إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [14]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله أمر بتعظيم شعائره، ومنها المسجد فلا يمتهن بتفال ونحوه، هذا وإن من السنن المؤكدة في الصلاة السترة، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ويشرع التفكر والدعاء عند سماع آيات الترهيب والترغيب، والصلاة في أصلها اللغوي: الدعاء، وهي أقوال وأفعال وهيئات تؤدى باطمئن

    1.   

    البصق في الصلاة وخارجها

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه، وتسن صلاته إلى سترة قائمة كآخرة الرحل، فإن لم يجد شاخصاً فإلى خط، وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط، وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض.

    فصل: في حصر أفعال الصلاة وأقوالها.

    أركانها: القيام, والتحريمة, والفاتحة، والركوع والاعتدال عنه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين, والطمأنينة في الكل, والتشهد الأخير، وجلسته, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والترتيب, والتسليم ].

    تقدم لنا شيء مما يباح للمصلي أن يفعله، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بتكرار الفاتحة, وقبل ذلك ذكر ما يتعلق بمكروهات الصلاة من تغميض العينين، والإقعاء، وأن يصلي وهو حاقن أو بحضرة طعام يشتهيه، ثم ذكر أيضاً جملة من الأحكام التي تباح للمصلي كعد الآي، وقتل العقرب والحية والقمل، وكذلك أيضاً ما يتعلق بلبس الثوب ولف العمامة إلى آخر ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه).

    إذا احتاج المصلي إلى أن يبصق فيبصق في الصلاة عن يساره، أو تحت قدمه، وإن كان في المسجد فإنه لا يبصق في المسجد وإنما يبصق في ثوبه، وعلى هذا نقول: المصلي لا يخلو من حالتين إذا أراد أن يبصق:

    الحالة الأولى: أن يكون داخل المسجد، فهذا يبصق في ثوبه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة : ( من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة )، وأيضاً ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ) فسماه النبي صلى الله عليه وسلم خطيئة، وهذا مما يدل على أنه إذا كان في المسجد فإنه لا يبصق فيه وإنما يبصق في ثوبه؛ لأنه خطيئة، والخطيئة ذنب.

    وأيضاً في حديث أنس رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق في ثوبه )، كما سيأتي إن شاء الله.

    وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها )، وهذا كان في الزمن السابق عندما كانت المساجد من الحصباء والرمل، حيث يمكن أن تدفن، وبعض العلماء أخذ بظاهر الحديث أنه يحفر له.

    على كل حال: إذا كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه، أو في شيء خارج كمنديل ونحو ذلك، ولا يبصق في المسجد، وإذا كان خارج المسجد فهو بالخيار إن شاء بصق في ثوبه، وإن شاء بصق عن يساره، وإن شاء بصق تحت قدمه، فهذا كله جائز؛ ويدل لهذا حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدكم إذا قامت الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه )، وإن بصق في ثوبه أو في منديل ونحو ذلك فهذا جائز ولا بأس به، وهو أحسن.

    ولا يبصق عن يمينه؛ لأن على يمينه ملكاً، ولكن أليس على يساره ملكاً؟ أجاب العلماء رحمهم الله بأن الملك الذي عن اليمين أعلى رتبة من الملك الذي عن اليسار؛ ولأن القاعدة الشرعية أن ما كان من المستخبثات فإنه تقدم فيه اليسار، وهنا تقدم جهة اليسار فيما يتعلق بالمستخبثات على جهة اليمين، فلا يبصق في قبلته ولكن يبصق عن يساره أو تحت قدمه، وهل النهي عن البصاق جهة القبلة خاص بالصلاة أو أنه يشمل الصلاة وغيرها؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله: أن النهي عن البصاق جهة القبلة خاص في الصلاة، أما خارج الصلاة فإن هذا جائز ولا بأس به؛ ويدل له ما تقدم من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه- أو: ربه بينه وبين القبلة- فلا يبزقن في قبلته )، أما خارج الصلاة فلا بأس أن يبصق جهة القبلة.

    الرأي الثاني: أن النهي شامل لداخل الصلاة وخارجها، وهذا ذهب إليه النووي رحمه الله تعالى، وقد ورد ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه كره أن يبصق عن يمينه، وكذلك أيضاً في قبلته من باب أولى، وورد عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، وكذلك أيضاً فيما يتعلق بقبلته، وكون الإنسان ينزه جهة اليمين وينزه جهة القبلة فهذا أحوط.

    وكما تقدم لنا في باب الاستنجاء أن الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها في حال قضاء الحاجة، سواء كان في الصحراء أو كان في البنيان، وكما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن ذلك ورد في بضعة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهل النهي عن البصاق جهة القبلة وعن يمينه للتحريم أو للكراهة؟

    العلماء رحمهم الله تعالى لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو لكثير من العلماء رحمهم الله حيث يرون أنه للكراهة.

    والرأي الثاني: ذهب إليه الشوكاني رحمه الله تعالى: أن النهي للتحريم لظاهر أدلة النهي، وفي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: ( من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه )، وهذا مما يدل على أن النهي للتحريم؛ لأن هذه عقوبة، وحديث حذيفة أخرجه ابن خزيمة رحمه الله تعالى في صحيحه، وكذلك أيضاً ابن حبان.

    1.   

    سترة المصلي

    قال المؤلف رحمه الله: (وتسن صلاته إلى سترة).

    يعني: يستحب أن يصلي المصلي إلى سترة، والسترة تحتها مباحث:

    حكم الصلاة إلى سترة

    المبحث الأول: حكم الصلاة إلى سترة، المؤلف رحمه الله يرى أن الصلاة إلى سترة سنة، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها حديث الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنه قال: ( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ببادية لنا ومعه عباس، فصلى في الصحراء وليس بين يديه سترة )، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى إلى غير جدار )، واستدلوا بحديث أبي سعيد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس )، يفهم من هذا أنه قد يصلي إلى شيء لا يستره من الناس، وحديث أبي سعيد في الصحيحين.

    أما حديث الفضل فهو حديث ضعيف، وأما حديث ابن عباس كونه صلى إلى غير جدار فهذا لا يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى سترة، يعني: كونه نفى الاستتار إلى الجدار لا يلزم من ذلك نفي ما عدا الاستتار بغير جدار.

    أما الذين قالوا بالوجوب كما ذهب إليه ابن خزيمة رحمه الله، وكذلك أيضاً أبو عوانة والشوكاني فأخذوا بظواهر الأمر، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها )، وهذا أمر، والحديث في السنن.

    والأقرب في ذلك والله أعلم ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله أن الصلاة إلى سترة سنة مؤكدة، ومن آداب الصلاة، فلا ينبغي للمصلي أن يتهاون فيها؛ ولهذا الفقهاء رحمهم الله يقولون: يستحب أن يتخذ سترة ولو لم يخش ماراً كما لو كان في الصحراء؛ لأن الحكمة من السترة ليس من أجل المرور بين المصلي وبين حريمه فقط، بل لها حكم منها: أنها تمنع نظر المصلي من أن يتقلب يمنة ويسرة.

    قدر السترة

    قال المؤلف رحمه الله: (قائمة كآخرة الرحل).

    الرحل: هو ما يوضع على البعير ويكون عليه الراكب، ومؤخرة الرحل عمود يكون في آخرته يتكئ عليها الراكب، وقدر هذه المؤخرة ذراع فأكثر، وإن استتر بأقل من ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به؛ ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استتر بالسرير, واستتر بالنائم، واستتر بالسارية، والبعير, والعنزة، والسرير، والشجرة, ومقام إبراهيم.

    وإن لم يجد سترة فكما جاء في الحديث بإسناد حسن ( أنه يخط خطاً )، فمقدار السترة له حالتان:

    الحالة الأولى: حالة مستحبة: أن يكون ارتفاعها ذراع فأكثر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل)، ذراع فأكثر وهذا هو السنة أن يكون ارتفاعها ذراعاً فأكثر.

    الحالة الثانية: سترة مجزئة وهي: كل ما ارتفع عن الأرض فإنه مجزئ، ولهذا ينص الفقهاء رحمهم الله كفقهاء الشافعية وغيرهم أنه لو وضع شيئاً من الحصى أو شيئاً من الرمل أو نحو ذلك فإنه مجزئ، فكل ما ارتفع عن الأرض فإنه يكفي سترة، لكن السترة المستحبة أن تكون ذراعاً مثل مؤخرة الرحل كما سبق.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن لم يجد شاخصاً فإلى خط).

    إذا لم يجد شاخصاً فإنه يخط خطاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً ) وهذا الحديث رواه أحمد وأبو داود رحمهما الله.

    فإذا كان في السجاد شيء من الألوان أو الخطوط، فهل يكفي في السترة، أو لا يكفي؟

    نقول: مثل هذه الخطوط لا يكتفى بها؛ لأن السترة أقل ما يجزئ منها أن تكون مرتفعة، أما مثل هذه الخطوط فإنها ليست مرتفعة فلا يكتفى بها.

    الدنو من السترة

    المبحث الثالث المتعلق بالسترة: يستحب للمصلي أن يدنو من السترة، وضابط الدنو اختلف فيه العلماء رحمهم الله، فقال بعض العلماء: ضابط الدنو أن يكون بينك وبين السترة مقدار السجود بحيث إذا سجد وصل إلى سترته، وقال بعض العلماء يكون بينه وبين السترة مقدار ممر شاة، وقال بعض العلماء: ثلاثة أذرع من قدمه.

    والأمر في هذا سهل، والأقرب في ذلك أن يكون بينه وبين سترته مقدار السجود، بحيث يكون منتهى سجوده إلى سترته.

    ما يقطع على المصلي صلاته مما يمر بين يديه

    قال المؤلف رحمه الله: (وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط).

    المبحث الرابع: إذا مر الكلب الأسود البهيم الذي ليس فيه لون آخر غير السواد بين المصلي وسترته فإنه يبطل عليه صلاته، وعندنا مسألتان:

    المسألة الأولى: هل تبطل الصلاة بمرور شيء أو أنها لا تبطل؟

    والمسألة الثانية: ما هي الأشياء التي تبطل الصلاة؟

    المسألة الأولى: هل تبطل الصلاة بمرور شيء؟

    جمهور العلماء رحمهم الله يقولون بأن الصلاة لا تبطل بمرور شيء، فإذا مر كلب أو حمار أو امرأة أو رجل بين المصلي وبين سترته فإن هذه الأشياء لا تبطل الصلاة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد عند أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقطع الصلاة شيء, وادرءوا ما استطعتم )، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: وهو المذهب، وهو ما ذهب إليه ابن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الصلاة تبطل بمرور شيء.

    لكن ما هو الشيء الذي يبطلها؟

    المشهور من المذهب أن الذي يبطلها هو الكلب الأسود البهيم فقط، وما عدا ذلك فإنه لا يبطل الصلاة؛ لأن الكلب الأسود شيطان من شياطين الكلاب يعني: من أشر الكلاب، فليس المقصود بالشيطان الجنس، وإنما المقصود الوصف، وأن هذا الكلب من أشر الكلاب، وإلا فإن جنسه جنس سائر الكلاب.

    الرأي الثاني: أن الذي يبطل الصلاة الكلب الأسود والمرأة والحمار كما جاء ذلك في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يقطع صلاة الرجل -إذا لم يكن بين يديه كمؤخرة الرحل- المرأة والكلب الأسود والحمار ) رواه مسلم في صحيحه، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم .

    وهذا هو الصواب في المسألة، وهو ما ذهب إليه ابن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الصلاة تبطل بهذه الأشياء إذا مرت بين المصلي وسترته، فإذا لم يكن له سترة، ومرت من وراء محل السجود فإنها لا تبطل الصلاة، وإذا مرت ما بين المصلي ومنتهى سجوده، فإنها تبطل عليه صلاته.

    سترة الإمام سترة لمن خلفه

    من المباحث المتعلقة بالسترة: أن سترة الإمام سترة للمأموم، وعلى هذا فالمأموم لا يستحب له أن يتخذ سترة، ولذلك لا يضر المرور بين يدي المأموم؛ ويدل لذلك فعل ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما مر بين يدي الصف، ومع ذلك ما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يضر هو المرور بين الإمام وبين السترة، فإذا مرت هذه الأشياء الثلاثة بين الإمام وبين سترته فإن صلاة الإمام تبطل، وكذلك أيضاً صلاة المأمومين تبطل؛ لأن سترة المأمومين هي سترة الإمام.

    ومن المسائل المتعلقة بالسترة: إذا انتهت الصلاة وكان المأموم مسبوقاً، وقام يقضي شيئاً من الصلاة، فهل يستحب له أن يتقدم لكي يستتر، أو لا يستحب له أن يتقدم؟ الإمام مالك رحمه الله ذهب إلى هذا وقال: عليه أن يتقدم، وكثير من العلماء رحمهم الله لا يرى ذلك، وأن الإنسان يكتفي بسترة الإمام السابقة، والتابع تابع، فما كان بعد الصلاة يكون تابعاً لما كان في جوف الصلاة، فالصحيح في ذلك أنه لا يتقدم, وإنما يقضي في مكانه لعدم الدليل الوارد في ذلك.

    1.   

    التعوذ والسؤال عند الآيات المناسبة

    قال المؤلف رحمه الله: (وله التعوذ عند آية وعيد, والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض).

    الاستعاذة عند آية الوعيد، يعني: إذا مر بالمصلي آية وعيد فيستحب له أن يستعيذ، وإذا مر بآية استغفار استغفر، وإذا مر بآية وعد سأل الله عز وجل؛ ويدل لذلك حديث حذيفة : ( لما قام يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ مترسلاً، ما مر بآية وعيد إلا استعاذ، ولا مر بآية وعد إلا سأل الله عز وجل ).

    وكلام المؤلف يدل على الإباحة، والصواب في هذه المسألة أن يقال: أما في صلاة النفل وخصوصاً قيام الليل فهذا سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فإذا قام المسلم يصلي من الليل فإنه يستحب إذا قرأ أن يسأل الله عز وجل عند آية الوعد، وأن يستعيذ عند آية الوعيد، وأن يستغفر عند آية الاستغفار، وأما في الفرض فهذا من قبيل المباح غير المشروع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل في الفرض، لكن عندنا القاعدة التي سلفت، وهي أنه ما ثبت في الفرض ثبت في النفل والعكس إلا لدليل.

    1.   

    أركان الصلاة القولية والفعلية

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل في حصر أفعال الصلاة وأقوالها: أركانها).

    لما انتهى المؤلف رحمه الله من صفة الصلاة شرع في بيان أركان الصلاة وواجباتها، ومستحباتها.

    والأركان: جمع ركن، وهو جانب الشيء الأقوى، وهو ما كان فيها بحيث لا يسقط عمداً ولا سهواً.

    القيام

    قال المؤلف رحمه الله: (القيام).

    هذا هو الركن الأول من أركان الصلاة، والقيام ركن بالإجماع في الفرض، أما في النفل فإنه ليس ركناً، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، وفي حديث أبي هريرة في قصة من لم يحسن في صلاته قال: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر )، فالقيام ركن في الفرض، وليس ركناً في النفل؛ ويدل لذلك حديث عمران: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ).

    ويجب القيام حسب الاستطاعة، فإذا كان لا يتمكن من القيام إلا بأن يعتمد على عصا، أو يتكئ على جدار فليفعل، قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وما هو ضابط القيام؟ قال بعض العلماء: ضابط القيام ما لم يصر إلى حد الركوع يعني: ما لم يصر راكعاً.

    والأقرب في ذلك أن يقال: أن يكون إلى القيام المعتدل أقرب منه إلى الركوع بحيث من يراه يقول بأنه قائم وليس راكعاً؛ لأنه قد يقوم وينحني.

    التحريمة وقراءة الفاتحة

    قال المؤلف رحمه الله: (والتحريمة).

    يعني: تكبيرة الإحرام، وهذا هو الركن الثاني، وتكبيرة الإحرام ركن بالاتفاق، ويدل لذلك حديث علي عند أبي داود : ( وتحريمها التكبير )، وكما تقدم في حديث من لم يحسن في صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ).

    قال المؤلف رحمه الله: (والفاتحة).

    هذا هو الركن الثالث: قراءة الفاتحة؛ ويدل لذلك حديث عبادة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، لكن هل تجب الفاتحة في كل ركعة أو لا تجب أكثر أهل العلم على أن الفاتحة لا بد منها في كل ركعة.

    والرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أن الفاتحة ركن في ركعتين، ويستدلون بقول الله عز وجل: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20] لكن نقول: إن الله سبحانه وتعالى أمر أن يقرأ ما تيسر من القرآن وبينته السنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )، والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: أن الفاتحة لا بد منها في كل ركعة؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن لم يحسن في صلاته: ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) ثم قال: ( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ).

    وسيأتينا إن شاء الله في باب أحكام صلاة الجماعة أن الإمام هل يتحمل قراءة الفاتحة للمأموم أو لا يتحملها؟

    الركوع والاعتدال منه

    قال المؤلف رحمه الله: (والركوع).

    وهو ركن بالإجماع، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وفي حديث أبي هريرة أيضاً في قصة من لم يحسن في صلاته، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ) فالركوع ركن بالإجماع.

    وضابط الركوع المجزئ أن يكون إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام، وسبق أن ذكرنا أن الركوع ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ركوع مجزئ. والقسم الثاني: ركوع كامل.

    وذكرنا أن الركوع الكامل هو ما اشتمل على المستحبات، وذكرنا صفته في مسألة.

    قال المؤلف رحمه الله: (والاعتدال عنه).

    والاعتدال ركن من أركان الصلاة، وهذا ما عليه جمهور العلماء؛ ويدل لذلك حديث أبي هريرة في قصة الذي لم يحسن في صلاته قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم ارفع حتى تعتدل قائماً )، وفي لفظٍ: ( حتى تطمئن قائماً )، وفي حديث أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ).

    والرأي الثاني: رأي الحنفية رحمهم الله, حيث يرون أن الاعتدال بعد الركوع سنة، وعلى هذا لو أنه هوى من الركوع على السجود مباشرة أجزأ ذلك، ولذلك الآن تشاهد العمال الذين هم على مذهب أبي حنيفة يركعون ثم يهوون مباشرة؛ لأنهم يرون أن الركوع سنة، ولو هوى من الركوع إلى السجود مباشرة أجزأه ذلك.

    ودليلهم على ذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر الركوع والسجود، أما الاعتدال فما ذكره الله عز وجل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، وعندهم قاعدة ردها العلماء رحمهم الله، يقولون بأن الزيادة على النص نسخ، والآحاد لا ينسخ المتواتر؛ لأن القرآن متواتر والسنة آحاد، وهذه القاعدة -كما ذكر العلماء رحمهم الله- رد بها الحنفية كثيراً من السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    السجود والاعتدال منه

    قال المؤلف رحمه الله: (والسجود على الأعضاء السبعة).

    السجود ركن بالإجماع كما تقدم في القرآن، وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ).

    وقوله: على الأعضاء السبعة، سبق أن تكلمنا على هذه الأعضاء في صفة الصلاة، والمشهور من المذهب أنه يجب أن تسجد على يديك ورجليك وجبهتك وأنفك، ويقولون: يجزئ بعض كل عضو، فلو سجدت على أطراف أصابعك أجزأ ذلك.

    وسبق أن ذكرنا أن جمهور العلماء رحمهم الله يقولون بأن السجود على اليدين والرجلين ليس واجباً، ويعتبرونه سنة، وإنما يوجبون السجود على الجبهة والأنف، فمنهم من قال: يجب أن يسجد على واحد منهما، ومنهم من قال: يجب عليه أن يسجد على الجبهة إلى آخره.

    لكن المشهور من المذهب أنه لا بد من السجود على هذه الأعضاء السبعة، وأنه إذا أخل بشيء منها طيلة السجود فإن سجوده لا يصح، لكن لو أتى بالسجود على هذه الأعضاء السبعة وأتى بالذكر، ثم رفع شيئاً منها فإن سجوده مجزئ.

    وبعض أهل العلم يرى أن هيئة السجود واجب وفرض؛ لكن على هذه الأعضاء يرى أنه من قبيل الواجب وليس من قبيل الفرض، ويترتب على ذلك أنه لو أخل بمثل هذه الأشياء نسياناً أو جهلاً فإنه يسقط، ويجبره سجود السهو.

    قال المؤلف رحمه الله: (والاعتدال عنه).

    وهذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم ارفع حتى تعتدل جالساً ) وفي رواية: ( حتى تطمئن جالساً ).

    وعند الحنفية أن الاعتدال ليس واجباً، وإنما هو سنة، وعلى هذا يقولون إذا كنت ساجداً فيكفي أن ترفع رأسك، ثم تنزله مرة أخرى لكي تفصل بين السجدتين، ودليلهم ما سلف، والجواب عنه كما سلف.

    الجلوس بن السجدتين والطمأنينة

    قال المؤلف رحمه الله: (والجلوس بين السجدتين).

    ومن العلماء -كما ذكر المؤلف- من يجعلهما ركنين، وبعض العلماء يجعلهما ركناً واحداً.

    قال المؤلف رحمه الله: (والطمأنينة في الكل).

    لما تقدم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ) إلى آخره، وعند أبي حنيفة رحمه الله أن الطمأنينة سنة، والصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى أن الطمأنينة واجبة، والحنفية كما تقدم يستدلون بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، وأن الله عز وجل أمر بالركوع وأمر بالسجود، والطمأنينة شيء زائد، وهذا بناء على قاعدتهم السابقة التي ردها العلماء رحمهم الله ولم يرتضوها.

    وما ضابط الطمأنينة؟

    المشهور من المذهب أن ضابط الطمأنينة السكون وإن قل.

    والرأي الثاني في ضابط الطمأنينة: أنها بقدر الذكر الواجب، وعلى هذا إذا ركعت فلا بد أن تكون مطمئناً بقدر قول: سبحان ربي العظيم، وإذا سجدت فلا بد أن تكون مطمئناً بقدر قول: سبحان ربي الأعلى، وهذا القول هو الأقرب.

    التشهد الأخير وجلسته

    قال المؤلف رحمه الله: (والتشهد الأخير، وجلسته).

    التشهد الأخير ركن، وجلسته ركن؛ ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( إذا قعد أحدكم في صلاته فليقل: التحيات لله )، وفي حديث ابن مسعود قال: ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ) مما يدل على أن التشهد فرض، وهذا رواه الدارقطني والبيهقي ، وصححاه، ومن أهل العلم من ضعف هذا الحديث.

    على كل حال عندنا في الصحيحين: ( فليقل: التحيات... ) فعند أبي حنيفة ومالك أن الفرض هو الجلوس، أما التشهد فليس فرضاً، وإنما هو سنة؛ ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا التشهد في حديث أبي هريرة فيمن أخل بصلاته، لكن الجواب عن هذا سهل، نقول: النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأشياء التي أخل بها في صلاته، فالصواب في ذلك أن الجلوس فرض، وأن التشهد فرض.

    قال المؤلف رحمه الله: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه).

    المذهب أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ركن وفرض، وعند أبي حنيفة ومالك سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بها، والأمر الذي جاء أمر إرشاد وليس أمر وجوب، فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم علموا كيف يسلمون عليه فكيف يصلون عليه؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد... إلى آخره، وعند الإمام الشافعي أنها واجبة، وهو قول وسط.

    والقول بأنها سنة يظهر -والله أعلم- أنه أقرب، وإن قلنا بأزيد من ذلك فكما ذكر الشافعي أنها واجبة وليست فرضاً، أما القول بأنها فرض كما يقول الحنابلة رحمهم الله فهذا فيه شيء من النظر، ويجزئ من ذلك أن يقول: اللهم صل على محمد، هذا هو قدر الفرضية، فلو أن الإنسان أتى بالتشهد ثم قال: اللهم صل على محمد فله أن ينصرف من صلاته.

    الترتيب والتسلم

    قال المؤلف رحمه الله: (والترتيب).

    يعني: الترتيب بين أجزاء الصلاة، كما سلف أن ذكرنا قاعدة وهي: أن كل عبادة مركبة من أجزاء فلا بد فيها من أمرين:

    الأمر الأول: الترتيب بين أجزائها.

    والأمر الثاني: الموالاة، وإلا لم تكن على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله: (والتسليم).

    التسليم كما يقول المؤلف رحمه الله تعالى فرض، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند الشافعي أن الفرض هي التسليمة الأولى، وعند أبي حنيفة رحمه الله أن التسليم ليس فرضاً، وإنما هو سنة.

    فعندنا الآراء ثلاثة: المشهور من المذهب أن التسليم فرض سواء التسليمة الأولى أو الثانية في الفرائض.

    وعند الشافعي أن الفرض هو التسليمة الأولى فقط، والثانية ليست فرضاً.

    وعند أبي حنيفة أن التسليمتين سنة، وعلى رأي أبي حنيفة إذا قرأ التشهد -لأنه لا يرى أن التشهد فرض- فله أن يأكل وله أن يشرب، ولو سبقه الحدث فإن صلاته صحيحة.

    وقد جاء في حديث ابن مسعود لما علمه التشهد قال: ( فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد )، لكن هذا الحديث لا يثبت، وكما قال الدارقطني بأن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما هو من كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

    والأقرب في هذه المسألة هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأن التسليمتين فرض في الفريضة؛ ويدل لذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يجزئ عن أحدكم أن يقول من على يمينه وشماله ) وحديث علي رضي الله عنه: ( وتحليلها التسليم )، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على التسليم في الحضر والسفر، لكن بالنسبة للنافلة الفرض فيها تسليمة واحدة لورود ذلك في حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم.