابه إلى هذا البعيد يقدم.