إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النية شرط في صحة الطهارة من الحدثين، وتجب عند أول الطهارة، ويجزئ الغسل المستحب عن الغسل الواجب والعكس، وترتفع الأحداث كلها بارتفاع واحد منها، ومن واجبات الوضوء بالإجماع: غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والصحيح أنه يجب إدخال

    1.   

    تابع فروض الوضوء

    قال المصنف رحمه الله: [ والموالاة، وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، والنية شرط لطهارة الأحداث كلها، فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها، فإن نوى ما تسن له الطهارة كقراءة أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع، وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب, وكذا عكسه، وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها، ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة, وهو التسمية، وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب، واستصحاب ذكرها في جميعها، ويجب استصحاب حكمها.

    وصفة الوضوء: أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق, ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه، ثم يديه مع المرفقين، ثم يمسح كل رأسه مع الأذنين مرة واحدة، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، ويغسل الأقطع بقية المفروض، فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه ثم يرفع بصره إلى السماء ويقول ما ورد، وتباح معونته وتنشيف أعضائه.

    باب: مسح الخفين:

    يجوز لمقيم يوماً وليلة، ولمسافر ثلاثة بلياليها من حدث بعد لبس].

    تقدم معنا ما يتعلق ببقية سنن الوضوء, وبدأنا في أركان الوضوء, وذكرنا أركانه, وأن من أركانه: الترتيب والموالاة، وقبل ذلك ما جاء في القرآن من غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وتكلمنا عن المضمضة والاستنشاق، وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنهما واجبان في الوضوء والغسل، وأن هذا القول هو الظاهر من حيث الدليل، وذكرنا دليل ذلك من القرآن, ومن السنة.

    ثم بعد ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والموالاة)، وتكلمنا عن الموالاة، وذكرنا أن أقرب شيء ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الموالاة تسقط بوجود العذر، فإذا وجد العذر فإن الموالاة تسقط، وأطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تقرير هذه المسألة، ومن أدلة ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قال في كفارة الظهار: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، فالله سبحانه وتعالى أوجب في صيام الكفارة التتابع، والتتابع يسقط بالعذر، فإذا وجد العذر الشرعي فإن التتابع يسقط، فلو أن الإنسان مرض أو سافر فله أن يفطر، ومع ذلك لا يسقط عليه التتابع، وكذلك أيضاً لو أن صيامه تخلله يوم عيد أو أيام التشريق فإنه يفطر, وهذا لا يخل بالتتابع.

    وكذلك قراءة الفاتحة لا بد فيها من التتابع، ومع ذلك لو أنه قطع قراءة الفاتحة لعذر كسكوت لاستماع قراءة ونحو ذلك فإن هذا لا يخل بالتتابع.

    ثم قال رحمه الله تعالى: (وهي: ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله).

    ذكر المؤلف رحمه الله في ضابط الموالاة: (ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) قيدوا هذا بأن يكون بزمن معتاد، فإذا غسل وجهه فلا يؤخر غسل اليدين حتى ينشف غسل الوجه لكن بزمن معتاد.

    وقولهم: (بزمن معتاد) يخرج ما إذا كان الزمن غير معتاد، كما لو كان هناك هبوب رياح فإنه إذا كان هناك رياح قد هبت فإن الوجه سينشف سريعاً, وهذا لا عبرة به، أو يكون هناك شدة برودة ينشف الوجه سريعاً، فنقول: هذا لا عبرة به, المهم إذا كان الجو معتدلاً ثم نشف العضو قبل أن يغسل العضو الذي يليه أخل هذا بالموالاة. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني في المسألة: ما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله تعالى حيث يقولون: العبرة بطول الفصل، فإن كان الفاصل كثيراً عرفاً أخل بالموالاة، وإن كان الفاصل يسيراً عرفاً لم يخل بالموالاة، وهذا الضابط هو الأقرب؛ لأن اليسير عرفاً قد اعتبره الشارع، فنقول: إذا كان الفاصل يسيراً عرفاً فإن هذا لا يضر، وإن كان كثيراً عرفاً فإنه يضر، وسبق أن ذكرنا أن رأي الإمام مالك رحمه الله أنه إذا كان هناك عذر فإنه لا يخل بالموالاة، فلو أن الإنسان اشتغل بإزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة أو أنه انقطع عليه الماء واحتاج إلى ماء ليتمم وضوءه وطال عليه الفاصل فإن هذا لا يضر، أو كان هناك أوساخ ونحو ذلك، المهم أن الأعذار هذه لا تخل بالموالاة.

    1.   

    نية رفع الحدث

    تعريف النية وحكمها

    قال رحمه الله: (والنية شرط لطهارة الأحداث).

    النية في اللغة: القصد ومحلها القلب، إذ هي من أعمال القلوب وليست من أعمال الجوارح؛ ولهذا يقول العلماء رحمهم الله: التلفظ بها بدعة؛ لأنها من أعمال القلوب، فالنية في اللغة: القصد، وأما في الاصطلاح فهي: قصد العبادة تقرباً إلى الله عز وجل.

    والدليل على أنها شرط: حديث عمر المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ).

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لطهارة الأحداث) يخرج بذلك طهارة الخبث، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، فطهارة الخبث -يعني: إزالة النجاسة- لا تشترط لها النية، وسبق أن ضربنا مثلاً وقلنا بأن الثوب لو أصابه بول ثم اندفق عليه الماء ولم ينو أن يغسله وأن يطهره ثم زال أثر النجاسة فنقول بأن الثوب يطهر، وكذا إن نزل عليه المطر ونحو ذلك.

    وقد سبق أن ذكرنا أيضاً الفروق بين طهارة الحدث وطهارة الخبث.

    وقوله: (لطهارة الأحداث) يعني: كلها سواء كان حدثاً أصغر أو كان حدثاً أكبر، أو كان تيمماً, يعني: في الوضوء والغسل والتيمم كل هذه الأشياء لا بد لها من النية، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى خلافاً لـأبي حنيفة.

    صور النية

    قال رحمه الله: (فينوي رفع الحدث).

    هنا ذكر المؤلف رحمه الله صور النية:

    الصورة الأولى: أن ينوي رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث ارتفع حدثه.

    قال رحمه الله: (أو الطهارة لما لا يباح إلا بها).

    هذه الصورة الثانية: أن ينوي الطهارة لعبادة تشترط لها الطهارة، فمثلاً: ما نوى رفع الحدث لكن نوى أن يصلي ثم قام وتوضأ، فنقول: ارتفع حدثه؛ لأن الصلاة لا تباح إلا بالطهارة، وكذا لو نوى مس المصحف ثم قام وتوضأ فنقول: حدثه يرتفع.

    قال رحمه الله: (فإن نوى ما تسن له الطهارة كقراءة).

    هذه الصورة الثالثة: أن ينوي ما تسن له الطهارة، فهو ما نوى رفع الحدث لكن نوى ما تسن له الطهارة مثل: القراءة؛ فمن أراد أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، فيستحب له أن يقرأ على طهارة، ومثله من أراد أن يدعو الله سبحانه وتعالى وهو محدث فقام وتوضأ؛ لأن الدعاء يستحب أن يكون على طهر، فنقول: حدثه يرتفع، وإذا أراد أن ينام على طهارة فذهب وتوضأ استحباباً فنقول: حدثه ارتفع, فله أن يصلي.

    قال رحمه الله: (أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع).

    هذه الصورة الرابعة من صور النية: أن ينوي تجديداً مسنوناً، يعني: أن يقصد أن يتوضأ مرة أخرى وقد نسي أنه محدث، فأراد أن يتوضأ مرة أخرى، يعني: أن يجدد وضوءه، فيقول المؤلف رحمه الله: حدثه يرتفع.

    لكن يكون التجديد مسنوناً إذا صلى في الوضوء الأول، فالعلماء يقولون: إذا صلى في الوضوء الأول فإن هذا التجديد يكون مسنوناً، أما إذا لم يصل به صلاة فإنه لا يكون مسنوناً.

    هذه صور النية الأربع.

    إجزاء الغسل المسنون عن الواجب

    قال رحمه الله: (وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب وكذا عكسه).

    يعني: رجل أصبح في يوم العيد وعليه حدث أكبر فاغتسل وهو ينوي الغسل لصلاة العيد، فيجزئه ذلك عن الغسل الواجب من الجنابة، وقيد بعض العلماء ذلك بأن يكون ناسياً لغسل الجنابة, وبعض العلماء لم يقيد وأطلق الأمر، فإذا نوى غسلاً مسنوناً فإنه يجزئه عن الغسل الواجب، وكذلك أيضاً عكسه؛ فلو نوى غسلاً واجباً فإنه يجزئه ذلك عن الغسل المستحب، كإنسان أصبح يوم العيد وعليه حدث أكبر فنوى باغتساله رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه عن الغسل لصلاة العيد، وإن نواهما فهذا هو الأحسن، ويحصل له ثوابهما جميعاً.

    ارتفاع الأحداث بارتفاع أحدها

    قال رحمه الله: (وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدها ارتفع سائرها).

    هاتان صورتان:

    الصورة الأولى: اجتمعت أحداث توجب وضوءاً، كرجل أكل لحم جزور ونام وخرج منه ريح، فهذه ثلاثة أحداث توجب وضوءاً، فتوضأ وهو ينوي رفع الحدث الذي سببه أكل لحم الجزور، فيقول المؤلف رحمه الله: ترتفع سائر الأحداث، يعني: لو أنه توضأ عن الريح أو توضأ عن أكل لحم الجزور أو توضأ عن النوم فالأحداث كلها ترتفع.

    الصورة الثانية: اجتمعت أحداث توجب غسلاً، كرجل حصل منه جماع لزوجته وحصل منه خروج المني، فنوى بغسله أحدها، فترتفع سائر الأحداث؛ والعلة في ذلك أن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل.

    وقت النية

    قال رحمه الله: (ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة, وهو التسمية).

    يعني: لا بد أن تنوي عند أول واجبات الطهارة, وهو التسمية، وسبق أن ذكرنا أن التسمية واجبة على المشهور من المذهب, خلافاً لجمهور العلماء رحمهم الله تعالى، ولو قدم النية قبل التسمية بزمن يسير فإنه لا يضر، فالنية لها وقتان: وقت استحباب, فيكون عند مباشرة العمل، عند قول: باسم الله, فهذا وقت استحباب، ووقت جواز بأن يقدمها قبل الواجب بزمن يسير، فإن كان الفاصل كثيراً فإنه لا بد أن يعيد النية.

    قال رحمه الله: (وتسن عند أول مسنوناتها).

    تسن النية عند أول مسنونات الطهارة, وهو غسل اليدين، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، وذكرنا أن غسل اليدين سنة من سنن الوضوء.

    قال رحمه الله: (إن وجد قبل واجب).

    يعني: إن وجد قبل التسمية, فلو أنه غسل يديه قبل أن يسمي فنقول: يسن أن يسمي, يعني: إن بدأ بالتسمية فإنه ينوي, وكانت النية واجبة، وإن بدأ باليدين قبل التسمية فتكون النية مستحبة.

    قال رحمه الله: (واستصحاب ذكرها في جميعها، ويجب استصحاب حكمها).

    النية من حيث الاستصحاب لها قسمان:

    القسم الأول: استصحاب الذكر، يعني: أن يتذكر النية، وأنه ينوي الوضوء طيلة الوضوء، فيتذكر النية وأنه ناو للوضوء طيلة الوضوء وهذا مستحب.

    القسم الثاني: استصحاب الحكم, وهو ألا ينوي قطع النية حتى ينتهي من وضوئه، وهذا واجب.

    والنية سهلة إلا على الموسوسين، النية سهلة جداً؛ لأن مجرد أن يقوم الإنسان إلى مكان الوضوء فهذه هي النية، وكونه يتحرك هذه هي النية؛ لأنه ما من عمل إلا بنية، ولا عمل إلا بإرادة، فكونه يذهب إلى مكان الوضوء أو إلى بيت الخلاء أو يقوم إلى الصلاة، فهذه هي النية، فلا يظن بأن النية صعبة أو نحو ذلك؛ لأنه لا حركة إلا بإرادة، ولا عمل إلا بنية، ولهذا قال بعض العلماء: لو كلف الإنسان أن يعمل عملاً بلا نية لكان من التكليف بما لا يطاق.

    1.   

    صفة الوضوء وما يتعلق به

    قال رحمه الله: (وصفة الوضوء).

    صفة الوضوء يعني: الكيفية والهيئة التي ينبغي أن يكون عليها الوضوء. والوضوء له صفتان:

    الصفة الأولى: صفة مجزئة، وهو أن يأتي بالواجب والشرط والفرض.

    والصفة الثانية: صفة كاملة، وهي أن يأتي بالمستحبات إضافة إلى ما تقدم.

    قال رحمه الله: (أن ينوي ثم يسمي).

    تقدم الكلام على النية والتسمية أيضاً.

    قال رحمه الله: (ويغسل كفيه ثلاثاً).

    تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن غسل الكفين في بداية الوضوء ثلاث مرات مستحب دائماً في أول كل وضوء إلا إذا كان الإنسان قائماً من نوم الليل الناقض للوضوء فإنه يجب عليه, وتقدم الكلام على ذلك.

    قال رحمه الله: (ثم يتمضمض).

    تكلمنا أيضاً على المضمضة، وذكرنا أن المضمضة لها صفتان.

    قال رحمه الله: (ويستنشق) تكلمنا أيضاً على الاستنشاق, وذكرنا أن الاستنشاق له صفتان، وأن السنة أن يبدأ بالمضمضة ثم الاستنشاق، وألا يفصل بين المضمضة والاستنشاق؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في الفصل بينهما، بل يأخذ غرفة ويتمضمض ببعضها ويستنشق بالبعض الآخر.

    صفة غسل الوجه

    قال رحمه الله: (ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين).

    تقدم الكلام على غسل الوجه، وذكرنا أنه واجب بالإجماع.

    وهنا ذكر المؤلف رحمه الله حد الوجه فقال: من منابت شعر الرأس المعتاد، قال العلماء رحمهم الله: لا عبرة بالأجلح ولا الأقرع، والأقرع: الذي ينحسر الشعر عن شيء من رأسه، والأجلح: الذي ينبت الشعر بشيء من جبهته.

    وضبط بعض العلماء رحمهم الله ضابطاً أحسن من هذا الضابط, فقال: الوجه من ابتداء الانحناء, يعني: إذا ابتدأ الانحناء هذا ليس داخلاً في الوجه، وما عدا ذلك فهو داخل في الوجه؛ لأن هذا هو الذي تحصل به المواجهة، إلى ما انحدر من الذقن واللحيين طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً؛ لأن هذه الأشياء هي التي تحصل بها المواجهة.

    قال رحمه الله: (ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه، ثم يديه مع المرفقين).

    الشعر لا يخلو من حالتين: إما أن يكون خفيفاً, فهذا يجب عليك أن تغسله وما وراءه من البشرة، وإن كان كثيفاً فإن الواجب عليك أن تغسل الظاهر منه، وأما الباطن فإنه يستحب لك أن تخلل، وقد تقدم الكلام على التخليل، وأن التخليل يستحب أن يكون في بعض الأحيان.

    واعلم أن تطهير الشعر له ثلاث حالات:

    الحالة الأول: في الغسل، ويجب تطهير الشعر مطلقاً؛ الظاهر والباطن، الخفيف والكثيف.

    الحالة الثانية: في الوضوء، كما تقدم في التفصيل السابق إن كان الشعر خفيفاً فإنه يطهر وما وراءه من البشرة، وإن كان كثيفاً فإنه يطهر الظاهر منه، وأما الباطن فإنه يستحب أن يخلل أحياناً.

    الحالة الثالثة: في التيمم. وهنا لا يجب أن تطهر الشعر عموماً, سواء كان التيمم عن حدث أكبر أو عن حدث أصغر؛ لأن التيمم طهارة معنوية وليس طهارة حسية.

    صفة غسل اليدين

    قال رحمه الله: (ثم يديه مع المرفقين).

    بعد ذلك تغسل يديك مع المرفقين، وضابط اليد كما أشار المؤلف: إلى آخر المرفق, يعني: من أطراف الأصابع إلى آخر المرفق، ولا بد أن يكون من أطراف الأصابع، ولا يكتفى بالغسل السابق؛ لأن الغسل السابق الذي قبل الوجه سنة، أما الغسل الذي بعد الوجه فلا بد أن يكون من أطراف الأصابع إلى آخر المرفق.

    والظاهرية لا يرون غسل المرفق؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]. لكن الجواب عن هذا سهل؛ لأن قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6], يعني: مع المرافق، ومن ذلك قول الله عز وجل: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52], يعني: مع قوتكم، وقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2]، يعني: مع أموالكم.

    وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ, فغسل يديه حتى أشرع في العضد )، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أشرع في العضد يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل مرفقه.

    صفة مسح الرأس

    قال رحمه الله: (ثم يمسح كل رأسه).

    أي: مسح جميع الرأس، وتقدم أن ذكرنا أن هذا هو مذهب مالك والإمام أحمد , ومذهب أبي حنيفة أنه يقتصر على الربع، ومذهب الشافعي أنه يقتصر على اسم المسح، فإذا حصل اسم المسح أجزأ، لكن الصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه مالك والإمام أحمد ، وكما ذكرنا أن الآية تدل لذلك، وأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على مسح بعض الرأس، فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما اقتصر على مسح بعض الرأس إذا كان عليه عمامة؛ لأن العمامة يمسح عليها بدلاً عن مسح الرأس.

    ومسح الرأس يجزئ كيفما مسح، لكن لو عمل بما ورد في الحديث فيبدأ من مقدم رأسه إلى قفاه, ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه لكان أحسن؛ لأن هذا الوارد في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه.

    قال رحمه الله: (مع الأذنين مرة واحدة).

    الواجب هو أن يمسح صماخي أذنيه وظاهر أذنيه, بحيث يدخل إصبعيه في صماخي أي: سقف الأذنين, ويمسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، وكيفما مسح أجزأ، لكن هذا هو الواجب، وأما غضاريف الأذن فهذه لا يجب أن تمسح، لكن لو طهرها في بعض الأحيان فهذا لا بأس به, ويكون داخلاً في سنن الفطرة إن شاء الله.

    صفة مسح الرجلين

    قال رحمه الله: (ثم يغسل رجليه مع الكعبين).

    الكلام في غسل الرجلين مع الكعبين كالكلام في غسل اليدين مع المرفقين، وقد تقدم أن هذا هو قول الجمهور, وأن الظاهرية يقولون: لا يجب أن يغسل الكعبان، وذكرنا دليلهم, وكيف الجواب عليه، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ, فغسل رجليه حتى أشرع في الساق )، فكونه غسل رجليه حتى أشرع في الساق يدل على أنه غسل كعبيه.

    قال رحمه الله: (ويغسل الأقطع بقية المفروض).

    الأقطع أي: الذي قطع منه شيء من محل الفرض، فلو كان عندنا رجل قطع من منتصف الساعد فيغسل بقية المفروض، أو قطع من منتصف القدم فإنه يغسل الباقي.

    قوله رحمه الله: (فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه).

    إذا قطع من المفصل يغسل رأس العضد، وإن قطع من الذراع فإنه لا يجب عليه شيء لسقوط المحل، يعني: لا نقول: اغسل رأس العضد من الذراع.

    والقول بأنه إن قطع من المفصل غسل رأس العضد هذا إن كان بقي شيء من المرفق، أما إن كان المرفق قد زال بالكلية فإنه لا يجب عليه أن يغسل شيئاً؛ لأن المحل قد زال.

    رفع البصر إلى السماء والذكر عقب الانتهاء من الوضوء

    قال رحمه الله: (ثم يرفع بصره إلى السماء).

    يعني: إذا انتهى من الوضوء يرفع بصره إلى السماء, وهذا لا دليل عليه، وكذلك أيضاً التوجه إلى القبلة، كما يفعله بعض الناس حيث يتوجه إلى القبلة ويرفع بصره إلى السماء، والحديث الوارد في رفع البصر إلى السماء ضعيف لا يثبت.

    إذاً: التوجه إلى القبلة أو رفع البصر إلى السماء أو رفع السبابة هذه الأشياء كلها لا أصل لها.

    قال رحمه الله: (ويقول ما ورد).

    أي: الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )، وفي الترمذي : ( اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين )، لكن هذه اللفظة أعلت بالاضطراب.

    وورد عن أبي سعيد موقوفاً عليه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، لكن ما دام أنه موقوف على أبي سعيد فهذا يفعل في بعض الأحيان.

    المعاونة على الوضوء وتنشيف الأعضاء بعده

    قال رحمه الله: (وتباح معونته).

    يعني: لا بأس أن يعان المتوضئ والمغتسل بأن يصب عليه ونحو ذلك، فإن هذا جائز ولا بأس به، وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه الماء كلما توضأ، ولكن تارة يصب على نفسه, وتارة ربما عاونه من يصب عليه.

    وعلى كل حال؛ فالمؤلف رحمه الله نص على أن معونته مباحة؛ لأن بعض السلف لا يرى مثل هذا العمل, لكن ما دام أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه ( أنه صب على النبي صلى الله عليه وسلم لما توضأ ), فنقول: نصير إلى ما دلت عليه السنة, فتباح معونته.

    قال رحمه الله تعالى: (وتنشيف أعضائه).

    يعني: يباح تنشيف الأعضاء، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى, وقد ورد ذلك عن عثمان وأنس والحسن بن علي رحمهم الله.

    وقد نص المؤلف رحمه الله على إباحة تنشيف الأعضاء؛ لأن بعض السلف قال: يكره للمتوضئ أن ينشف أعضاءه كما ورد ذلك عن سعيد بن المسيب والنخعي ومجاهد , وقال الشافعي : إنه يستحب ترك ذلك. لكن الصواب ما ذهب إليه المؤلف أن تنشيف الأعضاء مباح وقد يحتاج الإنسان لمثل هذا كما لو كان في برد ونحو ذلك، وعلى كل حال؛ نقول: أعدل شيء في مثل هذه الأشياء هو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ أن المعونة مباحة، وأن تنشيف الأعضاء مباح.

    1.   

    المسح على الخفين

    قال رحمه الله: (باب مسح الخفين).

    المسح في اللغة: الإمرار.

    وأما في الاصطلاح: فهو إمرار اليدين مبلولتين على الخفين ونحوهما كالجوارب, وما يلحق بهما كالعمامة كما سيأتينا إن شاء الله.

    والخفان تثنية خف، والخف هو: ما يلبس على الرجل من الجلد.

    ومناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله تعالى لما تكلم عن الوضوء وعن أحكامه ناسب أن يذكر المسح على الخفين؛ لأن المسح على الخفين حكم يتعلق بأحد أعضاء الوضوء.

    والمسح على الخفين هو مذهب أهل السنة والجماعة، أما الرافضة -قبحهم الله- فلا يرون المسح على الخفين, مع أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ممن روى أحاديث المسح على الخفين، ومع ذلك فهم يخالفون أهل السنة والجماعة في هذه المسألة؛ ولهذا بعض علماء أهل السنة إذا ألفوا في العقائد يذكرون أن من عقائد أهل السنة والجماعة المسح على الخفين؛ رداً لأهل البدعة، ولهذا يرى الإمام أحمد رحمه الله أن المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ كل ذلك رداً للبدعة.

    وقد استدل بعض العلماء للمسح على الخفين بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:6], بقراءة الجر، وحملوا قراءة الجر على ما إذا كان على الرجل خف من جلد ونحو ذلك فإنه يمسح عليها، والأحاديث الواردة في المسح على الخفين حكيت بأنها من المتواتر، والإمام أحمد رحمه الله يقول: سبعة وثلاثون نفساً يروون المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول الإمام أحمد أيضاً: ليس في قلبي شيء من المسح على الخفين, فيه أربعون حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحسن البصري رحمه الله يقول: حدثني سبعون صحابياً، وفيه خلاف قديم عن بعض السلف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأيضاً ورد عن الإمام مالك رحمه الله أنه يجوزه في السفر خاصة، لكن هذا كله فيه نظر, والحمد لله استقر الأمر الآن على أنه مشروع في السفر وفي الحضر، وقد تقدم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: خفي في أصله على بعض السلف, وأنكره بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن ما دام أن الأحاديث فيه متواترة فالمعتبر هو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شروط المسح على الخفين

    ‏قال رحمه الله تعالى: (يجوز لمقيم يوماً وليلة ولمسافر ثلاثة بلياليها).

    قال: (يجوز).

    هذه اللفظة ليست لبيان حكم المسح، وإنما لبيان مدة المسح، وأن المسح لمن كان مقيماً لا يجوز إلا لمدة يوم وليلة، أما حكم المسح فيرون أنه رخصة، ويرون أن المسح أفضل من الغسل, كما تقدم عن الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: أن الأفضل ألا يتكلف المسلم؛ فإن كان لابساً للخفين فالأفضل أن يمسح، وإن كان خالعاً فالأفضل أن يغسل، ولا نقول: البس لكي تمسح، أو اخلع لكي تغسل, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم, وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتكلف على خلاف حاله.

    قال رحمه الله: (يجوز لمقيم يوماً وليلة).

    هذا الشرط الأول من شروط المسح على الخفين وهو: أن يتقيد بالمدة، فإن كان مقيماً فإنه يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً فإنه يمسح ثلاثة أيام بلياليها.

    وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ودليلهم على ذلك حديث علي بن أبي طالب في مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها).

    وكذلك حديث خزيمة بن ثابت، وحديث صفوان بن عسال, وغير ذلك.

    والرأي الثاني رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى: أن المسح على الخفين أنه لا يتقيد بمدة، ودليلهم على ذلك حديث أبي بن عمارة, وهو حديث ضعيف, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والرأي الثالث رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو كرأي الجمهور إلا أن شيخ الإسلام يقول: إذا كان هناك ضرورة أو في حال مصلحة عامة فإنه لا يتقيد بمدة؛ لورود ذلك عن عمر كما في قصة عقبة بن عامر، ففي حال الضرورة كما لو كان مع رفقة في سفر فلو جلس لكي يخلع ثم يغسل ستفوته الرفقة، أو كان في بلاد الثلج وسيتضرر إذا خلع الخفين، فهنا لا يتقيد بمدة، أو كان في المصلحة العامة كحال البريد, وهو الذي ينقل الرسائل لخليفة المسلمين, فهنا لا يتقيد بمدة.

    قال رحمه الله: (من حدث بعد لبس).

    هذا قول جمهور أهل العلم، يعني: لا تبدأ المدة من أول اللبس, بل تبدأ من أول حدث بعد اللبس، فلو لبست في الساعة السادسة وأحدثت في العاشرة فإن المدة تبدأ من العاشرة, فتمسح إلى العاشرة من الغد إذا كنت مقيماً، وإن كنت مسافراً فتمسح من العاشرة بعد ثنتين وسبعين ساعة.

    الرأي الثاني في المسألة, وهو اختيار النووي رحمه الله: أن المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث، فيخرج بذلك المسح الذي يكون تجديداً، فإن المدة لا تبدأ به، فلو أنه لبس ثم جدد وضوءه ومسح فلا تبدأ المدة، لكن إذا أحدث ثم مسح فإن المدة تبدأ، فقد يلبس في الساعة السادسة، ثم يجدد في الثامنة، ثم يحدث في العاشرة، ثم يمسح في الثانية عشرة, فتبدأ في الساعة الثانية عشرة، يعني: من أول مسح بعد الحدث، وأما على رأي الجمهور فتبدأ في العاشرة؛ لأنهم يقولون: من أول حدث بعد اللبس.

    والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه النووي رحمه الله, وهو أيضاً اختيار الشيخ السعدي، ويدل لهذا أن الشارع جعل المدة كلها ظرفاً للمسح، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا قلنا بأن المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث.