إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للاستنجاء آدب منها: البسملة عند الدخول، والدعاء عند الخروج بالوارد، وتقديم الرجل اليسرى واعتمادها، والبعد في القضاء والستر، والتمسح باليسرى والنتر والتحول من موضعه، ومن المكروهات: الدخول للخلاء بما فيه ذكر، ورفع الثوب قبل الدنو من الأرض، والكلام، وغيرها.

    1.   

    تابع تطهير جلد الميتة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوان طاهر في الحياة، ولبنها وكل أجزائها نجسة غير شعر ونحوه، وما أبين من حي فهو كميتته.

    باب الاستنجاء:

    يستحب عند دخول الخلاء قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وعند الخروج منه: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً، عكس مسجد ونعل، واعتماده على رجله اليسرى، وبعده في فضاء, واستتاره, وارتياده لبوله مكاناً رخواً، ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً، ونتره ثلاثاً، وتحوله من موضعه ليستنجي إن خاف تلوثاً، ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة، ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض، وكلامه فيه، وبوله في شق ونحوه، ومس فرجه بيمينه، واستنجاؤه واستجماره بها، واستقبال النيرين ].

    تقدم لنا جملة من أحكام الآنية, وذكرنا من هذه الأحكام أن الأصل في الآنية الحل، وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا ما يتعلق بآنية الذهب والفضة، وأن آنية الذهب والفضة لا تخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: استعمالها في الأكل والشرب.

    والحالة الثانية: استعمالها في غير الأكل والشرب.

    والحالة الثالثة: اتخاذها, وذكرنا حكم كل حالة من هذه الحالات الثلاث.

    وتقدم أيضاً ما يتعلق بالطهارة من آنية الذهب والفضة، وما يتعلق بالضبة، وشروط الضبة.

    وتكلمنا أيضاً عن جلد الميتة هل يطهر بالدبغ أو لا يطهر بالدبغ؟ وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن جلد الميتة لا يطهر بالدبغ.

    استعمال جلد الميتة النجس

    قال رحمه الله: (ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوان طاهر في الحياة).

    المؤلف رحمه الله تعالى يفرق بين مسألة الطهارة وبين مسألة الاستعمال، فقال: بأن جلد الميتة إذا دبغ لا يطهر، يعني: إذا عولج حتى ذهبت عنه الفضلات العالقة به بأي طريق, وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، فإنه لا يطهر، لكن يباح لك أن تستعمله، إذا دبغته مع أنه نجس، يعني: ليس لك أن تصلي عليه؛ لأنه نجس، لكن لك أن تستخدمه، وقد ذكر المؤلف رحمه الله لجواز استخدامه شرطين:

    الأول: قوله: (في يابس) هذا هو الشرط الأول: أن تستخدمه في يابس، فمثلاً: إذا دبغت جلد شاة فلك أن تستخدم هذا الجلد في شيء يابس, كحفظ ثياب أو أقلام ونحو ذلك من الأشياء اليابسة، أما أن تستخدمه في شيء مائع فلا يجوز؛ لأنه لا يزال نجساً، فلا يصح أن تستخدمه في حفظ الماء، أو في حفظ الدهن أو العسل ونحو ذلك.

    الثاني: قوله: (من حيوان طاهر في الحياة) هذا هو الشرط الثاني: يعني: الذي يباح لك أن تستعمله يشترط أن يكون من حيوان طاهر في حال الحياة، وهذا يحتاج أن نبين الحيوان الطاهر في حال الحياة، ما هو؟ فنقول:

    أولاً: من حيث الجملة: الحيوان الطاهر في حال الحياة ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: حيوان البحر، وهذا حيوان طاهر في حال الحياة.

    القسم الثاني: ما لا نفس له سائلة، يعني: إذا قتل لا يخرج منه دم يسيل، مثل: البق والعقرب والبعوض والصراصير والخنفساء والجعلان، وهذه كلها حيوانات طاهرة في حال الحياة.

    القسم الثالث: الآدمي سواء كان مسلماً أو كافراً حيوان طاهر في حال الحياة.

    القسم الرابع: الحيوان مأكول اللحم, مثل: الشاة، والبقر والإبل, هذه حيوانات طاهرة في حال الحياة.

    القسم الخامس والأخير: ما يشق التحرز عنه لكثرة تطوافه علينا، مثل: الهرة والفأرة، وعلى الصحيح: الحمار والبغل، وهذه حيوانات طاهرة في حال الحياة.

    ومعنى طهارة هذه الأشياء كالحمار والفأرة والهرة: أن ريقها طاهر، وسؤرها -يعني: بقية الطعام والشراب- طاهر، ودمعها طاهر، وعرقها طاهر، أما ما عدا ذلك كالدم الذي يخرج منها أو الحليب أو البول أو الغائط أو المني فهذه كلها نجسة.

    والمقصود بما يشق التحرز عنه؛ لكثرة تطوافه كالهرة والفأرة ونحو ذلك على المشهور في المذهب أنهم يعلقون الأمر بالحجم, فيقولون: ما كان كالهرة ودونها في الخلقة، فهذا هو الذي يكون طاهراً.

    والصواب: أنه لا يعلق بالحجم كما دل له حديث أبي قتادة ، وإنما يعلق بكثرة تطوافه، يعني: ما يشق التحرز عنه؛ لكثرة تطوافه علينا، وكما ذكرنا يدخل في ذلك الحمار والبغل، وعلى المذهب أن الحمار والبغل نجسة، فلا يطهر جلدها ولو دبغته، لكن الهر طاهر عندهم؛ وعلى هذا فلو كان عندنا هر ومات ثم أخذت جلده ودبغته فلك أن تستعمله في يابس, لكن لا تستعمله كوعاء للدهن أو اللبن ونحو ذلك، وكذلك لو أخذت فأرة ودبغت جلدها فلا بأس أن تستخدمه في يابس.

    1.   

    الميتة وما أبين من الحي

    حكم الميتة

    قال رحمه الله: (ولبنها وكل أجزائها نجسة).

    أي: أن لبن الميتة نجس؛ لأنه داخل في الميتة, والله عز وجل يقول: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3]، ويقول: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، فلبن الميتة لا يجوز، وعلى قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لبن الميتة طاهر؛ لأن القاعدة عنده رحمه الله: أن المائعات لا تنجس إلا بالتغير، سواء كانت ماء أو حليباً أو عسلاً أو دهناً، يعني: إذا وقع فيها نجاسة فإنها لا تنجس إلا بالتغير، وهذا القول هو الصواب.

    لكن يظهر في هذه المسألة -أعني: لبن الميتة- أن ما ذكره الفقهاء رحمهم الله قريب، وأن لبن الميتة نجس؛ لأن النجاسة محيطة به من كل جانب، فلو أنك حلبت شاة ميتة مباشرة بعد موتها فالمذهب أنه نجس، والرأي الثاني -كما ذكرنا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: أنه طاهر ما لم يكن تغير بالنجاسة.

    ما يستثنى من أجزاء الميتة النجسة

    قال رحمه الله: (وكل أجزائها نجسة غير شعر ونحوه).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: كل أجزاء الميتة نجسة، واستثنى المؤلف رحمه الله الشعر ونحوه، وهذا المشهور من المذهب. والصواب في ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن ما لا تحله الحياة من الميتة فهو طاهر، ولا يقيد بالشعر، بل كل شيء لا يجري فيه الدم فهو طاهر، وهذا يشمل القرون والأظلاف.

    وكذلك أيضاً: عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عظام الميتة طاهرة؛ لأنها لا تحلها الحياة.

    ومما استثنى المؤلف رحمه الله تعالى الشعر ونحوه كالوبر والصوف والريش ونحو ذلك, فهذه الأشياء طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر في حال الحياة.

    إذاً: نستثني من الميتة أربعة أشياء:

    الشيء الأول: اللبن, كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    والشيء الثاني: ما لا تحله الحياة كالقرن والظلف.

    والشيء الثالث: العظام: وهي نجسة عند الجمهور بخلاف شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يرى أنها طاهرة.

    والشيء الرابع: الشعر ونحوه، لكن المشهور من المذهب أنهم يقيدونه بأن يكون من حيوان طاهر في حال الحياة.

    وعند المالكية وهو الصواب واختيار شيخ الإسلام : أن الشعر طاهر مطلقاً, سواء كان من حيوان طاهر في حال الحياة، أو من حيوان نجس في حال الحياة، فالصحيح في هذه الأشياء: أن الأشياء التي لا تحلها الحياة طاهرة مطلقاً، من حيوان طاهر في حال الحياة، أو من حيوان غير طاهر في حال الحياة، فمثلاً: شعر الأسد وشعر النمر وشعر الكلب ونحو ذلك كلها طاهرة.

    وملخص المسألة: أولاً: اللبن, وهذا فيه الخلاف.

    ثانياً: الأظلاف والقرون، والمؤلف رحمه الله يرى أنها نجسة؛ لأنها داخلة في عموم الميتة، والصواب: أنها طاهرة كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، سواء كانت من حيوان طاهر في حال الحياة أو من حيوان نجس، فالصواب: أن هذه الأشياء طاهرة.

    ثالثاً: العظام، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أنها طاهرة، والرأي الثاني: أنها نجسة, وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    رابعاً: الشعر ونحوه، فالمؤلف يرى أنه طاهر, لكن يشترط أن يكون من حيوان طاهر في حال الحياة، والصواب أنه لا يقيد، فسواء كان من حيوان طاهر في حال الحياة، أو لم يكن.

    ما أبين من الحي

    قال رحمه الله: (وما أبين من حي فهو كميتته).

    قوله: (ما أبين من حي) يعني: ما قطع من حي (فهو كميتته) حلاً وحرمة وطهارة ونجاسة.

    ودليل ذلك حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه في الترمذي وحسنه: ( فما أبين من حي فهو كميتته )، فلو أن عندنا شاة قطعت يدها فهذه اليد كميتة الشاة، فكما أن ميتة الشاة نجسة فكذلك أيضاً هذه اليد تكون نجسة، وكما أن ميتة الشاة محرمة فهذه اليد تكون محرمة.

    ولو أن عندنا حوتاً قطعت يده فهو كميتته، فكما أن ميتة الحوت طاهرة فهذه اليد طاهرة، وكما أن ميتة الحوت مباحة فهذه اليد مباحة.

    لكن استثنى العلماء رحمهم الله مسألتين، هما:

    المسألة الأولى: الطريدة، فهذه لا تدخل هنا، وصورة ذلك كما ورد عن الصحابة: أن تند بقرة أو يند بعير -أي: يهرب- ثم يلحقه القوم، فهذا يقطع يده، وهذا يقطع رجله، فاليد التي قطعت في أول الأمر لا نقول: بأنها نجسة، وأنها محرمة, بل نقول: هي طاهرة.

    المسألة الثانية: المسك وفأرته، فأرته بمعنى: وعاء هذا المسك، والمسك نوع من أنواع الطيب، حيث أن هناك غزلان تسمى بغزلان المسك, يقولون: بأنها تعيش قرب الصين، وتجري بحيث أنها يعمل لها جريان، وبعد أن تجري ينزل من عند السرة دم, ويتجمع هذا الدم, فيؤتى بخيط ويربط، وهذا الدم بإذن الله عز وجل ينقلب إلى مسك، فهذا الدم أبين من هذا الغزال، وميتة الغزال نجسة ومحرمة، لكن هنا مستثنى من قوله: (ما أبين من حي فهو كميتته)، فلا نقول: بأن هذا المسك، أو هذا الدم الذي تحول إلى طيب نجس وكذا وعاؤه، ولا نقول: بأنه محرم.

    1.   

    الاستنجاء

    ‏قال رحمه الله تعالى: (باب الاستنجاء).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن أنواع المياه، وتكلم عن الآنية، وذكرنا المناسبة بين أبواب المياه وبين الآنية، شرع المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بأحكام الاستنجاء والاستجمار؛ إذ أن هذا يكون بعد قضاء الحاجة وقبل الوضوء، فالمسلم يقضي حاجته أولاً، وبعد أن يقضي حاجته يحتاج إلى أن يستنجي ويستجمر, ثم بعد ذلك يتوضأ, فناسب أن يذكر ما يتعلق بأحكام الاستنجاء وآدابه قبل ما يتعلق بسنن الوضوء وفروضه وشروطه وصفته كما سيأتينا إن شاء الله.

    تعريف الاستنجاء

    الاستنجاء في اللغة: مأخوذ من نجوت الشجرة, أي: قطعتها؛ لأن المستنجي يقطع الأذى، فيطهر بدنه من الأذى.

    وأما في الاصطلاح فهو: إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو الأحجار، ويسمى إزالة الخارج من السبيلين إذا كان بالماء استنجاء، وإذا كان بالحجارة ونحوها كالمناديل فإنه يسمى: استجماراً، والعكس جائز، يعني: ورد في السنة تسمية الاستجمار استنجاء؛ لأن فيه قطعاً للأذى.

    حكم الاستنجاء أو الاستجمار

    وحكم الاستنجاء أو الاستجمار واجب؛ لأنه من باب إزالة النجاسة، والمصلي يجب عليه أن يتخلى عن النجاسة في بدنه وفي ثوبه وفي بقعته، وأيضاً: أحاديث الاستجمار كثيرة وفيها الأمر بالاستجمار، وهذا يدل على الوجوب.

    والاستنجاء أمره ظاهر، فهو يزيل النجاسة بالكلية، لكن بقينا في الاستجمار، هل هو مبيح أو رافع؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد : أن الاستجمار مبيح؛ لأن أثر النجاسة لا يزال باقياً.

    والرأي الثاني: أن الاستجمار رافع كالماء تماماً، وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى، ويترتب على ذلك: لو أن الإنسان استجمر، ثم بعد ذلك أصابه العرق وسال العرق على المحل؛ لأن الاستجمار لا يقطع الأذى بالكلية، بل يبقى أثر من النجاسة في المحل، فلو أنه أصابه عرق وسال على فخذيه, فهل نقول: يجب عليه أن يطهر هذا العرق أو نقول: لا يجب عليه؟ نقول: لا يجب عليه؛ لأن الصواب: أن الاستجمار رافع.

    ومثل ذلك أيضاً: لو أصابت سراويله رطوبة بعد أن استجمر فنقول: هذه الرطوبة لا تضر؛ لأن الاستجمار رافع.

    1.   

    آداب التخلي وقضاء الحاجة

    الذكر عند الدخول إلى الخلاء

    قال رحمه الله: (يستحب عند دخول الخلاء قول: باسم الله).

    هذا الأدب الأول من آداب دخول الخلاء، يعني: من الآداب التي تكون عند قضاء الحاجة سواء كان في بيت الخلاء، أو في غير بيت الخلاء, يقول المؤلف: إنه يستحب ذلك عند دخول بيت الخلاء، يعني: المكان المعد لقضاء الحاجة، فإن كان في الصحراء فيقول هذا الذكر عندما يريد أن يشمر ثيابه, يعني: يريد أن يرفع ثوبه، يقول: باسم الله.

    وقد حكى النووي رحمه الله تعالى الإجماع على مشروعية التسمية عند دخول بيت الخلاء، وقد جاء في حديث الترمذي وضعفه عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الكنيف أن يقول: باسم الله )، لكن هذا الحديث كما قال الترمذي : إسناده ليس بالقوي.

    قال رحمه الله: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث).

    هذا الأدب الثاني: أن يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، بالتسكين وبالضم، وأحسن ما قيل في تفسير الخبث والخبائث: أن الخبث هو: الشر، والخبائث هي: الأنفس الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله، فيشرع عند دخول بيت الخلاء، أو إذا كان في الصحراء أن يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث).

    ودليل ذلك حديث أنس في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ).

    الذكر عند الخروج من الخلاء

    قال رحمه الله: (وعند الخروج منه: غفرانك).

    هذا الأدب الثالث، يعني: عندما يخرج من بيت الخلاء فإنه يستحب له أن يقول: غفرانك، كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وحسنه، فيستحب إذا خرج من بيت الخلاء، أو كان في الصحراء وانتهى من قضاء الحاجة ورفع ثوبه أن يقول: غفرانك.

    والمناسبة في قول هذا اللفظ ما قاله بعض العلماء: المناسبة هي أنه انحبس عن ذكر الله عز وجل هذه الفترة، فهو يستغفر الله عز وجل.

    وقال ابن القيم رحمه الله: المناسبة: إن هذا من باب تذكر الشيء بالشيء، فكما أنه حصل له نعمة التخفف من أذية الجسم فتذكر أذية الإثم، فيسأل الله سبحانه وتعالى أن يخففه أيضاً من أذية الإثم.

    قال رحمه الله: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).

    هذا الأدب الرابع، يعني يقول: غفرانك، ثم يقول بعد ذلك: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.

    وهذا الأدب دل له حديث أنس رضي الله تعالى عنه في سنن ابن ماجه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )، وهذا الحديث ضعيف, لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذ نقول: لا يشرع مثل ذلك ما دام أنه لم يثبت؛ لأن العبادات توقيفية.

    كيفية الدخول إلى الخلاء

    قال رحمه الله: (وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً).

    هذا الأدب الخامس، يعني: إذا أراد أن يدخل بيت الخلاء فإنه يقدم رجله اليسرى دخولاً، ويقدم رجله اليمنى خروجاً، والقاعدة في تقديم اليمنى واليسرى لا تخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: ما كان من قبيل التكريم, فهنا يقدم رجله اليمنى أو يده اليمنى، فمثلاً: عندما يريد أن يدخل المسجد أو يأكل أو يلبس فيقدم رجله اليمنى ويده اليمنى.

    الحالة الثانية: أن يكون من قبيل الأذى، فهنا يقدم يده اليسرى أو رجله اليسرى كما في حال الدخول لبيت الخلاء، وكما في حال خلع النعل وخلع الثياب وعندما يستجمر ويستنجي, فهنا يقدم يده اليسرى.

    الحالة الثالثة: ما تردد فيه, هل هو من قبيل التكريم أو من قبيل الأذى ونحو ذلك، فنقول: الأفضل في ذلك هو تقديم اليمنى، ويدل لذلك حديث عائشة في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن ), يعني: يستحسن التيمن.

    قال رحمه الله: (عكس مسجد ونعل).

    يعني: المسجد إذا أردت أن تدخل فتقدم رجلك اليمنى، وإذا أردت أن تخرج فتقدم رجلك اليسرى، والنعل أيضاً إذا أردت أن تلبس فتقدم رجلك اليمنى، وإذا أردت أن تخلع تقدم رجلك اليسرى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى ). رواه البخاري .

    وأيضاً اللبس فيه ستر ووقاية، والخلع إزالة لهذا الستر والوقاية، فكان المناسب أن تبدأ باليمنى فيما يتعلق بالستر والوقاية، وأما بالنسبة للخلع ففيه إزالة لهذا الستر والوقاية.

    وضعية الجلوس عند قضاء الحاجة

    قال رحمه الله: (واعتماده على رجله اليسرى).

    يعني: عند قضاء الحاجة تعتمد وأنت جالس على رجلك اليسرى، وهذا هو الأدب السادس، وقد دل له حديث سراقة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث لا يثبت، وإذا كان لا يثبت فإننا نقول: بأن مثل هذا لا يشرع؛ لأن العبادات توقيفية، لكن ذكر بعض أهل العلم أن هذا مما يسهل خروج الخارج. وإذا كان هذا فكونه يعتمد على رجله اليسرى مما يقال فيه: بأنه أولى.

    الابتعاد والاستتار عند قضاء الحاجة

    قال رحمه الله: (وبعده في فضاء).

    هذا هو الأدب السابع, أن يبتعد إذا كان في الفضاء، أما إذا كان في البنيان فإنه سيستتر في بيت الخلاء؛ لأنه سيرد الباب إذا كان في البنيان، لكن إذا كان في الصحراء فإنه يستحب له أن يبعد بحيث لا يرى شيء من بدنه.

    ويدل لهذا حديث المغيرة أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فذهب صلى الله عليه وسلم قال: ( حتى توارى سواده عني ).

    ومثل ذلك: ما ورد في حديث جابر .

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعد نحو ميلين، وهذا من الحياء واستعمال المروءة,كون الإنسان يبتعد إذا أراد أن يقضي حاجته في الصحراء أو في الخلاء بحيث لا يرى شيء من بدنه، أما إذا كان داخل البنيان فإنه يرد الباب.

    ستر العورة واختيار المكان اللين غير الصلب

    قال رحمه الله: (واستتاره).

    هذا هو الأدب الثامن: أن يستر عورته، وهذا الأدب واجب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6]، وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ).

    قال رحمه الله: (وارتياده لبوله مكاناً رخواً).

    يعني: اختياره لبوله مكاناً رخواً, يعني: ليناً ليس صلباً؛ لأنه إذا بال في مكان صلب كحجارة وغيرها فإن هذا يؤدي إلى أن يرتد البول على بدنه أو على ثيابه، وهذا هو الأدب التاسع: أن يتخير لمكان البول مكاناً رخواً, يعني: مكاناً ليناً هشاً.

    ويدل لذلك سائر الأدلة التي تدل على التنزه من النجاسة، ومن ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، وذكر أن أحدهما كان لا يستنزه، أو لا يستتر، أو لا يستبرئ من بوله ) على اختلاف ألفاظ الحديث.

    التنزه من البول

    قال رحمه الله: (ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً).

    هذا هو الأدب العاشر: المسح، يعني: إذا فرغ من البول يضع الإبهام فوق رأس الذكر، والسبابة تحت من عند حلقة الدبر ثم يمسح؛ لكي يخرج ما بقي من البول، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام وابن القيم : أن هذا العمل بدعة، وأنه لا يشرع؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأن هذا يسبب سلس البول، وكما قيل: بأن الذكر كالضرع، إن تركته قر وإن حلبته در، يعني: إذا بدأت تعمل هذا المسح فهذا يؤدي إلى أن يدر, ويخرج هذا البول، وعلى هذا نقول: هذا غير مشروع.

    قال رحمه الله: (ونتره ثلاثاً).

    وهذا هو الأدب الحادي عشر: نتره ثلاثاً, يعني: نتر الذكر بحيث يخرج بقية البول، والنتر: تحريك الذكر إما بالنفس أو باليد أو نحو ذلك، فينتر ذكره بنفسه حتى يخرج بقية البول، أو يحركه بيده أو نحو ذلك، والمؤلف رحمه الله يرى أن النتر من الآداب، والصواب: أن هذا ليس من الآداب, وأنه غير مشروع، وأنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بدعة.

    قال رحمه الله: (وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً).

    وهذا هو الأدب الثاني عشر، يعني: ينتقل من المكان الذي قضى فيه الحاجة إلى مكان آخر، لكن إن خاف تلوثاً، وعلى هذا؛ الآن في بيوت الخلاء لا يخشى الإنسان تلوثاً؛ لأن النجاسة تذهب، وحينئذ فلا يشرع له أن ينتقل إلى مكان آخر عندما يريد أن يستنجي، لكن لو كان في مكان لا تذهب فيه النجاسة، والنجاسة لا تزال موجودة، فربما أن هذه النجاسة تنتقل إلى بدنه وثيابه أثناء الاستنجاء, فنقول: يشرع له أن يتحول من المكان الذي قضى فيه حاجته إلى مكان آخر إن خاف أن يلحقه أذى.

    ويدل لهذا الأدب سائر الأدلة الدالة على التنزه من البول، كما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    عدم إدخال ما فيه ذكر الله إلى بيت الخلاء

    قال رحمه الله: (ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة).

    هذا هو الأدب الثالث عشر: يكره أن تدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل، وليس بلازم أن يكون قرآناً, فلو كان فيه اسم من أسماء الله عز وجل، أو فيه كلام أهل العلم، أو فقه أو حديث وغيره، فإن هذا مكروه.

    ويستدلون على هذا بحديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدخل الخلاء وضع خاتمه )؛ لأن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوب عليه: الله، رسول، محمد، لكن هذا الحديث ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والرواية الثانية: عن الإمام أحمد رحمه الله وهي اختيار ابن أبي موسى من الحنابلة: أنه لا يكره، ما دام أنه لم يثبت شيء، وخصوصاً أنه قد تكون أوراق يحتاج إليها الإنسان، وربما أنه لو أخرجها تضيع أو تسرق أو نحو ذلك، لكن ما يتعلق بدخول المصحف فهذا محرم ولا يجوز؛ لعظم حق المصحف ولو كان محفوظاً, يعني: ولو حفظه في جيبه فنقول بأنه لا يجوز, لا بد أن يخرجه قبل أن يدخل إلى بيت الخلاء.

    وأما ما يتعلق بالهواتف النقالة وتحميل المصحف في مثل هذه الهواتف، أو تحميل أذكار الله عز وجل في مثل هذه الهواتف فقد سبق أن قلنا: بأن دخول بيت الخلاء بمثل هذه الهواتف جائز ولا بأس به، حتى ولو كان فيها المصحف, وفرق بين المصحف وبين وجود المصحف في مثل هذه الهواتف؛ لأن المصحف الموجود في مثل هذه الهواتف ليس شيئاً ثابتاً، وإنما هي حروف ضوئية بطريقة إلكترونية, تبقى وتذهب، فلا تأخذ حكم المصحف.

    عدم رفع الثوب قبل الدنو من الأرض

    قال رحمه الله: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض).

    هذا هو الأدب الرابع عشر: لا يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض، بمعنى: أن الإنسان يهوي قبل أن يرفع ثوبه، فإذا قارب الأرض رفع ثوبه، وهذا كله من العلماء رحمهم الله محافظة على ستر العورة، وهذا بخلاف ما عليه الناس اليوم رجالاً ونساء, فإنهم يتباهون ويتفاخرون بكشف العورات.

    ودليل ذلك: ما تقدم من قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6]، وسبق لنا أيضاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

    الكلام في بيت الخلاء

    قال رحمه الله تعالى: (وكلامه فيه).

    هذا هو الأدب الخامس عشر، والكلام في بيت الخلاء له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: الكلام أثناء قضاء الحاجة، يعني: يتكلم وهو يقضي حاجته, فالفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: هذا مكروه، ويدل لهذا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل وهو يبول فسلم، فلم يرد عليه السلام ), كما في حديث المهاجر بن قنفذ ، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، ومال بعض أهل العلم إلى التحريم؛ لأن رد السلام واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم تركه، ولا يتركه إلا لشيء محرم.

    الحالة الثانية: الكلام أثناء الوضوء أو أثناء الغسل, وهذا جائز، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم كما في حديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها.

    الحالة الثالثة: الكلام أثناء الاستجمار أو الاستنجاء, وهذا جائز أيضاً؛ لأن الأصل الجواز، ولعله يدل له حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فإنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب يقضي حاجته بحجرين وروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين, وألقى الروثة, وقال: ( هذا رجس ).

    كراهية البول في الشق

    قال رحمه الله: (وبوله في شق ونحوه).

    هذا هو الأدب السادس عشر: يكره البول في شق ونحوه، يعني: لا تبول في الشقوق التي تكون في الجدران، أو في الأرض، واحترز من هذه الأشياء؛ لأن البول في مثل هذه الأشياء ربما يؤدي إلى خروج الساكن في هذا الشق, فيتحرك وهو يقضي حاجته ويرتد البول عليه؛ وعلى هذا نستدل لهذا الأدب بسائر الأدلة التي تدل على التنزه من البول.

    عدم مس الفرج أو الاستنجاء باليمين

    قال رحمه الله: (ومس فرجه بيمينه).

    هذا هو الأدب السابع عشر: يكره مس فرجه بيمينه.

    ودليله حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ).

    أما أن يمسك ذكره بيمينه في حال البول فهذا لا إشكال في أنه مكروه، لكن إذا كان في غير حال البول فهل يكره أو لا يكره؟ فموضع خلاف، بعض أهل العلم قال: هذا جائز ولا بأس به؛ لأنه بضعة منك.

    والرأي الثاني: لا يمسك ذكره بيمينه حتى وإن لم يكن في حال البول؛ لأنه إنما نهي نصاً عن الإمساك في حال البول؛ لأنه يخشى تعدي النجاسة، وإلا فالنهي شامل.

    والذي يظهر -والله أعلم- هو التقيد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وهو يبول).

    قال رحمه الله: (واستنجاؤه واستجماره بها).

    هذا هو الأدب الثامن عشر: يكره أن يستنجي أو يستجمر بيمينه.

    ويدل لذلك حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه )، وهذا الحديث في الصحيحين.

    وهذه الكراهة باتفاق الأئمة، أما ابن حزم رحمه الله: فيرى أن هذا محرم ولا يجوز.

    عدم استقبال الشمس والقمر

    قال رحمه الله: (واستقبال النيرين).

    هذا هو الأدب التاسع عشر: المقصود بالنيرين: الشمس والقمر، أي: إذا أردت أن تقضي حاجتك فلا تستقبل الشمس ولا القمر؛ العلة في ذلك: ما فيهما من نور الله عز وجل، وهذا فيه نظر؛ لأننا لو قلنا بهذا التعليل فالنجوم أيضاً فيها من نور الله عز وجل، يعني: نور الله المخلوق الذي خلقه في هذه الأشياء.

    ويرد ذلك حديث أبي أيوب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ولكن شرقوا أو غربوا ). وإذا شرق أو غرب فسيستقبل الشمس أو يستدبرها؛ فالصحيح في ذلك: ما ذهب إليه بعض المالكية بأنه لا كراهة؛ لأن الأصل عدمها خلافاً للجمهور الذين قالوا: يكره، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، والصواب في ذلك: ما ذهب إليه بعض المالكية، ويدل لذلك أيضاً حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه.