إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [19]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تستحب صلاة الليل مثنى مثنى، ولو زاد المصلي جاز مع الكراهة لكن بشرط أن ينوي الزيادة قبل تكبيرة الإحرام، وصلاة المتنفل قاعداً لغير عذر على النصف من أجر صلاة القائم. أما صلاة الضحى فمستحبة مطلقاً، كما يستحب سجود التلاوة وسجود الشكر.

    1.   

    آداب قيام الليل

    قال المؤلف رحمه الله: [ وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى، وإن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس، وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم، وتسن صلاة الضحى، وأقلها ركعتان، وأكثرها ثمان، ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال، وسجود التلاوة صلاة يسن للقارئ والمستمع دون السامع، وإن لم يسجد القارئ لم يسجد, وهو أربع عشرة سجدة في الحج منها اثنتان، ويكبر إذا سجد وإذا رفع، ويجلس ويسلم ولا يتشهد، ويكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر، وسجوده فيها، ويلزم المأموم متابعته في غيرها، ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم، وتبطل به صلاة غير جاهل وناس وأوقات النهي خمسة: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح].

    تقدم لنا شيء من مباحث صلاة التطوع، وذكرنا شيئاً من مباحث صلاة الوتر، ثم بعد ذلك تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن السنن الرواتب، وذكرنا عددها ووقتها، وأي السنن آكد، وأن آكد السنن ركعة الفجر، ثم بعد ذلك ركعة المغرب، ثم بعد ذلك هن سواء. وذكرنا أيضاً أن ركعة الفجر لها سنن تختص بها، ثم بعد ذلك ذكرنا من مباحث السنن الرواتب هل يشرع قضاؤها أو لا يشرع قضاؤها؟

    ثم شرع المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بصلاة الليل، وذكر أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، وذكرنا أن هذا في التطوع المطلق، أما التطوع المقيد فكل تطوع مقيد بحسبه، وقول المؤلف رحمه الله: (صلاة الليل أفضل من صلاة النهار) هذا دليله ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل ).

    وقوله: (وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه) ذكرنا أن هذا هو قيام داود عليه الصلاة والسلام، وهو الذي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو إليه، ( وكان عبد الله يقوم الليل كله، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام داود، وأن داود عليه الصلاة والسلام كان ينام نصف الليل, ويقوم ثلثه, وينام سدسه ).

    صلاة الليل لها آداب ولها سنن، ينبغي لمن قام الليل أن يعنى بهذه الآداب وهذه السنن، فمن ذلك أن يعنى بالأذكار الواردة عند القيام من الليل، وأن يمسح وجهه إذا قام من الليل، وأن يقرأ الآيات العشر من آخر سورة آل عمران، وأن ينوي قيام الليل، إذ أنه إذا نوى ولم يقم يكتب له الأجر عند الله عز وجل، ومن ذلك أن يتهيأ لقيام الليل، وأن يتخذ الأسباب التي تعينه على قيام الليل, وفي حديث عائشة أنها ذكرت: ( أنهم كانوا يعدون للنبي صلى الله عليه وسلم السواك والطهور )، يعني: الماء الذي يتوضأ به، والسواك الذي يستاك به كل ذلك استعداداً لقيام الليل.

    ومن السنن: إذا استيقظ من نومه يستحب له أن يشوص فاه بالسواك، كما جاء في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، وأن يغسل يديه ثلاثاً؛ كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأن يستنشق الماء بمنخريه ثلاث مرات، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأن يفتتح قيام الليل بركعتين خفيفتين، ومن السنن أيضاً أن يعنى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، وأن يطيل القيام والقراءة، ومن ذلك ما جاء في حديث حذيفة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مر بآية وعد إلا سأل، ولا مر بآية وعيد إلا استعاذ، ولا مر بآية استغفار إلا استغفر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ مترسلاً ).

    ومن السنن أيضاً أن يعنى بالاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كاستفتاح ابن عباس وعلي وعائشة رضي الله تعالى عن الجميع.

    1.   

    كيفية صلاة نافلة الليل والنهار

    ومن ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله قال: (وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى).

    قوله: (مثنى مثنى) بمعنى اثنتين اثنتين، أما صلاة الليل فهي مثنى مثنى، دل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، وأما صلاة النهار فيقول المؤلف رحمه الله بأنها مثنى مثنى؛ ويستدل لذلك بما جاء في السنن من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ) بزيادة والنهار، وهذه الزيادة ليست في الصحيحين لكنها في السنن، وهذه الزيادة هل هي ثابتة أو ليست ثابتة؟

    اختلف فيها العلماء رحمهم الله تعالى، وأنكرها كثير من الأئمة والحفاظ، وحكموا على أن الراوي غلط فيها وأخطأ, وممن أنكرها الإمام أحمد رحمه الله ويحيى بن معين والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم وغيرهم.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، هذه المسألة لها أحوال:

    الحالة الأولى: أن ينوي في الليل عند تكبيرة الإحرام أن يصلي ركعتين، فإذا قام إلى ثالثة قال الإمام أحمد رحمه الله: كما لو قام إلى ثالثة في الفجر.

    وبهذا نفهم ما يقع فيه بعض الأئمة من الغلط في صلاة التراويح، نجد أنه يصلي ثم بعد ذلك يقوم إلى ثالثة، وهو قد نوى أن يصلي ركعتين فيجب عليه أنه يرجع، وبعض الأئمة لا يرجع بل يأتي بأربع وهذا خطأ، وبعض الأئمة يضيف إلى ذلك خطأ آخر، وهو أنه ينوي أنها وتر، وهذا خطأ أيضاً، بل الواجب إذا قام إلى ثالثة، وقد نوى أن يصلي ركعتين يجب عليه أن يرجع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الليل مثنى مثنى ).

    الحالة الثانية: أن ينوي الزيادة على الركعتين في الليل، يعني: عند تكبيرة الإحرام في الليل نوى أن يصلي أربع ركعات، أو نوى أن يصلي ست ركعات، أي أنه نوى الزيادة على ركعتين، بخلاف الحالة الأولى ما نوى الزيادة وإنما نوى ركعتين، فيقول العلماء رحمهم الله بأن هذا جائز ولا بأس به لكن مع الكراهة؛ ويستدلون على الجواز بأن النبي صلى الله عليه وسلم زاد في الوتر على أكثر من ركعتين، كما تقدم لنا أنه إذا أراد أن يوتر بتسع أو بسبع أو بخمس سردها سرداً، وأيضاً في الثلاث له أن يسردها سرداً.

    والأقرب في ذلك أن يصلي في الليل مثنى مثنى ولا يزيد على ركعتين حتى ولو نوى، هذا الأقرب والله أعلم، والزيادة أكثر من ثنتين إنما ورد في الوتر، وأما ما عدا الوتر فإنه يصلي مثنى مثنى، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم.

    فتلخص عندنا في صلاة الليل أنه إن نوى ركعتين فلا يجوز له أن يزيد، وإن نوى أن يزيد على اثنتين كأن يصلي أربعاً أو ستاً فهذا جائز لكن مع الكراهة، والأقرب في ذلك ألا يزيد على ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى ).

    الحالة الثالثة: إذا قام إلى خامسة في النهار فما قلناه في الليل نقوله في النهار، لكن في النهار لك إلى أربع، وفي الليل لك إلى اثنتين؛ لأنهم في النهار يقولون: لا بأس أن تصلي أربع ركعات، فلا بأس أن تزيد إلى أربع ركعات سرداً في النهار، فإذا نويت أن تصلي أربعاً، ثم قمت إلى خامسة في النهار وقد نويت أن تصلي أربعاً، فكما لو قمت إلى خامسة في الظهر فيجب عليك أن ترجع.

    الحالة الرابعة: إذا أردت أن تزيد على أربع في النهار، فيقولون: بأن هذا جائز مع الكراهة، فلك أن تصلي ستاً وثمانياً لكن لا بد من النية، يعني: إذا نويت عند تكبيرة الإحرام أن تصلي ستاً نهاراً سرداً فلا بأس، أو أن تصلي ثماني ركعات نهاراً سرداً فلا بأس، لكن يقولون مع الكراهة، أما إذا لم تنو أن تزيد على أربع فليس لك إلا أربع، فإذا نويت أربعاً ثم قمت إلى خامسة فكما لو قمت إلى خامسة في الظهر.

    والأقرب في ذلك أن نقول: ما دام أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة إلى أربع، نقول: يقتصر في النهار سرداً إلى أربع، كما أنه يقتصر في الليل سرداً إلى ثنتين إلا الوتر، فالوتر كما تقدم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس).

    وجاء في ذلك حديث أبي أيوب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعاً لا يفصل بينهن بتسليم ) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده ضعيف، لكنه له شاهد من حديث عائشة ، وعلي رضي الله تعالى عنهم.

    وعلى هذا نقول: لا بأس أن يتطوع بأربع، لكن لو نوى أربعاً وقام إلى خامسة فيجب أن يرجع، ولو نوى أن يصلي ستاً نقول: هذا جائز ما دام أنه نوى عند تكبيرة الإحرام أن يصلي ستاً مع الكراهة، أو صلى ثماني ركعات نقول بأن هذا جائز مع الكراهة.

    وقوله: (كالظهر), يعني: يصلي أربع ركعات بتشهدين، يقول المؤلف رحمه الله: (فلا بأس)، وهذا فيه نظر، والصحيح أنه إذا أراد أن يسرد فإنه يسردها بتشهد واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإيتار بثلاث ركعات كي لا تشبه صلاة المغرب.

    ولهذا نقول: لو صلى وتراً ثلاث ركعات بتشهدين فهذا مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وهنا أيضاً: لو صلى الضحى أربع ركعات بتشهدين تشبه صلاة الظهر، فنقول: بأنه مكروه، وعلى هذا إذا أراد أن يسرد أربعاً نهاراً، نقول: يسردها بتشهد واحد وسلام واحد.

    1.   

    صلاة القاعد في النوافل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم).

    إذا صلى قائماً فله حالتان، يعني: المتطوع يجوز له أن يصلي قاعداً، لكن إذا صلى قاعداً نقول بأن له حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون معذوراً كمرض ونحو ذلك، فهذا له الأجر كاملاً، ما دام أنه يصلي قائماً في حال الصحة قبل العذر، وفي حديث أبي موسى في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ).

    فنقول: إنسان يصلي السنن، ويصلي قيام الليل، والوتر، يصلي كل ذلك قائماً، لكنه في مرضه صلى جالساً، نقول: يكتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً، وهذه فائدة المحافظة على التطوعات أو السنن إذا حصل لك عذر من مرض أو سفر أنه يكتب لك كأنك تعملها في حالة الإقامة والصحة.

    الحالة الثانية: أن يصلي جالساً بلا عذر؛ فهذا كما جاء في حديث عمران رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى قاعداً فله أجر نصف القائم )، وإذا صلى مضطجعاً فله نصف أجر القاعد.

    ما هي كيفية الصلاة إذا صلى قاعداً؟

    نقول: أن البدل له حكم المبدل، فكأنك تصلي قائماً، ترفع يديك عند تكبيرة الإحرام، وتضع اليمنى على اليسرى على صدرك، وترفع عند الركوع، وتفترش في مواضع الافتراش، وتتورك في مواضع التورك, إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى يقولون بالنسبة للجلوس في حال القيام: يجلس متربعاً، والتربع أن تفضي بمقعدك على الأرض, وترد رجلك اليمنى على الفخذ اليسرى، والرجل اليسرى على الفخذ اليمنى، يعني: في حال القيام تجلس متربعاً، هذا يكون الأفضل، وإن جلست على أي جلسة فهو جائز، ولكن الأفضل أن تجلس متربعاً.

    ويدل لذلك حديث عائشة قالت: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً ), وأما السجود فإنه يسجد سجوداً تاماً، وأما الركوع فإنه يومئ بحيث يقابل وجهه الأرض، سيأتينا إن شاء الله زيادة لهذا في باب صلاة المريض، لكن المهم هنا أن نفهم أن البدل له حكم المبدل، وأنه يفترش ويتورك، ويضع يديه ويأتي بالسنن, ويسجد سجوداً تاماً، ويومئ بالركوع، وأما في حال القيام فالعلماء يقولون: يجلس متربعاً؛ لحديث عائشة في النسائي ، ولو جلس غير هذه الجلسة فإن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    صلاة الضحى

    حكم صلاة الضحى

    قال رحمه الله: (وتسن صلاة الضحى).

    الضحى من التطوعات المؤكدة، وصلاة مضاف، والضحى مضاف إليه، وهذا من باب إضافة الشيء إلى وقته، يعني: الصلاة التي تشرع في وقت الضحى.

    وصلاة الضحى تحتها مباحث، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن صلاة الضحى مشروعة دائماً، وهذا قال به كثير من العلماء حتى نسب إلى جمهور العلماء، والمشهور من المذهب أن صلاة الضحى لا تشرع دائماً، يعني: يفعلها في بعض الأوقات ويتركها في بعض الأوقات، يعني: تفعل غباً.

    واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها ، ويدعها حتى نقول: لا يصليها )، لكن هذا الحديث ضعيف، أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، وإسناده فيه عطية بن سعيد العوفي ، وهو ضعيف.

    والرأي الثالث: أن صلاة الضحى تشرع إذا وجد سبب من الأسباب، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله، كما لو زار شخصاً كما في قصة عتبان رضي الله تعالى عنه لما زاره النبي صلى الله عليه وسلم وصلى في بيته، وكذلك أيضاً كما لو قدم من سفر ونحو ذلك.

    الرأي الرابع: أن صلاة الضحى تشرع لمن لم يقم الليل، فإذا لم يقم الليل تشرع له صلاة الضحى، وهذا ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    الرأي الخامس والأخير وهو أضعفها: أن صلاة الضحى بدعة، وهذا ذهب إليه بعض السلف، ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ( وقد قيل لـابن عمر : أتصلي الضحى؟ فقال: لا، فقيل: عمر ؟ قال: لا، قيل: أبو بكر ؟ قال: لا. قيل: النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا إخاله ). يعني: لا أظنه، وهذا رواه البخاري .

    وكذلك أيضاً ورد عن عائشة أنها قالت: ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الضحى وإني لأسبحها )، وهذا أيضاً في البخاري .

    والصحيح في ذلك ما ذهب إليه أكثر أهل العلم أن صلاة الضحى مستحبة كل يوم؛ ويدل لذلك حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يصبح على كل سلامى )، السلامى هي المفصل من مفاصل الإنسان، ( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى )، قال: يجزئ من ذلك ركعتان مع أنه قال: يصبح كل صباح وأنت مأمور أن تتصدق بستين وثلاثمائة صدقة شكراً لله عز وجل على نعمة مفاصلك، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الصدقة: تكبر، تهلل، تحمد، تسبح، تأمر بالمعروف وتنهى عن منكر، يجزئ من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى.

    ولهذا قال ابن عبد البر رحمه الله: هذا الحديث أبلغ حديث في فضل صلاة الضحى، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [النور:36] رِجَالٌ [النور:37]، قال: صلاة الضحى في كتاب الله، ولا يغوص عليها إلا غواص، ثم قرأ هذه الآية. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضحى الصحابة رضي الله تعالى عنهم, أمر بها أبا هريرة ، وأمر بها أبا الدرداء , وأمر بها أبا ذر ، كل هؤلاء الصحابة أوصاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث، ومن هذه الثلاث قال: ( وركعتي الضحى ).

    عدد ركعات صلاة الضحى

    قال: (وأقلها ركعتان).

    وهذا كما تقدم لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا هريرة بركعتي الضحى، قال: ( أوصاني خليلي بثلاث، ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام )، ومثل أيضاً حديث أبي ذر وحديث أبي الدرداء .

    قوله: (وأكثرها ثمان).

    أي: أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات؛ واستدلوا على ذلك بحديث أم هانئ : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عام الفتح ثمان ركعات سبحة الضحى ) وهو في الصحيحين.

    والرأي الثاني: أنه لا حد لأكثرها؛ ويدل لذلك حديث عائشة في مسلم أنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله ).

    فقولها: يزيد ما شاء الله يدل على أنه لا حد لأكثرها، إذا قلنا بأنها محددة بثمان كما ذكر المؤلف رحمه الله أصبح ما زاد على الثمان تطوعاً مطلقاً، وإذا قلنا بأنها ليست محددة بثمان أصبح ما زاد على الثمان تطوعاً مقيداً، وفرق بين المطلق وبين المقيد، فالمقيد أفضل من المطلق، والصحيح أنها لا تقيد.

    وقت صلاة الضحى

    قال المؤلف رحمه الله: (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال).

    ووقت صلاة الضحى يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح يعني: قدر رمح في الأفق، وقدر الرمح: ما يقرب من مترين، يعني: أنت إذا رأيت الشمس ارتفعت عن الأفق بما يقرب من مترين في مرأى العين، وإلا هي ارتفعت آلاف الأمتار، خرج وقت النهي، ودخل وقت صلاة الضحى، والاستسقاء، والعيدين إلى آخره، ويقدر بالدقائق بما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة بعد طلوع الشمس.

    ويستمر وقتها إلى قبيل الزوال، يعني: إلى قبل أن تزول الشمس بمقدار ثنتي عشرة دقيقة، يعني: إذا قلنا بأن أذان الظهر يكون عند الزوال، فقبل أذان الظهر بثنتي عشرة دقيقة ينتهي وقت صلاة الضحى، هذا وقت أدائها، وأما وقت استحباب الأداء فعند اشتداد الحر، يعني: قرب الزوال؛ لحديث زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال )، والفصيل ولد الناقة، ومعنى ترمض الفصال يعني: تبول على أخفافها من شدة الحر.

    1.   

    سجود التلاوة

    قال رحمه الله تعالى: (وسجود التلاوة صلاة).

    سجود التلاوة من إضافة الشيء إلى سببه، بمعنى: السجود الذي سببه تلاوة القرآن، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (سجود التلاوة صلاة)، وسجود التلاوة تحته مباحث:

    المبحث الأول كما ذكر المؤلف رحمه الله: بأن سجود التلاوة صلاة، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي ابن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن سجود التلاوة ليس صلاة، وإنما هو سجدة مجردة؛ لأنه إذا قلنا بأنه صلاة فستترتب عليه مسائل كثيرة، فلا بد فيها من شروط الصلاة، أي لا بد من استقبال القبلة، وستر العورة، ورفع الحدث، وإزالة الخبث.. إلى آخر.

    أيضاً يقولون: له أركان، وله شروط، وأركانه: السجود على الأعضاء السبعة، والتسليمة الأولى، والرفع من السجود، وواجباته: تكبيرة السجود، وتكبيرة الرفع، والتسليمة الثانية. فهم يقولون: تكبيرة السجود، وتكبيرة الانتقال، وقول: سبحان ربي الأعلى إلى آخره، فهم على القول بأنه صلاة يرتبون عليه أحكاماً، فلا بد من شروط الصلاة, وأيضاً له أركان، وواجبات.. إلى آخره.

    ودليلهم على أنه صلاة ما ورد أن ابن عمر قال: لا يسجد الرجل إلا وهو متوضئ أو وهو طاهر، وهذا رواه البيهقي وإسناده صحيح.

    وأصحاب الرأي الثاني أنه سجدة مجردة دليلهم على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث عبادة : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة القرآن ) فدل ذلك على أن الصلاة لا بد فيها من فاتحة القرآن، وسجود التلاوة -بالإجماع- الفاتحة لا تقرأ فيها، وأيضاً حديث علي : ( تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم )، هذا ضابط الصلاة التي تسمى صلاة شرعاً وكما ذكر ابن القيم رحمه الله: هي التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، ولم يثبت في سجود التلاوة أنها تفتتح بالتكبير أو تختتم بالتسليم، مع أنه ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسجد على غير وضوء كما علقه البخاري بصيغة الجزم.

    والصحيح أن سجود التلاوة ليس صلاة.

    1.   

    سجود الشكر

    قال رحمه الله: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم).

    سجدة الشكر من إضافة الشيء إلى سببه، يعني: السجدة التي سببها شكر الله عز وجل، واندفاع النقم وتجدد النعم، وما يتعلق بالنعم، وهي تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نعم دائمة، فهذه لا يشرع لها السجود، ولو قلنا بأن السجود مشروع لاستغرق عمر الإنسان؛ لأن الإيمان هو أعظم النعم، وكذا الصحة، ونعم الله عز وجل على العبد كثيرة.

    القسم الثاني: النعم الطارئة الحادثة، وهذه هي التي يشرع لها السجود، فإذا حصل للإنسان نعمة كأن ولد له ولد، أو اندفعت عنه نقمة كأن سلم ماله الغائب، أو شفاه الله عز وجل من مرض أو نحو ذلك, فهنا يشرع له أن يسجد سجود الشكر، ويدل لذلك حديث أبي بكرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسر به خر لله ساجداً )، وهذا رواه أبو داود وغيره.

    وكذلك أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه إسلام همدان خر لله عز وجل ساجداً، وكذلك أيضاً علي رضي الله تعالى عنه لما جاءه خبر مقتل ذي الثدية من الخوارج سجد لله عز وجل، وأبو بكر لما جاءه خبر مقتل مسيلمة سجد لله عز وجل.

    قوله: (وتبطل به صلاة غير جاهل وناس).

    يعني: لو أنه سجد في الصلاة سجود الشكر بطلت صلاته؛ لأنه زاد في الصلاة، لكن إذا كان جاهلاً أو ناسياً فإن صلاته لا تبطل لما تقدم أن المنهيات لا بد لها من شروط ثلاثة: الذكر, والاختيار, والعلم.

    أيضاً يقولون بأن سجود الشكر كسجود التلاوة تماماً، يعني: أن له أركاناً، وله واجبات، وله شروطاً إلى آخره، وتقدم لنا أن سجود التلاوة سجدة مجردة، فكذلك أيضاً نقول في سجود الشكر: إنه سجدة مجردة.

    1.   

    أوقات النهي عن الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأوقات النهي خمسة: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس).

    أوقات النهي يعني: الأوقات التي ينهى فيها عن التطوع المطلق خمسة أوقات، والحكمة من النهي عن التطوع في هذه الأوقات هي تنشيط النفس على العبادة؛ لأن الإنسان إذا كان يستغرق وقته بالتطوع إلى آخره قد يحصل له شيء من الفتور, لكن لو منع من أن يتطوع في هذا الوقت، ثم أذن له، يحصل له شيء من النشاط والحيوية، وأيضاً إحياء العبادة.

    والوقت الأول من أوقات النهي يبدأ من طلوع الفجر الثاني، وهذا ما عليه الإمام أحمد رحمه الله وأبو حنيفة.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي أنه يبدأ من بعد الصلاة.

    والرأي الأول هو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله والعبرة بطلوع الفجر وليس بالصلاة؛ واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر ) أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، واحتج به الإمام أحمد وحسنه كثير من العلماء رحمهم الله.

    أما بالنسبة للشافعية فالعبرة بالفعل واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاة الفجر ) فعلق الأمر بالصلاة قال: لا صلاة بعد صلاة الفجر.

    وعلى كل حال هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا طلع الفجر لم يكن يصلي إلا ركعتين خفيفتين، وما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ركعتي الفجر كما في حديث عائشة وحفصة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتين خفيفتين)، هما ركعتا الفجر، وما عدا ذلك لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (إلى طلوع الشمس).

    يعني: يستمر هذا الوقت إلى طلوع الشمس؛ ويدل لذلك حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس ).

    قال: (ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح).

    الوقت الثاني: من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قدر رمح، وكما ذكرنا أن قدر الرمح هو ما يقرب من مترين، ويقدر في مثل هذه البلاد بثنتي عشرة دقيقة، فالوقت الثاني وقت مغلظ أي: من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح، يعني: ما يقرب من ثنتي عشرة دقيقة.