إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للوضوء سنن منها: السواك، وغسل اليدين ثلاثاً، والبداءة باليمين، وتخليل اللحية والأصابع وغيرها، كما أن له أركاناً هي: غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس كله على الراجح، وغسل القدمين، والترتيب والموالاة على الراجح فيهما.

    1.   

    حكم الادهان والاكتحال للمسلم

    قال المصنف رحمه الله: [ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانب فمه الأيمن، ويدهن غباً ويكتحل وتراً.

    وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر، ويجب الختان ما لم يخف على نفسه، ويكره القزع.

    ومن سنن الوضوء: السواك، وغسل الكفين ثلاثاً.

    ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء، والبداءة بمضمضة، ثم استنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع والتيامن، وأخذ ماء جديد للأذنين, والغسلة الثانية والثالثة.

    باب فروض الوضوء وصفته:

    فروضه ستة: غسل الوجه والفم والأنف منه، وغسل اليدين, ومسح الرأس ومنه الأذنان، وغسل الرجلين, والترتيب, والموالاة].

    تقدم ما يتعلق ببقية أحكام الاستنجاء والاستجمار، وذكرنا من ذلك ما يتعلق بالمواضع التي ينهى عن قضاء الحاجة فيها، وكذلك أيضاً إذا انتهى من قضاء حاجته ماذا يشرع له، وما هي شروط الاستجمار؟ وما هو ضابط الاستنجاء المجزي؟ وما ضابط الاستجمار المجزي؟

    ثم شرعنا في باب السواك وسنن الوضوء، وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن السواك سنة مطلقاً، وأنه يتأكد في مواضع، وهل يشرع للصائم بعد الزوال؟ وذكرنا كلام أهل العلم، وتطرقنا أيضاً للمواضع التي يتأكد فيها السواك، وأنه يتأكد عند الصلاة وعند الوضوء وعند تغير رائحة الفم وعند الانتباه.

    ثم قال رحمه الله تعالى: (ويستاك عرضاً).

    وذكرنا أن هذا باتفاق الأئمة, وأن السنة إذا استاك أن يستاك عرضاً، والعلة في ذلك: أنه إذا استاك طولاً فإنه يفسد اللثة ويجرحها، إلا إذا استاك على لسانه فإنه يستاك طولاً؛ لما تقدم من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه.

    قال رحمه الله: (مبتدئاً بجانب فمه الأيمن).

    يعني: إذا أراد أن يتسوك فإنه يبتدئ بجانب فمه الأيمن، ويدل لذلك: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن )، يعني: يستحسن التيمن، فيشرع أن يبدأ بجانبه الأيمن، والبداءة بجانب الفم الأيمن هذا باتفاق الأئمة.

    قال رحمه الله: (ويدهن غباً).

    يعني: يستحب لمن له شعر أن يدهن شعره، لكن قال المؤلف رحمه الله: يدهن غباً, يعني: يدهن في يوم ويترك الادهان في يوم آخر، ودليل ذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غباً )، والترجل هو: تسريح الشعر وتحسينه، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غباً، وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وصححه الترمذي .

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المراد بالحديث: التهالك في التحسين والمبالغة في ذلك، وإلا إذا احتاج المسلم إلى أن يدهن كل يوم فهذا لا بأس به، لكن المراد بذلك هو أن يتهالك, وأن يبالغ في التحسين؛ لأن العناية بالمظهر يفقد العناية بالباطن، والنبي صلى الله عليه وسلم أراد من المسلم أن يعتني أشد الاعتناء بباطنه, بأن يلاحظ قلبه، يعني: ما يتعلق بالرياء، بالسمعة، ما يتعلق بأمراض القلوب من الحسد والغيرة الممقوتة والحقد, وغير ذلك، فالمطلوب من المسلم أن يفتش عن قلبه دائماً وأبداً، وأن يلاحظ التفات القلوب إلى المخلوقين, ونحو ذلك.

    والخلاصة في المسألة: أن المسلم مأمور بالتجمل, وفي الصحيح: ( إن الله جميل يحب الجمال )، فمن أسماء الله عز وجل: الجميل، ومن صفاته: أنه يحب الجمال، فأنت مطلوب منك أن تتحسن وأن تتنظف، لكن الإسلام ينهى أن يبالغ المسلم في ذلك، وأن يكثر منه، وأن يكون هذا هماً له، وأن يكون ديدنه؛ لأن مثل هذا مما يزاحم نظافة الباطن، ونظافة الباطن هي التي ينبغي للمسلم أن يبالغ فيها، وأن يكثر منها.

    قال رحمه الله: (ويكتحل وتراً).

    يعني: يكتحل في كل عين ثلاثة أميال بالإثمد، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لكن هذا الحديث ضعيف, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وعلى هذا نقول: الاكتحال ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: إذا كان المقصود من ذلك هو صلاح العين أي: تقوية النظر وإزالة الغشاوة التي تحصل على العين ونحو ذلك فنقول: هذا مستحب؛ لأن هذا من إصلاح البدن، والله سبحانه وتعالى أمر المسلم أن يحفظ بدنه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الطب النبوي وكذلك أيضاً في زاد المعاد ذكر جملة من فوائد الكحل بالإثمد، فإذا كان المقصود بذلك مصلحة العين فهذا مستحب.

    والقسم الثاني: أن يكون المقصود بذلك هو مجرد التزين والتجمل، فإن كان للمرأة فهذا مطلوب؛ لأن المرأة يطلب منها أن تتجمل وأن تتحسن لزوجها؛ لأن هذا من حسن العشرة للزوج. وأما بالنسبة للرجل فإن هذا مباح وجائز ولا بأس به؛ لأن الأصل في ذلك الإباحة، وقد ورد ذلك بالنسبة للرجال، إلا إذا كان سيترتب عليه فتنة فإنه يحرم لهذا العارض.

    1.   

    التسمية في الوضوء

    قال رحمه الله: (وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر).

    هذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى أن التسمية واجبة في الوضوء.

    وقوله: (في الوضوء) المقصود به الطهارة؛ سواء كانت الطهارة وضوءاً يعني: رفعاً للحدث الأصغر أو رفعاً للحدث الأكبر أو تيمماً، فالحنابلة يرون أن التسمية واجبة في الوضوء، وواجبة في الغسل، وواجبة في التيمم، ودليلهم على ذلك: حديث أبي هريرة وله شاهد من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود ، وابن ماجه والإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيرهم، وهو ضعيف، لكن له شواهد تقويه، فله شاهد من حديث أبي سعيد وعائشة وسعيد بن زيد وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك ، لكن لا ينتهض إلى الوجوب كما ذهب إليه الحنابلة.

    والرأي الثاني رأي جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والمالكية: أن التسمية مستحبة, وليست واجبة؛ لأن هذا الحديث فيه ضعف؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا يثبت في الباب شيء، وذهب بعض أهل العلم إلى أن التسمية لا تشرع ولا حتى استحباباً؛ بناءً على أنه لم يثبت شيء، كما ذكرنا أن الإمام أحمد قال: لا يثبت في هذا الباب شيء.

    إذاً: جمهور أهل العلم يرون أن التسمية مستحبة لهذا الحديث.

    وأيضاً مما يدل لذلك أن أكثر الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا التسمية، حتى ولو ثبت فنقول: هذا محمول على الكمال والاستحباب، فالقول بالاستحباب وسط، وهو قول الجمهور، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن التسمية يؤتى بها في بداءة كل أمر مهم، ويدخل في ذلك الوضوء، فنقول: الأقرب في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى لهذا الحديث، وكما ذكرنا هذا الحديث له شواهد كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا بعض أهل العلم صحح هذا الحديث، وابن حجر رحمه الله يقول: شواهده تدل على أن له أصلاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (مع الذكر).

    يعني: إذا كان ذاكراً، أما إذا نسي فإن التسمية تسقط، لكن لو ذكر في أثناء الوضوء فصاحب الإقناع يقول: بأنه يبني على وضوئه، وصاحب المنتهى يقول: بأنه يستأنف الوضوء، فمثلاً: لو غسل وجهه وقد نسي التسمية، وبعد أن انتهى من غسل الوجه تذكر أنه لم يسم فهل نقول: يبتدئ أو نقول: يبني؟ صاحب الإقناع يقول: بأنه يبني، وصاحب المنتهى يقول: بأنه يستأنف, يعني: يبتدئ، وعند المتأخرين من الحنابلة: أنه إذا اختلف الإقناع والمنتهى فالمرجح ما في المنتهى، وعلى هذا فالمذهب أنه إذا ذكر في أثناء الوضوء فإنه يبتدئ الوضوء من جديد، لكن إذا ذكر بعد نهاية الوضوء فإن التسمية تسقط، والصواب: أنه لا يجب عليه، كما ذهب إليه الحجاوي رحمه الله تعالى, وأنه إذا ذكر في أثناء الوضوء فإنه يبني على وضوئه.

    1.   

    الختان

    حكم الختان

    قال: (ويجب الختان).

    الختان في اللغة يطلق على معان, منها: القطع.

    وأما في الاصطلاح فهو: قطع الجلدة التي تكون فوق الحشفة، والحشفة هي رأس الذكر، وقد ذكر بعض العلماء أن الحشفة يتعلق بها ما يقرب من أربعمائة حكم, كوجوب الدية فيها كاملة إذا قطعت.

    هذا الختان يقول المؤلف رحمه الله تعالى بأنه واجب، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله بأنه يجب على الذكور والإناث، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب الشافعي ، وعند أبي حنيفة ومالك أنه سنة للذكور والإناث، والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله وهي التي اختارها ابن قدامة أن الختان واجب على الذكور مستحب للإناث، وهذا القول هو الأقرب أنه واجب على الذكور ومستحب للإناث.

    أما الدليل على وجوبه فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124]، ومن هذه الكلمات التي ابتلى الله عز وجل بها إبراهيم: الختان، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

    ويقولون أيضاً: بأن الختان قطع شيء من الجلد وتصرف في البدن، وقد يكون البدن بدن يتيم، وقد تؤخذ الأجرة من مال اليتيم، فمثل هذه التصرفات لا تكون إلا لأمر واجب، وللفرق أيضاً بين المسلمين والنصارى الذين لا يختنون.

    فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، لكن بالنسبة لوجوبه على المرأة فهذا فيه نظر، وهذا الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله بأنه لا يجب على المرأة هي الصواب؛ لأن الختان للذكر يتعلق بمصلحة تعود إلى شرط من شروط صحة الصلاة, وهو اجتناب النجاسة؛ لأن هذه الجلدة إذا تركت ولم تقطع فإنه أثناء قضاء الحاجة قد يجتمع شيء من البول فيها فيتعدى إلى الثياب، ويتعدى إلى البدن، ولما يترتب على ذلك من الضرر بالنسبة لعدم المختتن.

    وأما بالنسبة للمرأة فالختان لها لتقليل الغلمة؛ لتحصيل أمر كمال، فالصواب أنه لا يجب.

    وقت وجوب الختان

    لكن متى يجب الختان؟

    العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: الختان له ثلاثة أوقات:

    الوقت الأول: وقت كراهة من الولادة إلى اليوم السابع.

    والوقت الثاني: وقت الوجوب إذا قارب البلوغ.

    وما بين ذلك وقت استحباب، لكن كلما فعل في الصغر فهو أفضل؛ لأنه أسرع برءاً، ولأن الطفل يتألم ألماً بدنياً ولا يتألم ألماً قلبياً.

    قال رحمه الله: (ما لم يخف على نفسه).

    يعني: إذا كان يخاف على نفسه الهلاك أو فساد العضو من الختان، فإنه لا يجب، قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، والواجبات تسقط بالعجز عنها.

    1.   

    حكم القزع

    قال رحمه الله: (ويكره القزع).

    القزع هو أن يحلق بعض الرأس ويترك بعضه؛ لأن ( النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع )، وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى إجماع العلماء على كراهة القزع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، إلا إذا كان يترتب على هذا القزع تشبه بخصيصة من خصائص الكفار فإنه محرم ولا يجوز.

    1.   

    سنن الوضوء

    قال رحمه الله تعالى: (ومن سنن الوضوء).

    السنن جمع سنة, وهي في اللغة: الطريقة، وأما في الاصطلاح: فهو ما يشرع في الوضوء مما ليس ركناً ولا شرطاً ولا واجباً.

    والوضوء في اللغة: مأخوذ من الوضاءة, وهي الحسن والنظافة، وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بغسل الأعضاء الأربعة على وجه مخصوص.

    قال رحمه الله: (السواك).

    هذه السنة الأولى من سنن الوضوء: السواك، وقد تقدم الكلام على هذه السنة، وذكرنا دليلها, وأنها تشرع عند المضمضة أو قبل المضمضة بيسير، أو أثناء غسل الوجه، والأمر في هذا واسع إن شاء الله.

    غسل الكفين ثلاثاً

    قال رحمه الله: (وغسل الكفين ثلاثاً).

    هذه السنة الثانية: غسل الكفين، يعني: يشرع لك في بداية كل وضوء أن تغسل يديك ثلاث مرات، ويدل لذلك حديث عثمان في الصحيحين لما وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث عبد الله بن زيد وغير ذلك من الأحاديث، فيشرع لك في بداية كل وضوء أن تغسل يديك ثلاث مرات.

    قال رحمه الله: (ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء).

    يعني: يجب أن تغسل يديك ثلاث مرات إذا استيقظت من نوم الليل الناقض للوضوء، ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده )، والقول بوجوب غسل اليدين ثلاثاً هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, خلافاً لرأي الجمهور، الذين لا يرون وجوب الغسل؛ لحديث ابن عباس لما نام عند خالته ميمونة وذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وطهارته ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل يديه ثلاثاً، لكن ما دام أن هناك أمراً من النبي صلى الله عليه وسلم فالذي يظهر -والله أعلم- أن ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله هو الأقرب والأحوط، فنقول: يحتاط المسلم ويغسل يديه ثلاث مرات.

    وما هي العلة في غسل الأيدي؟ هذه موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن العلة تعبدية، ليست معقولة المعنى، والشافعي رحمه الله يقول: العلة خشية ملامسة اليد للنجاسة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: العلة أن الشيطان قد يعبث باليد, فيلامس اليد ويعبث فيها، ويدل لهذا أيضاً ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثاً، فإن الشيطان يبيت على خيشومه ).

    وإذا استيقظ قلنا: يغسل يديه ثلاث مرات ويستنشق ثلاث مرات، فإذا أراد الوضوء فهل يغسلهما ست مرات عندما يستيقظ من نوم الليل أو نقول: يكتفي بثلاث مرات؟ هذا موضع خلاف، والأقرب في ذلك أنه يكتفي بغسلهما ثلاثاً.

    المضمضة والاستنشاق

    قال رحمه الله: (والبداءة بمضمضة، ثم استنشاق).

    هذه السنة الثالثة من سنن الوضوء: أن تبدأ بالمضمضة ثم الاستنشاق، والسنة ألا تفصل بين المضمضة والاستنشاق كما ذكر ابن القيم رحمه الله أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق، وما ورد في ذلك فهو غير ثابت، فتأخذ غرفة وتتمضمض ببعضها، وتستنشق بالبعض الآخر، فالسنة أن تبدأ بالمضمضة والاستنشاق كما جاء في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، والفم والأنف من الوجه، فلو أنه غسل الوجه ثم تمضمض واستنشق أو استنشق ثم تمضمض فهذا كله جائز، لكن السنة أن تبدأ بالمضمضة والاستنشاق.

    قال رحمه الله: (والمبالغة فيهما لغير صائم).

    هذه هي السنة الرابعة: المبالغة في المضمضة والاستنشاق، وعلى هذا نفهم أن المضمضة لها صفتان، وأن الاستنشاق له صفتان:

    الصفة الأولى للمضمضة صفة واجبة, وهي: إدارة الماء في الفم أدنى إدارة، وصفة كاملة وهي: إدارته في جميع الفم.

    والاستنشاق أيضاً له صفتان: صفة واجبة, وهي: إيصال الماء إلى داخل الأنف، وصفة مستحبة وهي: إيصال الماء إلى أقصى الأنف إلا إذا كان صائماً، ويدل لذلك حديث لقيط , وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ).

    تخليل اللحية والأصابع

    قال رحمه الله: (وتخليل اللحية الكثيفة).

    هذه السنة الخامسة: تخليل اللحية الكثيفة، وقد جاء في ذلك حديث عثمان رضي الله تعالى عنه، لكن الحديث لا يثبته بعض أهل العلم, ولكنه ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هذا مستحب دائماً.

    والرأي الثاني رأي ابن القيم رحمه الله: أنه يفعل أحياناً؛ لأنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكما ذكرنا أن الحديث الوارد في ذلك ضعيف، وعلى هذا نقول: في بعض الأحيان تخلل اللحية، وفي بعض الأحيان لا تخلل.

    وكيفية التخليل: أن يأخذ غرفة من الماء ويضعها تحت ذقنه ثم يخلل، غرفة للجانب الأيمن والأيسر، ولم يرد في صفة التخليل شيء ثابت، فكيفما خلل أجزأ ذلك. وهذا التخليل للحية الكثيفة، أما اللحية الخفيفة فإنه يغسلها ويغسل البشرة من ورائها، وكما ذكرنا أن الأقرب ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله؛ لأن حديث عثمان الوارد في تخليل اللحية فيه ضعف.

    قال رحمه الله: (والأصابع).

    هذه السنة السادسة: تخليل الأصابع، ويدل لذلك حديث لقيط رضي الله تعالى عنه: ( وخلل بين الأصابع )، فيستحب تخليل الأصابع، وقد ذكرنا أن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن تخليل الأصابع سنة دائماً، لكن الأقرب في ذلك أن تخليل الأصابع يكون في بعض الأحيان، يعني: في بعض الأحيان يخلل أصابعه، وفي بعض الأحيان يتركه.

    التيامن

    قال رحمه الله: (والتيامن).

    يعني: أن يبدأ باليد اليمنى ثم اليسرى، ويبدأ بالرجل اليمنى ثم اليسرى، أما الرأس فإنه يمسح دفعة واحدة، والوجه يغسل دفعة واحدة، ويدل لذلك: حديث عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن ).

    وقول علي رضي الله تعالى عنه: لا أبالي بأي أعضاء وضوئي بدأت. هذا أيضاً يدل على أن التيمن ليس واجباً وإنما هو سنة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا توضأتم ولبستم فابدءوا بميامنكم ).

    تجديد الماء للأذنين

    قال رحمه الله: (وأخذ ماء جديد للأذنين).

    هذه السنة السابعة: أخذ ماء جديد للأذنين، يعني: إذا مسحت رأسك فلا تمسح أذنيك بفضل الماء الباقي بعد مسح الرأس، وهذا المشهور من المذهب، واستدلوا على ذلك بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( وأخذ ماء جديداً لأذنيه غير الماء الذي أخذ لرأسه )، والصحيح أن هذا شاذ ولا يثبت، والصواب في ذلك الثابت: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الأذنين بفضل ماء الرأس ). هذا هو الصواب في هذه المسألة. وعلى هذا فأخذ ماء جديد ليست سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    التثنية والتثليث

    قال رحمه الله: (والغسلة الثانية والثالثة).

    هذه السنة الثامنة: الغسلة الثانية والثالثة.

    ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن الغسلة الثانية والثالثة من سنن الوضوء، وأن الغسلة الأولى مجزئة، والغسلة الثانية أفضل، والثلاث أفضل من الثنتين، والصواب في ذلك أن يقال: يعمل بكل السنن التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم -بالنسبة للوضوء- ورد عنه أربع صفات:

    الصفة الأولى: توضأ مرة مرة.

    والصفة الثانية: توضأ مرتين مرتين.

    والصفة الثالثة: توضأ ثلاثاً ثلاثاً.

    والصفة الرابعة: خالف، فغسل الوجه ثلاث مرات، واليدين مرتين، والرجلين مرة واحدة، وعندنا عضوان لا يختلفان: اليدان في بداية الوضوء دائماً تغسلهما ثلاث مرات، ومسح الرأس دائماً تمسحه مرة واحدة, خلافاً للشافعي رحمه الله، وما عدا ذلك فيه الصفات الأربع: مرة مرة, مرتين مرتين, ثلاثاً ثلاثاً، تخالف, أي: تغسل الوجه ثلاث مرات، وتغسل اليدين مرتين، والرجلين مرة واحدة.

    بقي على المؤلف رحمه الله أذكار الوضوء فهو لم يذكرها في السنن، وذكرها كما سيأتينا إن شاء الله بعدما تكلم على صفة الوضوء، ولو أن المؤلف رحمه الله أتى بها هنا لكان أحسن.

    1.   

    فروض الوضوء

    قال رحمه الله: (باب فروض الوضوء وصفته).

    الفروض: جمع فرض, وهو في اللغة: القطع، وأما في الاصطلاح فالمراد بها: أركان الوضوء.

    وقوله: (وصفته), يعني: كيفيته، يعني: كيفية الوضوء التي ينبغي أن يكون عليها.

    قال رحمه الله: (فروضه ستة).

    هذا العدد وغير ذلك من الأعداد التي يذكرونها كله مبني على الاستقراء، فالعلماء رحمهم الله استقرءوا الأدلة وسبروا الأدلة وقسموها, ثم تبين لهم أن هذا فرض، وأن هذا شرط، وأن هذا واجب، وأن هذا مستحب. فهذه الأعداد التي يذكرها المؤلف قد يوافق عليها وقد لا يوافق عليها كما سيأتي.

    غسل الوجه

    قال رحمه الله: (غسل الوجه).

    هذا الركن الأول من أركان الوضوء: غسل الوجه، ودليله: القرآن والسنة والإجماع, فالقرآن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وأيضاً السنة, كما في حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد ، والإجماع قائم على ذلك.

    أما حد الوجه فسيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى عندما يتكلم على صفة الوضوء.

    قال رحمه الله: (والفم والأنف منه).

    يعني: من الوجه، وبهذا نفهم أن كلاً من المضمضة والاستنشاق واجب، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أنهما واجبان في الوضوء والغسل، وهذه المسألة أيضاً من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    الرأي الثاني: رأي مالك والشافعي : أن كلاً من المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء والغسل.

    وعند أبي حنيفة أنهما يجبان في الغسل ولا يجبان في الوضوء.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وأن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء وفي الغسل، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، والأنف من الوجه، والفم من الوجه, بدليل أن الصائم يدخل الماء إلى فمه ولا يفطر, مما يدل على أنه في حكم الظاهر كالخد، ويدخل الماء إلى أنفه ولا يفطر, مما يدل على أنه في حكم الظاهر، ولو كان في حكم الباطن لأفطر، ونستدل أيضاً بحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ( ... ثم ليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر )، وهذا أمر, والأمر يقتضي الوجوب، وفي حديث لقيط : ( إذا توضأت فمضمض )، والذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من اثنين وعشرين صحابياً لم يذكر واحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخل بالمضمضة والاستنشاق، فالصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    غسل اليدين

    قال رحمه الله: (وغسل اليدين).

    هذا الركن الثاني من أركان الوضوء: غسل اليدين، ودليله: القرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، والسنة كما في حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد ، والإجماع قائم على ذلك.

    وسيأتينا إن شاء في صفة الوضوء حد اليد التي يجب غسلها.

    مسح الرأس

    قال رحمه الله: (ومسح الرأس).

    هذا الركن الثالث من أركان الوضوء: مسح الرأس، ودليله: القرآن والسنة والإجماع كما سلف.

    وقول المؤلف رحمه الله: (مسح الرأس) يؤخذ من هذا أن جميع الرأس يجب مسحه, يعني: في الجملة، يعني: لا يجب عليك أن تمسح كل شعرة بعينها، لكن جملة الرأس يجب عليك أن تعممه بالمسح؛ لقول الله عز وجل: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اقتصر على مسح بعض الرأس، وهذا مذهب مالك وأحمد .

    وعند أبي حنيفة : يكفي ربع الرأس.

    وعند الشافعي : يكفي ما يقع عليه اسم المسح.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه مالك وأحمد , وأنه يجب مسح جميع الرأس؛ لظاهر الآية، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اقتصر على مسح بعض الرأس، وفي حديث المغيرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الناصية ومسح على العمامة ).

    قال رحمه الله: (ومنه الأذنان).

    يعني: الأذنان من الرأس، يعني: يجب مسحهما، وهذا أيضاً من مفردات الحنابلة رحمهم الله.

    ويدل لوجوب مسح الأذنين أن الله سبحانه وتعالى قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، والأذنان من الرأس، فالآية دالة على وجوب مسح الأذنين، وفي سنن ابن ماجه وإن كان فيه ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأذنان من الرأس )، لكنا نستدل بالآية.

    وأيضاً الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك مسح الأذنين.

    غسل الرجلين

    قال رحمه الله: (وغسل الرجلين).

    هذا الركن الرابع من أركان الوضوء: غسل الرجلين, ودليله القرآن والسنة والإجماع, قال تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، والسنة كما في حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد وغيرهما، والإجماع قائم على ذلك.

    وسيأتينا إن شاء الله ضابط الرجلين اللتين يجب غسلهما.

    الترتيب

    قال رحمه الله: (والترتيب).

    وهذا الركن الخامس: الترتيب، وذلك أن يرتب الأعضاء الأربعة، فيبدأ بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى والشافعي , خلافاً لـأبي حنيفة ومالك , فإنهما يريان الترتيب سنة, وليس واجباً، والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه أحمد والشافعي وأن الترتيب واجب، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ومن جزالة اللغة أن يأتي بالمغسولات ثم بالممسوح، لكن الله سبحانه وتعالى أدخل الممسوح بين المغسولات فدل هذا على اعتبار الترتيب.

    وأيضاً: النبي صلى الله عليه وسلم رتب وقال: ( ابدءوا بما بدأ الله به )، ولم يرد الإخلال بالترتيب عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حديث ضعيف وهو حديث المقدام بن معدي كرب : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل وجهه، ثم غسل ذراعيه، ثم مضمض واستنشق )، وهذا مما يتمسك به الحنفية والمالكية, لكن هذا الحديث ضعيف, وشاذ ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعندنا قاعدة, وهي: أن كل عبادة مركبة من أجزاء لكي تكون موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم لا بد فيها من أمرين:

    الأمر الأول: الترتيب بين أجزائها.

    والأمر الثاني: الموالاة، وإلا لم تكن وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    فلو أنه غسل رجله ثم غسل وجهه فهذا ليس الوضوء الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام, وكذلك لو غسل وجهه وبعد ساعة غسل يديه فهذا ليس الوضوء الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الموالاة

    قال رحمه الله: (والموالاة).

    هذا الركن السادس والأخير من أركان الوضوء, وهو الموالاة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال به الإمام مالك ، لكن الإمام مالك رحمه الله يرى أن الموالاة تسقط عند العذر.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة والشافعي : أن الموالاة ليست واجبة.

    والذين قالوا بأن الموالاة واجبة استدلوا ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم - الدرهم من الفضة- فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء ). فكون النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعيد الوضوء يدل على اعتبار الموالاة.

    والذين قالوا بأن الموالاة ليست واجبة استدلوا بحديث عمر في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً على رجله مثل الظفر لم يصبه الماء فأمره أن يحسن وضوءه ) ولم يأمره أن يعيده، بل أمره أن يحسن وضوءه. فكون النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يحسن وضوءه ولم يأمره أن يعيد مما يدل على أن الموالاة ليست واجبة.

    لكن نجيب عن هذا بأن نقول: المراد بتحسين الوضوء هي إعادة الوضوء، أو أن الفاصل يسير، فأمره أن يحسن وضوءه.

    والإمام مالك كما ذكرنا يقول: إن الموالاة تسقط بالعذر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فلو أن الإنسان كان على بدنه شيء يمنع وصول الماء فاحتاج إلى إزالته بعد أن غسل وجهه فجلس يزيل هذا الذي يمنع وصول الماء حتى نشف الوجه وطال الفاصل فهذا لا يضر، أو انقطع عليه الماء واحتاج أن يأتي بماء إلى آخره فنقول: هذا لا يضر.