إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • متن زاد المستقنع من المتون المهمة في الفقه الحنبلي؛ حيث اقتصر فيه مؤلفه على الراجح من أقوال المذهب مع تقصير في بعض المسائل فيه، وابتدأ فيه المؤلف بكتاب الطهارة كما هي عادة الفقهاء. مستهلاً بأقسام المياه؛ حيث قسمها إلى ثلاثة أقسام مبيناً أحكام كل قسم منها.

    1.   

    التعريف بمختصر زاد المستقنع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أما بعد:

    فهذا مختصر في الفقه من مقنع الإمام الموفق أبي محمد على قول واحد, وهو الراجح في مذهب أحمد ، وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع، وزدت ما على مثله يعتمد، إذ الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت، ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    كتاب الطهارة:

    وهي: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث.

    المياه ثلاثة: طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره، وهو الباقي على خلقته، فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور ودهن أو بملح مائي أو سخن بنجس كره، وإن تغير بمكثه أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه أو ورق شجر أو بمجاورة ميتة أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره ].

    تعريف الفقه

    تقدم أن ذكرنا نبذة موجزة عن هذا المتن الذي بين أيدينا، وتكلمنا عن شيء من مقدمة المؤلف رحمه الله تعالى، ووقفنا عند قوله رحمه الله تعالى: (أما بعد: فهذا مختصر في الفقه).

    وهذا شروع من المؤلف رحمه الله في بيان هذا الكتاب الذي ألفه، وبيان الطريقة التي سلكها في تأليفه لهذا الكتاب، فبين رحمه الله تعالى أن هذا الكتاب مختصر، والمختصر هو: ما قل لفظه وكثر معناه، وبين أن هذا المختصر في الفقه، وأنه على الراجح من مذهب الإمام أحمد كما سيأتينا إن شاء الله.

    والفقه في اللغة: الفهم، وأما في الاصطلاح فالفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية، والفقه في الشرع أعم منه في الاصطلاح، فالفقه في الشرع هو: معرفة أحكام الله عقائد وعمليات، يعني أن باب العقيدة يدخل في الفقه بمدلوله الشرعي؛ لكنه لا يدخل في المدلول الاصطلاحي عند الفقهاء.

    وقولنا: (الأحكام الشرعية) يخرج الأحكام العادية والأحكام العقلية.

    وقولنا: (العملية) يخرج علم العقائد، فإنه ليس داخلاً في الفقه بالمدلول الاصطلاحي.

    وقولنا: (بأدلتها التفصيلية) يخرج علم أصول الفقه، فإن علم أصول الفقه يبحث في الأدلة الإجمالية.

    قال رحمه الله: (من مقنع الإمام الموفق أبي محمد ).

    بين أن هذا المختصر من كتاب المقنع، وسبق أن تكلمنا عن كتاب المقنع، وذكرنا أن كتاب المقنع يعتبر في المرتبة الثانية من حيث الشهرة عند الحنابلة، وأن الحنابلة رحمهم الله اشتهر عندهم متون، وأول متن اشتهر وألف في المذهب هو متن أبي القاسم الخرقي ، ثم جاء بعده ابن قدامة رحمه الله تعالى وألف كتابه المقنع والذي يعتبر زاد المستقنع مختصراً منه، ثم جاء ابن النجار رحمه الله تعالى وألف كتابه منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات.

    فالمؤلف رحمه الله بين أن هذا المتن الذي بين أيدينا مختصر من كتاب المقنع لـابن قدامة رحمه الله تعالى.

    منهج تأليف مختصر زاد المستقنع

    قال رحمه الله: (على قول واحد وهو الراجح في مذهب أحمد ).

    بين المؤلف رحمه الله تعالى أن هذا المتن على قول واحد، وأنه لم يذكر فيه إلا قولاً واحداً، وأن هذا القول هو الراجح عند المتأخرين من الحنابلة في مذهب الإمام أحمد ، وعلى هذا ما سنقرؤه من المسائل هي التي اصطلح المتأخرون على أنها مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لكن قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وهو الراجح في مذهب الإمام أحمد) فيه شيء من النظر؛ لأن ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه فيه بعض المسائل التي أخذت على هذا المتن، مما هو على خلاف المرجح عند المتأخرين أنه المذهب، لكن هذا لا يضر؛ فإن جملة الكتاب كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى على الراجح في مذهب الإمام أحمد ، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن القواعد الفقهية قواعد في الجملة, وليست بالجملة، وقد ذكروا أن خروج بعض المسائل من القاعدة لا يقدح في كلية القاعدة، فنقول: قوله: (وهو الراجح في مذهب أحمد) هذا في الجملة وليس بالجملة، يعني: في معظم المسائل، وإن كان هناك مسائل لم تكن على الراجح في مذهب أحمد ، وسنشير -إن شاء الله- إلى شيء من هذه المسائل أثناء قراءتنا لهذا المختصر.

    قال رحمه الله: (وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع).

    أي أنه حذف مسائل نادرة الوقوع، أوردها الموفق رحمه الله في كتابه المقنع، لكن الحجاوي رحمه الله لم يردها في مختصره زاد المستقنع، والعلة في ذلك أنها نادرة الوقوع كما أشار رحمه الله.

    قال رحمه الله: (وزدت ما على مثله يعتمد).

    يعني: كما أنه حذف مسائل نادرة الوقوع وجدت في كتاب المقنع, فقد زاد من عنده مسائل يعتمد عليها, يعني: يحتاج إليها، فهو رحمه الله اختصر وحذف وزاد.

    سبب اختصار المقنع في زاد المستقنع

    قال رحمه الله: (إذ الهمم قد قصرت، والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت).

    العلماء رحمهم الله يذكرون في مقدمة تآليفهم بعد الحمدلة أسباب التأليف، وكيفية التأليف، وموضوع التأليف, والمؤلف رحمه الله ذكر كيفية تأليفه وطريقة تأليفه لهذا المختصر, فتلخص لنا أولاً: أنه كتاب مختصر, وثانياً: أنه مختصر من كتاب المقنع لـابن قدامة رحمه الله تعالى, وثالثاً: أن هذا المختصر على الراجح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله, ورابعاً: أنه حذف مسائل نادرة الوقوع, وخامساً: أنه زاد مسائل يحتاج إليها.

    ثم بين المؤلف رحمه الله بعد ذلك سبب اختصاره للمقنع مع أن الحنابلة رحمهم الله تعالى كانوا يحفظونه، فقال: (إذ الهمم), يعني: العزائم، (قد قصرت)، أي: العزائم في طلب العلم لم تكن كالعزائم في الزمن الماضي، فدعاه ذلك إلى أن يختصر هذا المختصر من كتاب المقنع.

    ثم قال: (والأسباب المثبطة), يعني: المقعدة (عن نيل المراد), يعني: عن نيل ما يصل إليه العلماء الكبار رحمهم الله، (قد كثرت)، فاحتاج إلى أن يختصر كتاب الموفق رحمه الله في كتابه زاد المستقنع، والغالب أن أهل العلم الكبار تكون هممهم كبيرة، فقد ذللوا أبدانهم لخدمة العلم ولطلب العلم, أما من كان في عهد المؤلف رحمه الله فكثرت عندهم الأسباب التي تثبطهم عن هذه الهمم العظيمة من المباحات والإغراق في المباحات, والكسل وعدم الصبر والجد، فاحتاج إلى أن يكتب هذا المختصر.

    قال رحمه الله: (ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل).

    أي: ومع أن حجمه صغير فإنه قد اشتمل على ما يغني عن أن يكون أطول من ذلك، وهذا مدح من المؤلف رحمه الله تعالى لكتابه.

    قال رحمه الله: (ولا حول ولا قوة إلا بالله).

    يعني: لا تحول لنا من حال إلى حال إلا بالله عز وجل، والقوة صفة يستطيع بها الإنسان أن يفعل، فالإنسان لا يملك أن يتحول من حال إلى حال إلا بالله عز وجل، ولا يتقوى على هذا التحول إلا بالله عز وجل، فلا يتحول من معصية الله إلى طاعته إلا بالله سبحانه وتعالى، ولا يتقوى إلا بذلك، ولا يتحول من الكسل إلى طلب العلم والجد في ذلك إلا بالله، ولا يتقوى إلا به.

    قال رحمه الله: (وهو حسبنا ونعم الوكيل).

    يعني: هو سبحانه وتعالى معتمدنا ونعم الوكيل, يعني: المعتمد عليه والمفوض إليه.

    1.   

    ترتيب كتب الفقه

    قال رحمه الله تعالى: (كتاب الطهارة).

    ابتدأ المؤلف رحمه الله مؤلفه بكتاب الطهارة، والعلماء رحمهم الله في تآليفهم في الفقه يبدءون بأحكام العبادات، ثم بأحكام المعاوضات، ثم بأحكام التبرعات، ثم بأحكام الأنكحة، ثم بأحكام الحدود والقصاص.

    وإنما يبدءون تآليفهم بأحكام العبادات؛ لأن العبادة متوقفة على الأمر، والأصل فيها الحظر والمنع، فلا يتعبد المسلم بأي عبادة إلا بعبادة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما كانت العبادة تحتاج إلى الدليل بدأ بها العلماء رحمهم الله، هذا من وجه، ومن وجه آخر: حاجة المسلم إلى العبادة أكثر من حاجته إلى المعاملة.

    ثم بعد أحكام العبادات يشرعون في أحكام المعاوضات، يعني: العقود التي يراد منها الكسب والتجارة كالبيع والإجارة والصرف والسلم وغير ذلك مما يلحق بها؛ لأن حاجة الإنسان لهذه المعاملات ولعقود المعاوضات أكثر من حاجته إلى عقود التبرعات، فما يمر يوم إلا والإنسان قد باع واشترى؛ لأنه بحاجة إلى أن يأكل وأن يشرب، وأن يبيع وأن يشتري.

    ثم بعد ذلك تأتي أحكام التبرعات من الهبات والأوقاف والوصايا, فيجعلونها بعد أحكام المعاوضات؛ لأن الحاجة إليها ليست كالحاجة إلى أحكام المعاوضات, ولأن باب التبرعات. -كما سيأتينا- أوسع من باب المعاوضات؛ ولهذا فإن الإمام مالك رحمه الله يجوز الغرر في عقود المعاوضات، فلو وهب هبة مجهولة أو وقف شيئاً مبهماً أو وهب شيئاً لا يقدر على تسليمه ونحو ذلك فهذا الغرر في باب التبرعات جائز؛ لأن التبرعات أوسع من باب المعاوضات، فالمعاوضات يراد بها الكسب والربح، وهي بحاجة إلى الضبط والتحرير والعلم، فكانت البداية بها أهم من البداية بأحكام التبرعات.

    ثم بعد ذلك تذكر أحكام الأنكحة؛ لأن شهوة الفرج تأتي بعد شهوة البطن, ولأن أحكام النكاح لا يحتاج إليه المسلم إلا في فترة معينة من العمر.

    ثم بعد ذلك يتكلمون عن أحكام الحدود والقصاص، وإنما أخروا أحكام الحدود والقصاص لأمرين:

    الأمر الأول: أن الأصل في المسلم أن لا يعتدي، وأن لا يفعل جناية توجب عليه حداً أو قصاصاً.

    والأمر الثاني: أن الإنسان إذا حصلت له شهوة البطن، وحصلت له شهوة الفرج ربما حمله ذلك على التعدي، فتأتي أحكام الحدود وتأتي أحكام القصاص بعد البيع وبعد النكاح، فالبيع يكون به شهوة البطن، والنكاح تكون به شهوة الفرج، فإذا حصلت هاتان الشهوتان ربما حمل ذلك الإنسان على أن يعتدي أو يظلم أو نحو ذلك أو يجني جناية, فنحتاج إلى ما يقيمه ويردعه من أحكام الحدود والقصاص.

    ثم بعد ذلك يختمون بأحكام القضاء؛ لأن أحكام القضاء لا يحتاجها إلا طائفة من الناس, وهم القضاة.

    إذاً: العلماء رحمهم الله يبدءون تآليفهم بأحكام العبادات، وأحكام العبادات يرتبونها كما جاء في حديث ابن عمر : ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت )، فيبدءون بالصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج.

    ويقدمون أحكام الطهارة على أحكام الصلاة لأمرين:

    الأمر الأول: ( أن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، فالطهارة شرط من شروط صحة الصلاة.

    والأمر الثاني: أن التخلية قبل التحلية، يعني: أن يتخلى المسلم من الحدث ومن الخبث قبل أن يتحلى بالوقوف بين يدي الله عز وجل؛ ولذلك يفتتحون كتاب الصلاة بكتاب الطهارة.

    1.   

    تعريف الطهارة

    الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار.

    وأما في الاصطلاح: فعرفها المؤلف رحمه الله تعالى فقال: (ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث).

    الحدث: وصف يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.

    وقوله: (وما في معناه), يعني: هناك أشياء ليست حدثاً, لكنها في معنى رفع الحدث، يعني: أنها تسمى طهارة، وإن لم تكن عن حدث، ومثال ذلك: أنه يشرع لمن قام من نوم الليل الناقض للوضوء أن يغسل يديه ثلاث مرات قبل أن يدخلها في الإناء، فهذا الغسل يسمى عند العلماء طهارة، وإن لم يكن عن حدث، ولم يكن إزالة لخبث كنجاسة.

    ومثال ذلك أيضاً: عندما تغسل الغسلة الأولى فهذه طهارة؛ لأنها رفع للحدث عن العضو، وأما الغسلة الثانية فهي في معنى ارتفاع الحدث, بمعنى أننا نسميها طهارة ولم تكن عن حدث، وإن لم تكن إزالة لخبث.

    ومثله أيضاً قوله: ( من غسل ميتاً فليغتسل ) يفيد أنه يستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل، وهذا الغسل يسمى طهارة، وإن لم يكن عن حدث أو إزالة خبث.

    ومثله أيضاً قوله: ( ومن حمله فليتوضأ )، يفيد أنه يستحب له أن يتوضأ، وإن لم يكن ذلك عن حدث أو إزالة خبث.

    فهناك أشياء في معنى ارتفاع الحدث, ونسميها طهارة وإن لم تكن عن حدث أو إزالة خبث.

    قال رحمه الله: (وزوال الخبث).

    الخبث: عين مستقذرة شرعاً، وسيأتينا إن شاء الله باب مستقل بما يتعلق بإزالة النجاسة.

    فتلخص لنا: أن الطهارة تشتمل على ثلاثة أشياء:

    الشيء الأول: رفع الحدث، فرفع الحدث يسمى طهارة.

    الشيء الثاني: ما في معنى رفع الحدث, ولم تكن عن حدث ولا عن إزالة خبث ومع ذلك نطلق عليها أنها طهارة.

    الشيء الثالث: إزالة الخبث أو زوال الخبث، أي: إزالة النجاسة من البدن أو الثوب أو المصلى والبقعة التي يصلى عليها فهذا نسميه طهارة.

    1.   

    الفرق بين رفع الحدث وزوال الخبث

    هناك فروق بين رفع الحدث وزوال الخبث، وهي:

    الفرق الأول: أن رفع الحدث لا بد له من النية، فإذا توضأ وغسل أعضاءه الأربعة دون أن ينوي فلا يصح وضوءه، ولو عمم بدنه بالماء دون أن ينوي فلا يصح غسله.

    وأما زوال الخبث: فلا تشترط له النية، فلو أن الإنسان أصاب ثوبه بول ثم بعد ذلك سقط المطر على هذا الثوب وأزاله ولم ينو أن يزيل الخبث, فنقول: يطهر؛ لأن القاعدة في ذلك: أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً، فإذا زالت بأي مزيل طهر المحل.

    الفرق الثاني: أن رفع الحدث لا بد له من الماء، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله خلافاً للحنفية، وأما زوال الخبث فلا يشترط فيه الماء، بل يزول بأي مزيل، فيزول بالماء، ويزول بالريح، ويزول بالثلج، فمثلاً: الأشياء الثقيلة لو وقع عليها شيء من البول ثم مسحته وزال أثر البول فقد طهر المحل، وكذلك الأوراق الثمينة إذا أصابها نجاسة لا نغسلها بالماء؛ لأن غسلها بالماء يتلفها، وسيأتينا أن تطهير كل شيء بحسبه، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن ثياب الحرير التي يتلفها الماء إذا أصابها نجاسة لا تغسل بالماء، بل يكون تطهيرها تنشفها بالمنديل أو نحو ذلك, وهذا يكون تطهيرها، فتطهير كل شيء بحسبه، فنقول: بأن زوال الخبث لا يشترط له الماء، أما رفع الحدث فإننا نشترط له الماء.

    الفرق الثالث: أن رفع الحدث من باب الأوامر، وأما زوال الخبث فإنه من باب النواهي، وباب الأوامر لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، وأما إزالة الخبث فيعذر فيه بالجهل والنسيان؛ لأن الأوامر مبنية عن مصالح، والمصالح لا بد من استدراكها متى أمكن الاستدراك، بخلاف النواهي, فإنها شرعت لدرء المفاسد, فيعذر فيها بالجهل والنسيان والخطأ، فلو أن الإنسان نسي وصلى وهو لم يتوضأ فصلاته غير صحيحة، لكن لو نسي وصلى وفي ثوبه نجاسة فصلاته صحيحة.

    1.   

    أقسام المياه

    قال رحمه الله: (المياه ثلاثة: طهور لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجس الطارئ غيره).

    أي أن المياه ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم, يقسمون الماء إلى هذه الأقسام الثلاثة.

    والرأي الثاني: أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء )، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على أن الماء طهور، وهذا الأصل في الماء، ويدل له أيضاً قول الله عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، فالأصل في الماء أنه طهور، وخرج عن هذا الأصل ما تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فإنه يكون نجساً بالإجماع، إذاً فالماء ينقسم إلى قسمين.

    وأما من أثبت قسماً ثالثاً, وهو الطاهر، فيستدلون بأدلة منها:

    حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ( أن الصحابة رضي تعالى عنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ). قالوا: كون الصحابة رضي الله تعالى عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر هل يتوضئون به أو لا يتوضئون به؟ مما يدل على وجود قسم ثالث لا يرفع الحدث وإن كان طاهراً, والصحابة لا يشكون أن ماء البحر ليس نجساً، لكن هل يرفع الحدث أو لا يرفع الحدث؟ هذا هو الطاهر.

    والصواب في ذلك: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( هو الطهور ماؤه ) دليل للبقاء على الأصل، وأن الأصل في المياه أنها ترفع الحدث وتزيل الخبث، وأما بالنسبة لاستشكال الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهذا لا يعنينا بمقدار ما يعنينا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حكم ونقلهم للأصل, فقال: ( هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ).

    وأما ضابط الماء الطهور فهو: الماء الباقي على خلقته الذي لم يتغير بنجاسة ولا بطاهر يسلبه اسم الماء المطلق، فإن تغير بنجاسة فهذا نجس بالإجماع، وإن تغير بطاهر يسلبه اسم الماء المطلق خرج عن كونه ماء مطلقاً، فمثلاً: لو أضفت إليه حبراً وتغير لونه فقد سلبه اسم الماء المطلق، وكذا لو أضفت إليه صبغاً أو زعفران أو عصفراً.

    إذاً: الماء الطهور هو الباقي على خلقته الذي لم يتغير بنجاسة أو بطاهر سلبه اسم الماء المطلق، فإن تغير بواحد من هذين الأمرين فالأول نجس, والثاني أصلاً لا يسمى ماء، فضلاً عن أن نقول إنه طهور أو طاهر, فلا نسميه ماء مطلقاً, وإنما هو ماء حبر أو ماء زعفران.

    القسم الثاني: النجس, وضابط النجس هو: ما تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة.

    فقول المؤلف رحمه الله: (لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجس الطارئ غيره), يعني: الماء الطهور هو الذي يرفع الحدث, وهذا تكلمنا عليه، وسبق أن ذكرنا أن رفع الحدث لا بد له من الماء.

    1.   

    أقسام النجاسة

    قال رحمه الله: (ولا يزيل النجس الطارئ).

    النجاسة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نجاسة عينية، وهي: ما كانت ذاته وعينه نجسة، مثل العذرة، عذرة الآدمي هذه نجاسة عينية؛ لأنه عينها نجسة، والخنزير عينه نجسة، والكلب عينه نجسة، فكل ما كانت عينه وذاته نجسة فهذا نسميه نجساً نجاسة عينية.

    والنجس نجاسة عينية لا يطهر على المذهب أبداً وهو قول أكثر أهل العلم, يرون أنه لا يطهر أبداً؛ ولهذا قال المؤلف: (النجس الطارئ), يعني به القسم الثاني، فالماء الطهور يطهر القسم الثاني، أما القسم الأول فهذا لا يطهره، فلو أتيت بماء البحر وغسلت الكلب ما طهر، لكن عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورأي الظاهرية أن النجاسة العينية تطهر بالاستحالة، يعني: إذا انقلبت من عين إلى عين أخرى فإنها تطهر، فعذرة الآدمي أو روث الحمار لو أحرقناه وأصبح رماداً طهر؛ لأنه تغير من حال إلى حال أخرى، والكلب لو سقط في مملحة وأصبح ملحاً فإنه يطهر.

    القسم الثاني: ما كانت نجاسته حكمية، يعني: المتنجس، وهو أن تطرأ النجاسة على محل طاهر، كثوب أصابه بول، أو فراش أصابه دم مسفوح أو غائط أو نحو ذلك فهذا يطهره الماء الطهور؛ ولهذا قال المؤلف: (ولا يزيل النجس الطارئ) يعني: الذي نجاسته نجاسة حكمية, بمعنى: أن ترد النجاسة على شيء طاهر، فإذا كان طاهراً ثم وردت عليه النجاسة فهذا هو الذي يطهره الماء، وما عدا ذلك لا يطهر، كما سيأتي إن شاء الله.

    قال رحمه الله: (ولا يزيل النجس الطارئ غيره, وهو الباقي على خلقته).

    هذا هو الماء الطهور.

    1.   

    الطوارئ التي تصيب الماء الطهور

    قال رحمه الله: (فإن تغير بممازج).

    هنا ذكر المؤلف رحمه الله أحكاماً سنسميها الطوارئ على الماء الطهور، وهي كالآتي:

    الطارئ الأول: إن تغير بغير ممازج، يعني: تغير بشيء لا يخالطه.

    قال رحمه الله: (كقطع كافور).

    الكافور نوع من أنواع الطيب، ويستخدم في غسل الميت، قال صلى الله عليه وسلم: ( واجعلن في الآخرة كافوراً ) وهذا الطيب ينقسم إلى قسمين: منه ما هو قطعة، ومنه ما هو مسحوق، فإذا جئت بهذه القطعة ووضعتها في هذا الماء فتغير طعمه، وتغيرت رائحته، لكن هذا التغير عن مجاورة، وليس عن ممازجة، لكن لو كان الكافور مسحوقاً ووضعته فيه, فهنا تغير عن ممازجة, يسلبه الطهورية.

    إذاً: الطارئ الأول على الماء الطهور: أن يتغير بغير ممازج، كقطع الكافور وخرج بذلك المسحوق من الكافور، فإنه يمازج ويخالط.

    قال رحمه الله: (أو دهن).

    هذا مثال آخر لتغير الماء الطهور بالدهن، فلو أتينا بدهن وصببناه فيه فالتغير هنا عن مجاورة وليس عن ممازجة، وهو طهور مكروه، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، والصواب في ذلك أن نقول: ما دام أن اسم الماء باق عليه فنقول بأنه طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث، وأما الكراهة فحكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.

    قال رحمه الله: (أو بملح مائي).

    هذا الطارئ الثاني، والملح المائي: هو الذي أصله الماء، وذلك أن هناك أراضٍ يقال لها أو تسمى بأرض الملح, يعني: يؤخذ منها الملح، فيحفر حفرة ويصب الماء ثم تأتي بعد يوم أو يومين أو ثلاثة فتجد أن هذا الماء قد أصبح ملحاً، وهذا الملح هو ما يسمى بالملح المائي، فلو أتينا بالملح المائي ووضعناه في هذا الماء فحكمه أنه طهور مكروه، والصواب في ذلك: أنه طهور غير مكروه؛ لأن اسم الماء لا يزال باقياً عليه، ولأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.

    وقوله: بملح الماء يخرج الملح المعدني المستخرج من الجبال، فإنه يسلبه الطهورية.

    قال رحمه الله: (أو سخن بنجس كره).

    هذا الطارئ الثالث: إذا سخن بشيء نجس, يعني: عندنا ماء وأتينا بروث حمار أو روث آدمي، وسخنا هذا الماء به فهو طهور مكروه، والصواب ما تقدم أن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، فلا بد أن يقوم الدليل على أنه مكروه.

    قال رحمه الله: (وإن تغير بمكثه).

    هذا هو الطارئ الرابع من الطوارئ إذا تغير هذا الماء بطول مكثه فهو طهور غير مكروه؛ لأن الأصل عدم الكراهة، فمثلاً: عندنا قدر وضعنا فيه ماء، وبعد ثلاثة أيام أو أربعة جئنا وقد تغير الماء بسبب طول إقامته في هذا القدر، فلا يكره التطهر به.

    قال رحمه الله: (أو بما يشق صون الماء عنه).

    هذا هو الطارئ الخامس: إذا تغير بما يشق صون الماء عنه، فلو كان عندنا بركة سقطت فيها أوراق الأشجار، أو نبتت فيه بعض الطحالب، وتغير بسبب ذلك، فماؤها طهور غير مكروه.

    قال رحمه الله: (أو بمجاورة ميتة).

    هذا هو الطارئ السادس: إذا تغير بمجاورة ميتة، يعني: عندنا ماء بجانبه شاة ميتة أو بقرة ميتة وتغيرت رائحته وطعمه فهو طهور فلا يكره.

    قال رحمه الله: (أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره).

    يعني: عندنا ماء سخناه بالشمس أو سخناه بالطاهر بالغاز أو بالحطب ونحو ذلك, فلا يكره.

    فهذه عدة طوارئ أصابت الماء وهو لا يزال طهوراً, لكن قال المؤلف في بعضها: يكره، وفي بعضها قال: لا يكره، وتلخص لنا أن الصواب في هذه الطوارئ التي طرأت على هذا الماء الطهور أن الماء باق على طهوريته بلا كراهة.