إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب البيع [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من الضرورات التي حرصت الشريعة على حفظها مال المسلم، فلا يؤخذ منه شيء بغير وجه حق أو طيب نفس منه، وعليه فقد نهت عن بعض البيوع القائمة على الغرر والظلم والغش، ومن ذلك تلقي الركبان لشراء سلع أهل البادية بغية رفع أسعارها على أهل البلد، ومن ذلك بيع النجش وا

    1.   

    تابع البيوع المنهي عنها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن بيع حاضر لباد؛ وهو أن يكون له سمساراً، وعن النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، وعن بيعتين في بيعة وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو يقول: بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا، وقال: ( لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق )، وقال: ( من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه ) ]. ‏

    مجمل ما ذكر من البيوع المنهي عنها

    تقدم لنا في الدرس السابق جملة من شروط صحة البيع، وذكرنا من هذه الشروط: أن يكون الثمن معلوماً، وأن يكون المثمن معلوماً، وأن يكون المثمن مقدوراً على تسليمه، وأن يكون العاقد جائز التصرف، وأن يكون هناك رضا، وأن يكون المبيع مما يحل الانتفاع به، إلى آخر ما تقدم أن ذكرناه.

    ثم بعد ذلك تكلم المؤلف رحمه الله عن بيع الملامسة والمنابذة إلى آخره، وذكرنا الدليل على تحريم هذين البيعين، وما المراد بهما.

    ثم تكلم المؤلف رحمه الله عن بيع الحصاة، وذكر أنه من البيوع المنهي عنها، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى عن بيع الحصاة )، وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله تفسيرين لبيع الحصاة:

    التفسير الأول: أن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو عليك بكذا وكذا.

    والتفسير الثاني: أن يقول: بعتك من الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة بكذا وكذا، ثم يرمي.

    فهذان تفسيران على سبيل المثال، وإلا المراد بذلك النهي عن بيع الغرر، وإلا فإن هاتين الصورتين على سبيل المثال.

    فبيوع الملامسة والمنابذة والحصاة هذه كلها يجمعها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ).

    النهي عن بيع حاضر لباد

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن بيع حاضر لباد ].

    الحاضر: هو الحضري الذي يقيم في المدن، والباد: هو البدوي الذي يقيم في البراري والصحاري ونحو ذلك، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد.

    قال: [ وهو أن يكون له سمساراً ].

    ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد )، قيل لـابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم .

    والنبي صلى الله عليه وسلم بين العلة كما في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض )، فالعلة في ذلك أنه لا يكون الحضري سمساراً للبدوي، يعني: يتولى عنه بيع البضاعة، وإنما البدوي هو الذي يتولى الأمر بنفسه، والعلة كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض )، فإذا ترك البدوي يبيع سلعته فإن الناس يشترونها برخص، وإذا باعها له الحضري فإن الحضري يبيعها بأغلى، لا يبيعها إلا بسعر البلد، فيضيق على أهل البلد.

    واشترط العلماء رحمهم الله للنهي عن بيع الحاضر للباد شروطاً:

    الشرط الأول: أن يقصد الحاضر البادي، يعني البادي يقصده الحاضر، ولا يقصد البادي الحاضر، فيكون الحاضر يقصد البادي، فهذا هو موضع النهي، أما إذا كان العكس وأن البادي هو الذي قصد الحاضر وطلب منه أن يبيع سلعته، فإن هذا جائز لا بأس به.

    الشرط الثاني: أن يحضر البادي لبيع سلعته، أما إن جاء ليهبها أو ليأكلها أو ليخزنها ونحو ذلك فإنه لا نهي، فالأقرب في ذلك عموم الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع الحاضر للبادي، ولو قصد البادي بالسلعة عدم البيع عندما أتى بها، لكن أتى بها لكي يأكلها أو لكي يهديها أو لكي يخزنها، ولم يقصد بيعها ابتداء، فالصواب في ذلك العموم، وأنه وإن لم يقصد بيعها عندما أتى بها، فنقول الصواب في ذلك: أنه ينهى لعموم الحديث.

    الشرط الثالث: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، أما إذا كان عالماً بالسعر فإنه لا فائدة من تركه يتولى بيعها بنفسه، لأنه عارف بالسعر، ولم يحصل للناس توسعة، فكونه يبيعها بنفسه أو يبيعها الحاضر لا فرق؛ لأن الرخصة والتوسعة إنما تحصل فيما إذا كان جاهلاً بسعرها، أما إذا كان يعلم السعر فإن التوسعة لا تحصل للناس، ولهذا اشترط العلماء رحمهم الله أن يكون جاهلاً بالسعر.

    الشرط الرابع: أن يكون بالناس حاجة إلى هذه السلعة، كالأقوات ونحو ذلك، يعني الأشياء التي يحتاجها الناس، والصواب في ذلك: العموم، يعني نقول: الصحيح في هذه المسألة أن الحاضر منهي عن بيع سلع البادي وإن كانت هذه السلع لا تتعلق بها حاجة الناس، هذا هو الصواب، والدليل على ذلك عموم الحديث.

    الشرط الخامس: أن يحضر لكي يبيعها بسعر يومها، أما إن حضر البادي وفي نفسه ألا يبيعها رخيصة، وإنما يبيعها غالية، فكون الحاضر هنا يتولى بيعها له ليس فيه تضييق، فنقول: الشرط الأخير أن يحضر لكي يبيعها بسعر يومها، أما إن حضر وفي نفسه ألا يبيعها رخيصة وإنما يبيعها غالية، فهذا كون الحاضر يبيعها له ليس فيه تضييق.

    طيب، هل هذا خاص بالبادي الذي يأتي بالسلع من البادية، أو حتى لو أتى بها من القرية إلى المدينة؟ يعني قد تكون هناك قرى يأتي بها أصحاب القرى وأصحاب المزارع التي تكون خارج المدن، هل كون الحاضر يتولى البيع لهم داخل في النهي أو ليس داخلاً في النهي؟ نقول: نعم، هذا داخل في النهي.

    فسواء أتى بها من البادية، أو أتى بها من قرية غير البادية، أو أتى بها من مدينة إلى مدينة لأن العلة واحدة، فيكون كله داخل في النهي عن أن يتولى الحاضر البيع.

    النهي عن بيع النجش

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ].

    النجش في اللغة: الإثارة، ومنه قولهم: نجشت الصيد إذا أثرته.

    وأما في الاصطلاح فهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ونقول: هذا نجش؛ لأنه أثار السعر وهو لا يريد الشراء.

    والنجش حكمه محرم ولا يجوز، سواء كان ذلك باتفاق بين البائع والناجش، أو كان ذلك بلا اتفاق وإنما أراد الناجش أن يضر المشتري، أو أن ينفع البائع، أو أراد ذلك كله، المهم النجش محرم ولا يجوز لما فيه من الظلم والغش.

    والدليل على ذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش )، كما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو في الصحيحين، وأيضاً في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد )، وهذا في الصحيحين.

    صور النجش في البيع

    والنجش له صور:

    الصورة الأولى من صور النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد الشراء، وهذا مطلقاً كما تقدم، سواء كان ذلك باتفاق بين البائع والناجش أو لم يكن هناك اتفاق، وسواء قصد منفعة هذا أو مضرة ذاك إلى آخره، المهم نقول: بأن هذا محرم ولا يجوز.

    الصورة الثانية من صور النجش: أن يقول البائع: سيمت مني بكذا وكذا، أو أعطيت بها كذا وكذا، وهو كاذب، يأتي شخص ويقول: السيارة هذه سيمت مني بعشرة آلاف ريال وهو كاذب؛ لأنه رفع السعر الآن، أو يقول: أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب، فنقول: بأن هذا داخل في النجش المحرم غير الجائز.

    الصورة الثالثة: أن يبذل كثيراً ليعطيه قريباً منه، يعني يأتيه ويسأله: كم سعر الكتاب؟ فيقول: الكتاب بخمسة عشر، فيقول المشتري: ثلاثة عشر، ثم يبيع عليه، يعني يرفع عليه السعر لكي يبذل المشتري قريباً من ذلك، فإذا رفع عليه السعر لكي يبذل المشتري قريباً من ذلك قالوا بأن هذا من تغرير البائع كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيقول مثلاً: الثوب بثمانين ريالاً، فيقول لك: الثوب بمائة ريال، ثم يقول المشتري أعطني إياه بثمانين، فهو سعره ثمانون، فيظن المشتري أنه اكتسب وأنه رخص له في ذلك وإذا هو بالسعر، ما استفاد شيئاً، فهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه محرم؛ لأنه من تغرير البائع، اللهم إلا إذا كانت الزيادة يسيرة، يعني: شيخ الإسلام يقول: ويحرم أن يسومه كثيراً لكي يبذل قريباً منه، فيزيد لكي يبذل المشتري قريباً من هذه الزيادة إلى آخره، فهذا من تغرير البائع كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    لكن لو أنه زاده شيئاً يسيراً لأن الناس يماكسون، مثلاً الكتاب بعشرة فيقول: بأحد عشر لكي يكون بعشرة، أو بتسعة أو نحو ذلك، فهذا يظهر أنه لا بأس به، لكن أن يسومه كثيراً لكي يبذل قريباً منه هذا من تغرير البائع.

    النهي عن بيعتين في بيعة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن بيعتين في بيعة ].

    ودليل ذلك حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيعتين في بيعة )، وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ).

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله في تفسير البيعتين في بيعة التي نهى عنها النبي على أقوال:

    الرأي الأول: ما ذكره المؤلف رحمه الله قال: أن يقول: بعتك هذه بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، الصحاح غير المكسرة، يعني مثلاً يقول لك: بعتك هذا الكتاب بعشرة دنانير صحاح، أو بعشرين مكسرة، والمكسرة هذه أجزاء.

    وكانوا في الزمن السابق يقولون: نقود، ويقصدون بها الدراهم والدنانير، الدرهم يكون من الفضة، والدينار يكون من الذهب، هذه تسمى نقوداً.

    وعندهم أيضاً مكسرة وهي أجزاء مقطعة من الدينار والدرهم، قطعة من الدينار، قطعة من الذهب، قطعة من الفضة إلى آخره، هذه تسمى مكسرة.

    والأمر الثالث: فلوس، والفلوس هذه التي تستخدم ثمن للأشياء من الحديد أو من المعدن، وكذلك أيضاً من الورق، فعندنا نقود، وعندنا مكسرة، وعندنا فلوس، وهو هنا قال: بعتك هذه السلعة بعشرة صحاح -عشرة دنانير صحيحة، أو عشرة دراهم صحيحة من الذهب والفضة- أو عشرين مكسرة (قطع).

    يقول المؤلف رحمه الله: هذه بيعتان في بيعة لا تصح، فلابد أن نفهم مسألة أنه لابد من الجزم بالسعر، إذا تفرقا ولم يجزم بالسعر فلا يصح أصلاً.

    الرأي الثاني: أن بيعتين في بيعة هو اشتراط عقد في عقد، بأن يقول: بعتك هذا الكتاب على أن تبيعني كتابك، أو بعتك هذا الكتاب على أن تؤجرني سيارتك، أو على أن تعقد معي عقد شركة ونحو ذلك، فقالوا: هذه بيعتان في بيعة وهي التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، هكذا يفسرون البيعتين في بيعة، وعلى هذا؛ ما ذهب إليه المؤلف رحمه من هذا التفسير هو خلاف المذهب، المذهب يقولون بأن بيعتين في بيعة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: بعتك هذا الكتاب على أن تبيعني، أو على أن تؤجرني، يعني يشترط عقداً آخر.

    والرأي الثاني: رأي مالك وغيره، وهو أن اشتراط عقد في عقد ليس داخلاً في بيعتين في بيعة، يعني كون الإنسان يقول: بعتك بشرط أن تبيعني.. بشرط أن تؤجرني.. بشرط أن تعقد معي عقد مساقات.. عقد مزارعة، قالوا: إن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن الأصل في المعاملات الحل.

    وهذا القول هو الصواب: أن اشتراط عقد في عقد آخر لا بأس به، إلا إذا تضمن ذلك محظوراً شرعياً، بأن يقول مثلاً: أقرضتك على أن تبيعني، يقول مثلاً: أقرضتك كذا وكذا على أن تبيعني، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن القرض يراد به الإرفاق والإحسان، فإذا اشترط فيه شرطاً جر منفعةً، والقرض إذا جر منفعة فهو من الربا، كما ورد عن الصحابة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يحل سلف وبيع ).

    أو مثلاً يقول: بعتك على أن تزوجني ابنتك، نقول: هذا لا يجوز، هذا نظير الشغار الذي صفته أن يزوجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار.

    لأننا إذا جوزنا مثل هذا ما ينظر الولي إلى مصلحة موليته وإنما ينظر إلى مصلحته هو، فالذي يعطيه أكثر أو الذي يبيعه يزوجه، والذي ما يبيعه لا يزوجه.

    المهم نأخذ من هذا الخلاصة: أن اشتراط عقد في عقد حكمه جائز؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، إلا إذا تضمن ذلك محذوراً شرعياً، كما مثلنا.

    التفسير الثالث لبيعتين في بيعة الذي ذهب إليه ابن القيم رحمه الله، قال: بأن المراد به بيع العينة، قال: فبيع العينة هو بيعتان في بيعة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اشتمل على بيعتين؛ بيعة نسيئة، وبيعة حاضرة والمبيع واحد.

    ضابط بيع العينة: أن يشتري منه سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها عليه بأقل من ثمنها نقداً، يشتري منه السيارة بثمانين ألفاً مؤجلة لمدة سنة، ثم يذهب نفس المشتري ويبيعها على البائع بستين ألفاً نقداً، فالسيارة الآن رجعت للبائع، والمشتري تحصل على ستين، والبائع يطالبه بثمانين، فهذا الربا، ستون بثمانين دخلت بينهما السيارة، الآن عندنا بيعتان في بيعة؛ بيعة نسيئة وبيعة حاضرة، والمبيع واحد وهو السيارة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو : ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا )، يعني: إذا حل الأجل نقول البائع بذل ستين، ويطالب الآن بثمانين، فنقول له: إذا حل الأجل إن أخذت ستين أخذت بالناقص -فله أوكسهما- وإن أخذت ثمانين وقعت في الربا، فله الناقص أو الربا، وهذا تفسير ابن القيم رحمه الله وهو الأقرب: أن المراد ببيعتين في بيعة بيع العينة.

    قال: [ أو يقول: بعتك هذا على أن تبيعني هذا وتشتري مني هذا... ] إلى آخره.

    نحن قلنا هذا اشتراط عقد في عقد، وذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا: الصواب أن اشتراط عقد في عقد جائز ولا بأس به، إلا إذا تضمن ذلك محذوراً شرعياً فإن هذا غير جائز.

    قال: [ وقال: ( لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق ) ].

    وهذا من تلقي الركبان وقد تقدم، وذكرنا الدليل على ذلك وهو حديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد )، وهذا الحديث في الصحيحين، فتلقي الركبان محرم.

    صور تلقي الركبان

    وتلقي الركبان هذا له صور:

    الصورة الأولى: أن يخرج ويتلقاها خارج البلد، فهذا داخل في النهي عن تلقي الركبان؛ لأنه يتضمن الغرر والخديعة لهذا الراكب؛ لأنه يكون جاهلاً بالسعر، فنقول: بأن هذا محرم ولا يجوز.

    الصورة الثانية: أن يخرج خارج البلد لا لقصد التلقي وإنما لنزهة أو لغرض وغير ذلك، ثم يلقى أهل السلع، فهذا موضع خلاف، والأحوط أنه لا يشتري منهم.

    الصورة الثالثة: أن يلقاهم خارج البلد لكنهم لا يقصدون بلده وإنما يقصدون بلداً آخر، يعني هو وجدهم خارج البلد ومعهم الحمولة ولا يقصدون بلده وإنما يقصدون بلداً آخر فتلقاهم، فنقول: بأن هذا شراء من مسافر، والشراء من المسافر جائز.

    الصورة الرابعة: أن يتلقاهم داخل البلد لكن قبل أن يصلوا إلى السوق، فنقول أيضاً: هذا داخل في النهي.

    والصورة الخامسة: ألا يتلقاهم وإنما يقصدونه هم بأنفسهم كي يبيعوا له، فهذا جائز ولا بأس به.

    الصورة السادسة: أن يعرضوا سلعهم خارج البلد، ولا يقصدون الدخول إلى أسواق المدينة، فتجد بعضهم يعرض سلعه خارج البلد، أو حتى في الصحراء، فنقول بأن هذا جائز ولا بأس به.

    وقوله: [ الركبان ].

    الركبان: جمع راكب، وهو في الأصل راكب البعير، والمراد به: كل من أتى بسلع إلى البلد، سواء كان راكباً أو راجلاً.

    النهي عن بيع السلعة حتى يقبضها

    قال: [ وقال: ( من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه ) ].

    (يستوفيه) أي: يقبضه، في هذا الحديث النهي عن بيع السلع حتى يقبضها المشتري، فليس لك أن تبيعها حتى تقبضها إذا كنت مشترياً، وهل هذا خاص بأشياء معينة، أو أنه عام؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله.

    فالرأي الأول: أن هذا عام يشمل كل السلع، ويدل لهذا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( رأيت الذين يشترون الطعام مجازفةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضربون حتى يؤووه إلى رحالهم )، وهذا في الصحيحين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في الصحيحين: ( من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه )، وأيضاً حديث ابن عمر قال: ( كنا نشتري من الركبان جزافاً، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه )، فهل هذا عام أو ليس عاماً؟

    الرأي الأول: أن هذا عام، ولهذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وأحسب أن كل شيءٍ مثله، أي: مثل الطعام، أي: إذا اشترى الإنسان سيارة ليس له أن يبيعها حتى يقبضها، اشترى كتاباً ليس له أن يبيعه حتى يقبضه، اشترى طعاماً.. رزاً.. براً.. ثياباً.. إلى آخره ليس له أن يبيعه حتى يقبضه، هذا هو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أن هذا خاص بالطعام، لقوله في الحديث: ( رأيت الذين يشترون الطعام )، ( من اشترى طعاماً )، إلى آخره: أن هذا خاص في الطعام، وهذا قال به الإمام مالك رحمه الله، أما ما عدا الطعام فله أن يبيعه قبل أن يقبضه، فمثلاً: إذا اشترى كتاباً وهو لم يقبضه فله أن يبيعه، أو إذا اشترى سيارة فله أن يبيعها قبل أن يقبضها.. إلى آخره.

    الرأي الثالث: فيه تفصيل، فقالوا: إن بيع بتقدير فله أربع صور: الموزون -يعني: ما بيع بالوزن- أن يبيعك هذا اللحم كل كيلو بكذا، أو السكر كل كيلو بكذا، ما بيع بوزن أو كيل، يبيعك هذا الرز كل صاع أو كل مد بكذا، أو عدّ؛ فيبيعك هذه السلعة كل حبة بكذا، أو ذرع؛ فيبيعك هذا القماش كل متر أو كل ذراع بكذا، قالوا: ما بيع بتقدير، وما بيع برؤية سابقة، أو بوصف، لا يجوز بيعه قبل قبضه.

    وما بيع جزافاً بدون تقدير، مثلاً: اشتريت منك هذه السلعة، أو هذا البطيخ، أو هذه الخضار.. هكذا، أو برؤية حاضرة، مثل: اشتريت منك هذه السيارة الموجودة الآن... إلى آخره، قالوا في هذا: يجوز أن تبيعه قبل أن تقبضه، وهذا هو المذهب.

    والراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه أهل القول الأول، وأن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه، لعموم الأحاديث، لهذا قال ابن عباس : وأحسب أن كل شيء مثله.

    وورد في بعض الأحاديث لفظ السلع، وهذا يشمل الطعام وغير الطعام، فالصواب أنه ليس خاصاً بالطعام، أو أنه خاص بصور معينة كما هو مذهب الحنابلة رحمهم الله.

    ما استثناه ابن تيمية مما ينهى عنه من بيع السلعة قبل قبضها

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله استثنى مسألتين:

    المسألة الأولى: قال: إذا باعه على بائعه فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه، مثلاً: اشتريت منك السيارة بعشرة آلاف ريال ثم بعتها عليك بأحد عشر ألفاً أو بتسعة آلاف قبل أن أقبضها منك، فيقول شيخ الإسلام : إذا باعه على بائعه فإن هذا جائز ولا بأس به، هذه الصورة الأولى التي استثناها.

    الصورة الثانية: إذا باعه تولية هذا سيأتينا إن شاء الله في أقسام الخيارات، إذا باعه تولية، بمعنى أنه باعه برأس ماله، يعني: السيارة هذه اشتراها بعشرة آلاف ريال ثم ذهب وباعها بعشرة ما كسب فيها، باعها برأس مالها، يقول: يجوز أن يبيعها قبل قبضها من البائع، والصواب في ذلك العموم، وأنه حتى ولو باعها برأس المال فإن هذا لا يجوز.

    وهل النهي خاص بالبيع قبل القبض، أو أنه ليس خاصاً بالبيع؟ يعني أنت مثلاً اشتريت السيارة والشارع منعك من البيع، لكن لو جعلتها صداق لزوجة تزوجتها.. جعلتها هبة.. جعلتها وقفاً... إلى آخره، أو نقول: بأن هذا خاص بالبيع؟

    هذا موضع خلاف، والصحيح أن هذا خاص بالبيع، أما ما عدا البيع ومعناه، ما عدا ذلك فإنه جائز، مثلاً: الإنسان اشترى سيارة وقبل أن يقبضها ذهب ووهبها.. اشترى سيارة وقبل أن يقبضها وقفها لله عز وجل.. ذهب وأجرها.. أجر البيت قبل أن يقبضها.. رهنها.. الأرض عقد عليها عقد مساقات.. عقد مزارعة قبل أن يقبضها، نقول: هذه التصرفات جائزة.

    الذي ينهى عنه هو البيع، وما عدا ذلك فإنه لا ينهى عنه، وهذا هو الصواب في هذه المسألة.

    قبل أن ننتهي بقي عندنا مسألة، وهي: ما هي الحكمة في النهي عن بيع السلعة قبل قبضها؟

    هذه اختلف فيها العلماء رحمهم الله، وأقرب شيء هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الحكمة هو أنه قد يعجز المشتري من تخليص السلعة من البائع؛ لأنه إذا ربح فيها البائع قد يعجز المشتري من تخليصها منه.