إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [11]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يجوز بيع دين السلم على من هو عليه, وعلى غير من هو عليه, ولا الحوالة بدين السلم. ومن الأبواب الفقهية المهمة باب القرض, حيث يذكر العلماء حكمه والحكمة من تشريعه، وكيفية رد القرض سواء كان مثلياً أو قيمياً، وحكم الرد بأفضل منه في الكيفية والكمية، وحكم تأجيل

    1.   

    تابع بيع دين السلم

    بيع دين السلم على من هو عليه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أسلف في شيء لم يصرفه إلى غيره ولم يجز بيعه قبل قبضه].

    بيع دين السلم ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: بيع دين السلم على من هو عليه.

    والقسم الثاني: بيع دين السلم على غير من هو عليه.

    القسم الأول: بيع دين السلم على من هو عليه، أعطيت زيداً من الناس مثلاً ألف ريال على أن يعطيك بعد شهر أو شهرين مائة قلم أو مائة كتاب أو مائة ثوب صفته كذا وكذا، الآن أنت تريد من زيد مائة ثوب، أعطيته ألف ريال على أن يعطيك مائة ثوب، لما حل الأجل أتيته وطلبت منه الثياب، قال: ما عندي ثياب، لكن أعطيك بدل الثياب شعيراً، أو أعطيك بُرْا، أو أعطيك بدل الثياب أقلاماً ونحو ذلك، فقبلت ذلك، وأخذت بدل الثياب أقلاماً، فهنا حصل البيع؛ لأن البيع مبادلة مال بمال، هنا الآن حصل البيع، أنت تريد منه أثواباً وأخذت بدل الأثواب أقلاماً، الأثواب مال، والأقلام مال، فهذا الآن بيع مال بمال، هذا بيع، فأنت الآن بعت الدين على من هو عليه، الدين على زيد، وبعت الأثواب هذه على زيد, وأعطاك الثمن أقلاماً، فنقول: بيع دين السلم على من هو عليه صحيح بشرطين:

    الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه.

    والشرط الثاني: التقابض، إذا كان العوضان يجري بينهما ربا النسيئة.

    فنقول: شرطان: الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه، أنت تريد منه مائة ثوب، هذه الأثواب كم تساوي من الأقلام؟ فقالوا: مائة ثوب تساوي من الأقلام كذا وكذا تساوي مثلاً مائة قلم أو مائتي قلم نقول: أعطه مائتي قلم بسعر يومه.

    الشرط الثاني: التقابض إذا كان العوضان يجري بينهما ربا النسيئة، هنا الآن الأقلام والثياب هل يجري بينهما ربا النسيئة أو لا يجري؟ ما يجري، يصح أن تبادل الأقلام والثياب وإن لم يحصل القبض، ما يشترط القبض، لكن لو كنت تريد منه بُرَّاً، قال: ما عندي بر سأعطيك تمراً، قلتَ: أعطني تمراً، هل يشترط القبض هنا أو لا يشترط القبض؟

    نقول: هنا يشترط القبض؛ لأن العوضين البر والتمر عندما تبادل بعضهما البعض لابد أن يكون يداً بيد قبل التفرق.

    فتلخص لنا: بيع دين السلم على من هو عليه يشترط فيه شرطان:

    الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه، والشرط الثاني: التقابض إذا كان العوضان يجري بينهما ربا النسيئة.

    صورة أخرى أعطيته ألف ريال على أن يعطيك صاحب المصنع مثلاً مائة قلم، لما حلّ الأجل المصنع ما أنتج أقلاماً، قال: سأعطيك بدلاً من ذلك تمراً أو شعيراً أو سأعطيك دراهمك، نقول: هذا جائز بالشرطين السابقين.

    هذا القسم الأول، وهو بيع دين السلم على من هو عليه.

    بيع دين السلم على غير من هو عليه

    القسم الثاني: بيع دين السلم على غير من هو عليه، أعطيت زيداً ألف ريال على أن يعطيك مائة صاع من البُر بعد ستة أشهر، أعطيته ألف ريال على أن يعطيك مائة صاع من البُر بعد ستة أشهر، أنت تريد من زيد مائة صاع من البُر، جاء صالح إليك وقال: أنت تريد من زيد مائة صاع من البُر بعد ستة أشهر، بِعني لي هذه المائة، تريد منه الآن مائة صاع من البر، كم ثمنها؟ وأعطيك ثمنها، الآن بعت دين السلم عند زيد على صالح، بعت الدين دين السلم على غير من هو عليه، ما بعته على زيد كما في الصورة الأولى، وإنما بعته على صالح، فهنا بعت دين السلم على غير من هو عليه، فنقول: هذا موضع خلاف، والصواب أنه يصح بشروط:

    الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه، أنت تريد من زيد الآن مائة صاع من البُر, جاء صالح قال: بعها عليّ بخمسمائة ريال، مائة صاع من البر بكم تساوي؟ خمسمائة .. ستمائة .. إلى آخره بسعر يومه, هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن يكون المشتري قادراً على تحصيل الدين ممن هو عليه، يعني صالح إذا حل الأجل يقدر على أن يأخذ هذا الدين الذي اشتراه من زيد، يعني من المسلم إليه الذي هو زيد، بحيث إذا حل الأجل يذهب صالح ويأخذ حقه بلا مماطلة أو ممانعة.

    الشرط الثالث: ألا يكون العوضان مما يجري بينهما ربا النسيئة، فإذا كان العوضان يجري بينهما ربا النسيئة ما يصح؛ لأن القبض هنا متعذر، فمثلاً إذا كنت تريد من زيد مائة صاع من البر وجاء صالح قال: بعها علي, بم تشتريها؟ قال: سأعطيك تمراً، نقول: لا يجوز؛ لأن التمر والبر لابد أن يكونا يداً بيد، وهنا ما فيه يداً بيد، ما فيه تقابض الآن، تقبض التمر، لكن البر متى يقبض؟ سيقبض بعد فترة، نقول: هذا لا يصح.

    أو مثلاً تريد منه شعيراً وبعته البر لا يصح، أو تريد منه لحماً وبعت اللحم بشحم شيء موزون، نقول: لا يصح؛ لأن العوضين يتفقان في علة ربا النسيئة، لابد من التقابض، والتقابض هنا متعذر، نقول: هذا لا يصح.

    لكن إذا كان العوضان لا يشترط بينهما التقابض، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، مثلاً تريد منه أثواباً بعته بشعير، تريد منه أثواباً بعته بحديد، تريد منه سيارات بعته بثلاجات ونحو ذلك، هذا جائز ولا بأس به، لكن إذا كان العوضان يشترط بينهما التقابض، نقول: لا يصح، بر بشعير، أو تمر بملح أو بشعير ونحو ذلك كما تقدم لنا في باب الربا.

    الحوالة في دين السلم

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا الحوالة به].

    أنت تريد مثلاً من زيد مائة صاع من البر، أعطيته ألف ريال على أن يعطيك مائة صاع من البر، أو يعطيك مائة صاع من الشعير، أتيت إليه أعطني البر الذي أريده منك، قال: ما عندي الآن شيء، لكن أحيلك على بكر أنا أريد منه براً، اذهب وخذه منه، يصح أو لا يصح؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا تصح الحوالة به يقول.

    يستدلون بحديث أبي داود : (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)، وهذا الحديث كما سبق لنا حديث ضعيف، وعلى هذا الصواب أن المسلم لو جاء للمسلم إليه وقال: أعطني حقي من البر أو من الشعير أو نحو ذلك، وقال: أحيلك على فلان خذ منه حقك من البر أو من الشعير، أنا أريد منه كذا وكذا، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن الأصل في المعاملات الحِلْ، ولا دليل على المنع.

    حكم الإقالة في السلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتجوز الإقالة فيه وفي بعضه؛ لأنها فسخ].

    أنت أسلمت زيداً مائة ألف ريال على أن يعطيك مائة صاع من البر، ولما تم السلم جاء قال: أقلني، أقلني في النصف، خذ خمسمائة ريال واطرح نصف البر، يكون خمسمائة بمائتين وخمسين، يصح ذلك أو لا يصح؟

    يقول المؤلف رحمه الله: يصح، قال: إن هذا جائز ولا بأس به، هذا في بعضه.

    (أو في كله) قال: أنت أعطيتني ألف ريال على أن تأخذ مني كذا وكذا من الثياب أو من الأقلام أو من الآلات، أقلني، خذ دراهمك، فأقاله، يجوز ذلك ولا بأس به.

    1.   

    القرض

    تعريف القرض وحكمه

    قال المؤلف رحمه الله: [باب القرض].

    القرض في اللغة: القطع، ومنه المقراض الذي ما تقطع به الأشياء.

    وأما في الاصطلاح: فهو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.

    والأصل فيه القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة:245].

    والسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً ورد خيراً منه رباعياً.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (أحسنكم أحسنكم قضاء) أخرجه مسلم في صحيحه.

    والإجماع منعقد على جوازه في الجملة، والنظر الصحيح يقتضي ذلك؛ لما فيه من تفريج الكربة وتنفيس العسرة ونحو ذلك .

    قال المؤلف رحمه الله: [عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (استسلف من رجل بكراً, فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، رجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطوه إياه؛ فإن خير الناس أحسنهم قضاء)].

    هل القرض من المسألة المكروهة أو أنه ليس من المسألة المكروهة؟

    القرض ليس من المسألة المكروهة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض، وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، لكن لا ينبغي للمسلم أن يحمل ذمته، بحيث لا يقدم على القرض إلا مع الحاجة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يحدث له.

    كيفية القرض

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن اقترض شيئاً فعليه رد مثله إن كان مثلياً].

    ما هو الواجب في القرض؟ الواجب في القرض رد المثل في المثليات، ورد القيمة في المتقومات، يعني يجب رد بدل العين المقرضة، العين المقرضة لا يجب ردها، مثلاً لو أقرضت زيدا كتاباً ثم قلت: رد علي كتابي لا يلزمه ذلك؛ لأنه بالقرض ملكه، لكن يجب عليه أن يرد بدله، إن كان مثلياً رد المثل، وإن كان قيمياً رد القيمة، وما هو المثلي والقيمي؟ المثلي اختلف في ضابطه، المشهور من مذهب الشافعية أن المثلي هو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه، وماعدا ذلك قيمي، وعلى هذا تكون المثليات قليلة؛ لأنهم حصروا المثليات في المكيل والموزون، أيضاً المكيل والموزون الذي لم تدخله الصناعة المباحة، ويصح السلم فيه, ماعدا ذلك قيميات.

    مثال المثلي: البر الشعير الذي ما فيه صناعة، لو أن البر صُنِّع وجعل خبزاً ونحو ذلك، فهل هو مثلي أو قيمي؟ قيمي، إذا دخلته الصناعة أصبح قيمياً.

    أيضاً المكيل إذا كان ما ينضبط بالوصف يكون قيمياً، الموزون من الحديد والصفر والنحاس هذه مثلية، لكن لو أنها دخلتها الصناعة المباحة أصبحت قيمية، ماعدا ذلك قيمي، يعني ماعدا المكيل والموزون قيمي، فمثلاً الكتب قيمية، هي ليست مكيلة ولا موزونة، الثلاجات الآلات السيارات الأقلام الثياب، أشياء كثيرة، الخضراوات الفواكه، هذه كلها ليست مكيلة ولا موزونة، فتكون قيمية.

    نضرب لهذا أمثلة: أقرضه ثوباً، فما الذي يجب على المقترض أن يرده؟ زيد اقترض من عمرو ثوباً، عمرو هو المقرض وزيد هو المقترض، ما يجب على زيد أن يرد القيمة أو المثل؟

    القيمة، هذا الذي يجب عليه، إذا اتفقا على المثل الأمر إليهما، إذا أتاه بثوب ورضي الأمر إليهما، لكن لو قال: أنا ما أرضى الثوب، أنا أعطيتك ثوباً والثوب قيمة أعطني القيمة، مَنْ القول قوله؟ القول قول المقرض، يعني إذا اتفقا على شيء فالأمر إليهما راجع، إذا اختلفا فإن كان قيمياً وجبت القيمة، وإن كان مثلياً وجب المثل، وعلى هذا فقس.

    أقرضه شعيراً، ما يجب عليه أن يرد؟ مثله شعير، لو أعطاه دراهم قال: خذ دراهم, أنت أقرضتني عشرين صاعاً من الشعير قيمتها تساوي مثلاً أربعين ريالاً، خذ هذه القيمة، قال: ما أقبل، ما يجب عليه المثلي أو القيمي؟ وجب عليه المثلي.

    أقرضه قلماً، ما يجب عليه؟ القيمة، لو أتاه بمثله وقال: أنا أقرضتك قلماً، خذ، فقال: أنا أقرضتك قلماً أعطني قلماً مثل القلم الذي أقرضتك، قال: لا, أعطيك القيمة، مَن يؤخذ بقوله؟ المقرض, يكون له القيمة، والمقترض هو يعطيك القلم ما يعطيني مثل القلم، هل نأخذ بكلام المقرض وإلا المقترض؟ المقرض؛ لأننا نقول: القاعدة عندنا أنهما إن اتفقا على شيء فالأمر إليهما، إن اختلفا فالقول قول من يوافق، المثلي إن كان قرضه مثلياً، والقيمي إن كان القرض قيمياً.

    وكما ذكرنا لكم أنهم يضيقون المثلي، يجعلونه خاصاً في المكيلات والموزونات، أقرضه خبزاً، ماذا يجب عليه أن يرد؟ القيمة، لأنه دخلته الصناعة، أقرضه تمثالاً من الحديد، هل يرد القيمة لأنه دخلته الصناعة؟ هذا خطأ، نحن قلنا: الصناعة المباحة، والتمثال صناعة محرمة، ما نقول هنا: قيمي، نقول: المحرم شرعاً كالمعدوم حساً، فنقول: الصناعة هنا محرمة لا أثر لها.

    هذا كلام المؤلف رحمه الله في كلام الحنابلة والشافعية في تفسير المثلي والقيمي.

    الرأي الثاني في تفسير المثلي والقيمي: أن المثلي ما له مثل في الأسواق، والقيمي ما ليس له مثل في الأسواق، وعلى هذا يكون أكثر الأشياء لها مثل في الأسواق، إذا أقرضه ثوباً نقول: يجب عليه أن يرد ثوباً؛ لأنه مثلي، لكن على الرأي الأول يجب عليه أن يرد القيمة؛ لأنه ليس مكيلاً ولا موزوناً.

    أقرضه سيارة يجب عليه أن يرد سيارة، وعلى الرأي الأول يجب عليه أن يرد القيمة؛ لأن السيارة عندهم ليست مثلية، المثلي هو المكيل والموزون فقط، هذه وإن كانت موزونة في الأصل، لكن دخلتها الصناعة.

    أقرضه كتاباً على هذا الرأي يجب عليه أن يرد كتاباً مثله، ما دام أن له مثلاً في الأسواق يجب عليه أن يرده، لكن على الرأي الأول يجب عليه أن يرد القيمة، وعلى هذا فقس.

    والصواب هو الرأي الثاني، وأن المثلي ما له مثل في الأسواق، والقيمي ما ليس له مثل في الأسواق، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند عائشة فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم بطعام، فضربت عائشة يد الخادم فسقط الإناء وانكسر وانتثر الطعام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إناء بإناء, وطعام بطعام)، وعلى رأي الحنابلة والشافعية الطعام مثلي أو قيمي؟ الطعام على رأي الحنابلة والشافعية قيمي؛ لأنه دخلته الصناعة، والنبي صلى الله عليه وسلم أثبت المثل، فدل على أن المثلي ما له مثل، الإناء على رأي الحنابلة والشافعية قيمي، والنبي أثبت المثل, فدل على أن المثلي ما له مثل، وأن القيمي ما ليس له مثل.

    رد القرض بأفضل منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز أن يرد خيراً منه].

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن يرد خيراً منه، سواء كان ذلك في الكمية أو في الكيفية، وهذا هو الصواب.

    فمثلاً اقترضت أنت من زيد ألف ريال، ثم ذهبت تريد أن توفيه الألف، فقلت: هذه ألف ومائة أضفت مائة ريال، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟

    نقول: هذا جائز، المؤلف يقول: (ويجوز أن يرد خيراً منه) هذا في الكمية، أنت اقترضت منه ألف ريال، أعطيته ألفاً ومائة, ألفاً ومائتين مكافئة له، أو هو اقترض منك ألفاً ثم جاب لك ألفاً ومائة، نقول: هذا جائز، هذا في الكمية، كذلك أيضاً في الكيفية، اقترض منك براً متوسطاً، وجاب لك براً جيداً، أو اقترض منك تمراً رديئاً مثلاً، نوعه أقل، مثلاً تمر شقر وجاب لك تمراً سكرياً، هذا لا بأس به، سواء كان في الكمية أو في الكيفية، هذا كله جائز ولا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً ورد خياراً رباعياً خيراً منه، وقال: (أحسنكم أحسنكم قضاء)، فنقول: لا بأس أن المقترض يرد القرض ويزيد، يرد خيراً منه في الكمية أو يرد خيراً منه في الكيفية، نقول: هذا جائز ولا بأس به.

    بل إن بعض العلماء قال: إنه لا بأس أن يقرضه ولو كان يرجو الزيادة، فإذا كان هذا الشخص معروف أنه من أقرضه ألفاً أعطاه ألفين، قالوا: إذا كان هذا الشخص يرجو أن يزيده هذا جائز ولا بأس به.

    رد التفاريق جملة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن يقترض تفاريق ويرد جملة].

    هذا أيضا لا بأس، كان في الزمن الأول فيه دينار من ذهب أو درهم من فضة، يقترض تفاريق مكسرة من الذهب، يقترض هذه المكسرة، ثم بعد ذلك يرد الدينار كاملاً، أو يقترض مكسرة من الفضة قطعاً، ثم بعد ذلك يرد درهماً كاملاً، هذا جائز ولا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذا لم يكن بشرط].

    إذا لم يكن بشرط؛ لأنه كما سيأتينا إن شاء الله أن كل شرط جرّ منفعة في القرض فهو ربا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل سلف وبيع).

    تأجيل القرض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أَجَّلَه لم يتأجل].

    إن أجل القرض لا يتأجل، يعني جاء إليك رجل قال: أقرضني عشرة آلاف ريال أريد أن أتزوج لمدة سنة، وأقرضته عشرة آلاف ريال يتزوج بها لمدة سنة، يقول المؤلف رحمه الله: القرض ما يتأجل، لك أن تذهب وتطالبه الآن، أنت أقرضته الآن وأعطيته عشرة آلاف ريال، فيقول المؤلف رحمه الله: بأن القرض لا يتأجل بالتأجيل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، فيملك المقرض الآن أن يذهب إلى المقترض وأن يطالبه، أنا أقرضتك عشرة آلاف ريال أعطني إياها، قال: أنت, أجلت اتفقنا على سنة، العلماء يقولون: ما يتأجل بالتأجيل، أعطه العشرة الآن، والقاضي يحكم عليك إن تعطيه العشرة الآن, لماذا القرض لا يتأجل بالتأجيل؟

    قالوا: بأن القرض منع فيه من الفضل من الزيادة، فكذلك أيضاً يمنع فيه من التأجيل ما دام أنه لا توجد زيادة، يعني ما يجوز تقول: هذه عشرة آلاف ريال بإحدى عشر ألفاً، أيضاً المقرض كما أننا نمنعه من أخذ الزيادة أيضاً ما نحمل عليه الأجل، ما نحمل عليه أمرين، نحن الآن منعناه من أخذ الزيادة، ما يصح أن يقول: عشرة آلاف بإحدى عشر ألفاً، كذلك أيضاً ما نحمله أمراً آخراً وهو التأجيل, فيقولون: هذا منع فيه من الفضل فيمنع فيه من التأجيل، ما يحمل أمرين، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والقول الثاني: قول الإمام مالك رحمه الله، واختاره ابن القيم أنه يتأجل بالتأجيل، وأنه إذا أجله هذه الدراهم لمدة سنة أو سنتين يجب عليه أن يتقيد بذلك، ولا يحق له أن يطالبه، ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [البقرة:40] ، الله عز وجل أمر بالوفاء بالعقد، والعقد تم على أنه مؤجل، فيجب عليه أن يوفي به، وأيضاً الله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلمون على شروطهم)، فالصواب أنه يتأجل بالتأجيل.

    اشتراط المنفعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز شرط شيء ينتفع به المقرض].

    لا يجوز أن يشترط شيئاً ينتفع به المقرض، وهذا يشمل المنافع والأعيان، لا يجوز للمقرض أن يشترط شيئاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل سلف وبيع)، فنقول: يشمل المنافع والأعيان والعقود، ما يجوز أن يشترط شيئاً ينتفع به .

    الدليل على ذلك: أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل سلف وبيع).

    ثانياً: أن القرض مما يراد به وجه الله عز وجل والإحسان والإرفاق، فإذا شرط فيه منفعة فإنه يخرجه عن موضوعه، وموضوعه هو الإرفاق والإحسان، هذا موضوعه، إذا اشترط أخرجه عن موضوعه إلى شيء آخر وهو المعاوضة.

    ويدل على أنه مبني على الإرفاق والإحسان أن القرض صورته صورة ربا النسيئة؛ لأنك تعطيه ألف ريال وتأخذ منه بعد شهر ألف ريال، الأصل عندما تبادل ألفاً بألف يكون يداً بيد، مثلاً بمثل، تعطيه ذهباً قرضاً وتأخذ بعد شهر الذهب هذا، عندما تبادل ذهباً بذهب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الذهب بالذهب هاء وهاء، يداً بيد، لا تبيعوا غائباً بناجز)، عندما تبادل ذهباً بذهب بيعاً، لكن في القرض جوزنا ذلك، مع أنه صورة من صور ربا النسيئة، تعطيه الذهب وتأخذه بعد شهر، تعطيه الفضة وتأخذها بعد شهر، تعطيه الدراهم وتأخذها بعد شهر، لماذا جوز في هذه صورة الربا؟ لأنه يراد به الإحسان والإرفاق، ما يراد به المعاوضة، ولذلك يمنع فيه من أن يشترط شيئاً ينتفع به، سواء كان عقداً، مثل لو قال: أقرضك بشرط أن تبيع عليّ هذا شرط باطل، أو قال: أقرضك بشرط أنك تعطيني كذا.. أن تنكحني ابنتك، هذا شرط باطل، أو تعقد معي عقد شركة، أو تصرف لي هذه الدراهم، المهم أنه اشترط عليه عقداً، أو اشترط عليه منفعة، مثال اشتراط منفعة، قال: أقرضك بشرط أن تعطيني السيارة لمدة يوم .. يومين، أو تجعلني أسكن بيتك لمدة يوم أو يومين، أو تعمل لي كذا وكذا، فنقول: بأن هذه كلها محرمة ولا تجوز.

    أو عين من الأعيان قال: أقرضك على أن تعطيني هذا الكتاب، أو هذا البر، أو هذا الشعير، أو هذا الطعام، نقول: بأن هذا محرم ولا يجوز.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا أن يشترط رهناً أو كفيلاً].

    إذا اشترط رهناً أو كفيلاً هذا جائز ولا بأس به؛ لأن السنة جاءت به، فالنبي عليه الصلاة والسلام ( اقترض من يهودي شعيراً ورهن درعه عنده ), فنقول: والكفيل بمعنى الرهن توثقة، هذه عقود توثقة، فإذا قال: أقرضني، قال: أقرضك بشرط أن تعطيني رهناً تعطيني السيارة رهناً، أو تعطيني البيت رهناً، نقول: هذا جائز ولا بأس به، أو قال: أقرضك بشرط أن تعطيني كفيلاً أو ضميناً، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.