إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر الصلاة باطلة بترك ركعة أو واجب عمداً، ومما تجبر به الصلاة سجود السهو، وله ثلاثة أسباب: الزيادة والنقص والشك، والزيادة تنقسم إلى أقوال وأفعال، والنقصان قد يكون بنقص ركعة أو ركن أو واجب.

    1.   

    واجبات الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [وواجباتها: التكبير غير التحريمة، والتسميع والتحميد، وتسبيحتا الركوع والسجود، وسؤال المغفرة مرة مرة، ويسن ثلاثاً، والتشهد الأول، وجلسته، وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة، فمن ترك شرطاً لغير عذر غير النية فإنها لا تسقط بحال، أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته بخلاف الباقي، وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال لا يشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس.

    باب سجود السهو: يشرع لزيادة ونقص وشك، لا في عمد في الفرض والنافلة، فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت، وسهواً يسجد له، وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد، وإن علم فيها جلس في الحال فيتشهد إن لم يكن تشهد، وسجد وسلم، وإن سبح به ثقتان فأصر ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً لا جاهلاً أو ناسياً ولا من فارقه، وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه، ولا يشرع ليسيره سجود، ولا تبطل بيسير أكل وشرب سهواً أو جهلا، ولا نفل بيسير شرب عمداً، وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود وقعود وتشهد في قيام وقراءة سورة في الأخيرتين لم تبطل، ولم يجب له سجود بل يشرع، وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت، وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد، فإن طال الفصل أو تكلم لغير مصلحتها بطلت ككلامه في صلبها ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل].

    تقدم لنا في الدرس السابق ما يتعلق بأركان الصلاة، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأركان، وذكرنا ما يتعلق بها من أدلة، وتقدم لنا تعريف الركن، وأن الركن لا يسقط لا في العمد ولا في السهو، ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان واجبات الصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله: (وواجباتها التكبير).

    واجبات الصلاة على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى ثمانية كما سيأتي إن شاء الله، وعند جمهور العلماء أن هذه الثمانية ليست من قبيل الواجبات وإنما هي من قبيل السنن، ولكل منهم دليل.

    واستدل الحنابلة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ببعض هذه الواجبات، والأصل في الأمر الوجوب، ومن ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به, فإذا كبر فكبروا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد ) رواه البخاري ، الشاهد قوله: ( إذا كبر فكبروا )، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فيدل ذلك على وجوب تكبيرات الانتقال.

    وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد ) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، واستدلوا بحديث عقبة بن عامر : ( أنه لما نزل قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم )، وهذا أمر، ( ولما نزل قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم )، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. وبعض أهل العلم يثبت هذا الحديث، وبعضهم لا يثبته.

    واستدلوا بحديث حذيفة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى من الليل وسجد جلس بين السجدتين, وجعل يقول: رب اغفر لي.. رب اغفر لي ) إلى آخره.

    واستدلوا على ذلك بحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التكبير والتسبيح وقراءة القرآن )، فحصر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بهذه الأمور: بالتكبير والتسبيح وقراءة القرآن.

    الجمهور قالوا بأن هذه الثمانية ليست واجبة، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها الذي لم يحسن صلاته فدل ذلك على أنها غير واجبة، والجواب عن هذا من أمرين:

    الأمر الأول: يقال بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علمه الأشياء التي أخل بها في صلاته.

    الأمر الثاني: أنه لا يسلم، فإنه جاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه تكبيرات الانتقال.

    وعلى هذا فالأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى، ويستدل الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قام عن التشهد الأول، ولو كان واجباً لرجع إليه، مما يدل على أنه ليس واجباً.

    لكن الجواب عن هذا سهل: نقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم جبره بسجود السهو، ولو كان مستحباً ما جبره بالسجود، بل كون النبي صلى الله عليه وسلم يجبره بالسجود فهذا يدل على أنه واجب.

    فالخلاصة في ذلك: أن هذه الثمانية على المشهور من المذهب أنها واجبة، وعند جمهور العلماء أنها ليست واجبة، وأنها من قبيل السنن، والصواب في ذلك وهو الأحوط ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (وواجباتها التكبير غير التحريمة).

    تكبيرات الانتقال واجبة، أما تكبيرة الإحرام فركن كما سلف، ويستثنى من ذلك المسبوق إذا جاء والإمام راكع فإنه يكتفي بتكبيرة واحدة، إذا كبر لإحرام كفاه ذلك عن تكبيرة الانتقال.

    قال المؤلف رحمه الله: (والتسميع).

    يعني: أن يقول الإمام والمنفرد سمع الله لمن حمده، فهذا واجب من واجبات الصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله: (والتحميد).

    أي: أن يقول المأموم: ربنا ولك الحمد.

    وبالنسبة للتسميع والتحميد المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الإمام والمنفرد كل منهما يجمع بين التسميع والتحميد، فالإمام يقول: سمع لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكذلك المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، أما بالنسبة للمأموم فإنه يقتصر على التحميد، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وكذلك أيضاً المشهور.

    الرأي الثاني: رأي مالك والشافعي : أن كل مصل يجمع بين التسميع والتحميد، فالإمام يجمع بينهما، والمأموم يجمع بينهما، وكذلك المنفرد يجمع بينهما, ولكل منهم دليل.

    أما الذين قالوا بأنه يجمع, فبالنسبة لجمع الإمام والمنفرد بينهما هذا يتفق عليه أحمد ومالك والشافعي ، لكنهم يختلفون في المأموم، فالحنابلة يقولون بأن المأموم يقتصر على التحميد، ومالك والشافعي يقولان بأن المأموم يجمع بين التسميع والتحميد.

    واستدل الحنابلة بما تقدم من حديث أنس : ( وإذا قال: سمع الله لمن حمده, فقولوا: ربنا ولك الحمد )، ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فقولوا ربنا ولك الحمد ) أن المأموم يقتصر على التحميد ولا يأتي بالتسميع.

    وأما الذين قالوا بأنه يجمع بينهما فاستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين التسميع والتحميد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) والحنابلة يقولون: نعم، يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يستثنى من ذلك المأموم؛ لأن ظاهر حديث أنس : ( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد ) أمر بقول: ربنا ولك الحمد، فيفهم منه أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.

    قال المؤلف رحمه الله: (وتسبيحتا الركوع والسجود).

    الواجب أن يسبح تسبيحة واحدة في ركوعه وفي سجوده، وتقدم الكلام على هذه المسألة في صفة الصلاة، وذكرنا مقدار ما يسبحه الإمام, وما يسبحه المأموم، وما يسبحه المنفرد، وما أدنى الكمال، وتسبيحة الركوع والسجود -كما أسلفنا- عند الحنابلة أن هاتين التسبيحتين من قبيل الواجبات، وعند جمهور العلماء من قبيل السنن؛ ودليل ذلك كما تقدم حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه.

    قال المؤلف رحمه الله: (وسؤال المغفرة مرة مرة).

    يعني: أن يقول بين السجدتين: رب اغفر لي؛ ويدل لذلك حديث حذيفة ، وسبق الخلاف في هذه المسألة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويسن ثلاثاً).

    تقدم الكلام على هذه المسألة في صفة الصلاة، وذكرنا قدر ما يسبحه المنفرد، وقدر ما يسبحه المأموم، وقدر ما يسبحه الإمام.

    قال المؤلف رحمه الله: (والتشهد الأول وجلسته).

    التشهد الأول وجلسته من الواجبات؛ ويدل لذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام به كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومما يدل على أنه واجب ما سلف أن أشرنا إليه من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام عن التشهد الأول جبره بسجود السهو.

    قال المؤلف رحمه الله: (وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة).

    يقول: ما عدا ما سبق من شروط الصلاة وأركان الصلاة وواجبات الصلاة سنن.

    1.   

    ترك شرط من شروط الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (فمن ترك شرطاً لغير عذر غير النية فإنها لا تسقط بحال).

    لأن النية من عمل القلب، وعمل القلب لا يمكن رده ومنعه، فهو مقدور عليه، لا يمكن العجز عنه، كون الإنسان ينوي أو لا ينوي هذا ليس داخلاً في الاستطاعة، كل يستطيع أن ينوي ويقصد.

    قال: (لغير عذر)، أما إذا كان هناك عذر فالشروط تسقط بالعذر، فلو أن رجلاً لم يجد ماء يتوضأ به ولا صعيداً يتيمم عليه فإنه يسقط عليه ذلك، ويصلي على حسب حاله، ولو لم يجد ثوباً يستر عورته فإنه يسقط عنه الستر وهكذا.

    1.   

    ترك ركن من أركان الصلاة أو واجب من واجباتها

    قال المؤلف رحمه الله: (أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته).

    إذا تعمد ترك ركن أو واجب فإن صلاته تبطل، والركن والواجب يتفقان في أن كلاً منهما مأمور به، وأنه واجب، لكنهما يختلفان في:

    أولاً: الركن أشد وجوباً من الواجب.

    ثانياً: أن الركن لا بد أن يأتي به المصلي، فلا يسقط في حال السهو، أما الواجب فإنه يسقط بالسهو، ويجبر بسجود السهو.

    1.   

    حكم ترك سنة من سنن الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (بخلاف الباقي، وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال).

    ما عدا ما ذكر المؤلف وهي تسعة شروط، والأركان أربعة عشر ركناً، والواجبات ثمانية، فما عدا ذلك سنن، وهي قولية وفعلية مثل رفع الأيدي في تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، ومثل التورك، والافتراش، وتحريك الإصبع في التشهد، والاستفتاحات إلى آخره.

    قال المؤلف رحمه الله: (لا يشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس).

    يعني: إذا ترك سنة من هذه السنن فسجود السهو مباح، مثال ذلك: رجل نسي أن يستفتح، فإنه يباح له أن يسجد للسهو، ولا يسن له أن يسجد، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني: أنه يسن له أن يسجد إذا كان من عادته أن يأتي به، مثلاً من عادته أن يأتي بالاستفتاح، ثم بعد ذلك نسي، فإنه يسن له أن يسجد جبراً لهذا الخلل الذي حصل في صلاته، وهذا هو الأقرب والله أعلم، أما إذا كانت هذه السنة ليس من عادته أن يأتي بها، أو أنه تارة يأتي بها وتارة لا يأتي بها إلى آخره، فإنه إذا نسيها لا يشرع السجود لها.

    وبقي مسألة قبل أن ننتقل إلى سجود السهو، وهي: ذكر المؤلف رحمه الله ما يتعلق بتكبيرات الانتقال، فما هو محل هذه التكبيرات؟ محل هذه التكبيرات حال الانتقال؛ لأنها ذكر الانتقال، فمثلاً القيام له ذكر خاص، والركوع له ذكر خاص، والانتقال بينهما هذا له ذكر خاص، ولهذا المشهور من المذهب لو أنه ابتدأ بذكر الانتقال في حال الركن المنتقل منه، أو أنه أكمله في الركن المنتقل إليه أنه ما تصح الصلاة، فلا بد أن تأتي بهذا الذكر في حال الانتقال.

    ومن هنا نعرف خطأ بعض الناس الذين يصلون، تجد أنه لا يكمل التكبير إلا وقد وصل إلى الركن، أو أنه يشرع في التكبير وهو في حال الركن، والحنابلة يشددون في هذه المسألة يقولون: ما تصح الصلاة، والمجد رحمه الله يقول بأن الصلاة تصح، لكن الإنسان عليه أن يحتاط، وليس بلازم أن تأتي بالذكر من أول بدء الانتقال، فلو أنه مثلاً: هوى إلى السجود وقبل السجود كبر كفى ذلك، المهم أن ينتهي من التكبير قبل أن يقع ساجداً، ومثله الركوع ومثله القيام إلى آخره.

    1.   

    سجود السهو

    قال المؤلف رحمه الله: (باب: سجود السهو).

    هذا هو الجابر الثاني من جوابر الصلاة: سجود السهو، تقدم لنا الجابر الأول وهو الأذكار التي تكون في دبر الصلاة، والجابر الثاني: سجود السهو، وهو نعمة من الله عز وجل؛ لأنه يجبر الخلل الذي يحصل في هذه الفريضة العظيمة.

    وسجود مضاف، والسهو مضاف إليه، وهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، بمعنى: السجود الذي سببه السهو؛ لأن السجود أنواع وله أسباب؛ منها: سجود السهو، ومنها سجود التلاوة، ومنها سجود الشكر، ومنها السجود المجرد، ومنها السجود الذي يكون في صلب الصلاة.

    والسهو هو: ذهول القلب عن معلوم، وهل هناك فرق بين السهو والنسيان؟ قال بعض العلماء: لا فرق بين السهو والنسيان وكلها من قبيل المترادف، وقال بعض العلماء: الساهي إذا ذكرته يتذكر، وأما الناسي فإنك إذا ذكرته لا يتذكر.

    ما يشرع له سجود السهو

    قال المؤلف رحمه الله: (يشرع لزيادة ونقص وشك لا في عمد).

    يشرع، يعني: أن سجود السهو تارة يجب وتارة يستحب، وتقدم عن المؤلف رحمه الله أنه في بعض الأحيان يباح.

    قال المؤلف: لزيادة أو نقص أو شك، هذه أسباب سجود السهو، أما العمد فلا؛ لأن السجود للسهو وليس للعمد، فإذا تعمد ترك شيء من الصلاة فلا يشرع له سجود السهو؛ ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سها أحدكم فليسجد ).

    قال المؤلف رحمه الله: (في الفرض والنافلة).

    لأن القاعدة عندنا أن ما ثبت في الفرض ثبت في النافلة إلا لدليل.

    1.   

    أقسام الزيادة في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت).

    الزيادة تنقسم إلى قسمين:

    زيادة أقوال، وزيادة أفعال، زيادة الأفعال أربعة أقسام، وزيادة الأقوال أربعة أقسام، فالأقسام ثمانية، نأخذها قسماً قسماً، وعلى هذا نقول الزيادة تنقسم إلى أقسام:

    زيادة فعل من جنس الصلاة

    القسم الأول: أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة، ومثل المؤلف فقال: قياماً, أو قعوداً, أو ركوعاً, أو سجوداً، فإذا زاد قياماً، أو قعوداً, أو ركوعاً، أو سجوداً عمداً بطلت صلاته بغير إشكال، وهذا ظاهر وليس الحديث عنه.

    قال المؤلف رحمه الله: (وسهواً يسجد له).

    فعندنا القسم الأول من أقسام الزيادة: أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة، فنقول بأنه يسجد له، وهذا السجود سيأتينا أنه على سبيل الوجوب؛ ويدل لذلك حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين )، رواه مسلم في صحيحه.

    زيادة ركعة في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد، وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد، وسجد وسلم).

    القسم الثاني: أن يزيد ركعة، فإذا زاد ركعة فإن علم بالزيادة في أثناء الركعة جلس في الحال وتشهد إن لم يكن تشهد وسجد للسهو وسلَّم؛ لأن هذه زائدة ولا يجوز له أن يستمر في هذه الركعة الزائدة، فإذا كان قائماً جلس في الحال، وإذا كان راكعاً نزل في الحال، وإذا كان ساجداً قام في الحال.

    وسيأتينا إن شاء الله متى يكون سجود السهو قبل السلام ومتى يكون بعده؟ وإن علم بالزيادة بعد نهاية الركعة فهذا أيضاً يتشهد إن لم يكن تشهد ويسجد للسهو، وإن كان قد تشهد فيبقى عليه سجود السهو.

    والمأموم إذا زاد الإمام فقام، أو ركع ركوعاً زائداً أو سجد بدلاً من أن يقوم فإنه لا يتابعه، والعلماء رحمهم الله يقولون: إذا مضى الإمام في موضع يجب عليه أن يرجع, أو رجع في موضع يجب عليه أن يمضي فلا يتابعه المأموم.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن سبح به ثقتان فأصر ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً لا جاهلاً أو ناسياً، ولا من فارقه).

    إذا سبح به ثقتان، أي: نبهه ثقتان بأنه زاد أو نقص ونحوهما بتسبيح أو غيره، وهنا عبر المؤلف رحمه الله بقوله: (ثقتان)، وهذا جيد وأحسن من تعبير بعض العلماء بقولهم: عدلان.

    ويؤخذ من كلام المؤلف أنه لا يرجع إلا إلى تنبيه ثقتين، وعلى هذا فلو نبهه ثقة واحد فإنه لا يرجع إليه، وهذا هو المشهور من المذهب؛ واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نبهه ذو اليدين، ومع ذلك لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه حتى راجع الصحابة، لما قال ذو اليدين للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! أنسيت أو قصرت الصلاة؟ ) لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه فقال: ( أحق ما يقول ذو اليدين؟ ).

    الرأي الثاني: أنه يكتفي بتنبيه ثقة واحد، وهذا اختاره ابن الجوزي رحمه الله تعالى؛ لأن استقراء الشريعة أنه يرجع إلى خبر الواحد؛ ويدل لذلك: الرجوع إلى خبر الواحد برؤية هلال رمضان كما في حديث ابن عمر : ( تراءى الناس الهلال، فرأيته وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام )، وأما قصة ذي اليدين فقالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم شك في كلام ذي اليدين ، ولهذا لم يرجع إليه؛ لأن الصحابة كانوا موجودين، فحصل للنبي صلى الله عليه وسلم شك في خبره، فاستوثق من بقية الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا القول هو الأقرب، وأنه يكتفى بثقة واحد.

    والإمام إذا سبح له ونبه فإن له أحوال:

    الحالة الأولى: أن يجزم بصواب نفسه، فإذا جزم بصواب نفسه فإنه لا يرجع إلى تنبيههم.

    الحالة الثانية: أن يغلب على ظنه صواب نفسه وخطؤهما، فإذا غلب على ظنه صواب نفسه لم يرجع إليهما.

    الحالة الثالثة: أن يغلب على ظنه صوابهما، فإذا غلب على ظنه صوابهما فإنه يجب عليه أن يرجع إليهما.

    الحالة الرابعة: أن يجزم بصوابهما، فيرجع إلى قولهما.

    الحالة الخامسة: أن يتساوى الأمران، فهذا موضع خلاف، هل يأخذ بقولهما، أو لا يأخذ بقولهما؟ والأقرب في ذلك: أنه يأخذ بقولهما فحال الإمام لا يخلو من هذه الحالات الخمس.

    وبالنسبة للمأموم، هل يتابع الإمام, أو لا يتابعه؟ نقول: المأموم لا يخلو من أحوال:

    الحالة الأولى: أن يرى المأموم أن الصواب مع الإمام، فهذا صلاته صحيحة إذا تابع الإمام.

    الحالة الثانية: أن يرى أنه مخطئ ويتابعه وهو عالم بالخطأ، وعالم بالحكم الشرعي، وهذا لا يكاد يحصل, يعرف أنه مخطئ ويتابعه وهو عالم بالحال, أي: أنه مخطئ وعالم بالحكم الشرعي، وأنه لا تجوز المتابعة فصلاته تبطل.

    الحالة الثالثة: أن يتابعه جاهلاً، سواء كان جاهلاً بالحال لا يدري هل هو مخطئ أو لا؟ أو كان جاهلاً بالحكم الشرعي فلا يدري أنه لا يجوز متابعة الإمام، فهذا صلاته صحيحة.

    الحالة الرابعة: أن يفارقه وينوي الانفراد فصلاته صحيحة؛ لأنه معذور هنا كما ذكرنا لكم أن العلماء رحمهم الله يقولون: إذا مضى الإمام في موضع يجب عليه أن يرجع، أو رجع في موضع يجب عليه أن يمضي فإنه لا تجب المتابعة.

    زيادة فعل ليس من جنس الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه).

    تقدم لنا من أقسام الزيادة:

    القسم الأول: أن يزيد فعلاً من جنس الصلاة.

    القسم الثاني: أن يزيد ركعة.

    القسم الثالث: أن يزيد فعلاً ليس من جنس الصلاة، كما ذكر هنا، وقد تقدم لنا أن العمل الذي ليس من جنس الصلاة، مثل: الحركات، تقدم وتأخر، وحرك يديه ونحو ذلك، تقدم أنه يبطل بثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون متوالياً.

    الشرط الثاني: أن يكون لغير ضرورة.

    الشرط الثالث: أن يكون كثيراً عادة.

    فهذا يبطل الصلاة، لكن قال المؤلف: يبطلها عمده، العمد ظاهر، وأما سهوه فقد تكلمنا على هذه المسألة فيما تقدم، وقلنا بأن سائر المنهيات لا بد لها من شروط ثلاثة:

    الشرط الأول: العلم. والثاني: الاختيار. والثالث: الذكر؛ لأن هذا العمل من محظورات الصلاة وداخل في المنهيات.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يشرع ليسيره سجود).

    هذا الفعل الذي ليس من جنس الصلاة ليس فيه سجود سهو، إما أن يبطل الصلاة أو لا يبطل الصلاة، أما بالنسبة لسجود السهو فلا يشرع له سجود سهو، سجود السهو لا يشرع إلا فيما كان من جنس الصلاة.

    الأكل والشرب في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تبطل بيسير أكل وشرب سهواً أو جهلاً، ولا نفل بيسير شرب عمداً).

    القسم الرابع: زيادة الأكل والشرب، وهذا فصل فيه المؤلف فقال: إن كان يسيراً وسهواً لا تبطل الصلاة، وإن كان يسير شرب وعمداً فلا تبطل به صلاة النفل، وما عدا ذلك تبطل به الصلاة، والصواب كما ذكرنا أن هذا القسم على حسب القواعد، أما العمد فيبطل الفرض والنفل، اليسير والكثير، وما يروى عن ابن الزبير من أنه كان يشرب في النفل، فهذا لا يثبت، فإذا كان عمداً فإنه يبطل، سواء كان قليلاً أو كثيراً في الفرض أو في النافلة، وإن أكل سهواً أو شرب سهواً في الفرض أو النافلة فكما تقدم لنا أنه لا بد من شروط ثلاثة: الذكر، والعلم، والاختيار.

    فتلخص لنا أن زيادة الأفعال على أربعة أقسام، قسمان يشرع فيهما سجود السهو، وقسمان لا يشرع فيهما سجود السهو.

    القسم الأول: زيادة فعل من جنس الصلاة، كركوع, أو قيام، أو سجود.

    القسم الثاني: زيادة ركعة.

    القسم الثالث: زيادة عمل من غير جنس الصلاة، ولا يشرع له سجود السهو.

    القسم الرابع: أكل وشرب، وهذا لا يشرع له سجود السهو، لكن هل يبطل أو لا يبطل؟ ذكرنا أنه إن كان عمداً أبطل مطلقاً، وإن كان سهواً لم يبطل مطلقاً.

    زيادة قول مشروع في غير موضعه في الصلاة

    والمؤلف أنهى الأفعال، وثنى بزيادة الأقوال، وهو القسم الخامس.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود وقعود وتشهد في قيام وقراءة سورة في الأخيرتين لم تبطل، ولم يجب له سجود بل يشرع).

    هذا القسم الخامس: إذا زاد قولاً مشروعاً في غير موضعه، مثال ذلك كما ذكر المؤلف: قرأ في الركوع، القراءة مشروعة، لكنه أتى بها في غير موضعها، قرأ في السجود، أو سبح في القيام أو في الجلوس، أو قرأ التشهد في السجود أو في الركوع، فيستحب أن يسجد للسهو؛ لأن هذا العمل لا يبطل الصلاة، وضابط سجود السهو الذي يجب: إذا كان عمده يبطل الصلاة، فسهوه يوجب السجود.

    فالقسم الخامس: أن يأتي بقول مشروع في غير موضعه فهنا نقول بأنه يشرع سجود السهو ولا يجب، يسن سجود السهو ولا يجب، ولا تبطل الصلاة حتى ولو تعمد، وإن كان يأثم إذا قرأ في السجود وقرأ في الركوع.

    زيادة تسليم في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت).

    هذا القسم السادس: زيادة التسليم، وبعض الناس يظن أن الإمام إذا سلم قبل إتمام صلاته أنه نقص، وهذا غير صحيح، هذا من قبيل الزيادة، ولهذا ذكرها المؤلف رحمه الله في الزيادة ولم يذكرها في النقص، وسيأتي فصل النقص، وإنما ذكرها المؤلف رحمه الله في الزيادة؛ لأن الصلاة تامة، وزاد التسليم، وسيأتي بما نقص من الركعات، فيكون قد سلم في الصلاة تسليمتين.

    فإذا زاد تسليماً فإن كان عمداً بطلت، وهذا ظاهر.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد، فإن طال الفصل).

    إذا سلم قبل إتمام الصلاة، ولنفرض أنه صلى العشاء الآخرة، وبعد أن صلى ركعتين سلم، فإن كان عمداً بطلت الصلاة؛ لأنه خرج من الصلاة، وتحلل منها قبل وجود السبب، وإن كان سهواً فإن ذكر قريباً أتم الصلاة، فأتى بما بقي عليه من صلاته وسجد للسهو، وإن طال الفصل عرفاً بطلت صلاته ويستأنفها.

    زيادة قول غير مشروع في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (أو تكلم لغير مصلحتها بطلت).

    هذا القسم السابع من أقسام الزيادة: إذا زاد قولاً غير مشروع في الصلاة فتكلم مع غيره مثلاً، فهذا قول غير مشروع في الصلاة، وقد تكلم المؤلف رحمه الله عن القول المشروع في الصلاة وأنه لا يبطل الصلاة، لكن يسن له سجود السهو، وهنا أتى بقول غير مشروع في الصلاة، تكلم بالهاتف ونحو ذلك، فما الحكم هنا؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ككلامه في صلبها ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل).

    إن كان كلامه في صلبها تبطل الصلاة، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وإن كان الكلام خارج صلب الصلاة كأن سلم قبل إتمام الصلاة، ثم بعد ذلك سأل المأمومين كم صليت؟ وتحاور معهم، فهنا الآن تكلم خارج الصلاة، فإن كان لمصلحتها وكان يسيراً لم تبطل الصلاة.

    ولو قال: أعطني الكتاب، أو أعطني القلم، فهنا تكلم لغير مصلحتها فتبطل، فلا بد من شرطين:

    الشرط الأول: أن يكون يسيراً.

    والشرط الثاني: أن يكون لمصلحتها فإنها حينئذ لا تبطل.

    والصواب في ذلك إجراء القاعدة، فنقول: هذه المحظورات والمنهيات إن فعلها عمداً بطلت الصلاة، كأن تكلم في صلبها متعمداً وهو يعرف أنه في صلاة، وإن كان ذلك سهواً، أو يظن أن الصلاة تمت كما لو سلم قبل تمامها، فهذا عذر، وصلاته صحيحة؛ لأن المنهيات كما ذكرنا لا بد لها من هذه الشروط الثلاثة: الذكر, والعلم, والاختيار.