إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأذان والإقامة شعيرة لها فضائل عظيمة وهما من الفروض الكفائية التي يقاتل أهل البلد إذا تركوها، ويشترط فيمن تجب عليهم أن يكونوا رجالاً أحراراً، ويستحب فيمن يؤذن أن يكون صيتاً أميناً عالماً بالوقت، ومن توافرت فيه هذه الأمور قدم عند المشاحة، فإن تساويا قدم أ

    1.   

    الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب الأذان والإقامة:

    هما فرضا كفاية على الرجال المقيمين للصلوات المكتوبة، يقاتل أهل بلد تركوهما، وتحرم أجرتهما، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع، ويكون المؤذن صيتاً أميناً عالماً بالوقت، فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه، ثم أفضلهما في دينه وعقله، ثم من يختاره الجيران، ثم قرعة.

    وهو خمس عشرة جملة يرتلها على علو، متطهراً, مستقبل القبلة، جاعلاً إصبيعه في أذنيه، غير مستدير، ملتفتاً في الحيعلة يميناً وشمالاً، قائلاً بعدهما في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين].

    تقدم لنا حكم الصلاة، وأنها واجبة، وذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- على من تجب الصلاة، وذكر أيضاً حكم ترك الصلاة، وأن تارك الصلاة لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يتركها جحداً لوجوبها.

    والحالة الثانية: أن يتركها تهاوناً وكسلاً.

    وذكرنا حكم كل حالة من هاتين الحالتين.

    ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى متى يحكم بكفره؟ ومتى يقتل؟ وهل يستتاب أو لا؟

    تقدم الكلام على هذه المسائل.

    تعريف الأذان وكيفية تشريعه

    قال رحمه الله: (باب الأذان).

    لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- حكم الصلاة ذكر حكم الإعلام بوقت الصلاة، وقدم الأذان على وقت الصلاة لأن الأذان إعلام بالوقت، فكان صنيعه مناسباً.

    والأذان في اللغة: الإعلام.

    وأما في الاصطلاح فهو: التعبد لله عز وجل بالإعلام بدخول وقت الصلاة أو بفعل الصلاة.

    واختلف العلماء رحمهم الله في السنة التي شرع فيها، على أقوال: قيل: بأنه شرع في السنة الأولى من الهجرة.

    وقيل: بأنه شرع في السنة الثانية.

    وقيل: قبل الهجرة.

    والذي يظهر -والله أعلم- كما رجحه ابن حجر رحمه الله أنه شرع في السنة الأولى من الهجرة.

    وسبب الأذان: ما جاء في حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قدموا المدينة، فكانوا يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس هناك نداء للصلاة، فقال بعضهم: لو اتخذتم ناقوساً كناقوس النصارى، وقال بعضهم: لو اتخذتم بوقاً كبوق اليهود، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا بلال! قم فناد بالصلاة ).

    وكذلك أيضاً ما جاء من قصة عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في رؤيته للأذان في المنام، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها رؤيا حق ).

    فضل الأذان والمفاضلة بينه وبين الإمامة

    والأذان فضله عظيم وأجره كبير، ولهذا الإمام أحمد والشافعي يقولان الأذان أفضل من الإمامة؛ لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون ).

    وأيضاً ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ).

    وكذلك أيضاً حديث أبي سعيد : ( فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ). وهذا يدل على فضل الأذان.

    وعند أبي حنيفة ومالك أن الإمامة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا أئمة، ولم يكونوا مؤذنين.

    وأيضاً الإمامة رتب عليها أوصاف شرعية، ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ). وهذه الأوصاف الشرعية تدل على فضيلة الإمامة، وعظيم مرتبتها.

    والأقرب في هذه المسألة أن يقال بأن هذا يرجع إلى حال الشخص، فقد تكون حال الشخص مهيأة لأن يكون إماماً، فنقول: الأفضل أن يكون إماماً، وقد تكون حاله مهيأة لأن يكون مؤذناً، فنقول: الأفضل أن يكون مؤذناً، فهذا يختلف باختلاف الناس، فمثلاً طالب العلم الذي يقدر أن يفيد الناس وأن يوجههم ويكون عنده علم من السنة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذا نقول: الأفضل له أن يكون إماماً، وغيره ممن يكون عنده مثابرة وصبر واجتهاد في التقدم إلى الصلاة إلى آخره فنقول: الأفضل أن يكون مؤذناً، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: لولا الخلافة لأذنت. فـعمر أشغاله ومسئوليته تمنعه من أن يكون مؤذناً؛ لأن الأذان يحتاج إلى مثابرة ومصابرة وجد... إلى آخره، ولهذا -كما سلف- النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه لم يكونوا مؤذنين.

    والدليل على مشروعية الأذان الكتاب والسنة والإجماع بين المسلمين.

    أما الكتاب فقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة:9].

    والسنة كما سيأتينا إن شاء الله أحاديث كثيرة، والإجماع قائم على ذلك.

    حكم الأذان والإقامة

    قال رحمه الله: (هما فرضا كفاية).

    يقول المؤلف رحمه الله بأن الأذان والإقامة فرض كفاية، فأفاد المؤلف -رحمه الله تعالى- بهذه الجملة مسألتين:

    المسألة الأولى: أنهما فرض.

    المسألة الثانية: أن هذا الفرض على الكفاية.

    أما الدليل على أنهما فرض: فحديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ). هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وهذا الحديث في الصحيحين.

    وأما كونه على الكفاية فلأن الملاحظ في هذا الأمر هو العمل وليس العامل. وهذه قاعدة سبق أن نبهنا عليها، وأن الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية: أنه إذا كان الملاحظ في الأمر هو العامل فهو فرض عين، وإن كان الملاحظ هو العمل - يعني: المقصود هو تحصيل العمل- فإن هذا فرض كفاية.

    وما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- من أن الأذان والإقامة فرض كفاية هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، خلافاً لما عليه أكثر أهل العلم من أنهما سنة، والصواب هو: ما ذهب إليه المؤلف, وهو مذهب الإمام أحمد ، واختيار شيخ الإسلام رحمه الله.

    شروط وجوب الأذان والإقامة

    قال رحمه الله: (على الرجال).

    لما بين المؤلف -رحمه الله تعالى- بأن الأذان والإقامة فرض، شرع في بيان شروط من يجب عليه هذا الفرض:

    فنقول: الشرط الأول: أن يكونوا رجالاً، فيجب على الرجال.

    وقولنا: أن يكونوا رجالاً هذا يخرج الرجل الواحد، فالمنفرد الأذان والإقامة في حقه سنة، كما سيأتينا إن شاء الله، وكذلك أيضاً النساء لا يجب عليهن أذان ولا إقامة، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

    ودليل ذلك: ما سلف من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ). والمقصود بالرجال هنا أن يكونوا اثنين فأكثر؛ لأن الاثنين فأكثر جماعة, فأقل الجماعة اثنان.

    الشرط الثاني: أن يكونوا أحراراً.

    وعلى هذا؛ الرجال الأرقاء لا يجب عليهم أذان ولا إقامة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وسبق أن أشرنا إلى قاعدة، وهي: أن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في العبادات البدنية المحضة, إلا لدليل. وهذا قول الظاهرية رحمهم الله.

    وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة: أن الأذان والإقامة كما يجب على الرجال الأحرار أيضاً يجب على الأرقاء.

    قال: (المقيمين).

    هذا الشرط الثالث، أن يكونوا مقيمين.

    وعلى هذا؛ إذا كانوا مسافرين فإن الأذان والإقامة لا يجبان عليهم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد .

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه يجب الأذان والإقامة على المسافرين، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر مالك بن الحويرث وصاحبه بالأذان والإقامة وهما في حال السفر.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخل بالأذان والإقامة لا في حال السفر ولا في حال الإقامة.

    قال: (للصلوات المكتوبة).

    الشرط الرابع: يجب الأذان والإقامة للصلوات الخمس.

    وعلى هذا؛ ما عدا هذه الصلوات الخمس لا يجب لها أذان ولا إقامة، فمثلاً صلاة العيد لا يجب لها أذان ولا إقامة، وكذلك أيضاً صلاة الاستسقاء، المهم الوجوب إنما هو للصلوات الخمس؛ لأن الدليل هكذا ورد في الصلوات الخمس، وإن كان بعض الصلوات غير الخمس ورد لها نداء، كما سنشير إلى ذلك إن شاء الله، أما الصلوات الخمس والجمعة فهذه هي التي يجب لها الأذان والإقامة.

    والصلاة بالنسبة للإعلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الصلوات التي يشرع لها الإعلام بالأذان والإقامة، وهذه هي الصلوات الخمس والجمعة.

    القسم الثاني: الصلوات التي يشرع لها الإعلام بالنداء بقول: الصلاة جامعة، وهذه صلاة الكسوف.

    القسم الثالث: بقية الصلوات عدا ما سبق، وهذه لا يشرع لها أذان ولا إقامة ولا نداء.

    الأذان والإقامة للنساء

    سبق أن ذكرنا بأن النساء لا يجب عليهن أذان ولا إقامة، فهل يستحب لهن ذلك، أو لا يستحب لهن ذلك؟

    نقول: عندنا أذان وعندنا إقامة.

    أولاً: ما يتعلق بالأذان، إذا كانت واحدة فهذا لا إشكال بأنه لا يشرع لها أن تؤذن كالرجل كما سيأتينا إن شاء الله، لكن إذا اجتمعن فهل يشرع لهن الأذان، أو لا يشرع لهن الأذان؟ جمهور العلماء على أنه لا يشرع لهن الأذان، والحنابلة رحمهم الله تعالى ينصون على الكراهة.

    وعن الإمام أحمد أنه يباح لهن الأذان.

    أما بالنسبة للإقامة فهذا أيضاً موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، أما المرأة الواحدة فهذه لا تقيم، لكن إذا اجتمعن هل يقمن الصلاة أو لا يقمن؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الإقامة مكروهة لهن، وعلى هذا؛ يصلين بلا أذان ولا إقامة.

    والرأي الثاني رأي الشافعي رحمه الله تعالى: أن الإقامة لهن سنة.

    والأقرب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من أن الإقامة لهن سنة، فإذا اجتمعن وأردن أن يصلين فنقول: تستحب لهن الإقامة، أما الوجوب فلا تجب؛ لأنهن لسن من أهل الجمعة ولا الجماعة، ولورد ذلك عن بعض الصحابيات رضي الله عنهن، فنقول: تسن لهن الإقامة.

    أما بالنسبة للرجل إذا كان منفرداً فإنه يسن له أن يؤذن، وأن يقيم، فمثلاً لو كان راعياً في الصحراء أو كان في مزرعة أو كان مسافراً في الطريق فتوقف للصلاة فنقول: يستحب له أن يؤذن، ويستحب له أن يقيم، ولا يجب عليه شيء من ذلك، ودليل الاستحباب: حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يعجب ربك من راعي غنم على رأس الشظية للجبل، يؤذن للصلاة ويصلي، فيقول الله: انظروا إلى عبدي يؤذن للصلاة ويصلي ).

    حكم أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة

    قال المؤلف رحمه الله: (يقاتل أهل بلد تركوهما).

    لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، وعلى هذا؛ يقاتل أهل بلد تركوهما.

    ولم يقل المؤلف رحمه الله: يقتل، وإنما قال: يقاتل؛ لأن المقصود هو تحصيل هذا الأذان، فإذا حصل هذا الأذان فإنه يجب الانكفاف عنهم، فلا يجهز على جريحهم، ولا يقتل مدبرهم، ولا يسبى مقاتلهم، ولا يغنم لهم مال.. إلى آخره.

    وقد جاء في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يغير على قوم أمسك، فإن سمع أذاناً وإلا أغار ). فهذا ربما يؤخذ منه دليل لما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    المكافأة على الأذان

    قال: (وتحرم أجرتهما، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع).

    يعني: ما يؤخذ من العوض على الأذان نقول بأنه ينقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون أجرة، والأجرة: ما يكون على طريق المشارطة، يعني: يشترط أن يؤذن في هذا المسجد, وأنه يعطى في كل شهر كذا وكذا، فيقول لك المؤلف رحمه الله بأن هذا لا يجوز، وهذا مذهب أبي حنيفة, خلافاً لـمالك والشافعي من أن هذا جائر.

    ودليل ذلك: حديث عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً ).

    وأما الذين قالوا بأنه جائز فاستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ).

    لكن الصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الإمام أحمد وأبو حنيفة من أن هذا لا يجوز؛ لأن حديث عثمان ظاهر في عدم الجواز.

    القسم الثاني: قال: (رزق من بيت المال), يعني: مكافأة من بيت المال، هذا جائز؛ لأن بيت المال يصرف في المصالح، ومن المصالح ما يتعلق برزق الأئمة والمؤذنين.. إلخ, ولهذا يجوز الأخذ من بيت المال بلا خلاف.

    القسم الثالث: أن يكون جعالة، كأن يقول قائل: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، فهذا أيضاً جائز ولا بأس به.

    القسم الرابع: أن يعطى بلا مشارطة، يعني: بعد أن انتهى من التأذين في هذا المسجد لمدة شهر أو شهرين جاء شخص وأعطاه مكافأة, فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    قال: (لعدم متطوع) يعني: إذا وجد شخص يتطوع بالأذان فإننا نقدمه على الشخص الذي يؤذن برزق من بيت المال. وهذا كله من محافظة العلماء رحمهم الله تعالى على بيت المال، فإذا كان هناك شخص يتطوع مجاناً فهذا يقدم، ولأن المتطوع أقرب إلى الإخلاص.

    ما يستحب في المؤذن

    قال: (ويكون المؤذن صيتاً).

    ذكر المؤلف مستحبات في المؤذن فقال رحمه الله تعالى: يستحب في المؤذن أن يكون صيتاً، يعني: رفيع الصوت، ويدل لهذا: حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في باديتك أو غنمك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ).

    ولأن ركن الأذان هو رفع الصوت، فكلما كان أرفع صوتاً كلما كان أبلغ في الإعلام.

    قال: (أميناً).

    من سنن الأذان: أن يكون المؤذن أميناً، يعني: يؤتمن على الوقت، ويؤتمن على عورات الناس، وهذا كان في الزمن السابق، وأيضاً في الزمن الحاضر الآن، فهو يؤذن من على الصومعة، فربما يرى من تحته من بيوت جيران المسجد، وكذلك أيضاً بالنسبة للوقت، يكون عن طريق مراعاة العلامات الأفقية، وأما الآن فنعرف أن الوقت يكون عن طريق الحسابات.

    فيقول المؤلف رحمه الله: يشترط أو يسن أن يكون أميناً؛ لقول الله عزّ وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    وظاهر كلامه أن الأمانة سنة، والأقرب أنها واجبة.

    قال: (عالماً بالوقت).

    يعني: يستحب أن يكون عالماً بالوقت. وعلى هذا إذا كان جاهلاً بالوقت فلا بأس به ويتعلم، فـابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه كان رجلاً أعمى، وكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، يعني: دخل الصباح .. طلع الصباح. هذا يدل على أن الأعمى -كما كان في الزمن السابق- ليس عالماً بالوقت، ولا يعرف العلامات الأفقية، فكيف يستدل بها؟! طلع الفجر .. غربت الشمس .. الشفق الأحمر, إلى آخره، ومع ذلك كان أحد مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    المشاحة في الأذان

    قال: (فإن تشاح فيه اثنان).

    يعني: تنازع في الأذان اثنان, كل منهما يريد أن يؤذن، فمثلاً هذا المسجد تقدم له مؤذنان، ليس له مؤذن راتب، أو أناس في سفر فأرادوا أن يعينوا مؤذناً، فتنازع اثنان، من نقدم؟

    قال المؤلف رحمه الله: (قدم أفضلهما فيه).

    أي: فيما ذكر من الخصال السابقة، أن يكون صيتاً، أن يكون أميناً، أن يكون عالماً بالوقت, إلى آخره، فمن توفرت فيه هذه الخصال تقدم على غيره. هذه المرتبة الأولى.

    قال: (ثم أفضلهما في دينه وعقله).

    هذه المرتبة الثانية: تساووا في الخصال السابقة نقدم أفضلهما في دينه وعقله، دينه هذا ظاهر, إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    لكن العقل كيف نقدم أفضلهما في عقله؟ يعني: الذي يكون عنده رجاحة عقل يقدم؛ لأن المؤذن يراعي أناساً مختلفين في العلم والجهل، والصغر والكبر.. إلى آخره, فهو يتعامل مع فئات مختلفة، فإذا لم يكن عنده رجاحة عقل لن يستمر في الأذان، لكن إذا كان عنده رجاحة عقل وسياسة واستطاع أن يسوس الناس إلى آخره فإنه يستطيع أن يثبت.

    قال: (ثم من يختاره الجيران).

    هذه المرتبة الرابعة: اختيار الجيران أو أكثر الجيران؛ لأن الحق متعلق بهم، وهم متعلقون بهذا الرجل، فالأذان لإعلامهم, وهذا الرجل سيشهر ما يتعلق بأوقات الصلاة وأوقات القيام ونحو ذلك.

    قال: (ثم قرعة).

    وهذه المرتبة الأخيرة، وهي المرتبة الخامسة: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: القرعة، ويدل لذلك: ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ).

    ألفاظ الأذان

    قال: (وهو خمس عشرة جملة).

    هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى صفة الأذان، لما ذكر المؤلف رحمه الله شروط من يجب عليه الأذان إلى آخره، وذكر شيئاً من السنن التي تستحب في المؤذن -سيذكر المؤلف رحمه الله أيضاً شيئاً من سنن الأذان- شرع في بيان كيفية الأذان، وأن الأذان خمس عشرة جملة، والذي ورد في السنة أذانان.

    الأذان الأول: أذان بلال، وهو خمس عشرة جملة كما قال المؤلف رحمه الله.

    والأذان الثاني: أذان أبي محذورة.

    وأذان أبي محذورة كأذان بلال , إلا أن أذان أبي محذورة فيه الترجيع، أما أذان بلال فإنه لا ترجيع فيه.

    فعندنا أذان بلال، وعندنا أذان أبي محذورة، وهذه كلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الإمام أحمد وكذلك الإمام أبو حنيفة يذهبان إلى أذان بلال.

    والشافعي يأخذ بأذان أبي محذورة .

    والإمام مالك رحمه الله تعالى يأخذ بما جاء في حديث أبي محذورة من أن التكبير في أول الأذان مثنى, وليس مربعاً، يعني: يكبر مرتين فقط، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي محذورة .

    فالآراء ثلاثة, أحمد وأبو حنيفة يأخذان بأذان بلال .

    والشافعي يأخذ بأذان أبي محذورة .

    ومالك يأخذ بتثنية التكبير في أول الأذان، كما جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه.

    وأذان بلال معروف, هو الذي يؤذن عندنا، وأذان أبي محذورة كأذان بلال, إلا أن فيه الترجيع بالشهادتين.

    والترجيع هو أن يأتي بالشهادتين سراً، ثم بعد ذلك يرجع ويأتي بهما بصوت مرتفع، فيقول إذا انتهى من التكبير: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، بحيث يسمع من حوله، ثم يرجع مرة أخرى ويرفع صوته ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وهكذا.

    وأما أيهما أرجح فعندنا قاعدة ذهب إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكرها ابن رجب رحمه الله في القواعد: أن العبادات الواردة على صفات متعددة يؤخذ بهذا تارة، ويؤخذ بهذا بتارة أخرى. فنقول: يؤذن تارة بأذان بلال ، ويؤذن تارة بأذان أبي محذورة ، فيعمل بالسنة كلها. وسبق أن ذكرنا هذه القاعدة، وذكرنا أيضاً الفوائد المترتبة عليها.

    أما قول الإمام مالك رحمه الله بتثنية التكبير في أوله بدلاً من أن تكبر أربع تكبيرات في أول الأذان، ففي حديث أبي محذورة تكبر مرتين، لكن هذا ضعيف، وإن كان وارداً في صحيح مسلم ؛ لأن حديث أبي محذورة جاء في السنن وفيه التكبير أربعاً في أول الأذان، وهذا هو الذي يوافق أذان بلال رضي الله تعالى عنه، فاختيار الإمام مالك فيما يتعلق بالأذان وفيما يتعلق بالإقامة هذا فيه ضعف.

    سنن الأذان

    قال رحمه الله: (يرتلها على علو).

    هذه سنة من سنن الأذان، ويدل لهذا: أن بلالاً رضي الله تعالى عنه كان يؤذن على سطح بيت امرأة من بني النجار، وكان أعلى بيت قرب المسجد.

    ولأنه إذا كان على علو كان أبلغ في الإعلام. والآن مكبرات الصوت هي التي ترفعه, فيكون أبلغ للأذان.

    وقوله: (على علو) هذا يؤيد الآن ما يتعلق بمكبرات الصوت، ولأن المقصود هو الإعلام.

    قال: (متطهراً).

    هذه السنة الثانية تضاف إلى ما تقدم من السنن التي ذكرها المؤلف رحمه الله، ولو أن المؤلف جمع هذه السنن في مكان واحد لكان أحسن.

    قال: (متطهراً) يعني: يستحب أن يكون متطهراً من الحدث الأكبر والحدث الأصغر، ويدل لذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ).

    ولو أذن وهو محدث فاتته السنة، لكن إن كان جنباً فالعلماء رحمهم الله يقولون بأنه يكره أن يؤذن ويقيم وهو جنب، وكذلك أيضاً المحدث يقولون بأن هذا يكره.

    قال: (مستقبل القبلة).

    هذه السنة الثالثة. ويدل لذلك الإجماع، فالإجماع قائم على أنه يستحب للمؤذن أن يستقبل القبلة، وقد ذكر الألباني رحمه الله تعالى أن استقبال القبلة ثبت في حديث عبد الله بن زيد في قصة الملك الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام، وأنه قام متوجهاً، فهذا يدل على استحباب التوجه إلى القبلة, وكما ذكرنا الإجماع قائم على ذلك.

    قال: (جاعلاً إصبعيه في أذنيه).

    هذه السنة الرابعة من سنن الأذان: أن يجعل إصبعيه في أذنيه؛ لأن هذا أبلغ في رفع الصوت، وقد جاء ذلك في حديث أبي جحيفة رحمه الله تعالى، كما في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي . وهذا الحديث فيه ضعف. وعلى هذا؛ كون هذا سنة ينبني على ثبوت الحديث، فإن ثبت الحديث قلنا به، وإن لم يثبت فإنه لا يشرع أن يضع إصبعيه في أذنيه.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله ثلاث صفات:

    إما أن يضع إصبعيه في أذنيه كما جاء في حديث أبي جحيفة . وقد قال العلماء: يضع السبابتين في ثقبي الأذنين, كما جاء في الوضوء عند مسح الأذنين.

    والصفة الثانية: أن يضع يديه مضمومتي الأصابع ممدوتين على أذنيه.

    والصفة الثالثة: أن يقبض أصابعه إلى كفيه، ويجعلهم على أذنيه. لكن حديث أبي جحيفة إن ثبت نقول: المشروع أن يضع إصبعيه في أذنيه، أما إن لم يثبت فنقول بأن هذا لا يشرع؛ لأن السنة هذه تحتاج إلى دليل.

    قال: (غير مستدير).

    هذه السنة الخامسة، يعني: يجعل قدميه تجاه القبلة إذا التفت للحيعلة: حي على الصلاة.. حي على الفلاح لا يحركهما عن القبلة، ولهذا قال لك: (غير مستدير).

    قال: (ملتفتاً في الحيعلة يميناً وشمالاً).

    هذه هي السنة السادسة: أن يلتفت في الحيعلة يميناً وشمالاً، فيلتفت لحي على الصلاة يميناً، ويلتفت لحي على الفلاح شمالاً، ويدل لهذا: حديث بلال أنه قال: ( رأيت أبا جحيفة فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة, حي على الفلاح ). والحديث في الصحيحين.

    والالتفات ذكر له العلماء رحمهم الله ثلاث صفات:

    الصفة الأولى: أن يلتفت لحي على الصلاة يميناً، يقول: حي على الصلاة ثم يعود، حي على الصلاة ثم يعود، وحي على الفلاح شمالاً ثم يعود، وحي على الفلاح ثم يعود، وهذه الصفة هي المشهور من المذهب.

    الصفة الثانية: أن يلتفت يميناً لحي على الصلاة، ثم يلتفت شمالاً لحي على الصلاة، فيقول: حي على الصلاة يميناً، حي على الصلاة شمالاً ويرجع, حي على الفلاح يميناً, وحي على الفلاح شمالاً ويرجع.

    الصفة الثالثة: أن يلتفت يميناً لحي على الصلاة ولا يرجع، ثم يلتفت ثانية, ثم يرجع، حي على الصلاة, وحي على الصلاة، وحي على الفلاح, وحي الفلاح. هذه الصفة الثالثة.

    والذي ورد في حديث بلال : ( أنه لما رأى أبا جحيفة قال: جعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يميناً وشمالاً حي على الصلاة حي على الفلاح ). وما دام أنه ما فيه نص فنقول: يلتفت على أي صفة من هذه الصفات.

    التثويب في الأذان

    قال: (قائلاً بعدهما في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم, مرتين).

    هذه السنة السابعة, التثويب، والعلماء رحمهم الله يطلقون التثويب على ثلاثة أشياء:

    الشيء الأول: أن يقول: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر.

    الشيء الثاني: الإقامة، فالإقامة يسمونها تثويباً. هذان الشيئان سنة.

    الشيء الثالث: أن يرجع المؤذن بعد أن ينتهي من الأذان ويقول: هلموا إلى الصلاة، هيا إلى الصلاة، صلوا يا أناس! إلى آخره, فهذه بدعة. وابن عمر رضي الله عنهما لما سمع مثل هذا في المسجد، حين رجع المؤذن وبدا يقول: حي على الصلاة، ارجعوا إلى الصلاة، هلموا.. إلى آخره، خرج وقال: أخرجتنا البدعة. فالتثويب يطلق على هذه الأشياء الثلاثة. والأول والثاني سنة، والثالث كما ذكرنا بدعة.

    والتثويب على كلام المؤلف رحمه الله في أذان الفجر سنة، وهذا ما عليه جمهور العلماء.

    وعند الشافعي رحمه الله تعالى في الجديد: أن التثويب واجب.

    قال المؤلف: (قائلاً بعدهما في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم, مرتين). يعني: قول الصلاة خير من النوم مرتين هذا التثويب هل يقال في الأذان الأول لصلاة الصبح، أو أنه يقال في الأذان الثاني؟ لأن صلاة الصبح كما سيأتينا إن شاء الله يشرع لها الأذان الأول، فهل يقال في الأذان الأول، أو يقال في الأذان الثاني؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى:

    الرأي الأول: أنه يقال في الأذان الأول؛ لحديث أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم ). رواه الإمام أحمد .

    الرأي الثاني: أنه يكون عند الأذان الثاني الذي يكون عند طلوع الفجر، وهذا يدل له حديث أنس : ( من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم ).

    والأقرب في هذا -والله أعلم- أن الأمر فيه واسع، فإذا ثبت أنه في الأذان الأول أو في الأذان الثاني فإنه يصار إلى ما ثبت.