إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحرم على المحدث أمور عدة منها: مس المصحف، والصلاة، والطواف، ويجب الغسل بأمور منها ما يشترك فيها الرجل والمرأة وهي: خروج المني، وتغييب الحشفة في الفرج، والدخول في الإسلام والموت، ومنها ما يخص المرأة، كالحيض والنفاس.

    1.   

    ما يحرم على المحدث فعله

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويحرم على المحدث مس المصحف والصلاة والطواف.

    باب الغسل:

    وموجبه خروج المني دفقاً بلذة لا بدونهما من غير نائم، وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له، فإن خرج بعده لم يعده، وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً ولو من بهيمة أو ميت، وإسلام كافر وموت وحيض ونفاس لا ولادة عارية عن دم، ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن، ويعبر المسجد لحاجة، ولا يلبث فيه بغير وضوء، ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل، والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثاً، وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه، ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً ويدلكه ويتيامن، ويغسل قدميه مكاناً آخر.

    والمجزئ: أن ينوي ويسمي ويعم بدنه بالغسل مرة، ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع، فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ].

    تقدم ما يتعلق بنواقض الوضوء، وذكرنا من هذه النواقض ما يتعلق بالخارج من السبيل، وذكرنا المراد بالخارج من السبيل، وهل كل ما خرج ناقض أو أن هذا خاص بالمعتاد، وأيضاً الخارج من بقية البدن، وذكرنا أن المؤلف رحمه الله ذكر أنه على قسمين، وذكرنا ما يتعلق بالنوم ومتى يكون ناقضاً ومتى لا ينقض، وذكرنا خلاصة ذلك في أمرين، وكذلك ما يتعلق بأكل لحم الجزور، وما يتعلق بتغسيل الميت، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يحرم على المحدث.

    مس المصحف

    قال رحمه الله تعالى: (يحرم على المحدث مس المصحف).

    وهذا باتفاق الأئمة الأربعة، ويدل لذلك حديث عمرو بن حزم في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إليه وفيه: ( وألا يمس القرآن إلا طاهر )، والإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه له، وهذا الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن حزم تضمن كثيراً من أحكام الديات، وتلقته الأمة بالقبول، فشهرته تغني عن إسناده، مع أنه جاء متصلاً عند النسائي رحمه الله تعالى، وكذلك هو قول سلمان الفارسي وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فلا يجوز مس المصحف إلا بطهارة، حتى قال العلماء رحمهم الله: حتى الجلد والحواشي، يعني: حتى جلده لا يجوز لك أن تمسه إلا من وراء حائل، والحواشي يعني: البياض التي ليس عليه كتابة لا يجوز لك أن تمسه إلا بطهارة.

    أما ما يتعلق بكتب العلم، والحديث والفقه والعقيدة فهذه يجوز للمسلم أن يمسها بلا طهارة.

    أما التفسير ففيه تفصيل: فإن كان الموجود في الصفحات من القرآن أكثر فإنه لا يجوز، وهذا مثل ما يوجد في بعض التفاسير، يكون القرآن قد نزل في هذا الكتاب والتفسير على الحواشي، فهذا لا يجوز لك أن تمسه إلا بطهارة، أما إن كان التفسير أكثر من الآيات الموجودة فإنه لا بأس أن تمسه بلا طهارة، حتى قال العلماء رحمهم الله تعالى: لو أن الإنسان كتب آيات على ورقة فإنه لا يمس هذه الورقة إلا بطهارة.

    أما بالنسبة للهاتف النقال، فهذا سبق أن تكلمنا عليه، وقلنا: الحروف الموجودة على الهاتف النقال ليست حروفاً ثابتة، وإنما هي توجد وتذهب بطريقة ضوئية إلكترونية؛ وعلى هذا لا يأخذ حكم القرآن، فلو أن الإنسان جعل القرآن على لوحة هذا الهاتف وبدأ يقرأ فيه ومسه، فإن هذا جائز ولو كان محدثاً.

    الصلاة

    قال رحمه الله: (والصلاة).

    يعني: يحرم على المسلم أن يصلي وهو محدث، وهذا بالإجماع، ويدل لذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، وقد تقدم حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين قال: ( لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )، فهذا يدل على أنه إذا أحدث فإنه ليس له أن يستمر في صلاته، وأن عليه أن ينصرف.

    ولكن ما ضابط الصلاة التي تشترط لها الطهارة؟ نقول: ضابط الصلاة التي تشترط لها الطهارة قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي في السنن فقال: ( كل صلاة تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم ) فهذه الصلاة التي لا تفعل إلا بطهارة، ويدخل في ذلك الفرائض والسنن والتطوعات، وصلاة الجنازة؛ لأن بعض السلف يرى أن صلاة الجنازة لا تجب لها الطهارة؛ لأن صلاة الجنازة صلاة شفاعة ودعاء ليس فيها ركوع ولا سجود.

    لكن الصواب هو: العمل بالضابط الذي دل له حديث علي رضي الله تعالى عنه، وهو أن كل صلاة تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم كما ذكر ابن القيم رحمه الله فتجب لها الطهارة.

    وأما سجود التلاوة، وسجود الشكر، فليستا من الصلاة؛ وعلى هذا لو أنه سجد سجود تلاوة وهو محدث، أو سجد سجدة شكر وهو محدث فإن هذا لا بأس به؛ لأنه لا يدخل تحت الضابط؛ لأن الصحيح أن سجود التلاوة لا يشرع له تكبير في أوله ولا تسليم في آخره.

    الطواف

    قال رحمه الله: (والطواف).

    يعني: يحرم على المحدث أن يطوف، وهذا هو المشهور من المذهب، وقال به كثير من العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطواف لا تجب له الطهارة؛ لأن كثيراً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لحجة الوداع ومع ذلك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء عند الطواف كما أمر بالوضوء عند الصلاة، لكن الذي ثبت في الصحيحين من حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يطوف توضأ )؛ وعلى هذا نقول: يستحب أو يشرع، ويحتاط المسلم لدينه فيتوضأ عند الطواف، لكن لو نسي الطهارة أو سبقه الحدث وخصوصاً في أوقات الزحام ونحو ذلك فلا نقول بأن طوافه باطل.

    والحنفية رحمهم الله لا يشترطون للطواف الطهارة، ولهم تفصيل في ذلك، بين من طاف وهو محدث حدثاً أكبر، أو طاف وهو محدث حدثاً أصغر، وسيأتينا إن شاء الله في أحكام المناسك.

    والخلاصة في ذلك أن كثيراً من العلماء يقول بأن الطواف لا بد له من الطهارة؛ لما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الطواف بالبيت صلاة )، لكن هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، لكنه جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    والرأي الثاني: أن الطواف لا تجب له الطهارة وإنما تستحب، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ لأنه ليس هناك دليل ظاهر في إيجاب الطهارة للطواف، وسيأتي إن شاء الله تتمة الكلام على هذه المسألة في شروط صحة الطواف في المناسك.

    1.   

    الغسل وموجباته

    قال رحمه الله تعالى: (باب الغسل).

    مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر الحدث الأصغر وكيفية رفعه والتطهر منه ذكر الحدث الأكبر وموجبه وكيفية رفعه.

    والغُسل -بضم الغين- بمعنى: الاغتسال، وأما الغَسل -بفتح الغين- فهو: الماء، وأما بالكسر فهو: ما يغسل به الرأس من صابون ونحو ذلك، والغسل هو: التعبد لله سبحانه وتعالى بغسل البدن على وجه مخصوص.

    قال رحمه الله تعالى: (وموجبه).

    يعني: الأشياء التي توجب الغسل، ويؤخذ من عبارة المؤلف رحمه الله أن الغسل تارةً يكون واجباً، وتارةً يكون مسنوناً -كما سيأتي إن شاء الله- فما هي الأشياء التي توجب الغسل؟

    الواجب الأول: خروج المني

    قال رحمه الله: (وموجبه خروج المني دفقاً بلذة لا بدونهما من غير نائم).

    من موجبات الغسل خروج المني كما قال المؤلف، وخروج المني ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون من نائم، فهذا يوجب الغسل مطلقاً، يعني: إذا استيقظ الشخص من نومه فرأى رطوبة المني، وتيقن أنه مني فإنه يجب عليه أن يغتسل مطلقاً، ويدل لذلك حديث أم سليم : ( أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا هي رأت الماء )، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الأمر برؤية الماء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الماء من الماء )، يعني: يجب الاغتسال بالماء. إذا خرج الماء.

    واعلم أن الإنسان إذا استيقظ من نومه فرأى في ثيابه بللاً فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يتيقن أنه مني، فهنا يجب عليه الغسل.

    الحالة الثانية: أن يتيقن أنه غير مني، فهذا لا يجب عليه الغسل.

    الحالة الثالثة: أن يتردد، يعني: يشك هل هو مني أو ليس منياً، فهذا هل يجب عليه الغسل أو لا يجب عليه الغسل؟ هذا موضع خلاف، والصواب أنه لا يجب عليه غسل؛ لأن الأصل عدم وجوب الغسل، وعلى هذا يطهر الماء الذي أصاب ثوبه، ويتوضأ وضوءه للصلاة فهذا هو القسم الأول: النائم.

    القسم الثاني: المستيقظ، وهذا يجب عليه الغسل إذا خرج المني بلذة، كما قال المؤلف: (دفقاً بلذة)، ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا نضخت الماء فاغتسل )، والفضخ -كما قال أهل غريب الحديث- هو: خروجه على وجه الغلبة، يعني: عن طريق اللذة والدفع، فهذا يدل على أنه إذا خرج عن طريق اللذة من اليقظان فإنه يجب عليه الغسل، أما إن خرج بغير لذة، كما لو خرج بمرض أو خرج لشدة برد ونحو ذلك، فنقول: هذا لا يجب عليه الغسل وإنما يتوضأ وضوءه للصلاة.

    الموجب الثاني: انتقال المني دون خروج

    قال رحمه الله: (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له).

    هذا الموجب الثاني من موجبات الغسل: أن ينتقل الماء لكنه لم يخرج، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: أنه يجب عليه أن يغتسل، وهذا هو المشهور عند الحنابلة؛ لأن الماء باعد محله فصدق عليه اسم الجنب.

    والرأي الثاني رأي الجمهور: أنه لا يجب عليه أن يغتسل حتى يخرج؛ لما تقدم من حديث أم سليم رضي الله تعالى عنها: ( إذا هي رأت الماء )، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الأمر برؤية الماء؛ ولما في صحيح مسلم : ( إنما الماء من الماء )، الذي يدل على أنه لا بد من وجود الماء، أما كونه ينتقل في البدن فهذا لا حكم له؛ لأن الشيء ما دام أنه في البدن فهذا لا يترتب عليه حكم.

    قال رحمه الله: (فإن خرج بعده لم يعده).

    يعني: لو أنه أحس بانتقال الماء على قول المؤلف فيجب عليه أن يغتسل، فإن اغتسل وانتهى من الغسل ثم خرج الماء فلا يعيد بل يكتفي بالغسل الأول.

    والصحيح في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأنه لا يغتسل حتى يخرج الماء لما تقدم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا هي رأت الماء ).

    الموجب الثالث: تغييب الحشفة في الفرج

    قال رحمه الله تعالى: (وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً).

    هذا الموجب الثالث من موجبات الغسل، والحشفة هي: رأس الذكر، وهي التي تكون عليها الجلدة التي تقطع عند الختان، قال العلماء: الحشفة من الذكر بمنزلة الأنملة من الإصبع، فرأس الإصبع أنملة، والحشفة هي رأس الذكر، فإذا حصل تغييب جميع الحشفة في الفرج -يعني: الزوج غيب حشفته في فرج زوجته- وجب الغسل، وليس بلازم أن يغيب جميع الذكر، وليس بلازم أن ينزل، وكان في أول الإسلام لا يجب الغسل حتى يخرج الماء، لكن نسخ هذا كما دل له حديث أبي بن كعب (أن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص بها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدها)، يعني: كان في أول الأمر إذا حصل جماع، بحيث حصل تغييب لهذه الحشفة ولم يحصل إنزال لا يجب الغسل، ثم نسخ ذلك، ولهذا خفي ذلك على بعض الصحابة، فكان يقول: لا يجب الغسل حتى يحصل الإنزال: (إنما الماء من الماء)، لكن هذا نسخ، ولهذا بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم تبين له الأمر ورجع، وبعضهم لم يرجع.

    وعلى كل حال؛ رأي جماهير العلماء رحمهم الله وهو الذي دلت له السنة: أنه إذا حصل تغييب للحشفة وإن لم يحصل إنزال فإنه يجب الغسل، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل )، وفي لفظ: ( ومس الختان الختان )، فهذا يدل على أنه لا بد من تغييب الحشفة؛ لأن الختان يكون عند رأس الحشفة من جهة الأسفل، فإذا حصل وغيب الحشفة فإنه يكون مس الختان -يعني: محل الختان من الرجل مس محل الختان من المرأة، وهذا يكون بتغييب الحشفة- فحينئذٍ يجب الغسل.

    ويدخل في قوله: (وتغييب حشفة) قدر الحشفة إذا كانت مقطوعة.

    وفي قوله: (أصلية في فرج أصلي).

    قيد المؤلف رحمه الله فقال: (أصلية) وهذا يخرج الفرج الغير أصلي وهو فرج الخنثى، والصواب في ذلك: ما دل له الحديث: أنه إذا حصل تغييب لهذه الحشفة في فرج أصلي أو غير أصلي فإنه يجب الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ومس الختان الختان ) وهذا يشمل الفرج الأصلي وغير الأصلي.

    قال رحمه الله: (أو دبراً).

    يعني: لو حصل التغييب في الدبر، والعلماء رحمهم الله يذكرون الحكم هنا كحكم وضعي، بغض النظر عن الحكم التكليفي، أعني: الحرمة وغير الحرمة، ولا شك أن الوطء في الدبر محرم ولا يجوز حتى لو كان من الزوجة، لكن مرادهم هنا تبيين الحكم الوضعي هل يجب الغسل أو لا يجب؟ فلو حصل هذا، وعمل الإنسان هذا الفعل المحرم فإنه يجب عليه أن يغتسل.

    قال رحمه الله: (ولو من بهيمة).

    يعني: لو وطئ بهيمةً وغيب حشفته فيجب عليه أن يغتسل، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء رحمهم الله وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة أنه لا يجب الغسل، وهذا القول هو الصواب، فإذا وطئ بهيمةً فنقول: لا يجب عليه أن يغتسل؛ لأن الغسل يحتاج إلى دليل شرعي.

    قال رحمه الله: (أو ميت).

    يعني: لو وطئ ميتاً، ولنفرض أن رجلاً جامع زوجته وهو يعتقد أنها حية ثم تبين أنها ميتة، فهل يجب عليه أن يغتسل أو لا يجب؟ أكثر العلماء على أنه يجب عليه أن يغتسل.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة : أنه لا يجب عليه أن يغتسل، والصواب: أنه يجب عليه أن يغتسل؛ لحديث عائشة : ( إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان )، وهنا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان.

    الموجب الرابع: الدخول في الإسلام

    قال رحمه الله: (وإسلام كافر).

    هذا الموجب الرابع: إسلام الكافر، فإذا أسلم الكافر أو رجع المرتد إلى الإسلام، فيجب عليه أن يغتسل، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل، وثمامة بن أثال -كما في الصحيحين- لما أسلم وذهب واغتسل، وفي مصنف عبد الرزاق : ( مروه فليغتسل )، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي أكثر أهل العلم: أن الاغتسال ليس واجباً، قالوا: أسلم الجم الغفير، ولما فتحت مكة جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر كل من أسلم بالاغتسال، ومع ذلك نقول: عدم النقل ليس نقلاً للعدم.

    والأقرب -والله أعلم- في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الحنابلة، وأنه يغتسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر واحداً من أفراد الأمة، والأمر لواحد من أفراد الأمة يشمل الأمة كلها.

    الموجب الخامس: الموت

    قال رحمه الله تعالى: (وموت).

    هذا الموجب الخامس: إذا مات الشخص فإنه يجب أن يغسل وهذا ظاهر، وقد دل له حديث ابن عباس في الصحيحين في الذي وقصته راحلته قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلوه بماء وسدر )، وفي حديث أم عطية : ( اغسلنها ثلاثاً ) وهذا أمر.

    لكن يستثنى من ذلك الشهيد، وسيأتي إن شاء الله بيان حكمه في أحكام الجنائز.

    الموجب السادس: الحيض والنفاس

    قال رحمه الله: (وحيض ونفاس).

    دم الحيض ودم النفاس، إذا خرج من المرأة ثم طهرت فإنه يجب عليها أن تغتسل، وهذا بالإجماع، وقد دل له قول الله عز وجل: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]، وفي حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي )، وهذا أمر، والحديث في الصحيحين.

    قال رحمه الله: (لا ولادة عارية عن دم).

    يعني: لا يجب الغسل، وهذا نادر، فلو أن امرأةً ولدت ولداً ولم يخرج منها دم فلا يجب عليها أن تغتسل؛ لأن النفاس خروج الدم وهنا لا يوجد دم، لكن يقولون: يجب عليها أن تتوضأ؛ لأن كل ما خرج من السبيل فإنه موجب للوضوء كما تقدم، وذكرنا فيما تقدم أن الصحيح من الولادة أنهما لا توجب أيضاً الوضوء؛ لأن الولادة هذه خارج غير معتاد، والذي يوجب الوضوء هو الخارج المعتاد؛ وعلى هذا لو أن امرأةً ولدت ولم يخرج منها دم فنقول: لا يجب عليها لا غسل ولا يجب عليها وضوء.

    1.   

    أحكام متعلقة بمن وجب عليه الغسل

    مما سبق تلخص لنا أن موجبات الغسل سبع.

    قراءة القرآن للجنب والحائض

    قال رحمه الله: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن).

    هذا يشمل من لزمه الغسل لجنابة، أو حيض أو نفاس، فأما الجنب فهذا بالاتفاق، فالجنب هذا ليس له أن يقرأ القرآن باتفاق الأئمة خلافاً للظاهرية.

    وأما بالنسبة للحائض؛ فالجمهور يقولون: ليس لها أن تقرأ القرآن، ودليلهم حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن )، لكن الحديث ضعيف. واستدلوا أيضاً بحديث علي رضي الله تعالى عنه قال: ( ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة )، وهذا الحديث في السنن وله طرق يقوي بعضها بعضاً، وكذلك ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه في البيهقي بإسناد صحيح أنه كره قراءة القرآن للجنب.

    والرأي الثاني: رأي مالك وشيخ الإسلام: أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها لما حاضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )، ومما يفعله الحاج قراءة القرآن، ولم يثبت دليل بمنع الحائض من قراءة القرآن.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    لكن ما قدر المحرم قراءته؟ هل هو آية أو حرف أو آيتان؟ يقولون: المحرم قدر آية، فلا يجوز له أن يقرأ آيةً فصاعداً، ويجوز له أن يقرأ بعض آية، وهذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: أنه لا يجوز له أن يقرأ ولا حرفاً واحداً؛ لورود ذلك عن علي أنه قال رضي الله تعالى عنه: اقرءوا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا، ولو حرفاً واحداً، وهذا رواه عبد الرزاق والدارقطني وصححه، وسبق أن ذكرنا قاعدة وهي أن الشارع إذا نهى عن شيء فإن النهي يتعلق بجميع أفراد المنهي عنه.

    وأما بالنسبة للحائض إذا قرأت القرآن فليس المعنى أن لها أن تمسه، وإنما تقرأه من وراء حائل.

    المكث في المسجد بغير وضوء

    قال رحمه الله تعالى: (ويعبر المسجد لحاجة ولا يلبث فيه بغير وضوء).

    يعني: الجنب له أن يعبر المسجد للحاجة، وكذا كل من لزمه الغسل له أن يعبر المسجد لحاجة، (ويعبر) يعني: يدخل المسجد لحاجة؛ لقول الله تعالى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] ، لكن لو أراد أن يلبث فيه فإنه لا بد أن يتوضأ؛ لما روى هشام بن سعد : ( أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتوضؤون وهم جنب ثم يجلسون في المسجد ).

    ومعنى قوله: (ولا يلبث فيه بغير وضوء) يعني: لا يجوز له أن يلبث في المسجد بغير وضوء، فإذا توضأ جاز له أن يلبث في المسجد.

    سنية الغسل لمن غسل ميتاً

    قال رحمه الله: (ومن غسل ميتاً).

    سواء كان هذا الميت مسلماً أو كان كافراً فالسنة له أن يغتسل؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ )، وهذا الحديث روي مرفوعاً، وورد موقوفاً، والبخاري رحمه الله تعالى يقول: الأشبه أنه موقوف، وقال أبو حاتم أيضاً: الأشبه أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ وعلى هذا نقول: يستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل، ومغسل الميت هو الذي يباشر تغسيل الميت، يعني: يباشر تقليبه ونحو ذلك دون من يصب عليه الماء.

    استحباب الغسل لمن أفاق من جنون أو إغماء

    قال رحمه الله: (أو أفاق من جنون أو إغماء).

    يعني: لو أنه جن ثم أفاق، أغمي عليه ثم أفاق من إغمائه، أو أكل دواءً وغطي على عقله فإنه يستحب له إذا أفاق أن يغتسل، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أغمي عليه وأفاق اغتسل كما في الصحيحين.

    قال رحمه الله: (بلا حلم سم له الغسل) يعني: لو أنه احتلم في أثناء جنونه أو في أثناء إغمائه فإنه يجب عليه أن يغتسل؛ لوجود الموجب.

    1.   

    صفة الغسل ومقدار الماء المجزئ فيه

    قال رحمه الله: (والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثاً).

    المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر موجبات الغسل، وما يحرم على من عليه غسل ذكر صفة الغسل.

    وقوله: (الكامل) يفهم منه: أن هناك غسلاً مجزئاً، وعلى هذا نقول: الغسل ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: غسل كامل، والغسل الكامل: هو الغسل الذي يشتمل على الواجبات والشروط والسنن.

    القسم الثاني: المجزئ: هو الذي يشتمل على الشروط والواجبات دون السنن.

    صفة الغسل

    قول المؤلف: (الغسل الكامل أن ينوي) تقدم الكلام على النية، (ثم يسمي) وتقدم الكلام على التسمية، (ويغسل يديه ثلاثاً) تقدم الكلام على ذلك.

    وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة ).

    قال رحمه الله: (وما لوثه).

    يعني: إذا حصل له أذىً في فرجه بسبب الجماع ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: (ويتوضأ ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه).

    أي: يتوضأ وضوءه للصلاة ما عدا الرجلين، وفي حديث عائشة وحديث ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل رجليه مع الوضوء يعني: يتوضأ وضوءاً كاملاً مع غسل الرجلين، وهذا أكثر الروايات الواردة في حديث عائشة وميمونة ، والمشهور من المذهب أنه يغسل رجليه مرتين: المرة الأولى مع الوضوء، والمرة الثانية إذا انتهى من وضوئه، وهو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: لا يغسل رجليه مع الوضوء، وإنما يؤخر غسل الرجلين حتى ينتهي من وضوئه، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    والرأي الثالث: رأي مالك والشافعي : يغسل رجليه مرةً واحدة مع الوضوء، إلا أنه ورد عن الإمام مالك رحمه الله تعالى: إذا كان المكان نظيفاً فإنه لا يعيد غسل الرجلين، وإن كان المكان غير نظيف كأن يكون فيه تراب فإنه يعيد غسل الرجلين في نهاية الغسل، وسيأتي إن شاء الله.

    قول المؤلف: (ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه) دليله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أفاض الماء عليه ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده ).

    قال رحمه الله: (ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً).

    يعني: بعد أن يغسل رأسه ثلاث مرات يغسل بدنه ثلاثاً، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: مذهب الإمام مالك رحمه الله واختاره شيخ الإسلام: أن غسل البدن لا يثلثه؛ لأن هذا لم يرد، وهذا القول هو الصواب، فنقول: يثلث غسل الرأس، أما البدن فإنه لا يثلثه.

    قال رحمه الله: (ويدلكه).

    يعني: أثناء الغسل يستحب أن يدلك بدنه يعني: يمر يده على بدنه؛ لأن البدن قد يكون عليه شيء يتجافى عنه الماء، فإذا دلكه حصل له اليقين بوصول الماء إلى الجلد.

    قال رحمه الله: (ويتيامن).

    يعني: يبدأ بميامنه؛ لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن، فيبدأ بميمنة الرأس وميمنة البدن، وفي وضوئه يتيامن فيبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، والرجل اليمنى قبل اليسرى.

    قال رحمه الله: (ويغسل قدميه مكاناً آخر).

    يعني: إذا انتهى من غسله الكامل يعيد غسل القدمين مرةً ثانية، وهذا كما أسلفنا أنهم يرون أن القدمين تغسلان مرتين: مرة مع الوضوء، ومرة بعد نهاية الغسل، وذكرنا الخلاف في هذه المسألة، والأقرب في هذه المسألة ما نقل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى: إن كان المكان نظيفاً، فيغسل رجليه مع الوضوء، وإن كان غير نظيف أعاد غسل رجليه في نهاية الغسل.

    أو نقول: هذا من السنن التي وردت على وجوه متنوعة، فتارةً يغسل رجليه مع الوضوء، وتارةً يؤخر غسل الرجلين حتى ينتهي من الغسل، ويغسل رجليه مع الوضوء أكثر؛ لأن أكثر الروايات في غسل الرجلين مع الوضوء، هذا إذا كان المكان نظيفاً، وإن كان المكان فيه شيء من الأذى أو التراب ونحو ذلك فإنه يؤخر غسل الرجلين حتى يغسلهما في نهاية الغسل.

    فالخلاصة في ذلك أن نقول: هذا من السنن التي وردت على وجوه متنوعة: تارة يغسل رجليه مع الوضوء، وتارة في نهاية الغسل، والأكثر يغسلهما مع الوضوء، وإن كان المكان غير نظيف فإنه يؤخر غسل الرجلين إلى نهاية الغسل.

    صفة الغسل المجزئ

    قال رحمه الله تعالى: (والمجزئ).

    يعني: الغسل المجزئ الذي يقتصر على الواجبات دون السنن، قال رحمه الله: (أن ينوي ويسمي ويعم بدنه بالغسل مرةً).

    ويدل لهذا حديث عمران رضي الله تعالى عنه في الذي أصابته جنابة ولم يجد ماء ثم جاء الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خذ هذا فأفرغه عليك )، فيكفي أن يعم بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق، فإذا أفاض الماء على بدنه مرةً واحدةً مع المضمضة والاستنشاق فنقول: هذا مجزئ.

    مقدار الماء المجزئ في الوضوء والغسل

    قال رحمه الله: (ويتوضأ بمد).

    يعني: يستحب أن يتوضأ بمد، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد تارةً، وبأزيد منه تارة).

    والمد -كما سلف- يساوي رطلاً وثلثا رطل بالعراقي، والرطل يساوي تسعين مثقالاً، وعلى هذا يكون الرطل وثلث الرطل بالمثاقيل مائة وعشرين مثقالاً، والمثقال الواحد يساوي بالغرامات أربعة وربع غرام، فتضرب مائة وعشرين في أربعة وربع.

    قال رحمه الله: (ويغتسل بصاع).

    يعني: يستحب أن يكون غسله بالصاع، والصاع أربعة أمداد؛ وعلى هذا لا يكون الإنسان مسرفاً في الماء، فالمؤلف رحمه الله يقول: يستحب أن يغتسل في الصاع؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي للمتوضئ والمغتسل أن يسرف؛ ولهذا ينص الفقهاء رحمهم الله على ذلك فيقولون: حتى ولو على نهر جار ينهى عن الإسراف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ).

    يعني: توضأ بأقل من مد وأسبغ، وأتى بالمجزئ في غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء بأقل من صاع يعني: عمم بدنه بالماء، وأتى بالمجزئ، فإن هذا جائز ولا بأس به، وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى ضابط الإسباغ، فقالوا: أن يعم عضوه بالماء بحيث يجري الماء على العضو ولا يكون مجرد مسح.