إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي لطالب العلم العناية بدراسة المتون؛ لأنها تختصر له الزمن والجهد وتعينه على الطلب، وتجمع له المسائل الكثيرة في الموضع الواحد، ومن هنا اعتنى الحنابلة بتأليف المتون والتي كان من أهمها وأشهرها متن زاد المستقنع، والذي خدمه الكثير من أهل العلم بين شارح له

    1.   

    أهمية العناية بالمتون وبيان مكانة زاد المستقنع

    قال المؤلف رحمه الله: [ بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله حمداً لا ينفد, أفضل ما ينبغي أن يحمد، وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تعبد ].

    هذا المتن الذي بين أيدينا هو متن زاد المستقنع وهو متن كبير، وقد اهتم به علماء الحنابلة المتأخرين، وعنوا بشرحه والتحشية عليه، وتدريسه للطلاب، فتدارس مثل هذا المتن علامة صحيحة في طريق الطلب؛ إذ إن هذه المتون تعتبر كالعلامات والمنارات التي رسمها العلماء رحمهم الله تعالى لطالب العلم، فطالب العلم عليه أن يعنى بهذه المتون، وأن يكب عليها، وأن يدرس ألفاظها، وأن يعلم راجحها من مرجوحها، ودليل هذه المسائل.

    فوائد دراسة المتون

    اعلم أن دراسة العلم عن طريق دراسة هذه المتون هو الطريق الصحيح؛ لأن تدارس هذه المتون فيه فوائد:

    الفائدة الأولى: أن المتن يحفظ طالب العلم من الضياع, فتجد الذي يطلب العلم على هذه المتون يقطع سفره في طلبه للعلم مرحلة مرحلة، ففي هذا الشهر نقرأ في كتاب الطهارة، ثم بعد ذلك في كتاب الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام, وهكذا، فهو يحفظ طالب العلم من الضياع, ويدرجه في طلب العلم بحيث يقطع العلم مرحلة مرحلة.

    الفائدة الثانية: أن أخذ العلم عن طريق هذه المتون هو طريقة من سلف من العلماء السابقين، فالعلماء السابقون كانوا يربون تلامذتهم على مثل هذه المتون، يقرءونها لهم ويشرحونها ويبينونها، ومن كان مستناً فليستن بمن مات، وهكذا وصل العلماء السابقون إلى ما وصلوا إليه عن طريق هذه المتون.

    الفائدة الثالثة: أن هذه المتون تعتبر زبداً لفنون العلم، فكل فن من فنون العلم عصره العلماء رحمهم الله حتى أخرجوا هذه الزبدة، فعند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة جملة من المتون، وهي زبدة لفقه تلك المذاهب، ومثل ذلك قل في سائر فنون العلم، فمثلاً: هناك متون كثيرة في علم العقيدة مثل: كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى الذي يعتبر الزبدة فيما يتعلق بتوحيد الألوهية, وما يجب لله سبحانه وتعالى من إفراد العبادة، والعقيدة الواسطية التي تعتبر زبدة في معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بما يجب لله سبحانه وتعالى من الأسماء والصفات، وما يكون بعد اليوم الآخر مما يجب الإيمان به، وما يجب للصحابة، وغير ذلك من العقائد التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومثله أيضاً: لمعة الاعتقاد، والطحاوية, وغير ذلك.

    وفي مصطلح الحديث تجد أن متن نخبة الفكر الذي ألفه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يعتبر زبدة في هذا الفن، وفي أصول الفقه: الورقات للجويني ، وغير ذلك من هذه المتون التي عني العلماء رحمهم الله تعالى بتأليفها، فإلمام الطالب بهذه المتون يجعله ملماً بجملة العلم.

    الفائدة الرابعة من فوائد دراسة هذه المتون: أنها تختصر له العلم، فمثلاً: إذا درست نخبة الفكر للحافظ ابن حجر رحمه الله فهذا يختصر لك العلم كله في هذه الورقات التي لا تتجاوز أصابع اليد، يعني: فيما يتعلق بمصطلح الحديث، وكذلك ما يتعلق بفقه الحنابلة تجد أنه مختصر في هذا المتن: زاد المستقنع, وهكذا.

    الفائدة الخامسة: من فوائد دراسة هذه المتون: أن الطالب إذا كان له متن يتعلمه ويسير ويتربى عليه، فإنه يتمكن من مراجعة العلم عن طريق هذا المتن، فهو يرجع إلى هذا المتن، ويراجعه ويراجع ما علق عليه وما فهمه من ألفاظه وعباراته ونحو ذلك.

    فهذه جملة من فوائد دراسة مثل هذه المتون.

    ولا بد أيضاً أن نفرق بين مسألة التطبيق وبين مسألة النظر، فهذا المتن الذي بين أيدينا -مثلاً- نجد أنه قد احتوى على كثير من المسائل المرجوحة، فإذا تبين لك الراجح بدليله فإنه يجب عليك أن تعمل به من حيث التطبيق والعمل؛ لأن المسلم متعبد بما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لكن فيما يتعلق بالنظر فأنت تدرس عبارات العلماء رحمهم الله تعالى، وتعرف ألفاظهم؛ وتتربى على مصطلحاتهم وألفاظهم لتكون هذه المتون مفتاحاً لبقية كتب ذلك الفن.

    ومن دراسة هذه المتون أيضاً سيمر بنا أثناء دراسة هذا المتن كثير من مصطلحات المذهب, ونقوم -إن شاء الله- بالتعريج عليها والحديث عنها، وخلال الدروس -إن شاء الله- سنلقي ضوءاً على مصطلحات كل مذهب من المذاهب الأربعة، فسيكون لنا فرصة في إلقاء نبذة عن مصطلحات الحنابلة, وما يتعلق بألفاظهم وأصولهم، ومثله أيضاً الحنفية والمالكية والشافعية.

    أشهر متون المذهب الحنبلي

    هذا المتن الذي بين أيدينا أعني: متن زاد المستقنع، متن جليل عند المتأخرين من علماء المذهب، وذلك أن مؤلفه موسى الحجاوي المتوفى سنة ثمان وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية، وهو اختصار لكتاب المقنع لـعبد الله بن أحمد بن قدامة المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة.

    والحنابلة رحمهم الله كغيرهم من بقية المذاهب لهم متون، وقد اشتهر منها ثلاثة متون:

    المتن الأول: متن أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي , المتوفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة، وهذا أول متن ألف عند الحنابلة رحمهم الله، ثم ألفت بعده متون أخرى, لكنها لم تشتهر كاشتهار المقنع لـابن قدامة رحمه الله، الذي يأتي بعد متن الخرقي في الشهرة، وابن قدامة رحمه الله هو أبو محمد عبد الله بن قدامة المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة، ألف كتابه المقنع، وجعله على قول واحد للمبتدئين، كمتن العمدة، لكن متن المقنع أشهر من متن العمدة.

    ثم بعد ذلك جاء ابن النجار المصري رحمه الله المتوفى سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة للهجرة، وألف كتاباً كبيراً أسماه: منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات، والتنقيح هذا هو مختصر للإنصاف، والإنصاف هذا كتاب كبير, لا بد لكل طالب علم أن يحويه؛ لأن الإنصاف يعتبر كتاب تصحيح وتحرير للمذهب، فهو يأتي إلى عبارة المقنع فيأخذها ثم يقوم بتحرير المذهب وتصحيحه وبيان ما هو المذهب، وما هو الصحيح من المذهب, حسب قاعدة مشى عليها رحمه الله تعالى، وكتاب الإنصاف هذا لـعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي ، وقد اختصره في كتاب التنقيح، فجاء ابن النجار رحمه الله تعالى فجمع بين كتاب المقنع لـابن قدامة وكتاب التنقيح الذي هو مختصر للإنصاف للمرداوي ، جمع بينهما في كتاب أسماه منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات، والمتأخرون من الحنابلة يقولون: إذا اتفق الإقناع والمنتهى فهذا هو المذهب، والإقناع لـموسى الحجاوي صاحب زاد المستقنع، فإذا اتفقا على شيء فهذا هو المذهب، وإن اختلف الإقناع مع المنتهى فالمرجح والمعتمد عند المتأخرين في القضاء والإفتاء والتدريس هو المنتهى.

    ومنتهى الإرادات له مختصر اسمه دليل الطالب، ودليل الطالب له شروح من أشهرها: منار السبيل للشيخ ابن ضويان رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك جاء الشيخ الألباني رحمه الله وخرج أحاديث منار السبيل في كتابه المشهور إرواء الغليل.

    إذاً: زاد المستقنع الذي بين أيدينا مختصر لكتاب المقنع لـابن قدامة رحمه الله، والمقنع يعتبر في المرتبة الثانية من حيث الشهرة بعد متن الخرقي رحمه الله تعالى.

    وفي المرتبة الثالثة يأتي كتاب منتهى الإرادات لـابن النجار رحمه الله تعالى.

    مكانة زاد المستقنع وشروحه وحواشيه بين كتب الحنابلة

    وقد حوى زاد المستقنع على كثير من المسائل، ويقال: بأنه حوى ستة آلاف مسألة, ثلاثة آلاف بالمنطوق، وثلاثة آلاف بالمفهوم، ولهذا يقال: متن زاد وبلوغ كافيان في بلوغ.

    ومتن زاد المستقنع قد اعتنى به المتأخرون من الحنابلة رحمهم الله تعالى في التدريس, سواء كان ذلك في المساجد أو في المدارس النظامية، وتربية الطلاب وتحفيظهم، ويدل لذلك كثرة ما ألف حول هذا المتن من الشروح والحواشي، فمن أشهر شروحه: كتاب الروض المربع في حل ألفاظ المقنع لـمنصور بن يونس البهوتي, المتوفى سنة إحدى وخمسين وألف للهجرة، ويسمى أيضاً الروض المشبع، وهذا من أشهر شروح زاد المستقنع.

    ومن شروحه أيضاً: بغية المتبع لـإبراهيم الذنابي ، المتوفى سنة أربع وتسعين وألف للهجرة.

    ومن شروحه أيضاً: الشرح المشهور لشيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى المسمى: الشرح الممتع على زاد المستقنع.

    كما ألف على متن زاد المستقنع حواش كثيرة، فمن هذه الحواشي: حاشية عبد الوهاب بن فيروز رحمه الله تعالى، المتوفى سنة خمس ومائتين وألف للهجرة، وقد وصل فيها ابن فيروز رحمه الله تعالى إلى باب الشركة، وقد طبعت أخيراً.

    ومن الحواشي التي كتبت على زاد المستقنع أيضاً: حاشية أبي بطين ، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف للهجرة.

    وحاشية العنقري , المتوفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة.

    ومن الحواشي المشهورة أيضاً: المختارات الجلية حاشية الشيخ عبد الرحمن السعدي , المتوفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة.

    ومن الحواشي المشهورة المتداولة: حاشية عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله, المتوفى سنة ثنتين وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وحاشية فيصل المبارك , المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة.

    وحاشية ابن بدران المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وغير ذلك.

    وما ذكرته هو أشهر ما يوجد من شروح وحواش لهذا المتن، وهذا يدلك على شدة اهتمام المتأخرين بهذا المتن.

    نحن -إن شاء الله- سنحاول أن نضع برنامجاً لشرح هذا المتن، بحيث نقوم بحل لفظ المؤلف، ثم نذكر أهم الأدلة وأهم الأقوال في المسألة, ويكون الشرح متوسطاً, لا مختصراً اختصاراً يخل، ولا يكون فيه إطالة بحيث تأخذ منا وقتاً كثيراً.

    والمهم أن الشرح لهذا المتن ينبغي أن نسير عليه بحيث يكون كالمفتاح لطالب العلم، ثم بإمكان طالب العلم بعد ذلك أن يتوسع وأن يقرأ بعد أن يضبط المتن ويعرف ألفاظه ويتربى عليها.

    نصائح لطلاب العلم في دراسة المتون

    الأحسن لطالب العلم أن يكون له كتاب يعلق عليه، وهكذا كان العلماء رحمهم الله، فإذا سمع من الشيخ أو قرأ في كتاب ولخص، أو جرد هذه المطولات ونحو ذلك أضاف هذه الفوائد، وهذه الأدلة على هذا الكتاب الذي سيكون مرجعاً له، وكان العلماء في الزمن السالف يعلقون على كتبهم، يعني: يقرءون ويحررون ويعلقون على كتبهم، وكانوا يجعلون أوراقاً في كتبهم لزحمة التعليق، فكونك تجمع نفسك في كتاب واحد مما يسهل عليك أن تراجعه مرة بعد مرة، وبعد أن تضبط هذا الكتاب يسهل عليك شرحه مرة أخرى إذا أردت أن تشرحه لطلابك في المستقبل, فينبغي أن يكون لطالب العلم كتاب بحيث يكون مرجعاً له وأماً ومصدراً ومورداً بحيث يعنى به، ويعلق عليه، ويكتب عليه, وألا يعتمد على الدفاتر التي تكون مباينة للمتون، وكان العلماء في الزمن السالف يعنون بمثل هذه الأشياء, حتى جاء تلامذتهم وجردوا هذه التعليقات وهذه الحواشي, وخرجت في كتب، فمن ذلك: عثمان النجدي رحمه الله له حاشية على منتهى الإرادات، كان يكتب تحريرات على كتابه منتهى الإرادات، وكان يكتب في أوراق ويضعها في نفس الكتاب، ثم جاء تلميذه المرداوي رحمه الله وجمع هذه الحواشي, وطبعت الآن في كتاب اسمه حاشية عثمان النجدي .

    فعلى طالب العلم أن يعنى بهذه المسألة، وأن يكون له كتاب يرجع إليه، ويقرأه ويراجعه.

    1.   

    شرح مقدمة زاد المستقنع

    معنى البسملة

    قال رحمه الله: (بسم الله الرحمن الرحيم).

    ابتدأ المؤلف رحمه الله كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله عز وجل، فإن كتاب الله عز وجل مبدوء بالبسملة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ كتبه بالبسملة.

    والباء في قوله: (بسم الله) للاستعانة أو للمصاحبة، وهي: حرف جر, واسم: اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف, وهذا المحذوف يقدر بفعل مؤخر مناسب للمقام، وإنما قدره العلماء رحمهم الله تعالى فعلاً؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، وقدر مؤخراً تبركاً بالبداءة باسم الله عز وجل، وقدر مناسباً للمقام؛ لأنه أدل على المراد، فإذا أردت أن تقرأ وقلت: باسم الله فالتقدير: باسم الله أقرأ، وهذا أدل على المراد من أن تقدره: باسم الله أبتدئ، وإذا أردت أن تكتب تقول: باسم الله, يعني: باسم الله أكتب, وهكذا إذا أردت أن تذبح تقول: باسم الله, والتقدير: باسم الله أذبح، وهذا أدل على المراد من باسم الله: أبتدئ.

    والله: أصلها الإله, وحذفت الهمزة وأدغمت اللام باللام, فقيل: الله، ومعناه ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين، الذي تألهه القلوب محبة وتعظيماً، وهو من الأسماء الخاصة بالله عز وجل.

    الرحمن أي: ذو الرحمة الواسعة، وهو اسم خاص لله عز وجل.

    والرحيم معناه: ذو الرحمة الواصلة, يعني: الموصل رحمته من يشاء من عباده.

    معنى: الحمد لله

    قال رحمه الله: (الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد).

    ابتدأ المؤلف رحمه الله مقدمته بالحمدلة اقتداءً بكتاب الله عز وجل، فإن كتاب الله عز وجل مبدوء بالحمدلة، وكذلك أيضاً اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ خطبه العارضة والراتبة بالبسملة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابتدأ خطبة من خطبه بغير الحمدلة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الراتبة، وكذلك أيضاً العارضة كان النبي صلى الله عليه وسلم يبتدئها بالحمدلة.

    والحمد اختلف في تعريفه, وفيه خلاف كثير, وأحسن شيء ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : أن الحمد هو: وصف المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيماً، فإذا قلت: الحمد لله فأنت تقول: أنا أصفك يا ألله! بصفات الكمال ونعوت الجلال حباً لك وتعظيماً.

    و ابن القيم رحمه الله ذكر الفرق بين الحمد والمدح، فالمدح: وصف للمحمود بصفات الكمال, لكن قد يتجرد عن الحب والتعظيم، فقد تمدح شخصاً وأنت تبغضه، وقد تمدحه وأنت تهابه.

    وفي قوله: (الحمد لله) الألف واللام للاستغراق، فجميع المحامد يستحقها الله عز وجل إما ملكاً أو استحقاقاً، فحمد الله سبحانه وتعالى لنفسه حمد استحقاق، وأما حمد العباد بعضهم لبعض، أو حمد العباد له فهو حمد ملك.

    وقوله: (لله) للاختصاص، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يحمد حمداً مطلقاً، على جميع أفعاله، وعلى جميع صفاته، وكذلك المخلوق يحمد, لكنه لا يحمد حمداً مطلقاً، فيحمد على هذا العمل ولا يحمد على ذلك العمل، ويحمد على هذه الصفة ولا يحمد على تلك الصفة؛ لكن الله سبحانه وتعالى يحمد حمداً مطلقاً على جميع صفاته وجميع أفعاله وجميع أسمائه.

    قال رحمه الله: (حمداً لا ينفد).

    هذا مفعول مطلق يبين نوع الحمد، وأن هذا الحمد لا ينفد.

    قال رحمه الله: (أفضل ما ينبغي أن يحمد).

    المؤلف رحمه الله وصف الحمد بوصفين:

    الوصف الأول: وصفه بالاستمرار وأنه لا ينفد.

    والوصف الثاني: وصفه بالنوع, وأنه أفضل ما ينبغي أن يحمد، فبين نوع الحمد, وأنه أفضل ما ينبغي أن يحمد.

    معنى الصلاة والسلام على رسول الله

    قال رحمه الله: (وصلى الله).

    صلاة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما اختلف فيها العلماء رحمهم الله كثيراً، وقد أطال ابن القيم رحمه الله في ذكر كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في كتابه جلاء الأفهام، وأحسن شيء أن يقال ما ذكره البخاري عن أبي العالية : وأن صلاة الله على عبده هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فإذا قلت: اللهم صل على محمد فأنت تقول: يا ألله! اثن على نبيك محمد في الملأ الأعلى عند الملائكة المقربين، فهي جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى.

    قال رحمه الله: (وسلم).

    السلام: هو الدعاء بالسلامة، فأنت إذا سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فإنك تدعو له بالسلامة، وهذا يشمل الدعاء له بالسلامة في حال حياته، وكذا بعد مماته، بأن يسلم سنته وشرعه من تأويل الغاليين، وتحريف المبطلين، وتقول الجاهلين، وتدعو له أيضاً أن يسلمه الله سبحانه وتعالى من عرصات القيامة.

    معنى محمد صلى الله عليه وسلم المصطفى

    قال رحمه الله: (على أفضل المصطفين محمد).

    المصطفين: جمع مصطفى, وهو المختار، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم, فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان مختاراً.

    قال رحمه الله: (محمد).

    وهذا اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام له عدة أسماء, فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي, خاتم الأنبياء والمرسلين.

    ومعنى محمد: من كثرت محامده، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن محامد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة في الدنيا وفي الآخرة، فمحامده في الدنيا كثيرة ومن ذلك: جهاده ودعوته، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ونبوته ورسالته، وتبليغه للدعوة، وعبادته، وأخلاقه.

    ومحامد النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة كثيرة أيضاً، ومن ذلك: المقام المحمود, وهو شفاعته في القضاء بين الخلائق، وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.

    معنى آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

    قال رحمه الله: (وعلى آله).

    اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير الآل، وقد أطال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هذه المسألة في كتابه جلاء الأفهام، فقيل: الآل هم أتباعه على دينه، وقيل: الآل هم الأتقياء من أمته، وقيل: الآل هم ذريته وزوجاته، والصواب في ذلك: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم يختلف باختلاف المقام، فإذا ذكر مع الآل الصحابة والأتباع فإننا نفسر الآل بقرابته المؤمنين به، وأما إذا أفرد فقيل: اللهم! صل على محمد وآله، فإننا نفسر الآل بأتباعه على دينه.

    قال رحمه الله: (وأصحابه).

    الصحابة: جمع صحب, وهم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي: من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك.

    قال رحمه الله: (ومن تعبد).

    المراد بذلك من سلك طريقة النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه، يعني: من تعبد الله عز وجل بشرع النبي صلى الله عليه وسلم.

    والعبادة كما فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.