إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت الشريعة بما يصلح العباد والبلاد, وبما يدفع الشر والفساد, ومن ذلك أنها بينت أحكام بيع الأصول والثمار, وفصّلت لمن تكون الثمرة عند البيع, ونهت عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إلا في مسائل مستثناة للمصلحة والحاجة, وأمرت بوضع الجوائح.

    1.   

    تابع بيع الأصول والثمار

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب بيع الأصول والثمار.

    روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع )، وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره بادياً].

    تقدم لنا ما يتعلق أو بدأنا بما يتعلق ببيع الأصول الثمار، وذكرنا تعريف الأصل، وأن الأصول جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره وما يتفرع منه غيره، وأن المراد ببيع الأصول: بيع الأراضي والمزارع والأشجار ونحو ذلك.

    وقوله: الثمار جمع ثمرة وهو ما يجنى من الأشجار، وتكلمنا على القسم الأول: بيع الأصول والثمار ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: بيع الأشجار، وذكرنا أنه إذا باع الأشجار كأشجار النخيل أو أشجار البرتقال أو أشجار التفاح أو الزيتون ونحو ذلك، أو وقفها أو وهبها أو أوصى بها يتضمن أموراً:

    الأمر الأول: ذات الشجرة وما يتعلق بها ويلحق بها من الجريد والأغصان .. إلى آخره، هذه تكون داخلة في البيع, تكون للبائع.

    الأمر الثاني: البقعة الأرض، هل هي تكون داخلة في البيع أو داخلة في الوقف أو نحو ذلك أو ليست داخلة؟ نقول: ليست داخلة، وعلى هذا لو أن هذه الشجرة هلكت وبادت فإن المشتري لا يملك أن يغرس مكانها شيئاً.

    الأمر الثالث: الثمرة، هل الثمار داخلة في البيع أو ليست داخلة؟

    ذكرنا أن الثمار تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ثمرة النخيل وهذه بين النبي صلى الله عليه وسلم أمرها فقال عليه الصلاة والسلام: ( من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ).

    فيؤخذ من الحديث: أن الثمرة إن أبرت إن كان البائع قام بتلقيحها فالثمرة له، وإن كانت لم تؤبر لم تلقح فإن الثمرة للمشتري، هذا إذا كان المبيع نخلاً.

    القسم الثاني: إذا كان المبيع غير نخل، كأشجار التفاح وأشجار الزيتون والموز والبرتقال والليمون وغير ذلك من الأشجار، فنقول: بالنسبة للثمرة ما بدا يكون للبائع، وما لم يبدُ فإنه يكون للمشتري، هذا ما يتعلق بالقسم الأول وهو بيع الأشجار.

    لمن تكون الثمرة عند البيع؟

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فهو للبائع مالم يشترطه المبتاع، وإن كان يجز مرة بعد مرة فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع].

    هذا القسم الثاني: إذا باع الأرض، إذا باع المزرعة، إذا باع الدار، ومثل ذلك أيضاً لو وقف هذا الشيء أو وهبها أو أوصى بها، ما الذي يدخل في هذا الشيء، وما الذي لا يدخل؟

    نقول: هذا يشتمل على أمور:

    الأمر الأول: القرار، فإذا اشترى الأرض فإنه يملك قرارها إلى الأرض السابعة، ويترتب على هذا لو أن أحداً أراد أن يجري مواسير تحت أرضك أو أراد أن يفتح نفقاً تحت الأرض هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟

    لا يملك ذلك، وتكلم الفقهاء رحمهم الله عن جذور الأشجار إذا امتدت تحت الأرض.

    فنقول: الأمر الأول مما يتعلق ببيع الأراضي ونحوه من العقارات: القرار.

    الأمر الثاني: الهواء، فإذا اشترى هذه الأرض أو هذه المزرعة فإنه يملك الهواء إلى السماء الدنيا، وعلى هذا لو أراد شخص أن يبني جسراً فوق هذه الأرض أو أن يمد بناءه أن يخرج ما يسمى بالبلكونة على هذا البيت أو هذه الأرض هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟

    نقول: لا يملك ذلك؛ لأن الهواء تابع للقرار والآن قد ملك القرار.

    الأمر الثالث: إذا كان هذه الأرض فيها بناء ونحو ذلك، فنقول: البناء داخل في البيع وحينئذٍ يكون للمشتري.

    الأمر الرابع: إذا كان المشترى داراً أو بيتاً وهذه الدار فيها متاع وأثاث، هل يدخل المتاع في البيع أو لا يدخل؟ مثلاً: أنت اشتريت عمارةً أو بيتاً، وهذا البيت فيه مراوح ومكيفات ومفارش وأثاث وفيها ثلاجة، فيها غسالة، فيها أدوات مكتبية, فيها كتب... إلى آخره، ما الذي يدخل في البيع وما الذي لا يدخل؟

    العلماء قالوا: هذه الأمور لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون متصلة، فهذه داخلة في البيع، وحينئذٍ تكون للمشتري، فمثلاً المراوح تكون داخلة في البيع مالم يكن هناك عرف أو شرط، مثل المكيفات، لو أنه باع البيت وفيه مكيفات ثم قام البائع ونزع المكيفات فإنه لا يملك ذلك، المتصل تابع للعقار, ما دام أنه متصل فإنه يكون داخلاً في البيع، يكون للمشتري، المطبخ إذا كان فيها مطبخ يكون للمشتري لأنه متصل، وعلى هذا فقس، الأشياء المتصلة تكون داخلة في البيع وللمشتري إلا إذا كان هناك شرط لفظي أو عرفي، تعارف الناس على أن المكيفات أو أن المطبخ للبائع، لكن إذا لم يكن هناك عرف فإنه يكون للمشتري.

    أو إذا كان هناك شرط لفظي، قال: نبيع لك البيت لكن لي المكيفات أو لي المراوح أو لي الأنوار، إذا لم يكن هناك شرط لفظي أو عرفي نقول: بأنها داخلة في البيع وتكون للمشتري، ومثل ذلك أيضاً الفرش هذه التي تكون ملصقة في الأرض هذه تكون للمشتري وعلى هذا فقس.

    القسم الثاني: الأشياء المنفصلة، مثل الثلاجة، الغسالة، أواني المطبخ، الكتب، الثياب، الفرش، فهذه تكون للبائع, هذه لا تكون داخلة في البيع إلا إذا كان هناك شرط عرفي أو لفظي، فالمسلمون على شروطهم، فلو أنه اشترط المشتري, قال: بشرط أن الأثاث الموجود في البيت لي، أو اشترط المشتري أن الكتب الموجودة في البيت له، أو الثلاجة له، فنقول: المسلمون على شروطهم. فأصبح عندنا ما يتعلق بالأثاث ينقسم إلى هذين القسمين.

    الأمر الخامس: إذا كان فيها أشجار، لمن تكون هذه الأشجار؟

    مثلاً باع الأرض وبها أشجار نخيل أو البيت باعه فيه أشجار تفاح أو برتقال... إلى آخره، نقول: الأشجار تكون للمشتري، تكون تابعة للبيت.

    وما عليها من الثمار تقدم لنا ما يتعلق بالثمار أنها تنقسم إلى قسمين:

    ما يتعلق بثمار النخيل: ما أبر فإنه يكون للبائع، وما لم يؤبر فإنه للمشتري, وغير ثمار النخيل كثمر البرتقال وغير ذلك ما ظهر فإنه يكون للبائع, وما لم يظهر فإنه يكون للمشتري، فنقول: إذا كان فيها أشجار فإنها تكون للمشتري وكذلك أيضاً الثمرة تكون للمشتري إلا كما تقدم وسبق ذكره.

    الأمر السادس: إذا كان فيها زرع، قال المؤلف رحمه الله: (فإن باع الأرض وفيها زرع).

    ما الفرق بين الشجر والزرع؟ الشجر تطول مدته، بخلاف الزروع فإن مدتها قصيرة، قد تكون مدتها سنة نصف سنة, الأشجار مدتها طويلة وأما الزروع مدتها قصيرة.

    أيضاً الشجر له ساق والزرع ليس له ساق.

    الأشجار تكلمنا عليها وقلنا بأن الأشجار تكون للمشتري إذا باع الأرض يملكها إلا ما يتعلق بالثمرة فذكرنا التفصيل فيها.

    القسم السادس إذا باع الأرض وفيها زروع ، هذه الزروع تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: قال: (وفيها زرع لا يحصد إلا مرة)، وهذا مثل القمح تزرعه وتحصده مرة واحدة ، ومثل أيضاً الشعير تزرعه وتحصده مرة واحدة، إذا كان الزرع لا يحصد إلا مرة واحدة فهو للبائع، باع الأرض أو باع المزرعة وفيها قمح أو غير ذلك مما يحصد مرة واحدة يكون الزرع هنا للبائع، وله أن يبقيه إلى وقت الحصاد إلا إذا اشترط المشتري، قال: بشرط أن الزرع يكون لي فالمسلمون على شروطهم، لكن إذا لم يكن هناك شرط فنقول: بأن الزرع يكون للبائع وليس للمشتري هذا القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يكون الزرع يجز مراراً، تجزه ثم يأتي مرة أخرى، ثم تجزه، ثم يأتي، ثم تجزه، ثم يأتي، أو تأخذ الثمرة ثم تأخذ الثمرة مرة ثانية، فالذي يجز مراراً مثل البرسيم, أصوله تكون في الأرض يجز ثم يخرج مرة ثانية، ومثل الكراث يجز ثم يخرج مرة ثانية وهكذا، والذي يلقط مثل الكوسة تلقطها ثم تأتي مرة ثانية، مثل الطماطم، والباذنجان تلقطه ثم يأتي مرة ثانية وهكذا، يلقط مراراً، فلمن يكون هذا الذي يجز مراراً أو يلقط مراراً؟

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن كان يجز مرة بعد أخرى فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع).

    نقول: الأصول التي في الأرض تكون للمشتري، الجزة الظاهرة واللقطة الظاهرة هذه للبائع إلا إذا اشترط المشتري، فالمسلمون على شروطهم.

    الأمر السابع: إذا كان في هذا البيت أو هذه الأرض مال مودع، فهل يدخل في البيع أو نقول: لا يدخل في البيع؟

    نقول: لا يدخل في البيع، هذا فيما يتعلق ببيع الأراضي والدور والمزارع وغير ذلك.

    بيع الثمرة قبل بدو صلاحها

    قال المؤلف رحمه الله: [فصل: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها].

    هذا القسم الثالث: وهو ما يتعلق ببيع الثمرة، فعندنا تكلمنا عن بيع الأراضي وما يتعلق ببيعها، ثم القسم الثاني بيع الأشجار فقط، ثم القسم الثالث وهو بيع الثمرة، الآن أراد أنه يبيع الثمرة فقط، عنده نخيل أو عنده أشجار تفاح أو أشجار موز أو أشجار زيتون أو غير ذلك، أراد أن يبيعك الثمرة، ما حكم بيع الثمار؟ بيع الثمار جائز بشرط أن يبدو صلاحه، والدليل على هذا حديث ابن عمر في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ).

    وقد استثنى العلماء رحمهم الله ثلاث مسائل: قالوا: يجوز أن تبيع الثمار قبل بدو الصلاح.

    المسألة الأولى: إذا باعه الثمرة بشرط القطع في الحال، يعني حتى الآن التمر أخضر ما بدا صلاحه, هل يجوز بيعه أو ما يجوز؟ نقول: ما يجوز، لكنه اشتراه بشرط أن يقطعه الآن وينتفع به مثلاً كعلف أو نحو ذلك، هذا جائز ولا بأس به؛ لأنه منع من بيعه قبل بدو صلاحه خشية العاهة، الجائحة وهنا انتفت، سيقطعه الآن، هذا قالوا: إنه جائز.

    المسألة الثانية: إذا باعه مع الأصل، يعني باع أشجار النخيل وفيها ثمر أخضر ما بدا صلاحه، يجوز أو لا يجوز؟

    نقول: جائز, الممنوع إذا اشترى ثمرة النخل فقط، أما إذا باعه الأشجار أو باعه المزرعة وفيها أشجار، والأشجار حملت الثمار لكنه ما بدا صلاحه، نقول: بأن هذا جائز ولا بأس به، والقاعدة: أنه يثبت تبعاً ما لم يثبت استقلالاً، هنا لم يبع الثمرة مستقلة وإنما باع الثمرة تبعاً للشجرة أو تبعاً للأصل العقار الأرض أو المزرعة ونحو ذلك، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    المسألة الثالثة: إذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك أصلها، يعني هذا رجل يملك الثمرة, وهذا رجل يملك الأشجار أو يملك المزرعة، صورة ذلك مثلاً: رجل أوصى قال: ثمرة البستان لزيد ثم مات، المزرعة الآن تكون للورثة، والثمرة تكون لزيد، زيد باع الثمرة على الورثة، الفقهاء يقولون: يصح إذا باع الثمرة على مالك الأصل وهم الورثة وإن لم يبدُ صلاحها، هذا ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: أنه لا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها حتى ولو باعه لمالك الأصل؛ لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها )، والصواب أنه لا يصح.

    كيفية معرفة صلاح الثمرة

    كيف نعرف صلاح الثمرة؟ نقول: بأن الثمرة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ثمرة النخلة، وضابط الصلاح فيها أن تحمار أو تصفار، النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الثمار حتى تزهو وسئل عن زهوها؟ فقال: أن تحمار أو تصفار ) فالنبي عليه الصلاة والسلام فسر ذلك بأنها تحمار أو تصفار، فإذا احمرت أو اصفرت جاز البيع، قال العلماء: ولو احمرت بسرة واحدة أو اصفرت بسرة واحدة، يعني لو كان عنده ألف نخلة يريد أن يبيعها فيقولون: إن صلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر الجنس، فهنا جائز بيعها، هذا القول الصواب في هذه المسألة، يعني هل صلاح الشجرة صلاح لسائر الأشجار أو للنوع أو للجنس؟

    هذا موضع خلاف فبعض العلماء يقول: صلاح لها ولسائر النوع، بمعنى إذا كان المزرعة فيها سكري و... إلى آخره، فاصفرت نخلة من السكري، على القول بأنه صلاح لها ولسائر النوع هل يبيع الشجر أو ما يبيع الشجر؟ ما يبيع الشجر، صلاح لها وللسكري للنوع فقط.

    والقول الثاني: قالوا: صلاح لها ولسائر الجنس, هل يبيع الشجر أو ما يبيعه؟ يبيعه؛ لأنه صلاح لها ولسائر الجنس، يشمل كل التمر.

    القول الثالث: أعم من هذا، يقول: صلاح لها ولسائر الأشجار حتى من غير الجنس، حتى لو كان هناك أشجار برتقال أو أشجار ليمون أو نحو ذلك, وهذا ضعيف.

    الصحيح أنه صلاح لها ولسائر الجنس دون النوع.

    قلنا: إذا بدا الصلاح بنخلة واحدة بسرة واحدة جاز أن تبيع كل النخيل ولو كان في المزرعة ألف نخلة أو أكثر، هذا إذا باع كل النخيل، لكن لو قال أنا سأبيع مائة نخلة فقط، فهذا لابد من بدو الصلاح في كل نخلة، إن قال: سأبيع النخيل كله في المزرعة فيكفي صلاح بسرة واحدة، إن قال: لن أبيع كل النخيل سأبيع مائة سأبيع عشرة, فنقول: لابد من أن يبدو الصلاح في كل شجرة.

    هذا القسم الأول وهو ما يتعلق بصلاح النخيل، لما تكلمنا على بدو الصلاح. قلنا: ضابط ذلك أن الأشجار لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون نخلاً فضابط بدو الصلاح فيها أن تحمار أو تصفار كما تقدم .

    الأمر الثاني: أن تكون الأشجار التي يراد بيعها غير النخل مثل أشجار البرتقال أشجار التفاح أشجار الموز ونحو ذلك، فهذه ضابط الصلاح فيها أن تنضج ويطيب أكلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: ( نهى عن بيع الثمار حتى تطعم )، فدل ذلك على أنه لابد أن تنضج وأن يطيب أكلها.

    كلام النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الثمر على الشجر، أما لو قطعته ما في بأس تبيعه وهو أخضر، أنت لو أخذت عوداً من السوق وبعته ما أحد قال لك: لا، لو كان عندك ثمار موز أخضر قطعته ورحت السوق وبعته ما أحد يقول لك: لا، أو ثمر برتقال أخضر ... ونحو ذلك.

    المقصود أنك ما تبيعه وهو على الشجر؛ لأنه عرضة للآفة، وأيضاً لو اشتريت الجريد أخضر أو بعته ما أحد قال لك: لا، لكن تشتريه وهو على الشجر أخضر لا يجوز، لابد أن يقطعه صاحب المزرعة ثم يبيعه، فالمقصود الثمار التي على الأشجار، أما إذا قطعها المالك وباعها ما أحد يقول له: لا.

    فيتلخص لنا أن بيع الثمار لا يجوز بيعها حتى يبدو صلاحها، وذكرنا ضابط الصلاح في النخيل، وضابط الصلاح في غير النخيل، وذكرنا أن العلماء رحمهم الله استثنوا ثلاث مسائل.

    بيع الزرع قبل أن يشتد

    القسم الرابع: بيع الزروع، تكلمنا عن بيع الأشجار والثمار والأراضي والبساتين إلى آخره، بقينا في القسم الرابع: وهو بيع الزروع مثل بيع زرع البر أو البرسيم أو الكراث أو البصل أو الفجل أو غير ذلك، فنقول: النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن بيع الزرع حتى يشتد )، نقول: لا يجوز بيع الزرع حتى يبدو صلاحه، وصلاح الحبوب بأن تشتد، وكيف تشتد؟ يعني تقوى وتصلب، الحبة إذا أخذتها تجدها قوية صلبة، إذا ضغطها لا تنضغط ما عدا الحبوب مثل: ثمرة الطماطم الباذنجان وغير ذلك من البقول... إلى آخره، فهذه أن تطيب وتنضج، كذلك أيضاً كما قلنا في الثمار نقول في الزروع النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن بيع الزرع حتى يشتد )، لكن العلماء رحمهم الله استثنوا ثلاث مسائل قالوا: يجوز بيع الزرع قبل اشتداده:

    المسألة الأولى: إذا اشتراه بشرط القطع في الحال، يعني اشترى مثلاً زرع البرسيم بشرط أن يقطعه في الحال قالوا: هذا جائز.

    المسألة الثانية: إذا اشتراه مع الأصل، اشترى الأرض وفيها زرع حتى الآن لم يشتد، فقالوا أيضاً بأن هذا جائز ولا بأس به.

    المسألة الثالثة: إذا باعه على مالك الأصل، وقلنا بأنه يصح في مسألتين ولا يصح في المسألة الثالثة.

    بقي عندنا مسألتان تتعلقان ببيع الزروع:

    المسألة الأولى: الزروع التي ثمارها مستترة في الأرض: مثل البطاطس والفجل والبصل والجزر إلى آخره، هذه تكون مستترة في الأرض، هل يشترط أن تنبش وتخرج عند البيع؟

    هذا موضع خلاف, المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يشترط أن تنبش, إذا كان عندك أحواض من البصل أو أحواض من الجزر أو نحو ذلك، إذا أردت أن تبيعه فقم بنبشها أول شيء ثم إذا نبشتها فقم ببيعها، هذا المذهب، والرأي الثاني يرى ابن القيم رحمه الله أنه ليس شرطاً أن تنبش، قال الإمام مالك: ليس شرطاً أن تنبش، وأهل الخبرة يستدلون بما ظهر على ما بطن، فما ظهر يستدل به على ما بطن, وهذا القول الصواب, ونبشها يؤدي إلى فسادها.

    المسألة الثانية: ما يجز مراراً ويقطف ثمرته مراراً مثل: البرسيم والكراث والكوسة أو يقطف مثل الطماطم والباذنجان هذه الأشياء التي تجز مراراً وتقطف مراراً، الفقهاء وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله يقولون: لابد أن تكون الجزة ظاهرة يعني: ما يجوز أن تبيع جزة معدومة، لابد أن تبيع جزة ظاهرة أو لقطة ظاهرة ما عدا ذلك غير جائز، لو قال: أبيعك لقطتين أو ثلاثة من الطماطم أو يبيع جزتين من البرسيم قالوا: بأن هذا غير جائز.

    والرأي الثاني: مذهب الإمام مالك رحمه الله واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية أنه لا باس أن تبيع جزتين، ثلاث جزات من البرسيم ومن الكراث ومن الطماطم ونحو ذلك، قالوا: بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.

    1.   

    وضع الجوائح

    قال المؤلف رحمه الله: [ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز، فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا, بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ )، وصلاح ثمر النخيل أن يحمر أو يصفر, والعنب أن يتموه, وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله].

    تكلمنا عليه، لكن بقينا في مسألة تكلم عليها المؤلف رحمه الله وهي: ما يتعلق بوضع الجوائح ،كما تقدم بيع الثمار بعد بدو صلاحها وأن حكمه جائز ولا بأس به، وثمر النخيل بدو صلاحه أن يحمر ويصفر، وحتى يحمر ويصفر يحتاج إلى وقت حتى يطيب وينضج، قد يتأخر إلى شهر شهرين ثلاثة أشهر إلى آخره، لو أنه أصابته جائحة ما بين بدو الصلاح والجذاذ، هل هذه الجائحة تكون من ضمان البائع أم من ضمان المشتري؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام مالك رحمه الله: أنها تكون من ضمان البائع ولا تكون من ضمان المشتري؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أمر بوضع الجوائح.

    حديث جابر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( من باع ثمراً فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئاً علام يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ ) فظاهر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن الضمان يكون على البائع، وأنه لا يجوز له أن يأخذ من المشتري شيئاً، وإن أخذ يجب عليه أن يرده ولو شرط، قال البائع: بشرط فإن أصابته جائحة فهو من ضمانك أيها المشتري، وحكم الشرط هذا أنه شرط باطل؛ لأنه مخالف للشرع.

    المهم إذا أصابته الجائحة يكون من ضمان البائع وليس من ضمان المشتري، هذا مذهب الحنابلة والمالكية.

    وعند الحنفية والشافعية أنه إذا أصابته جائحة من ضمان المشتري، ويرون أن الجوائح لا توضع، واستدلوا أيضاً بحديث أبي سعيد في صحيح مسلم : ( أن رجلاً أصابه دين بسبب ثمار ابتاعها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه )، وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بوضع الجائحة، وكيف الجواب عن هذا الحديث؟

    هذا الحديث الجواب عنه سهل، فليس في الحديث تصريح أن الدين بسبب الجائحة، ربما أن الأسعار نقصت ونحو ذلك، أو أنه فرط في أخذ الثمار حتى تلفت.

    وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة القول الأول: بأنها من ضمان البائع، وما المراد بالجائحة؟

    المراد بها آفة تصيب الثمار والزروع فتؤدي إلى إتلافها كلها أو بعضها مثل الأمطار، الرياح، الثلوج، الجراد، العطش، وغير ذلك.

    وضع الجائحة هذا يشترط له شروط:

    الشرط الأول: اشترطه المالكية، وهو أن يكون التالف الثلث فأكثر من الثمار والزروع، وعلى هذا لو تلف أقل من الثلث فما الحكم؟ قالوا: لا يوضع وإنما يكون من ضمان المشتري، والمذهب أنه يوضع القليل والكثير، وهذا الصواب، الصحيح أنه لا يتقيد بالثلث؛ لأن الحديث عام، فنقول: إن الصواب في هذه المسألة أن الجائحة توضع، اللهم إلا إذا كانت أشياء يسيرة عرفاً، هناك أمور يسيرة يتسامح فيها الناس, لكن ما خرج عن اليسير الذي يتسامح فيه فهذا يكون من ضمان البائع ويجب عليه أن يضعه.

    الشرط الثاني: أن يكون ذلك ما بين بدو الصلاح والجذاذ، فلو كان ذلك بعد وقت الجذاذ يكون من ضمان المشتري، لكن لو أن المشتري تأخر شيئاً يسيراً لكي يقوم بالجذ أو نحو ذلك يوماً يومين ثم تلفت, هذا يكون من ضمان البائع, لكنه لو فرط في أخذها مر أسبوع أسبوعان ولم يأخذها حتى هلكت وأصابتها الجوائح، فنقول: هذا من ضمان المشتري.

    هل يقاس على الزروع والثمار غيرها في وضع الجائحة أو لا يقاس أو نقول: بأن هذا خاص بالزروع والثمار؟

    هذا موضع خلاف، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يختار بأنه ليس خاصاً، وإنما يقاس على الثمار والزروع غيرها في وضع الجائحة، فمثلاً: في الإجارة لو أنه أصابته جائحة، استأجر الدكان بعشرين ألف ريال، ثم بعد ذلك احترق المحل، شيخ الإسلام يرى أنه يفسخ العقد؛ لأن ماله قد احترق، أو مثلاً الدكان استأجره بعشرين ألف ريال، ثم بعد ذلك انصرف الناس عن هذه الجهة لسبب أو لآخر ونزلت الأسعار، أصبح الآن هذا المحل لا يأتيه أحد بسبب انصراف الناس أو بسبب تعديل شوارع أو بناء جسور أو غير ذلك، شيخ الإسلام يرى أنه توضع الجائحة، ومثل ذلك أيضاً ما يحصل الآن للمصانع من الحرائق والإتلافات وغير ذلك.