إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أركان الصلاة الاعتدال والسجود والرفع منه، ولكل ركن من هذه الأركان أذكار خاصة، وفيها مسائل بعضها مختلف فيها مثل كيفية النزول للسجود، ورفع اليدين وغيرهما.

    1.   

    تابع الركوع والرفع منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ثم يرفع رأسه ويديه قائلاً إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ومأمومٌ في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط، ثم يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده، ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخديه، ويفرق ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى، ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه، ويقول: رب اغفر لي، ويسجد الثانية كالأولى، ثم يرفع مكبراً ناهضاً على صدور قدميه، معتمداً على ركبتيه إن سهل، ويصلي الثانية كذلك، ما عدا التحريمة، والاستفتاح والتعوذ وتجديد النية، ثم يجلس مفترشاً ويداه على فخذيه، يقبض خنصر اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى ويشير بسبابتها في تشهده].

    تقدم لنا في الدرس السابق جملة من صفة الصلاة, وذكرنا من ذلك ما يشرع قراءته في الصلوات المفروضة, وأن الفجر يشرع فيها أن يقرأ من طوال المفصل, كالطور والواقعة ونحو ذلك من السور, وأنه يقصر كما تقدم بيانه في بعض الأحيان, وأما الظهر فبطوال المفصل تارة وتارة بأوسطه، وذكرنا دليل ذلك, وأما العصر والعشاء فإنه يقرأ بأوساط المفصل, وأما المغرب فأن يقرأ فيه قصار المفصل, ويطيل في بعض الأحيان كما صحت السنة بقراءة المرسلات, والطور, والأعراف إلى آخره، كما تقدم بيانه, ثم بعد ذلك تكلمنا عن الركوع, وأن الركوع ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ركوع مجزئ كيفما ركع.

    القسم الثاني: ركوع كامل وذكرنا صفته.

    الأذكار الواردة في الركوع

    تقدم أن الركوع يقال فيه: سبحان ربي العظيم, وسيأتينا إن شاء الله أن قوله: سبحان ربي العظيم واجب من واجبات الصلاة, وكما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى, وقول سبحان ربي العظيم دل له حديث حذيفة رضي الله عنه, وهناك أذكار أخرى ينبغي للمصلي أن يأتي بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وأما الركوع فعظموا فيه الرب), وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة من الأذكار ينبغي على المسلم -وخصوصاً طالب العلم- أن يحفظ هذه الأذكار, وأن يرددها في ركوعه, كقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح كما جاء في صحيح مسلم .

    وأيضاً قول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, اللهم اغفر لي كما في الصحيحين, وأيضاً قول: سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة, وأيضاً قول: اللهم لك ركعت وبك آمنت, ولك أسلمت, خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقل به قدمي, كما جاء في صحيح مسلم , فهذه الأذكار -كما ذكرنا- على المصلي خصوصاً طالب العلم أن يلم بها, وأن يحفظها, وقد يقوم الإنسان بالليل يصلي فيأتي بمثل هذه الأذكار.

    رفع اليدين حال الرفع من الركوع

    يقول المؤلف: (ثم يرفع رأسه ويديه).

    قال المؤلف: (يديه), يرفع يديه, هذا هو الموضع الثالث من المواضع التي ترفع فيها الأيدي, وهو عند الرفع من الركوع, وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى خلافاً للحنفية؛ لأن الحنفية كما سلف لا يرون رفع الأيدي إلا عند تكبيرة الإحرام, لكن الصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه, فإنه عدد ثلاثة مواضع: عند تكبيرة الإحرام, وعند الركوع, وعند الرفع من الركوع, وأما ما عدا ذلك فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أذكار الاعتدال من الركوع

    قال: (قائلاً إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما: ربنا ولك الحمد).

    يعني: أن الإمام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن حمده، فيجمعان بين التسميع والتحميد, وأما المأموم فإنه لا يجمع بين التسميع والتحميد, وإنما يقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد, وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى, ويستدلون على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).

    الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله: أن المأموم أيضاً كالإمام, والمنفرد يجع بين التسميع والتحميد, فيقول: سمع الله لمن حمده, ربنا ولك الحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بينهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث مالك بن الحويرث : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ).

    والذي يظهر -والله أعلم- هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى, وأن المأموم لا يجمع بينهما, لأنه في الحديث تقول: ربنا ولك الحمد, جعل قوله: ربنا ولك الحمد مقابل لقول: سمع الله لمن حمده, فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد, جعلها مقابلة, فدل ذلك على أنه لا يجمع بينهما, وأما حديث مالك بن الحويرث , وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ), فنقول: هذا صحيح, نصلي كما صلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يرد قول أو فعل اختص به الإمام, والإمام قد يختص ببعض أعمال الصلاة, فنقول هنا: يخصص الإمام بقول: سمع الله لمن حمده, وبعد قيامهما يقولان: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد, وغير ذلك من الأذكار التي سنشير إلى شيء منها مما ورد مشروعيته بعد الرفع من الركوع.

    وقوله: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).

    يعني: أن الله سبحانه وتعالى محمودٌ على كل فعل يفعله, وعلى كل مخلوق يخلقه, ومعلوم أن السموات والأرض وما فيهما خلقٌ لله سبحانه وتعالى, فالله سبحانه وتعالى ومحمودٌ على ذلك كله, فيكون الحمد حينئذٍ قد ملأ السماء، وملأ الأرض, وملأ ما بين السماء والأرض.

    قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط).

    يعني: الإمام يقول: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد, وكذلك أيضاً المنفرد, وأما بالنسبة للمأموم فإنه يقتصر على قول: ربنا ولك الحمد, ويأخذون بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فقولوا ربنا ولك الحمد).

    والرأي الثاني: أن المأموم كالإمام, وأنه يأتي بالأذكار ولا يقتصر على قول ربنا ولك الحمد لما تقدم من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ), وكذلك أيضاً ثبت في صحيح البخاري من حديث رفاعة بن رافع في قصة الرجل الذي جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من المتكلم بهذا؟ فقال الرجل: أنا, فقال عليه الصلاة والسلام: رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها, أيهم يكتبها أول ) فهذا الحديث يدل على أن المأموم لا يقتصر على قول: ربنا ولك الحمد, وكما ذكرنا أن الرفع من الركوع الواجب فيه أن الإمام والمنفرد يجمعان بين التسميع والتحميد كما سيأتينا في واجبات الصلاة.

    أما المأموم فيجب عليه أن يحمد فقط, وما عدا ذلك فإنه سنة لو أتى به فهو أفضل, كما سبق أن أشرنا أن السنة أن تكون الصلاة متناسقة في الركوع والرفع والسجود والجلسة بين السجدتين, هذه تكون متقاربة, وعلى هذا يقول: ربنا ولك الحمد ويزيد ما شاء مما جاءت به السنة كما أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: (ربنا ولك الحمد، ملء السماء, وملء الأرض, وملء ما شئت من شيء بعد), أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد, وكلنا لك عبد, اللهم لا مانع لما أعطيت, ولا معطي لما منعت, ولا ينفع ذا الجد منك الجد, وأيضاً: من الأذكار الواردة كما تقدم في حديث رفاعة بن رافع : (الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه), ومنها خصوصاً إذا قام لصلاة الليل فيطيل الركوع, ويقول: لربي الحمد لربي الحمد لربي الحمد يكرر ذلك, كما في سنن أبي داود , وسنن النسائي .

    قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط).

    التحميد ورد له في السنة أربع صفات.

    الصفة الأولى: أن يجمع بين اللهم والواصل, يقول: اللهم ربنا ولك الحمد.

    الصفة الثانية أن يجرد التحميد من اللهم والواصل, يقول: ربنا لك الحمد.

    الصفة الثالثة: أن يقتصر على قول: اللهم.

    الصفة الرابعة: أن يقتصر على الواصل، يقول: ربنا ولك الحمد.

    وكما أشرنا فيما تقدم أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يشرع أن يأتي بهذا تارة, وبهذا تارة, كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    السجود والرفع منه

    رفع اليدين عند التكبير للسجود

    قال: (ثم يخر مكبراً).

    يعني: إذا انتهى من الاعتدال وذكر الله عز وجل فإنه يخر مكبراً, ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يرفع يديه عند السجود. وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله, هل يرفع يديه عند السجود أو لا؟ جمهور العلماء أنه لا يرفع يديه, لأنه قد ثبت في الصحيحين رفع الأيدي في ثلاثة مواضع, والموضع الرابع في البخاري , وهو عند القيام من التشهد الأول كما سيأتينا. بقينا في بقية المواضع, هل يرفع يديه عند السجود، عند الرفع منه... إلى آخره, هذا موضع خلاف بين أهل العلم:

    الرأي الأول: جمهور أهل العلم أنه لا يرفع.

    والرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى, وفيه قال ابن المنذر : وبعض السلف أنه يرفع عند السجود, إذا أراد أن يسجد فإنه يرفع.

    والرأي الثالث: أنه يرفع يديه عند كل خفض ورفع.

    أما الجمهور الذين قالوا: بأنه لا يرفع, فقد استدلوا بحديث ابن عمر لما عدد المواضع التي ترفع فيها الأيدي، قال: وكان لا يفعل هذه في السجود, ومعلوم أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يتحرى سنة النبي صلى الله عليه وسلم, والبخاري رحمه الله تعالى له كتاب اسمه: جزء القراءة خلف الإمام. أشار في كتابه هذا إلى أن الأحاديث الواردة في الرفع عند السجود ضعيفة, ليست ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما الذين قالوا بأنه يرفع عند السجود فيستدلون بفعل ابن الزبير رضي الله تعالى عنه, فإن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه كان يرفع حين يركع وحين يسجد وحين يقوم... إلى آخره, وأيضاً الذين قالوا بأنه يرفع, في كل خفض ورفع يستدلون بحديث أبي هريرة (أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع عند كل خفض ورفع)؛ لكن هذه الأحاديث غير ثابتة, فتبقى المواضع الأربعة هي التي ثبتت في السنة.

    كيفية النزول للسجود

    قال: (يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه, ثم يديه, ثم جبهته مع أنفه).

    يسجد على سبعة أعضاء, يقول المؤلف رحمه الله: (رجليه ثم ركبتيه), ولم يقل المؤلف رحمه الله: يديه ثم ركبتيه, فيؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه يسجد على ركبتيه.

    الرأي الثالث: وفيه قال مالك رحمه الله: يسجد على يديه, يعني: يقدم يديه عند السجود, ولكل منهم دليل, أما الذين قالوا بأنه يقدم ركبتيه عند السجود فيستدلون بحديث وائل بن حجر رضي الله عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد بدأ بركبتيه ثم يديه, أو وضع ركبتيه قبل يديه.

    والذين قالوا بأنه يبدأ بيديه استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير, وليضع يديه قبل ركبتيه ), وعند النظر نجد أن كلاً من الحديثين فيه ظاهر وله شواهد, وقد عمل بعض الصحابة بهذا, وعمل بعض الصحابة بهذا.

    فالخلاصة في هذه المسألة: أن الأدلة فيما يظهر -والله أعلم- متكافئة, يبقى أن حركات الصلاة على مقتضى طبيعة الإنسان, وطبيعة الإنسان أنه يبدأ بأسافله قبل أعاليه, فالصلاة تتحرك على مقتضى الطبيعة؛ لأنه كما سلف أن ذكرنا أن حركات الصلاة توقيفية, وعلى هذا سيبدأ الإنسان بأسافله قبل أعاليه, هذا الذي يظهر والله أعلم, إلا إذا كان هناك حاجه كمرض أو كبر, وعلى هذا يخرج ما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في البخاري , فإنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه.

    فالذي يظهر والله أعلم أنه ينزل على حسب الطبيعة مع أن حديث أبي هريرة (ولا يبرك كما يبرك البعير), هذا ابن القيم رحمه الله ذكر بأن الحديث فيه خلاف على الراوي, وأن الصواب: أنه يضع ركبتيه قبل يديه, لأنه قال: ولا يبرك كما يبرك البعير, لو أنه وضع يديه برك كما يبرك البعير, ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبرك على ما يبرك عليه البعير, وإنما قال: ( لا يبرك كما يبرك البعير ).

    أعضاء السجود

    قال رحمه الله: (رجليه, ثم ركبتيه, ثم جبهته مع أنفه).

    والمشهور من المذهب أنه يجب السجود على هذه الأعضاء السبعة؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم, الرجلين والركبتين, واليدين, والجبهة ), وأشار إلى أنفه في مسلم , وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله, جمهور العلماء يقولون: اليدين والركبتين والقدمين لا يجب السجود عليها, وبالنسبة للجبهة والأنف يجب أن يسجد عليهم.

    الرأي الثاني: رأي الإمام أبي حنيفة أنه يجب أن يسجد على أحدهما إما الجبهة أو الأنف, ورأي الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه يجب عليه أن يسجد على الجبهة.

    والصواب في ذلك: ما دل له حديث ابن عباس , وما ذهب إليه الإمام أحمد : أن السجود على هذه الأعضاء واجب.

    حالات الحائل بين الأرض وأعضاء السجود

    قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).

    السنة ألا يكون هناك حائل بين أعضاء السجود وبين الأرض, ويدل لهذا حديث أنس أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يباشرون الأرض بأعضاء السجود, فإذا وجد أحدهم حر الرملة بسط طرف ثوبه فسجد عليه. فالأمر لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون الحائل من أعضاء السجود, كما لو وضع رجل على رجل, أو وضع جبهته على يده ونحو ذلك, فهذا لا يصح سجوده؛ لأنه لا يعتبر سجد على سبعة أعظم.

    الحالة الثانية: أن يكون الحائل ليس من أعضاء السجود, لكنه متصل بالمصلي, مثل العمامة, ومثل الغترة, يعني يجعل طرف غترته ويسجد عليه, ومثل الكم ونحو ذلك, فهذا مكروه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلا لحاجة, كشدة حر, أو شدة برد, أو غبار لا يتحمل معه السجود ونحو ذلك, وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الهدي: أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد على العمامة.

    الحالثة الثالثة: أن يكون الحائل منفصلاً عن المصلي, كالسجادة ونحو ذلك, فإن هذا جائز ولا بأس به.

    صفة السجود

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجافي عضديه عن جنبيه, وبطنه عن فخديه...), إلى آخره.

    السجود ركن من أركان الصلاة, والسجود له صفتان: صفة مجزئة, وصفة كاملة, أما الصفة المجزئة فكيفما سجد المهم أن يسجد على الأعضاء السبعة.

    أما الصفة الكاملة فبينها المؤلف رحمه الله بقوله: (ويجافي عضديه عن جنبيه)؛ لحديث عبد الله بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يجنح في سجوده حتى يري بياض إبطيه, فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يلفون بالنبي صلى الله عليه وسلم من شدة مجافاته, كذلك أيضاً في حديث أبي حميد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض.

    قال: (وبطنه عن فخديه).

    أيضاً لحديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه, أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد فرج بين فخذيه, غير حامل بطنه على شيء من فخذيه.

    قال: (ويفرق ركبتيه).

    ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اعتدلوا في السجود ), نقطة الاعتدال في السجود أن المصلي لا ينكمش بحيث يجعل بطنه على فخذيه, وفخذيه على ساقيه, ولا يبالغ أيضاً حتى يقارب الامتطاء, بل يكون معتدلاً, لأنه إذا انكمش في سجوده ترتب عليه أمور منها:

    أولاً: أنه خالف السنة.

    ثانياً: أنه لن يتمكن من كثرة السجود على الأرض, وكما سلف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يكف شعراً وثوباً, لكي يسجد معه الثوب, ويسجد معه الشعر, وكذلك أيضاً يأخذ مسافة من الأرض يسجد فيها ليكون أكثر تعظيماً لله عز وجل, وإذا امتد كثيراً لحقته المشقة, وأيضاً لن يتمكن من إطالة سجوده, فالسنة أن يكون الإنسان معتدلاً كما تقدم.

    قال: (ويفرق ركبتيه).

    المشهور من المذهب أنه يفرق رجليه, والذي يظهر من السنة أنه يقارب بين رجليه, ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها, فإنها ذهبت تلتمس النبي صلى الله عليه وسلم في الليل فوقعت يدها على قدميه وهما منصوبتان.

    أما بالنسبة لأصابع الرجلين فإنه يثني أصابع الرجلين ويستقبل بها القبلة كما جاء في حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه, قال: (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) رواه البخاري .

    أذكار السجود

    قال: (ويقول: سبحان ربي الأعلى).

    ورد هذا في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه, وسبق أن بينا أن المنفرد أمير نفسه, وأن المأموم تابع للإمام, يذكر الله حتى يرفع الإمام, وأما بالنسبة للإمام فذكرنا أنه يجلس عشر تسبيحات, لما دل عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه في قصة عمر بن عبد العزيز لما حزروا ركوعه وسجوده بقدر عشر تسبيحات, فقال أنس : ما صليت صلاة أشبه بالرسول صلى الله عليه وسلم من هذا.

    والسجود له أذكار كما في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم), فيقول: سبحان ربي الأعلى, ويقول أيضاً: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي, ويقول أيضاً: سبوح قدوس رب الملائكة والروح, ويقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك, وبمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك, ويقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله, دقه وجله, وأوله وآخره, وعلانيته وسره, ويقول أيضاً: سبحان من له الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة, إلى آخره من الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم, وأيضاً يقول: اللهم لك سجدت، وبك آمنت, ولك أسلمت, سجد وجهي للذي خلقه وصوره, وشق سمعه وبصره, تبارك الله أحسن الخالقين.

    الجلوس بين السجدتين

    قال: (ثم يرفع رأسه مكبراً).

    ولم يذكر المؤلف رحمه الله, أنه يرفع يديه, وتقدم الكلام على ذلك.

    قال: (ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه).

    أيضاً الجلسة بين السجدتين لها صفتان.

    الصفة الأولى: صفة مجزئة كيفما جلس.

    الصفة الثانية: صفة كاملة وهي الافتراش.

    والافتراش: هو أن ينصب رجله اليمنى, ويثني أطراف أصابعه إلى تجاه القبلة, وأما رجله اليسرى فإنه يفترشها, يعني: يجعل ظهرها إلى الأرض ويجلس على بطنها, ويضع يديه على فخذيه, ويدل لذلك حديث أبي حميد في صحيح البخاري لما ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم, قال: (فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى), وكذلك أيضاً في حديث أبي حميد عند ابن حبان قال: وأقبل بصدر اليمنى على قبلته, وأيضاً حديث ابن عمر : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى, رواه البخاري .

    قال: (ويقول: رب اغفر لي).

    كما جاء في حديث حذيفة ، وكذلك أيضاً جاء في حديث ابن عباس : (رب اغفر لي وارحمني, واهدني وأجرني وعافني, وارزقني), وسيأتينا إن شاء الله قدر الواجب وما هو الذكر الواجب, وكما سلف أن قدر الجلسة بمشيئته يكون قدر السجود.

    جلسة الاستراحة

    قال: (ويسجد الثانية كالأولى, ثم يرفع مكبراً ناهضاً على صدور قدميه).

    ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يجلس للاستراحة, وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله تعالى: وأن جلسة الاستراحة سنة.

    والرأي الثالث: رأي ابن قدامة صاحب المغني: أن جلسة الاستراحة تشرع عند الحاجة.

    ولكلٍ دليل, أما اللذين قالوا بأنها ليست مشروعة, قالوا: بأن أكثر الذين وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا هذه الجلسة, وكذلك أيضاً ورد عن كثير من الصحابة أنهم ما كانوا يجلسون هذه الجلسة, كـابن عمر , وابن عباس , وابن مسعود , وابن الزبير , وأبي سعيد ... وغيرهم، وكذلك أيضاً في حديث أبي حميد، أنه قام ولم يتورك, هذا رواه أبو داود.

    والذين قالوا: بأن الجلسة مشروعة استدلوا بحديث مالك بن الحويرث في البخاري : فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالساً, ومعنى في وتر من صلاته: بعد الركعة الأولى إذا أرد أن يقوم للثانية, وبعد الركعة الثالثة إذا أراد أن يقوم للرابعة.

    ويظهر -والله أعلم- أن ما ذكره ابن قدامة رحمه الله, وأنه عند الحاجة هو الصواب؛ لأن مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه لم يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم إلا في آخر حياته, والنبي صلى الله عليه وسلم أخذه الضعف وقد يحتاج إلى أن يستريح, ولهذا ذكرت عائشة رضي الله عنها أنه كان يصلي في الليل أحياناً.

    قال: (معتمداً على ركبتيه إن سهل).

    يعني: إن احتاج أن يعتمد على ركبتيه أثناء القيام إذا سهل, إذا لم يتمكن واحتاج إلى الأرض فإنه لا بأس أن يحتاج إلى الأرض.

    1.   

    الأمور التي تكون في الركعة الأولى دون الثانية

    قال: (ويصلي الثانية كذلك).

    يعني: يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى.

    قال: (ما عدا التحريم).

    يعني: تكبيرة الإحرام لا تكون إلا في الركعة الأولى, هذا الشيء الأول الذي يستثنى.

    قال: (والاستفتاح).

    أيضاً الاستفتاح إنما يكون في أول الصلاة, وعلى هذا لو أنه نسي هذا الاستفتاح فإنه لا يشرع له أن يأتي به في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح سنة فات محلها.

    قال: (والتعوذ).

    يعني: إذا تعوذ في الأولى فإنه لا يتعوذ في الركعة الثانية, لأن الاستعاذة كما تقدم للقراءة. وعلى هذا يكتفي بالاستعاذة في أول ركعة.

    قال: (وتجديد النية).

    يعني: النية لا تشرع إلا في الأولى عند التحريم.

    1.   

    التشهد

    صفة الجلوس للتشهد

    قال: (ثم يجلس مفترشاً ويداه على فخذيه يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها, ويحلق إبهامها مع الوسطى).

    هنا يجلس للتشهد بعد أن ينتهي من الركعة الثانية, والجلوس للتشهد الأول له صفتان: صفة مجزئة كيفما جلس, والصفة الثانية الافتراش كما تقدم, وبالنسبة لليدين ورد فيهما صفتان لوضعهما:

    الصفة الأولى: ما ذكرها المؤلف رحمه الله, قال: (ويداه على فخديه, يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها, ويحلق إبهامه مع الوسطى, ويشير بسبابته في تشهده). وهل يحركها دائماً أو يترك التحريك أو يحركها في عدة مواضع؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    الصفة الثانية: أن يقبض الجميع ويشير بالسبابة, هاتان صفتان, وكما تقدم أنه يأتي بهذه الكيفية تارة وبهذه الكيفية تارة أخرى, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ومكان الوضع ورد أيضاً فيه صفتان:

    الصفة الأولى: أن يجعل اليسرى على الركبة واليمنى على حرف الركبة, يعني هذه الركبة يجعلها تحت اليمنى, ويلقي بيده اليسرى على الركبة اليسرى.

    الصفة الثانية: أن تكون اليد اليسرى على الفخذ اليسرى, واليمنى على الفخذ اليمنى, والأفضل أن يأتي بهذا تارة, وبهذا تارة أخرى.

    تحريك السبابة في التشهد

    قال رحمه الله تعالى: (ويشير بسبابته في تشهده).

    هو يشير بالسبابة, لكن متى يحركها؟

    قال بعض العلماء يحركها من أول التشهد إلى آخر التشهد, وهذا اختيار الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.

    وقال بعض العلماء: لا تحرك.

    والصواب أن ما جاء من نفي التحريك أو فعله ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم, لكن يبقى التحريك في مواضع.

    قال رحمه الله تعالى: (في تشهده).

    يعني: يشير بها في التشهد ولا يحركها دائماً, يحركها إذا ذكر الله عز وجل إشارة للتوحيد, مثلاً: أشهد أن لا إله إلا الله, عند لفظ الجلالة تحركها.

    الرأي الأول: أنك تحركها عند ذكر الله تعالى, تنبيهاً للتوحيد, وذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    الرأي الثاني: أن المصلي يحركها عند الدعاء, وقد جاء ذلك في سنن أبي داود , وهذا أيضاً هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم, فالخطبة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا حرك أصبعه.

    الرأي الثالث: أنه يحركها عند التشهد: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره, فهذه ثلاث آراء, وأقرب شيء في هذه المسألة أنه يحركها عند الدعاء, فإذا دعا قال: اللهم صل على محمد, اللهم بارك, أعوذ بالله من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات... إلى آخره.