إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة عماد الدين، وهي صلة بين العبد وربه، وعرفها الفقهاء بأنها أقوال وأفعال مبتدأة بتكبيرة الإحرام مختتمة بالسلام، وموقوفة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز الإخلال بها من أي وجه، وشرعت قراءة القرآن فيها طولاً وقصراً بحسب الصلوات، كما جعل التكبي

    1.   

    تابع تكبيرة الإحرام وما يتلوها

    قال المؤلف رحمه الله:

    [ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته، وينظر مسجده ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يستعيذ، ثم يبسمل سراً، وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدة، أو حرفاً، أو ترتيباً، لزم غير مأموم إعادتها، ويجهر الكل بآمين في الجهرية.

    ثم يقرأ بعدها سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان.

    ثم يركع مكبراً، رافعاً يديه، ويضعهما على ركبتيه، مفرجتي الأصابع، مستوياً ظهره، ويقول: سبحان ربي العظيم].

    سبق لنا في الدرس السابق بقية أحكام النية، وذكرنا من ذلك ما إذا استخلف إمام الحي، ثم بعد ذلك زال عذره، فهل له أن يتقدم لكي يكون إماماً؟ ويرجع النائب مأموماً... إلى آخره؟

    ثم بعد ذلك شرعنا في بيان صفة الصلاة وكيفيتها، وذكرنا جملة من الآداب التي تنبغي لمريد الصلاة من حين خروجه من بيته إلى إقامة الصلاة، وأيضاً ذكرنا جملة من تسوية الصف، وكذلك أيضاً ما يتعلق برفع الأيدي عند تكبيرة الإحرام، ومتى ترفع؟ وما هو حد الرفع... إلى آخره؟

    وآخر ما تكلمنا عليه هو قول المؤلف رحمه الله: (ويسمع الإمام من خلفه، كقراءته في أولتي غير الظهرين، وغيره نفسه)، وتكلمنا على هذه المسألة: هل يجب على الإمام أن يجهر بمواضع الجهر، ويسر بمواضع الإسرار؟

    جمهور أهل العلم: أنه لا يجب، وعند أبي حنيفة رحمه الله: أنه يجب، وذكرنا دليل كل قول من هذين القولين، وقوله: (وغيره نفسه)، يعني: غير الإمام، وهو المأموم والمنفرد، يقولون: يجب عليه أن يسمع نفسه بالأذكار الواجبة، والصواب في هذه المسألة: أنه لا يجب عليه أن يسمع نفسه، وأنه يكفي أن يحرك لسانه، فإذا حرك لسانه بالأذكار الواجبة كفى ذلك، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    قبض اليدين

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته).

    يعني: بعد أن يكبر يقبض كوع يسراه، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أنه لا يرسل يديه وإنما يقبض، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    وقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أن القبض ليس سنة وإنما يرسل يديه، والصواب في هذه المسألة ما دلت له السنة، وما ذهب إليه جمهور أهل العلم، فنقول: السنة أن يقبض، وقد دلّ لذلك: حديث سهل بن سعد رضي الله عنه في صحيح البخاري ، وكذلك أيضاً: حديث وائل بن حجر ، وغير ذلك من الأحاديث.

    وقد ورد صفتان غير هذه الصفة التي ذهب إليها المؤلف، أي: القبض.

    الصفة الثانية: ما دل لها حديث سهل بن سعد : وهو أن يضع كفه على ذراعه اليسرى، وقد جاء ذلك في صحيح البخاري معلقاً: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى في الصلاة على ذراعه اليسرى.

    الصفة الثالثة: أيضاً دل لها حديث وائل بن حجر : وهي أن يضع كفه اليمنى على كفه اليسرى، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم من أهل العلم، وصحح الحديث ابن حبان وغيره، فهذه ثلاث صفات، وسبق أن ذكرنا: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة استحب أن ينوع، فيأتي بهذه الصفة في بعض الأحيان، وتلك في بعض الأحيان.

    قال المؤلف رحمه الله: (تحت سرته).

    يعني: يجعل يده اليمنى مع يده اليسرى تحت سرته، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أيضاً قول أبو حنيفة .

    الرأي الثاني: أنه يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله والشافعي .

    أما الحنابلة: فاستدلوا بحديث علي رضي الله عنه، قال: (من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة)، رواه الإمام أحمد وأبو داود ؛ ولكنه ضعيف، وحديث وائل بن حجر في وضع اليدين على الصدر أصح منه، كما رواه خزيمة بن ثابت .

    وأيضاً: حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه الذي جاء في صحيح البخاري : ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة )، وهذا يدل على أن اليدين تكونان على الصدر؛ لأنه إذا وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، فإن اليدين قطعاً ستكونان على الصدر، فهذا مما يؤيد ما ذهب إليه مالك والشافعي رحمهما الله.

    محل نظر المصلي

    قال رحمه الله تعالى: (وينظر مسجده).

    يعني: إذا كانت الصلاة فإن السنة أن ينظر إلى موضع السجود، ويدل لذلك: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وصلى لم يجاوز بصره موضع سجوده)، يستثنى من ذلك: ما إذا جلس للتشهد الأول أو التشهد الأخير فإنه يرمي ببصره إلى سبابته.

    دعاء الاستفتاح

    قال رحمه الله: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك...).

    هذا الذكر الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله يسمى بالاستفتاح، والاستفتاح سنة عند جمهور العلماء رحمهم الله، خلافاً للإمام مالك رحمه الله: فهو لا يرى أن الاستفتاح سنة، والصواب: ما عليه جمهور أهل العلم، وما دلت له الأحاديث الكثيرة في الاستفتاح.

    وأما مالك رحمه الله فيستدل بحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين؛ لكن المقصود بهذا الحديث هو الجهر، لكي نجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الدالة على مشروعية الاستفتاح... إلى آخره، كما سيأتينا عن الإمام مالك رحمه الله: أنه يرى أن الاستعاذة ليس سنة، وأن البسملة ليست سنة... إلى آخره، وكل هذا يدل له حديث أنس .

    والافتتاحات في الصلاة ورد لها صيغ متنوعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جمع هذه الاستفتاحات في رسالة مستقلة، منها ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، هذا استفتاح أبي سعيد رضي الله عنه.

    ومنها استفتاح علي ، واستفتاح ابن عباس، واستفتاح عمر ، وابن عمر وعائشة رضي الله عن الجميع، والإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً أبو حنيفة يختاران استفتاح أبي سعيد، والشافعي رحمه الله يختار استفتاح أبي هريرة: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد.

    على كل حال؛ كما ذكرنا الصواب في هذه المسألة: أن المسلم ينوّع، فتارة يأتي بهذا الاستفتاح، وتارة بهذا الاستفتاح، لكي يكون قد عمل بكامل السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مادام أن هذه الأذكار ثابتة.

    وهل يجمع بين استفتاحين أو لا يجمع بينهما؟

    أكثر أهل العلم أنه لا يجمع، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجمع، والصواب: أنه لا يجمع، وهذه القاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة، فإن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت بين التكبير والقراءة، ما تقول فيه؟ )

    قال: أقول: ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي )... إلى آخره، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الذكر، فدل ذلك: على أنه لا يجمع بين استفتاحين.

    قال رحمه الله: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك).

    التسبيح: هو التنزيه والتقديس، يعني: أنزهك يا الله عما لا يليق بجلالك وعظمتك، (وبحمدك) يعني: بحمدك سبحتك، وبنعمتك التي توجب عليّ حمداً سبحتك لا بحولي وبقوتي.

    قال: (وتبارك اسمك).

    قيل أن معنى ذلك: كثرت بركات اسمك، وقيل: بأن البركة مقرونة بذكر اسمك، وكل منهما صحيح، ولهذا تشرع التسمية في مواطن كثيرة، وقد ذكرا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن التسمية مشروعة عند ابتداء كل أمر مهم.

    قال: (وتعالى جدك).

    تعالى: بمعنى ارتفع وتعاظم، والجد: هو العظمة والقدر.

    قال: (ولا إله غيرك):

    يعني: لا معبود بحق إلا أنت يا الله.

    الاستعاذة

    قال رحمه الله: (ثم يستعيذ).

    يعني: بعد أن يستفتح يستعيذ، والاستعاذة إنما تشرع في الركعة الأولى، فإذا استعاذ في الركعة الأولى فإنه لا يستعيذ في الركعة الثانية، وإذا نسي الاستعاذة في الركعة الأولى فإنه يأتي بها في الركعة الثانية.

    والاستعاذة مستحبة، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، خلافاً للإمام مالك رحمه الله حيث يقول: لا تستحب في الفرض وإنما تسحب في النفل، وابن حزم رحمه الله: يرى وجوبها.

    والاستعاذة هل هي للصلاة أو للقراءة التي في الصلاة؟

    نقول: الاستعاذة هي للقراءة التي في الصلاة، وعلى هذا لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، هذا كله جائز، سواء أتى بهذه الصيغة، أو بتلك.

    البسملة

    قال: (ثم يبسمل).

    يعني يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، والبسملة تحتها مباحث، وأفردت في مصنفات مستقلة:

    المبحث الأول: هل هي مشروعة في الصلاة أو ليست مشروعة؟

    جمهور العلماء: على أنها مشروعة، والشافعية رحمهم الله تعالى يرون أنها واجبة، ويرون أن البسملة آية من الفاتحة، وآية من أول كل سورة، لكن الحنابلة والحنفية يرون أنها مستحبة، وأما الإمام مالك فيرى أنها غير مشروعة بل مكروهة في الفرض، وأما النفل فهي فيه مباحة.

    المبحث الثاني: هل البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة أو أنها ليست آية من الفاتحة... إلى آخره؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والإجماع منعقد على أن البسملة جزءٌ من آية في سورة النمل، وكذلك أيضاً: الإجماع منعقد على أنه لا يؤتى بالبسملة بين سورتي الأنفال وبراءة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لما جمعوا المصحف حصل عندهم إشكال هل الأنفال وبراءة سورة واحدة أو أنهما سورتان؟ فاتفقوا على الاستعاذة دون البسملة.

    بقينا فيما عدا ذلك، فالشافعية يرون أنها آية من الفاتحة ومن أول كل سورة.

    الرأي الثاني: رأي الحنابلة وكذلك أيضاً الحنفية حيث يرون أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه أنه قال: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:3]، قال الله: أثنى علىّ عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل ).

    فهذا الحديث يدل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، وهذا هو الصواب في هذه المسألة.

    وعلى هذا نقول: البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة، وإنما هي آية مستقلة في جميع القرآن يؤتى بها للابتداء بالسور.

    المبحث الثالث: قال المؤلف رحمه الله: (يبسمل سراً).

    يعني: لا يجهر بالبسملة، وهذا هو المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني رأي الشافعية الجهر بالبسملة؛ لأنهم يرون أن البسملة آية من الفاتحة ومن أول كل سورة، فكما أنك تجهر بالفاتحة كذلك تجهر بالبسملة.

    الرأي الثالث: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يجهر بالبسملة أحياناً للمصلحة، كالتعليم والتأليف؛ أي تأليفهم على الصلاة كما لو كان هناك شافعية، والشافعية يرون الجهر بالبسملة؛ لأنها من الفاتحة، وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الصواب في هذه المسألة، وفيه جمع بين أدلة هذه المسألة؛ لأن الحنابلة والحنفية يقولون: لا يشرع الجهر بالبسملة لحديث أنس رضي الله عنه أنه قال: لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] في أول القراءة ولا في آخرها.

    وأيضاً في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون الصلاة : بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])، والذين قالوا بالجهر بالبسملة استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]، ثم بعد ذلك قرأ بالفاتحة.

    فالصواب في هذه المسألة: أنه يجمع بين هذه الأحاديث.

    يقال: الغالب أنه لا يجهر بالبسملة؛ لكن في بعض الأحيان يجهر بها، وكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا كان هناك مصلحة تترتب على ذلك.

    1.   

    قراءة الفاتحة وسورة

    قراءة الفاتحة

    قال: (ثم يقرأ الفاتحة).

    ويدل لذلك: حديث أبي قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ فاتحة الكتاب وسورة)، وحديث عبادة : ( لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب )، وحديث أبي هريرة ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشكيلةً أو حرفاً أو ترتيباً، لزم غير مأموم إعادته).

    يقول المؤلف رحمه الله: (يقرأ الفاتحة، فإن قطعها) يعني: قطع الفاتحة (بذكر) يعني: لما قال: الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:3]، جعل يذكر الله، مثلاً يقول: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، (أو سكوت)، سكت، (غير مشروعين وطال)، يلزمه أن يعيد إذا قطعها بذكر، أو سكوت بشرطين:

    الشرط الأول: أن يكونا غير مشروعين.

    الشرط الثاني: أن يطول هذا الفصل.

    وعلى هذا؛ لو أنه قطع بذكرٍ مشروع فإن هذا لا بأس به، ولو قطع بسكوت مشروع فإن هذا لا بأس به، كذلك أيضاً لو قطع بذكر أو سكوت غير مشروعين ولم يطل فإن هذا لا بأس به، ويكون السكوت مشروعاً كما لو سكت لكي يستمع إلى قراءة الإمام، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    أو قطعها بذكر مشروع في الصلاة فنقول: بأن هذا جائز، مثال ذلك: الإمام يقرأ ومر بآية وعد، فسأل الله عزّ وجل، ومر بآية وعيد فاستعاذ، أو رحمة فسأل الله الرحمة... إلى آخره، فهذا ذكر مشروع.

    قال رحمه الله: (أو ترك منها تشكيلة)، فأصبح الإخلال بقراءة الفاتحة له صور:

    الصورة الأولى: أن يأتي بذكر غير مشروع، ويطول الفصل.

    الصورة الثانية: أن يسكت سكوتاً غير مشروع، ويطول الفصل.

    الصورة الثالثة: قال: (أو ترك منها تشكيلة)؛ لأن التشكيلة تقوم مقام الحرف، فإذا ترك تشكيلة من تشكيلات الفاتحة نقول: بأن هذا يخل بقراءة الفاتحة.

    الصورة الرابعة: أو (حرفاً)، إذا ترك حرفاً من حروف الفاتحة فإنه يخل بها.

    الصورة الخامسة: أو (ترتيباً)، يعني: لم يرتب الآيات كما جاءت، أيضاً نقول: بأن هذا يخل بقراءة الفاتحة.

    والصورة السادسة ما ذكرها المؤلف رحمه الله: إذا لحن لحناً يحيل المعنى.

    فهذه ست صور يترتب عليها الإخلال بقراءة الفاتحة، قال: لزم غير مأموم إعادتها، والغير مأموم من هو؟ هو الإمام والمنفرد، هذه الست صور في الإمام والمنفرد، أما المأموم فلو أنه سكت سكوتاً غير مشروع وطال، أو ترك حرفاً، أو ترك تشكيلةً، أو لحن لحناً، يغير المعنى فإن هذا لا يضر، لماذا؟

    لأن المأموم -على المذهب- لا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة، فالإمام يتحملها عنه، سواء كان ذلك في الصلاة السرية، أو كان في الصلاة الجهرية، فلو جاء في صلاة العصر وكّبر، ووقف ولم يقرأ شيئاً، ثم ركع الإمام وركع معه، يقولون: بأن صلاته صحيحة، وهذه المسألة سيأتينا بحثها في أحكام الإمامة والائتمام، حيث يتطرقون لها هناك، ويقولون بأن الإمام يتحمل عن المأموم، والصواب في هذه المسألة: أن الإمام يتحمل عن المأموم فيما يجهر فيه، أما الركعات التي يسرّ فيها الإمام، فلابد أن يقرأ المأموم، وهذا مذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    التأمين

    قال: (ويجهر الكل بآمين في الجهرية).

    يعني: يجهر الإمام والمأموم والمنفرد بآمين، ومعنى آمين: اللهم استجب، في الركعة الجهرية يجهر الكل بآمين، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أمن الإمام فأمنوا )، وابن حزم رحمه الله يرى أن التأمين واجب على المأموم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أمن الإمام فأمنوا )، وهذا أمر، وأما المنفرد والإمام فيرى أن التأمين لهما سنة، وهل يجتمع الجميع في التأمين، أو نقول: بأن الإمام يؤمن أولاً ثم يؤمن المأموم؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن الجميع يؤمنون، يعني: يؤمن الإمام ويؤمن المأمون جميعاً، ودليل ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه: ( فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة...)، فهذا يدل على أنهم يستمعون.

    الرأي الثاني: يؤمن الإمام أولاً، ثم بعد ذلك يؤمن المأموم؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أمن الإمام فأمنوا ).

    والأقرب -والله أعلم- هو الرأي الأول: أنه يؤمن الإمام والمأموم جميعاً، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمن الإمام فأمنوا )، فإن المراد بذلك: إذا شرع الإمام، ومن ذلك قول الله عزّ وجل: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98]، يعني: إذا شرعت، وليس المعنى إذا انتهيت من قراءة القرآن.

    قراءة السورة بعد الفاتحة

    قال رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ بعدها سورة).

    يعني: يقرأ بعد الفاتحة سورة كاملة، هذا هو السنة، وذكر العلماء رحمهم الله: أنه إذا طالت السورة لا بأس أن يفرقها، وذكر ابن القيم رحمه الله: أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ آية، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة كاملة، وهذا خلاف ما عليه كثير من الأئمة اليوم، نجد بعضهم دائماً لا يعنى بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويدل لذلك: حديث أبي قتادة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب)، فنقول: يقرأ سورة، ولو قرأ في بعض الأحيان آيات فإن هذا لا بأس به؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر في الركعة الأولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136]... إلى آخر الآية، وقرأ في الركعة الثانية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64] ... إلى آخر الآية.

    وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل، ولكن السنة أن يُعنى بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقرأ سورة، كما دل له حديث أبي قتادة رضي الله عنه كما سيأتي إن شاء الله.

    قال رحمه الله: (تكون في الصبح من طوال المفصل).

    يقول لك المؤلف: السنة أن يقرأ في الصبح من طوال المفصل، والمفصل مختلف في حده، فقيل: من سورة ق، وقيل: من سورة الحجرات، وقيل: من سورة الفتح، وقيل: من سورة محمد... إلى آخره.

    وأقرب شيء وهو الذي دل له حديث أوس رضي الله عنه: أنه من سورة ق إلى آخر القرآن، فيقول: في صلاة الفجر السنة أن يقرأ بطوال مفصل، وطوال المفصل كما ذكرنا تبدأ من سورة ق إلى سورة النبأ، وأواسطه من سورة النبأ إلى سورة الضحى، ثم بعد ذلك قصار المفصل إلى آخر القرآن.

    فيقول: (في صلاة الصبح من طوال المفصل)، هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم الغالب، ويدل لذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب سورة الطور، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالواقعة ونحوها من السور.

    وكذلك أيضاً افتتح سورة المؤمنون حتى جاء ذكر موسى فأدركته سعلة ثم ركع عليه الصلاة والسلام، وأيضاً حديث أبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة.

    وأيضاً حديث رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أسفروا بالفجر، فإنه أعظم الأجر )، أو أعظم لأجوركم.

    ويدخل في الإسفار إطالة القراءة، كما فسره العلماء كـالطحاوي وغيره، المهم أن نقول: يقرأ بطوال المفصل: كالذاريات، والطور، والواقعة، والنجم، والقمر... إلى آخره، هذه هي السنة.

    خلافاً لبعض الأئمة نجد أنه يقرأ بقصار المفصل، أو يقرأ بآيات ونحو ذلك، السنة أن يعنى الإمام بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الهدي الغالب، وقد ذكر العلماء رحمهم الله: أنه إذا كان هناك عذر فلا بأس أن يقرأ بالقصار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، كما في صحيح مسلم ، وأيضاً قرأ بالزلزلة.

    قال رحمه الله: (وفي المغرب من قصاره).

    هذا هو الهدي الغالب، أن يقرأ في المغرب من قصار المفصل، ويدل لذلك: حديث سليمان بن يسار قال: كان فلان يصلي بنا، فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف العصر، ويقرأ بالفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، والعشاء من أواخره.

    الشاهد هنا أنه قال: الفجر بطوال المفصل، وقال: المغرب بقصاره، وقال: العشاء بأواسطه، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: (ما صليت صلاة أشبه بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه)، المهم في المغرب يقرأ بصغار مفصل، كما دل لذلك حديث رافع بن خديج رضي الله عنه: (أنهم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم يخرجون ينتضلون -يعني: يرمون بالسهام- فيرون مواقع رميهم من الإسفار)، هذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بادر بالصلاة وأنه خففها.

    وكذلك أيضاً قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1]، وفي بعض الأحيان أطال النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ بالأعراف كما في البخاري ، وقرأ بسورة الطور كما في مسلم ، وقرأ بالمرسلات.

    قال: (وفي الباقي من أوساطه).

    الباقي: الظهر والعصر والعشاء، أما العصر والعشاء فبأوساطه، هذا مسلم وبالنسبة للظهر فظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يقرأ بأوساط المفصل؛ لكن السنة دلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر تارة يقرأ بأواسط المفصل، وتارة يقرأ بطوال المفصل، ويدل لذلك: حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ في الظهر والعصر : وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1]، ونحوها من السور.

    وأيضاً حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وفي العصر بنحو ذلك، كذلك أيضاً: ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان في الظهر يطيل، يعني: تارة يقصر، وتارة يطيل يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين في صلاة الظهر في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وكانت تقام صلاة الظهر، ويذهب الذاهب إلى البقيع ويقضي حاجته، ثم يرجع إلى أهله، ويأتي والنبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل، فنقول: الظهر تارة بالأواسط وتارة بالطوال، أما العصر: فبالأواسط كما سمعتم دليل ذلك من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، وأما العشاء فأيضاً بالأواسط، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه لما أطال القراءة أن يقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] ... إلى آخره.

    وقد تقدم أيضاً حديث سليمان بن يسار : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء بأواسط المفصل، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم، : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1] في صلاة العشاء.

    ضابط القراءة الصحيحة

    قال رحمه الله تعالى: (ولا تصح بقراءة خارجة عن مصحف عثمان ).

    مصحف عثمان هو المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه في وقته؛ لأنه لما فتحت الفتوح، وتفرق الصحابة في الأمصار، وكان كل له قراءة، حتى أن الناس حصل بينهم إشكال في القراءات، فجمعهم عثمان رضي الله تعالى عنه على مصحف واحد هو لسان قريش، وأمر بإحراق ماعدا ذلك.

    فيقول لك المؤلف رحمه الله: (لا تصح بقراءة خارجة عن مصحف عثمان ).

    وعن الإمام أحمد رحمه الله: أن كل قراءة صح سندها للنبي صلى الله عليه وسلم تصح القراءة بها، وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويدل لذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود ، ومعاذ ، وسالم ، وأبي بن كعب )، فمثلاً قراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات، بزيادة متتابعات، يقول: إذا صح سندها صحت القراءة بها في الصلاة.

    1.   

    الركوع والرفع منه

    التكبير للركوع ورفع اليدين عنده

    قال رحمه الله: (ثم يركع مكبراً).

    بعد أن ينتهي من القراءة فإنه يركع مكبراً، والتكبير يكون حين الهوي؛ لأن التكبير هو ذكر الانتقال، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( يكبر حين يركع )، فالقيام له ذكر، والركوع له ذكر، والانتقال له ذكر، وهو التكبير.

    قال رحمه الله: (رافعاً يديه).

    هذا هو الموضع الثاني من المواضع التي ترفع فيها الأيدي، وهو عند الركوع، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حين يكبر وحين يركع)، وعند الحنفية: أن رفع الأيدي لا يشرع، والصواب في ذلك: هو ما دل له حديث ابن عمر رضي الله عنه، وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه في ترك رفع الأيدي عند الركوع فضعيف لا يثبت.

    صفة الركوع وبيان الذكر المشروع فيه

    قال: (ويضعهما على ركبتيه، مفرجتي الأصابع، مستوياً ظهره، ويقول: سبحان ربي العظيم).

    الركوع له صفتان:

    الصفة الأولى: صفة مجزئة، والصفة المجزئة كيفما ركع، وضابط الركوع المجزي: أن يكون إلى الركوع أقرب منه إلى القيام بحيث إذا أنحى، من يراه يقول: إنه راكع، فهذا ركوع مجزي.

    أما القسم الثاني: وهو الركوع الكامل، وهذا كما ذكر المؤلف رحمه الله: يرفع يديه عند الركوع، ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع كالقابض لهما، ويجافي عضديه عن جنبيه إذا لم يؤذ، ويجعل رأسه حيال ظهره، ويهصر ظهره بحيث يكون ظهره مستوياً، هذا هو الركوع المستحب، وهذا الذي ذكرنا هو الذي دل له حديث أبي حميد الساعدي في البخاري ، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره)، وفي حديث عائشة: (كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه)... إلى آخره.

    في حديث وائل بن حجر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرج أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه)... إلى آخره، فيتلخص لنا: أن الركوع له هاتان الصفتان.

    قال: (ويقول سبحان ربي العظيم).

    المشهور أن هذا ذكر واجب عند الحنابلة خلافاً لجمهور أهل العلم رحمهم الله، ويدل لذلك: حديث حذيفة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركع جعل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم )، رواه مسلم في صحيحه، وهل يزيد وبحمده؟

    ظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد؛ لكن نقول: وبحمده دل لها حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وعلى هذا يأتي بها في بعض الأحيان، والواجب كما سيأتينا أن يقول ذلك: مرة واحدة.

    المصلي لا يخلو من ثلاث حالات:

    إما أن يكون منفرداً.

    وإما أن يكون مأموماً.

    وإما أن يكون إماماً.

    فإن كان منفرداً فأمير نفسه، يعني: له أن يطيل؛ لكن السنة أن تكون صلاته متوازية، إذا أطال القراءة أطال الركوع، إذا قصر القراءة قصر الركوع، وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى لنفسه فليطل ما شاء )، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وأما إن كان مأموماً فإنه يذكر الله عزّ وجل بتسبيح، بتعظيم، أو غيره مما ورد، ولا يسكت لقول النبي صلى الله عليه وسلم، ( وأما الركوع فعظموا فيه الرب ).

    وأما إن كان إماماً فإن له أن يسبح إلى عشر تسبيحات، يعني: قدر الركوع عشر تسبيحات ولا يزيد على ذلك، سواء استغرق الركوع هذه التسبيحات، أو بتسبيحة وذكر آخر مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، المهم: أن الإمام الذي يرتبط به الآخرون ألا يزيد ركوعه على قدر عشر تسبيحات، وسواء استغرق بهذه التسبيحات، أو بغيرها مما ورد.

    ويدل لذلك حديث أنس رضي الله عنه، أنه قال: ما صلت وراء أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبهه صلاة ً من هذا الفتى، يعنى: عمر بن عبد العزيز ، فحزروا قدر ركوعه فإذا هو عشر تسبيحات.

    وسيأتينا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كما في حديث البراء بن عازب : (أن ركوعه، فرفعه من الركوع، فسجدته، فجلسته بين السجدتين قريب من السواء)، هذه الأركان الأربعة تكون قريبة من السواء، يعني: الركوع، الرفع من الركوع، السجود، الجلسة بين السجدتين، كل واحدة تكون قدر عشر تسبيحات.