إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحرم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول، كما أنه يحرم قضاء الحاجة في الأماكن التي يحتاج إليها الناس. وللاستجمار شروط منها: أن يستجمر بطاهر وبثلاث مسحات ولا يكون عظماً أو روثاً. والسواك سنة في كل وقت، وتتأكد سنيته في مواضع منها: عند الصلاة، وعند الاس

    1.   

    تابع آداب التخلي وقضاء الحاجة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان، ولبثه فوق حاجته، وبوله في طريق وظل نافع، وتحت شجرة عليها ثمرة، ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء، ويجزئه الاستجمار إن لم يعد الخارج موضع العادة، ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً منقياً غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان، ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر، ولو بحجر ذي شعب، ويسن قطعه على وتر، ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح، ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم.

    باب: السواك وسنن الوضوء.

    التسوك بعود لين منقٍ غير مضر لا يتفتت، لا بأُصبع وخرقة، مسنونٌ كل وقت لغير صائم بعد الزوال، متأكد عند صلاة وانتباه وتغير فم، ويستاك عرضاً ].

    سبق لنا جملة من أحكام الاستنجاء، وذكرنا جملةً من آداب قضاء الحاجة، وذكرنا من أحكام الاستنجاء ما يتعلق بتعريفه، وكذلك مناسبة الباب لما بعده، وكذلك هل الاستجمار رافع أو مبيح.

    ثم بعد ذلك تكلمنا عن جملة من آداب قضاء الحاجة، وذكرنا من هذه الآداب آداباً قولية وآداباً فعلية، ومن ذلك: التسمية, والاستعاذة, وتقديم الرجل اليسرى.

    استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة

    قال رحمه الله تعالى: (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان).

    هذا هو الأدب العشرون من آداب قضاء الحاجة: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً هو مذهب المالكية والشافعية، يعني: الأئمة الثلاثة يقولون: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء, وأما في البنيان فيجوز لك أن تستقبل القبلة وتستدبرها.

    واستدلوا على ذلك بحديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا )، وهذا في الصحيحين، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه, وحديث سلمان والأحاديث في هذا كثيرة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ورد في ذلك بضعة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والمؤلف فصل، فقال: في الصحراء يحرم عليك أن تستقبل أو تستدبر، وأما في البنيان كدورات المياه الموجودة الآن، فيجوز لك أن تستقبل القبلة وأن تستدبرها أثناء قضاء الحاجة، والدليل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس لقضاء حاجته، واستدبر الكعبة في بيت حفصة، يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبول, وقد استقبل بيت المقدس واستدبر الكعبة). وهذا الحديث في الصحيحين. قالوا: كون النبي صلى الله عليه وسلم استدبر الكعبة يدل على جوازه في البنيان، وهذا هو الرأي الأول في هذه المسألة.

    الرأي الثاني: أن الاستقبال والاستدبار محرم ولا يجوز، سواء كان ذلك في الصحراء أو كان ذلك في البنيان، وهذه الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم رحمه الله، واستدلوا بعموم حديث أبي أيوب الذي سلف، وحديث أبي هريرة في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )، وهذا يشمل الصحراء والبنيان.

    والرأي الثالث ونقتصر عليه؛ لأن المسألة فيها آراء كثيرة, لكن ما ذكرنا هو أشهر الآراء, وهو رأي الأئمة رحمهم الله.

    فتلخص لنا أن الأئمة الثلاثة يجوزونه في البنيان ويمنعونه في الصحراء، وأبو حنيفة رحمه الله يمنعه في الصحراء وفي البنيان استقبالاً واستدباراً، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم .

    الرأي الثالث: أن النهي على سبيل الكراهة، يعني: يكره أن تستقبل أو تستدبر, ولو فعلت فإن هذا جائز, ولا بأس به.

    وعند داود الظاهري رحمه الله أنه يجوز بلا كراهة، يعني: بعض العلماء ذهب إلى أنه مكروه, وليس محرماً، وعند داود الظاهري أنه جائز بلا كراهة.

    والذين قالوا بالجواز سواء كان بالكراهة أو بالجواز مطلقاً دون كراهة يستدلون على ذلك بحديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها إذا أهرقنا الماء، يقول جابر : ثم رأيته قبل أن يموت بعام وهو مستقبل القبلة يبول ). وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه ، وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، إذا عنعن لا تقبل روايته، لكنهم يقولون هنا: صرح محمد بن إسحاق بالتحديث.

    وأقرب الأقوال في هذه المسألة ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، وأن استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة سواء كان في البنيان أو في الصحراء محرم, ولا يجوز.

    وأما حديث جابر رضي الله تعالى عنه فنقدم عليه أحاديث الصحيحين، كحديث أبي أيوب في الصحيحين، وحديث أبي هريرة في مسلم وحديث سلمان ، وكما تقدم أن ابن القيم يقول: لبضعة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما ما دل له حديث ابن عمر في أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس واستدبر الكعبة فهذا فعل، وحديث النهي عن الاستقبال والاستدبار في البنيان قول, وهو مقدم على الفعل.

    كما أن الفعل يحتمل عدة احتمالات، فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لحاجة، ويحتمل الخصوصية، مع أن حديث جابر الذي في إسناده محمد بن إسحاق معلول عند بعض المحدثين, فلا يرى قبوله، فأسلم شيء في هذه المسألة ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، وهو اختيار شيخ الإسلام ، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله.

    كراهة طول اللبث في الخلاء

    قال رحمه الله: (ولبثه فوق حاجته).

    هذا هو الأدب الحادي والعشرون: يحرم على الإنسان أن يلبث فوق حاجته، يعني: إذا انتهى من قضاء الحاجة فإنه يبادر بالاستنجاء أو الاستجمار, ولا يلبث فوق حاجته، ويقولون: هذا محرم ولا يجوز؛ لعلتين:

    العلة الأولى: أنه مضر عند الأطباء، فالأطباء يقولون بأن هذا يدمي الكبد.

    والعلة الثانية: فيه من كشف العورة.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن هذا مكروه؛ لأن التحريم صعب, وليس هناك دليل, لكن نقول: يكره؛ لما في ذلك من كشف العورة بلا حاجة، لكن إن ثبت أن هذا يضر - يعني: كونه يلبث فوق حاجته زائداً عما يحتاجه, وأن هذا مضر- فإن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    عدم قضاء الحاجة في الأماكن التي يحتاجها الناس

    قال رحمه الله: (وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة).

    هذا هو الأدب الثاني والعشرون: يحرم عليك أن تبول في هذه الأشياء وتحت الشجرة التي عليها ثمرة، وما ذكره المؤلف رحمه الله إنما هو على سبيل المثال، والضابط في ذلك أن نقول: يحرم أن تقضي حاجتك في مكان يحتاجه الناس ويتأذى الناس بفعلك، وهذا يشمل الطريق، والحدائق والمنتزهات، وأماكن الجلوس العامة، والأسواق، المهم: الأماكن التي يحتاجها الناس، إذا قضيت حاجتك فيها فإن الناس يتأذون فنقول: هذا لا يجوز؛ لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58]، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ).

    الجمع بين الاستجمار والاستنجاء

    قال رحمه الله: (ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء).

    هذا هو الأدب الثالث والعشرون: أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء، يعني: يستجمر بحجر أو بمناديل ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يستنجي بالماء؛ لأنه إذا نظف المحل بالحجر والمناديل لم تباشر يده النجاسة، ومباشرة اليد للنجاسة في هذا الموضع أجازه العلماء رحمهم الله تعالى للحاجة إليه، فالأدب أن تبدأ بالاستجمار ثم بعد ذلك تستنجي.

    حالات الجمع بين الاستجمار والاستنجاء

    إذا قضى الإنسان حاجته فله ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى.

    والحالة الثانية: أن يستنجي بالماء.

    والحالة الثالثة: أن يستجمر بالحجارة.

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم تارة يستجمر بالحجارة، وتارة يستنجي بالماء. ونقول: إن جمع فهذا أعلى المراتب.

    المرتبة الثانية: الاستنجاء بالماء؛ لأن الاستنجاء بالماء يقطع الأذى بالكامل، وأما الاستجمار بالحجارة فإنه يبقى معه شيء من الأذى وإن كان معفواً عنه, كما سيأتينا إن شاء الله.

    وبعض السلف لا يرى الاستنجاء بالماء, لكن هذا فيه نظر؛ لأن الاستنجاء بالماء قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه، وحديث أنس رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    شروط إجزاء الاستجمار

    قال رحمه الله: (ويجزئه الاستجمار إن لم يعد الخارج موضع العادة).

    أي أن الاستجمار يجزئ، لكن بشرط ألا يتعدى الخارج من البول أو الغائط موضع العادة, يعني: التي جرت أن ينتشر الأذى حول المخرج، فمثلاً: ثقب الذكر جرت العادة أن البول يكون حول هذا الثقب، وبالنسبة لخروج الغائط جرت العادة أن الغائط ينتشر حول المخرج فقط، فلو انتشر بعد ذلك فيقول المؤلف: لا يجزئ الاستجمار ولا بد من الماء، يعني: إذا تجاوز الخارج موضع العادة التي جرت أن ينتشر إليه الأذى، فإنه لا يجزئه إلا الماء، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى. ونفهم من هنا قاعدة, وهي أن العبادات التي وردت على صفة المسح عبادات مخففة في أصلها، فلا يشدد فيها، أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فورد عنه قولان:

    القول الأول: يجزئ الاستجمار حتى لو انتشر إلى الحشفة أو إلى جانب الصفحة، وليس للانتشار حد.

    والقول الثاني لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يحد بالنصف، فالبول إذا انتشر إلى نصف الحشفة فمعفو عنه، وأما فوق النصف فغير معفو عنه، ومثله أيضاً الصفحة, فـشيخ الإسلام رحمه الله يقول: إذا انتشر إلى نصف الصفحة يجزئ وإن كان فوق ذلك فإنه لا يجزئ، وكذا يقال: إلى نصف باطن الإلية فهذا يجزئ، وما فوق ذلك لا يجزئ.

    والأقرب في هذه المسألة: هو القول الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن البول سواء انتشر إلى النصف أو أكثر أو أقل فالاستجمار مجزئ، ومثله أيضاً لو انتشر الغائط إلى نصف باطن الإلية أو أقل أو أكثر فإن هذا مجزئ.

    فيتلخص لنا: أن المؤلف رحمه الله حده بما جرت العادة أن ينتشر الأذى إليه، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول له يحده بالنصف، يعني: نصف الحشفة فأكثر لا يجزئ، ونصف باطن الإلية فأكثر لا يجزئ، وما دون النصف يجزئ.

    والقول الثاني لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا يحد بالنصف, وأن هذا مجزئ، وهذا القول هو الصواب كما ذكرنا؛ لأننا ذكرنا أن الاستجمار مسح وقد خفف في أصلها, فلا يشدد فيها.

    1.   

    شروط حجر الاستجمار

    قال رحمه الله تعالى: (ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً).

    إذا أراد أن يستجمر بالأحجار ونحوها كالمناديل ونحوها فيشترط شروط:

    الشرط الأول: أن يكون طاهراً، ويدل لذلك حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا رجس )، فهذا يدل على أنه لا يصح الاستجمار بالنجس.

    قال رحمه الله: (منقياً).

    هذا الشرط الثاني: أن يكون منقياً؛ لأن الغرض من المسح هو الإنقاء؛ وعلى هذا إذا كان غير منق فإنه لا يجزئ الاستجمار به، كما لو كان أملساً كزجاج ونحو ذلك, فنقول: هذا لا يصح أن تستجمر به؛ لأن المقصود من الاستجمار هو تنظيف المحل ما أمكن, وهذا لا ينقي.

    قال رحمه الله: (غير عظم وروث).

    هذا الشرط الثالث: ألا يكون عظماً أو روثاً، فإن كان عظماً أو روثاً فإنه لا يصح الاستجمار بهما؛ لحديث سلمان وفيه: ( أو أن نستنجي برجيع أو عظم ). والرجيع إن كان لحيوان لا يؤكل فهو نجس، والعظم إن كان لحيوان لا يؤكل فهو نجس، وإن كان لحيوان يؤكل فهو طاهر, وكذا الرجيع، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تستنجي بهما؛ لأن هذا العظم يكون طعاماً لإخواننا من الجن، يجدون هذه العظام أوفر ما تكون لحماً، وهذا الروث يكون علفاً لبهائمهم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بهما، فالرجيع والعظام إن كانت لحيوان مأكول فالرجيع طاهر، والعظم أيضاً ما دام أن الحيوان ذكي فهو طاهر, لكن نهي عن ذلك؛ لأن هذا الرجيع وهذه العظام يجدونه إخواننا من الجن أوفر ما يكون لحماً، لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن طعامهم، وعن علف بهائمهم قال: كل بعرة علف لبهائمكم، فنهى أن يستجمر بهما.

    قال رحمه الله: (وطعام).

    هذا الشرط الرابع: ألا يكون طعاماً، فلا يجزئ الاستجمار بالطعام، وإذا كان نهي أن يستجمر بطعام بهائم الجن وطعام الجن فلأن ينهى عن الاستجمار بطعام الإنس وطعام بهائم الإنس من باب أولى، والشارع نهاك أن تستنجي بطعام الجن وبطعام بهائمهم، فالإنس وبهائم الإنس أكرم من الجن، فينهى عن ذلك، ولما في ذلك من كفر النعمة.

    قال رحمه الله: (ومحترم).

    هذا الشرط الخامس: ألا يكون محترماً ككتب العلم ونحو ذلك؛ لقول الله عز وجل: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، ويقول سبحانه: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30].

    قال رحمه الله: (ومتصل بحيوان).

    هذا الشرط السادس: كذنب البهيمة وصوف البهيمة المتصل بها، وهذا المذهب وهو مذهب الشافعية.

    وعند المالكية أن هذا جائز مع الكراهة، لكن عند الحنابلة والشافعية لا يجزئ؛ لأن هذه الأشياء محترمة.

    قال رحمه الله: (ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر).

    هذا الشرط السابع: أن يمسح ثلاث مسحات, كل مسحة تعم المحل، ولا يجزئ أقل من هذه المسحات الثلاث، ودليل ذلك حديث سلمان قال: ( نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ) رواه مسلم ، فلا بد من ثلاث مسحات، وهذا ما عليه أكثر العلماء رحمهم الله، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.

    والرأي الثاني مذهب الحنفية والمالكية: أنه لا يجب العدد، والمعتبر هو الإنقاء؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، لكن ما دام عندنا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: نتقيد بالنص، فالصواب ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية وأنه لا بد من العدد.

    قال رحمه الله: (ولو بحجر ذي شعب).

    يعني: يكفي أن تستنجي بحجر إذا كان له شعب, يعني: أطراف، فلو كان عندنا حجر له ثلاثة أطراف، فاستنجيت بطرف، ثم استنجيت بطرف، ثم استنجيت بطرف, فإن هذا جائز ولا بأس به.

    قال رحمه الله: (ويسن قطعه على وتر).

    لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من استجمر فليوتر )، يعني: لا بد أن تمسح ثلاث مسحات، لكن لو لم ينق بثلاث فتزيد رابعة وجوباً, ثم تزيد خامسة استحباباً، وإذا لم ينق بخمس فتزيد سادسةً وجوباً، ثم تزيد سابعةً استحباباً؛ لكي تقطع على وتر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من استجمر فليوتر ) وهو في الصحيحين.

    والضابط في الاستنجاء المجزي: هو عود خشونة المحل، يعني: المحل يعود إلى خشونته، أي: ذهاب الأذى الموجود فيه، ويعود المحل إلى خشونته، وضابط الاستجمار المجزي: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، فإذا بقي أثر لا يزيله إلا الماء فإن هذا مجزئ.

    بقينا في مسألة, وهي: إذا استنجى بشيء نهي عنه، كمن استنجى -مثلاً- بالعظام أو استنجى بالروث، فهل يجزئ ذلك أو لا يجزئ؟ المشهور من المذهب أنه لا يجزئ هذا الاستنجاء، إذا استنجى بشيء نهي عنه.

    والرأي الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن هذا مجزئ؛ لأن شيخ الإسلام يرى أن النهي لا يعود إلى ذات المنهي عنه, وإنما يعود إلى أمر خارج, وهو تلويث مثل هذه الأشياء.

    وعلى كل حال؛ إذا استنجى بشيء قد نهي عنه فالمشهور من المذهب أن هذا الاستجمار لا يجزئه، بل يغسله بالماء، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجزئه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فما دام أن المحل قد طهر فيكفى ذلك.

    1.   

    ما يجب له الاستنجاء

    قال رحمه الله: (ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح).

    الاستنجاء يجب لكل خارج إلا الريح؛ لأن الريح لا أثر لها، فلا يجب ولا يشرع أن تستنجي أو تستجمر من أجل الريح.

    ويستثني العلماء رحمهم الله الخارج الطاهر، يعني: فلو خرج من الشخص شيء طاهر فإنه لا يجب عليه أن يستنجي، فمثلاً: امرأة ولدت ولم يخرج منها دم، نقول هنا: لا يجب عليها غسل، ولا يجب عليها أن تستنجي ولا أن تغسل الفرج ما دام لم يخرج منها إلا هذا الولد؛ لأن الولد طاهر، ولا يجب عليها غسل؛ لأن الغسل للدم, والدم هنا لم يخرج منها.

    واستثنى العلماء أيضاً غير الملوث وهذا الأمر الثاني, فلو خرج من الشخص بعر ناشف لم يلوث، فلا يجب عليه أن يستنجي؛ لأن الاستنجاء والاستجمار إزالة وتطهير نجاسة.

    1.   

    الاستنجاء قبل الوضوء أو بعده

    قال رحمه الله: (ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم).

    أي أن الوضوء والتيمم لا يصح قبل الاستنجاء والاستجمار، فلا بد أن تستنجي أو تستجمر أولاً ثم بعد ذلك تتوضأ أو تتيمم، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله, ويستدلون بحديث المقداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يغسل ذكره ثم يتوضأ ).

    والرأي الثاني: يصح الوضوء والتيمم قبل الاستنجاء أو الاستجمار، يعني: لو أن الإنسان لم يستجمر ولم يستنج وعليه الأذى ثم توضأ صح ذلك, ثم يستنجي، أو يستجمر بعد ذلك، وهذا اختيار الشيخ السعدي رحمه الله، وهذا هو الصواب؛ لأن الاستنجاء والاستجمار ليس له علاقة بفروض الوضوء ولا بأركان التيمم, بل هما عبادة مستقلة؛ لأنهما إزالة نجاسة على البدن، كما لو كان على عضدك نجاسة فيصح أن تتوضأ أولاً ثم تزيلها بعد ذلك، فالاستنجاء والاستجمار تطهير للمحل، وهذا هو الصواب؛ وبهذا نعرف أن بعض الناس قد يخرج منه خارج ثم يستجمر أو يستنجي, ثم إذا أراد الوضوء أعاد الاستنجاء والاستجمار، فلماذا هذا؟ مع أن الاستنجاء والاستجمار ليسا من أركان الوضوء، وليسا من فروض الوضوء, وإنما هما إزالة نجاسة، وإذا أردت أن تصلي فأزل هذه النجاسة، ولهذا يصح أن تتوضأ وتمس القرآن قبل أن تستنجي أو تستجمر؛ لأن مس القرآن لا يشترط له إزالة النجاسة، لكن الصلاة لا بد من إزالة النجاسة.

    1.   

    السواك

    ضابط السواك

    قال رحمه الله: (باب السواك وسنن الوضوء.

    التسوك بعود لين منق غير مضر لا يتفتت).

    السواك يطلق على العود الذي يستاك به، وكذلك فعل التسوك أيضاً يسمى سواكاً، وهو مأخوذ من قولهم: جاءت الإبل تتساوك, يعني: تتمايل؛ لتمايل هذا العود في الفم.

    والسواك في الاصطلاح: هو تطهير الفم بعود ونحوه.

    السواك سنة كل وقت كالطيب سنة كل وقت، وفي بعض المواضع يتأكد، وإلا فنقول: بأنه سنة في كل وقت.

    وقوله رحمه الله: (التسوك بعود), يعني: هل يشترط لسنية السواك أن يكون بعود أو أن هذا ليس شرطاً؟ المؤلف رحمه الله تعالى يرى أنه لا بد من العود، وهو قول الشافعية؛ وعلى هذا لو أن الإنسان تسوك بغير العود. فتسوك -مثلاً- بالفرشة عند الوضوء فهذا لا تحصل له السنة بذلك.

    والرأي الثاني: أنه بأي شيء تسوك أجزأه ذلك، وهذا اختيار ابن قدامة رحمه الله، وكذلك أيضاً النووي ، والصواب: أن كل ما يطهر الفم فإنه يجزئ؛ لحديث عائشة في البخاري معلقاً بصيغة الجزم: ( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب )؛ وعلى هذا نقول: إذا تسوك بأي سواك فإن هذا مجزئ.

    قال رحمه الله: (لين)، يعني: السواك لا يكون قاسياً؛ لأن القاسي يجرح اللثة ويجرح الفم، بل يكون ليناً.

    قوله: (منق)؛ لأن المقصود منه طهارة الفم.

    قوله: (غير مضر), فإن كان يضر كأعواد بعض النباتات، فيقول المؤلف رحمه الله: لا يشرع.

    قوله: (لا يتفتت)؛ لأن الذي يتفتت لا يطهر.

    قال رحمه الله: (لا بإصبع أو خرقة).

    يعني: لا يجزئ أن تتسوك بالإصبع أو بالخرقة, بل لا بد أن تتسوك بعود.

    والخلاصة في ذلك أن نقول: الصواب في هذه المسألة: أن كل ما يطهر الفم بلا ضرر فهو مستحب وسنة، سواء كان يتفتت أو لا يتفتت، وسواء كان ليناً أو قاسياً, وسواء كان ينقي أو لا ينقي إلا شيئاً يسيراً، وتحصل السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء.

    حكم السواك

    قال رحمه الله: (مسنون كل وقت).

    أي: السواك سنة كل وقت، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب ) أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وطهارة الفم ورضا الرب مطلوب في كل وقت، لكن يتأكد في بعض المواضع، كالطيب مسنون في كل وقت, لكنه يتأكد في بعض المواضع.

    قال رحمه الله: (لغير صائم بعد الزوال).

    المواضع التي يتأكد فيها سيذكرها المؤلف, وسيذكر جملة منها، فالسواك مسنون في كل وقت إلا أنه استثنى الصائم بعد الزوال، يعني: الصائم قبل الزوال يستحب له السواك بيابس لا برطب، أما بعد الزوال فلا يستحب له أن يستاك, بل يكره السواك في حقه، وهذا مذهب أحمد والشافعي ، ودليلهم على ذلك: ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ).

    والرأي الثاني: أنه لا فرق بين الصائم وبين غيره وبين ما كان قبل الزوال وما كان بعد الزوال، وهذا مذهب الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ، وابن حزم ، وهذا القول هو الصواب؛ لعموم حديث أبي هريرة ، وحديث عائشة وحديث حذيفة وحديث عامر بن ربيعة والأحاديث في هذا كثيرة، فعمومات الأدلة تدل على أنه لا فرق، وكذا آثار الصحابة في السواك للصائم تدل لذلك، وأما الحديث المروي في النهي عن ذلك فضعيف.

    المواضع التي يتأكد فيها السواك

    قال رحمه الله: (متأكد عند صلاة).

    يعني: أن السواك يتأكد في مواضع:

    الموضع الأول: عند الصلاة، سواء كانت هذه الصلاة نافلة أو فريضة، ومحله عند تكبيرة الإحرام، أو قبلها بيسير، وهذا خلافاً لما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، ودليل ذلك: حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ).

    ويتأكد السواك أيضاً في صلاة الليل، ولهذا ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها ( أنهم كانوا يعدون للنبي صلى الله عليه وسلم طهوره وسواكه من الليل، فيبعثه الله ما شاء )، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهيأ لقيام الليل، ويهيئون للنبي صلى الله عليه وسلم الماء ليتطهر به إذا قام، والسواك الذي يستاك به لصلاة الليل، ويتأكد كذلك يوم الجمعة، يعني: هو متأكد عند الصلاة، لكن عند صلاة الليل والجمعة فيها زيادة تأكد.

    قال رحمه الله: (وانتباه).

    هذا الموضع الثاني: إذا انتبه من النوم فإنه يستحب له، ويدل لذلك حديث حذيفة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتبه من نومه يشوص فاه بالسواك ), يعني: يدلك فاه بالسواك.

    قال رحمه الله: (وتغير فم).

    هذا الموضع الثالث: عند تغير رائحة الفم إما لأكل أكله، أو لصفرة في الأسنان، أو لنحو ذلك, المهم إذا تغيرت رائحة الفم فإنه يستحب له أن يتسوك، ويدل لذلك حديث حذيفة السابق : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشوص فاه بالسواك ) لأن النوم مظنة لتغير الفم، وهذا من باب القياس لقول المؤلف: وتغير فم, وهو يدل على أنه إذا تغيرت رائحة الفم فإنه يشرع له أن يستاك.

    وقد ذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة مواضع، وهناك مواضع أخرى دلت السنة على أنه يستحب التسوك عندها:

    الموضع الرابع: عند الوضوء؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ).

    الموضع الخامس: عند دخول المنزل، ويدل لذلك حديث عائشة في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل منزله يبدأ بالسواك ).

    الموضع السادس: عند قراءة القرآن، ويدل لذلك حديث علي رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فطهروا أفواهكم، إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فسمع لقراءته ), إلى أن قال: ( فطهروا أفواهكم ). والمنذري يقول: أخرجه البزار , ويقول: إسناده جيد.

    الموضع السابع: عند الاحتضار، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الطويل في قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف استاك النبي عليه الصلاة والسلام عند احتضاره.

    أما ما عدا هذه المواضع السبعة فإنه لم يثبت فيه شيء، يعني: بعض العلماء يضيف عند الطواف، وبعضهم يقول: عند خطبة الجمعة، وبعضهم يقول: عند دخول المسجد، لكن القول بأنها سنة يحتاج إلى دليل.

    كيفية الاستياك

    قال رحمه الله: (ويستاك عرضاً).

    يعني: إذا أردت أن تستاك فإنك لا تستاك طولاً، وإنما تستاك عرضاً، وهذا باتفاق الأئمة، يعني: الأئمة الأربعة كلهم يقولون: بأنك تستاك عرضاً، وحتى الأطباء أيضاً يرون هذا في الوقت الحاضر، قالوا: لأن هذا يفسد اللثة، ويستثنى من ذلك اللسان، فإذا استكت على اللسان فإنك تستاك طولاً؛ لأن هذا ورد في حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال: ( وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق ) رواه البخاري ، وهذا يدل على أن اللسان يستاك طولاً، أما بالنسبة للأسنان فإنك تستاك عرضاً.